الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرق بين الأمكنة التي قصد النبي صلى الله عليه وسلم الصَّلاة أو الدُّعاء عندها وبين ما فعل فيها ذلك اتِّفاقاً
(الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندها؛ فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعاً له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب، ومثل هذا ما خرجاه في ((الصحيحين)) عن يزيد بن أبي عبيد؛ قال: كان سلمة ابن الأكوع يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة! قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها (1) . وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة (2) .
وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه، وليس بجيد؛ فإنه هنا أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى البقعة؛ فكيف لا يكون هذا القصد مستحباً؟!
نعم، إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهٌّي عنه كما جاءت به السنة، والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان، فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان به فيما فعله وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به.
وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل فعلاً من المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبهاً به مع انتفاء ذلك السبب؛ فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان
(1) رواه البخاري في (الصلاة، باب الصلاة إلى الإسطوانة، 502) .
(2)
رواه مسلم في (كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة، 509) .
يصلي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منزله، لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة؛ فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة، فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقاً؛ فهذا لم يُنقل عن غير ابن عمر من الصحابة؛ بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق؛ فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (1) .
وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابْتُدِع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة؛ فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟!
أيضاً؛ فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه العادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سداً للذريعة؛ فيكف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟! ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء
(1)[صحيح] . رواه أبو داود في (كتاب السنة، باب في لزوم السنة، 4607) ، والترمذي في (كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، 2676) ؛ من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. وانظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (34) .
والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يُقال: إن الأنبياء قاموا فيها، كالمقامين الذين بطريق جبل قاسيون بدمشق اللذين يقال: إنها مقام إبراهيم وعيسى، والمقام الذي يقال: إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما.
ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور؛ فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي أو ولي، بخبر لا يُعرف قائله، أو بمنام لا تُعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً، فيصير وثنا يُعبد من دون الله تعالى، شرك مبني على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص
…
) (1) .
* * *
(1) * ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2 | 755 - 758) .