الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستمر الأمير جانبك بالبلاد الحجازية إلى أن مرض ومات في حادي عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
وكان رحمه الله عاقلاً ساكناً، متجملاً في ملبسه ومركبه، كثير الإحسان لمماليكه وأعوانه، ومات وصنه نيف على خمسين سنة، عفا الله عنه.
؟
821 - جان بك الأشرفي الدوادار
831هـ -؟ - 1427م
جانبك بن عبد الله الأشرفي الدوادار الثاني، الأمير سيف الدين، أحد
مماليك الملك الأشرف برسباى، وعظيم دولته، اشتراه في أيام إمرته، وتبنى به، ورباه بين حرمه، وجعله خازنداره إلى أن قبض على الملك الأشرف وهو إذ ذاك نائباً بطرابلس، وحبس بقلعة المرقب، وتخلى عنه جميع أعوانه إلا جانبك هذا، فإنه لازمه في محبسه إلى أن أفرج عنه وآل أمره إلى سلطنة الديار المصرية، فلما جلس تخت الملك أنعم على جانبك المذكور بإمرة عشرة وجعله خازنداره.
ثم أرسله إلى حلب وعلى يده تشريف لنائبها الأمير البجاسى باستقراره في نيابة دمشق بعد موت الأمير تنبك ميق العلائي، فتوجه إلى ما ندب إليه، وعاد
إلى الديار المصرية بالأموال والتحف والهدايا، فحال قدومه أنعم عليه السلطان بإمرة طبلخاناة والدوادارية الثانية في يوم سادس عشر ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمانمائة، عوضاً عن الأمير قرقماس الشعباني بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف بالديار المصرية، وتوجه إلى مكة المشرفة على إمرتها.
فباشر جنبك المذكور الدوادارية بحرمة وافرة وعظمة زائدة، وصار هو صاحب العقد والحل في الممالك، وإليه مرجع أمور الدولة الأشرفية من الولاية والعزل، وشاع اسمه، وبعد صيته، وتسامع الناس به في الآفاق، وقصده أرباب الحوائج من الأقطار، وصار كل كبير في الدولة يتصاغر عنده، ويمشي في خدمته، حتى أني رأيت في بيته الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ الوزير، والقاضي كريم الدين عبد لكريم كاتب جكم ناظر الخواص، لما ينزلان من الخدمة السلطانية يأتيان إلى بيت الأمير جانبك ومجلس كل منهما على دكة ويتعاطى أشغال الأمير جانبك المذكور، كأحد كتابه، وقع ذلك منهما غير مرة، وكان الدوادار الطبير يومئذ الأمير أزبك فكان بالنسبة إلى الأمير جانبك الدوادار الثاني هذا كآحاد الدوادارية الصغار.
ثم جعله الملك الأشرف لالا لولده المقام الناصري محمد، فزادت حرمته بذلك وعظم وضخم، ونالته السعادة، وأخذ يقتني من كل شئ أحسنه، حتى جمع من الأموال والخيول ما يستحي من ذلك كثرة، وكثر ترداد أعيان الدولة إليه، وخضع إليه كل متكبر، ولان له كل متجبر، حتى حدثته نفسه بما كان فيه حتفه، فمرض ولزم الفراش، وطال مرضه، ونزل الملك الأشرف لعيادته غير مرة، وكان يسكن بالدار التي بابها من قبو السلطان حسن، وكان قد فتح له بابا آخر من حدرة البقر، وصار هو الباب، الباب الكبير، ولما طال مرضه نقله السلطان إلى عنده بقلعة الجبل، وصار يتردد إليه في كل يوم حتى نصل وتعافى، ونزل إلى داره راكباً.
ثم انتكس بعد أيام، ودام فيها إلى أن أشرف على الموت نزل إليه الملك الأشرف ليلاً ودام عنده إلى أن مات في آخر الليلة المذكورة، وهي ليلة الخميس سابع عشرين شهر صفر سنة أحدى وثلاثين وثمانمائة، وسنه دون الثلاثين.
ولما مات ركب السلطان إلى القلعة، ثم عاد باكر نهار الخميس، وحضر غسله، وركب حتى حضر الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، ودفن بمدرسته التي أنشأها بالشارع خارج بابي زويلة، مشهورة به، ثم نقل منها بعد مدة إلى تربة عمرها أستاذه الملك الأشرف بعد موته بالصحراء بالقرب من تربته.