الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
؟
849 - السلطان الملك الظاهر جقمق
857هـ -؟ - 1453م
جقمق بن عبد الله العلائي الظاهري، السلطان الملك الظاهر أبو سعيد، سلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والأقطار الحجازية، والرابع والثلاثون من ملوك الترك، والعاشر من الجراكسة.
قلت: جلبه خواجا كزلك من بلاد الجاركس أو غيرها إلى الديار المصرية في سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية، فاشتراه أمير على بن الأتابك إينال، ورباه وأدبه، ثم أرسله إلى الحجاز الشريف صحبة والدته، وكانت والدة سيدي على المذكور متزوجة بشخص جندي من الأمير آخورية الصغار يسمى نغتاى، فتوجه جقمق هذا معها وحج وعاد في صحبتها، ثم بعد عوده بمدة تعارف مع أخيه جاركس
القاسمي المصارع، وجاركس كان الأكبر، وهو إذ ذاك من اعيان خاصكية الملك الظاهر برقوق، فكلم الملك الظاهر برقوق في أخذ جقمق هذا من أستاذه سيدي علي بن إينال، فطلبه الظاهر منه وأخذه، وأعطاه لأخيه جاركس آنيا له في طبقة الزمان.
وقد اختلفت الأقوال في أمره: فمن الناس من يقول: أن العلائي علي كان قد أعتقه قبل أن يأخذه الظاهر برقوق، وسكت أمر علي عن ذلك لتنال جقمق هذا السعادة بخدمة الملك الظاهر برقوق، وكان كذلك، وهذا القول هو المتواتر بين الناس.
ومن الناس من يقول: أنه كان في الرق وملكه الملك الظاهر برقوق وأعتقه، قلت أما عتق الملك الظاهر برقوق له فلا خلاف، لكن هل صادف العتق محلا أم لا؟ فالله أعلم.
واستمر جقمق عند أخيه جاركس بطبقة الزمان مدة يسيرة وأعتقه الملك الظاهر برقوق، وأخرج له خيلاً وقماشاً، ثم جعله خاصكياً، كل ذلك بسفارة أخيه جاركس، ودام على ذلك حتى مات الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى وثمانمائة صار في دولة ولده الملك الناصر فرج ساقياً، ثم نقل إلى إمرة عشرة، ثم أمسك وسجن بواسطة عصيان أخيه جاركس المذكور، فاستمر إلى أن
شفع فيه والدي رحمه الله وجمال الدين الأستادار، فأطلقه الملك الناصر إلى حال سبيله.
وضرب الدهر ضرباته إلى أن صار في الدولة المؤيدية شيخ أمير طبلخاناة، وخازندارا، بعد الأمير يونس الركنى بحكم انتقاله إلى نيابة غزة، ثم صار في الدولة المظفرية أحمد بن شيخ أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية.
واستمر على ذلك حتى تجرد الأمير ططر وهو إذ ذاك مدبر مملكة الملك المظفر أحمد إلى البلاد الشامية أمره بالإقامة بالقاهرة مع جملة من أقام بها من أمراء الألوف وهم: الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب الآن، وكان هو نائب الغيبة والمشار إليه إذ ذاك، والأمير جقمق هذا، والأمير قرا مراد خجا الظاهري، والأمير أقبغا التمرازي، واستمر الجميع بالقاهرة إلى أن عاد الأمير ططر إلى الديار المصرية بعد أن تسلطن وخلع الملك المظفر أحمد بن شيخ، وقدم مع والدته صحبته.
ولما وصل ططر إلى القاهرة أخلع على جقمق هذا باستقراره في نيابة قلعة الجبل مضافاً إلى تقدمته، فدام على ذلك إلى سنة خمس وعشرين وثمانمائة نقل
إلى حجوبية الحجاب بالديار المصرية، بعد القبض على الأمير طرباى بمدة، واستمر على ذلك إلى أن خلع عليه الملك الأشرف برسباى باستقراره أمير آخورا، عوضاً عن الأمير قصروه من تمراز بحكم انتقاله إلى نيابة طرابلس، بعد عزل الأمير إينال النوروزي وقدومه إلى القاهرة على تقدمة ألف بها، وذلك في أواخر صفر سنة ست وعشرين وثمانمائة، وولى الحجوبية من بعده الأمير جرباش الكريمى الظاهري المعروف بقاشق.
