الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المخالطة المطلقة والانفراد المطلق خطأ
(لا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره؛ فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه: إما في بيته كما قال طاووس: نعم صومعة الرجل بيته يكف فيها بصره ولسانه، وإما في غير بيته.
فاختيار المخالطة مطلقاً خطأ، واختيار الانفراد مطلقاً خطأ، وأما مقدار ما يحتاج إليه كل أنسان من هذا وهذا وما هو الأصلح له في كل حال؛ فهذا يحتاج إلى نظر خاصٍّ) (1) .
* * *
(1) * ((مجموع الفتاوى)) (10 / 426) .
ليس كل مركب ولباس وطعام لم يكن موجوداً في
عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لايحلُّ
(إن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجوداً في الحجاز؛ فلم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم من كل نوع من أنواع الطعام القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس، ثم إن من كان من المسلمين بأرض أخرى؛ كالشام، ومصر، والعراق، واليمن، وخراسان، وأرمينية، وأذربيجان، والمغرب، وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب موجودة عندهم أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل مثله ولم يلبس مثله
…
؛ فإن الله يقول: {وَقَدَّرَ فيها أقْواتَهَا} (1)، وقال تعالى:{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ ما في الأرْضِ جَميعاً} (2)، وقال تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا في السَّمواتِ وَمَا في الأرْضِ جَميعاً مِنْهُ} (3)، وقال تعالى:{والخَيْلَ والبِغالَ والحميرَ لِتَرْكَبوها وزينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمونَ} (4) ، ولم تكن البغال موجودة بأرض العرب، ولم يركب النبي صلى الله عليه وسلم بغلة إلا البغلة التي أهداها له المقوقس من أرض مصر بعد صلح الحديبية، وهذه الآية نزلت بمكة، ومثلها في القرآن يمتن الله على عباده بنعمه التي لم تكن بأرض الحجاز؛ كقوله تعالى:{فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ أنَّا صَبْبنا الماءَ صَبّاً. ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقّاً. فأنْبَتْنا فيها حَبّاً. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتوناً وَنَخْلاً. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفَاكِهَةً وأبّاَ} (5) ، ولم يكن بأرض الحجاز
(1) فُصِّلت: 10.
(2)
البقرة: 29.
(3)
الجاثيه: 13.
(4)
النحل: 8.
(5)
النبأ: 24 -30.
زيتون، ولا نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل زيتوناً، ولكن لعل الزيت كان يُجلب اليهم، وقد قال تعالى:{والتِّينِ والزَّيتونِ} (1)
ولم يكن بأرضهم لا هذا ولا هذا، ولا نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل منهما، وكذلك قوله:{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طورِ سيناءَ تَنْبِتُ بالدِّهْنِ وَصِبْغٍ للآكِلينَ} (2)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:((كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة)) (3)، وقال تعالى:{الزُّجاجَةُ كأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْيِبَّةٍ يَكادُ زَيْتُهَا يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ} (4)، وكذلك قوله:{حَدائِقَ غُلْباً} (5) .
وكذلك قوله في البحر: {لِتَأْكُلوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجوا مِنْهُ حِلُيَةً تَلْبَسونَها} (6)، وقوله:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبونَ. لِتَسْتَووا عَلَى ظهورِهِ ثُمَّ تَذْكُروا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتقولوا سُبْحانَ الذي سَخَّرَ لنا هذا وما كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ وإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبونَ} (7) ، ولم يركب النبي صلى الله عليه وسلم البحر ولا أبو بكر ولا عمر، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بمن يركب البحر من أمته غزاة في سبيل الله كأنهم ملوك على الأسرة - لأم حرام بنت ملحان - وقالت: أدع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((أنت منهم)) (8) .
(1) التين: 1..
(2)
المؤمنون: 20.
(3)
[صحيح] . رواه الترمذي في (الأطعمة، باب ما جاء في أكل الزيت، 1851) ، وابن ماجه في (الأطعمة، باب الزيت، 3319) ؛ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وانظر: ((صحيح الجامع)) (4498) .
(4)
النور: 35.
(5)
النبأ: 30.
(6)
النحل: 14.
(7)
الزخرف: 12 - 13.
(8)
رواه البخاري في (الجهاد والسير، باب ركوب البحر، 2895) ، ومسلم في (الأمارة، باب فضل الغزو في البحر، 1912، 1913) .
وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطعم ما يجده في أرضه، ويلبس ما يجده، ويركب ما يجده؛ مما أباحه الله تعالى، فمن استعمل ما يجده في أرضه فهو المتبع للسنة، كما أنه حج البيت من مدينته، فمن حج البيت من مدينة نفسه فهو المتبع للسنة وإن لم تكن هذه المدينة تلك.
وهذا باب واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع، وميزنا بين السنة والبدعة، وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فُعل على زمانه، أو لم يفعله ولم يُفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو وجود المانع منه) (1) .
* * *
(1) * ((مجموع الفتاوى)) (21 / 314 - 318) .