فاستمر في وظيفته إلى سنة سبع وثلاثين أخلع عليه باستقراره أمير مجلس، عوضاً عن أقبغا التمرازي، بحكم انتقال أقبغا لإمرة سلاح، بعد انتقال الأمير إينال الجكمى إلى الأتابكية، واستقر في الأمير آخورية من بعده الأمير تغرى برمش نائب القلعة، ونزل الجميع بخلعهم إلى دورهم إلى آخر النهار رسم السلطان بأن يكون أقبغا التمرازي أمير مجلس علي عادته، ويكون جقمق هذا أمير سلاح، عوضاً عن الأمير إينال الجكمى، فامتثل أقبغا المرسوم الشريف.
واستمر جقمق المذكور أمير سلاح إلى أن نقل إلى الأتابكية بالديار المصرية، بعد الأتابك إينال الجكمى، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب، عوضاً عن قر قماس الشعباني بحكم عزله وحضوره إلى القاهرة على وظيفة إمرة سلاح، عوضاً عن جقمق المذكور، وذلك في يوم الإثنين تاسع شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وثمانمائة.
واستمر على ذلك إلى أن مات الملك الأشرف برسباى في سنة إحدى وأربعين،
بعد أن عهد إلى ولده الملك العزيز يوسف، وجعل الأتابكى جقمق المذكور مدبر مملكته.
فلما تسلطن الملك العزيز، وأقام مدة يسيرة، شرع جماعة من أطراف المماليك الأشرفية يأمرون في الدولة وينهون، فعظم ذلك على أعيان الدولة من المؤيدية والناصرية والظاهرية والسيفية، وخاف كل واحد على نفسه، كل ذلك والأتابك جقمق سامع لهم ومطيع إلى أن زاد أمرهم وتفرقت كلمتهم، وانضم فرقة منهم على الأتابك جقمق كبيرهم الأمير إينال الأبو بكرى الأشرفي الدوادار الثاني، فعند ذلك انتهز الفرصة من كان تخوف قبل تاريخه من المماليك الأشرفية، وتوجهوا إلى دار الأتابك جقمق، وكان سكنه تجاه الكبش على بركة الفيل بالدار الملاصقة لقصر بكتمر الساقي، فاجتمع عليه خلائق لا تدخل تحت الحصر من الأمراء والخاصكية وطوائف من المؤيدية والناصرية والظاهرية والسيفية، وكانوا هم الطالبين له والراغبين في تقدمه لحسن سيرته ولا ستنقاذ مهجهم من أيدي هؤلاء الأجلاب الأشرفية، وصاروا معه عصبا واحداً على كلمة واحدة، وآل أمرهم إلى الحرب مع من بقى من المماليك الأشرفية عند الملك العزيز بقلعة الجبل.
وركب الأتابكى جقمق بمن انضم عليه من المذكورين من داره إلى أن نزل بدار الأمير نوروز الحافظي تجاه مصلاة المؤمنى من الرملة، وترامى كل من الطائفتين بالنبال، وتواجها في بعض الأحيان، ودام ذلك بينهم نحو ثلاثة أيام
والملك العزيز مقيم بالقصر الأبلق من قعلة الجبل، وأمره في إدبار وأمر الأتابك جقمق في استظهار، كل ذلك والأتابك جقمق يظهر الطاعة للملك العزيز يوسف، وانما يستخصم جماعة من المماليك الأشرفية، ويبالغ في الحط عليهم، ثم ترددت الرسل بينهما إلى أن وقع الصلح، على أن يرسل السلطان إلى الأتابك جقمق بأربعة من الخاصكية، فأرسلهم إليه، ويشبك الفقيه الأشرفي الدوادار، وأزبك البواب الأشرفي، فحال وصولهم قبض عليهم الأتابكى جقمق، ثم ركب فرسه من وقته من بيت نوروز في جموعه حتى صار تحت القلعة نزل عن فرسه تجاه باب السلسلة، وقبل الأرض للملك العزيز، ثم ركب وعاد وصحبته الخاصكية الأربعة المقبوض عليهم إلى داره على بركة الفيل، وسكنت الفتنة، ثم بدا للأتابكى جقمق أن يفرج عن هذه الأربعة الخاصكية فأفرج عنهم، وأخلع على كل واحد منهم كاملية مخمل بفرو سمور بمقلب سمور، وأعادهم إلى الملك العزيز، وكثر الكلام بين الطائفتين إلى أن طلع الأتابك جقمق إلى الإسطبل السلطاني، وسكن بالحراقة من باب السلسلة، ثم أمر بنزول المماليك الأشرفية من الأطباق بالقلعة إلى القاهرة بعد أن حلفوا له باطلاعة، وحلف لهم.
واستفحل أمره، وعظم في النفوس، وصارت حرمته تتزايد، وأمره ينمو إلى أن وصل من تجرد من الأمراء إلى البلاد الشامية في حياة الملك الأشرف في يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الأول سنة إثنتين وأربعين وثمانمائة، وهم: الأمي قرقماس الشعباني أمير سلاح، والأمير أقبغا التمرازي أمير مجلس، والأمير تمراز القرمشى رأس نوبة النوب، والأمير أركماس الظاهري بالدوادار الكبير، والأمير جانم قريب الملك الأشرف الأمير آخور الكبير، والأمير يشبك السودوني
حاجب الحجاب، والأمير قراجا الأشرفي، ولم يتخلف من الأمراء عن الحضور إلى الديار المصرية غير الأمير خجا سودون البلاطى، فإنه نفى إلى القدس الشريف من مدينة غزة، وكل هؤلاء مقدمي ألوف بالديار المصرية.
ولما وصل هؤلاء الأمراء نضموا أيضاً على الأتابك جقمق ووافقوه على قصده، وانقطعوا عن الطلوع لخدمة الملك العزيز، وأصبحوا في يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول اجتمعوا عند الأتابك جقمق بالحراقة من باب السلسلة، وقد تعين من الجماعة القادمين من البلاد الشامية الأمير قمرقماس أمير سلاح لاقتحامه على الرئاسة، ويظهر بذلك التنصح للأتابك جقمق، وشارك الأتابك في مجلسه، وجلس من عداه في مراتبهم، ثم أسر للأتابك بكلام، فندب الأتابك بعض جماعته بطلب جماعة من الأشرفية وغيرهم، فاحضروا سريعاً، فلما حضروا أخذ فرقماس يشير بالقبض عليهم، وصار واحداً بعد واحد، فأول من بدأ به الأمير جانم أمير آخور، وفقبض عليه الزينى خشقدم اليشبكي الطواشى مقدم المماليك، ونائبه الأمير فيروز الركنى، ثم على الأمير على باي الأشرفي شاد الشراب خاناة، ثم على الأمير يخشى باي الأمير آخور
الثاني، ثم على الأمير تنبك الجقمقي نائب القلعة، ثم على الأمير خشكلدى من سيدي بك أحد العشرات ورأس نوبة، ثم على الأمير جانبك الساقي المعروف بقلقسيز، ثم على الأمير جرباش مشد سيدي الأشرفي، ثم على جكم الخازندار خال العزيز، وعلى أخيه بايزيد، وكلاهما غير أمير، ثم على جماعة من الخاصكية، وهم: دمرداش وإلى القاهرة، ويشبك الفقيه الأشرفي الدوادار، وتنم الساقي، وأزبك البواب، وهؤلاء الثلاثة، المقبوض عليهم صحبة جكم قبل تاريخه، ثم قبض على السيفى بيرم خجا أمير مشوى، وعلى تنبك القيسى رأس نوبة الجمدارية المؤيدي، وعلى أرغون شاه الساقي، وأرسلوا الجميع إلى سجن الإسكندرين في يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول.
ثم خلع على الأمير تمرباي أحد مقامي الألوف بنيابة الإسكندرية، عوضاً عن الزينى عبد الرحمن بن الكويز، ورسم له بالتوجه في يومه، ثم إن الأمير الكبير جقمق ندب الأمير تنبك نائب القلعة كان، ومعه الأمير أقطوه، في جماعة، فطلعوا إلى القلعة لحفظها، واستقر تنبك المذكور كالنائب بها، وهو من جملة أمراء الألوف، ثم انفض الموكب بعد أن علم كل أحد بزوال مملكة الملك العزيز يوسف وذهاب دولته.