الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: في العزل والانعزال
قوله: وإن كتب: إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول، لم ينعزل قبل القراءة، ثم إن قرأه بنفسه انعزل، وكذا إن قرئ عليه في أصح الوجهين، لأن الغرض إعلامه بصورة الحال، ولو كان القاضي أميًا وجوزناه فقريء عليه فالانعزال أولى. انتهى.
وما ذكره من تصحيح العزل عند القراءة عليه قد سبق في نظيره من الطلاق [ما يخالفه، وسبق ذكر لفظه هناك، ذكر ذلك في الباب الثاني في أركان الطلاق](1) في الكلام على كتب الطلاق، وفيه أمور أخرى فراجعها، والصواب: التسوية بين البابين وعدم الاكتفاء بها.
قوله: وفي انعزال المستخلف في القضاء بانعزال الأصل ثلاثة أوجه: ثالثها وهو الأظهر: أنه ينعزل إن لم يكن القاضي مأذونًا له في الاستخلاف، فإن كان فينظر.
إن قال: استخلف عني فاستخلف عنه لم ينعزل خليفته، لأنه من جهة الإمام وكان الأول سفيرًا في التولية.
وإن قال: استخلف عن نفسك، أو أطلق، فينعزل لظهور غرض المعاونة، وبطلان المعاونة ببطلان ولايته. انتهى.
وهذا الذي ذكره في ما إذا أطلق من كونه نائبًا عن الثاني حتى ينعزل بعزله قد خالفه في نظيره من الوكالة، فإنه ذكر القسمين الأولين ثم ذكر الإطلاق، وقال فيه: الصحيح أنه يكون نائبًا عن الأول حتى لا ينعزل بعزل الثاني، ووافقه في "الروضة" على الموضعين، ولعل العكس أقرب.
(1) سقط من أ.
نعم قد يتقوى ما قاله هنا بما ذكره في الإيصاء وفي سؤال العتق.
فأما الإيصاء فقال فيه: ولو أطلق وقال: أوص إلى من شئت، أو إلى فلان، ولم يقل: أوص عني، فهل يحمل على ذلك حتى يصح على الصحيح؟ ، أو يحمل على الوصي حتى لا يصح قطعًا؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وقال: أصحهما الثاني، وما صححه البغوي من حمله على الإبطال، ولم ينزل المطلق على ما يجوز يشكل على ما إذا نصب قاضيين وأطلق، وقد تقدم الوعد به فراجعه.
وأما العتق فإذا قال: اعتق عبدك على ألف، فإن قال: اعتقه عني، صح قطعًا، وإن قال: عن نفسك، صح على الصحيح قياسًا على الخلع، وإن أطلق فهل هو كقوله: عن نفسي، لقرينة العوض أم كقوله: عنك؟ فيه وجهان: أشبههما في الرافعي: الثاني، كذا ذكره في الكلام على كفارة الظهار، وعَبَّر في "الروضة": بالأصح، وفيه الإشكال السابق أيضًا.
واعلم أن الغزالي وغيره حكوا الوجه الثالث في أصل المسألة على غير ما حكاه الرافعي، فقالوا: إن استخلف بالإذن لم ينعزل وإلا انعزل.
وحكى الماوردي وتبعه عليه في "الكفاية" وجهًا آخرًا: أنه إن كان الميت قاضي القضاة لم ينعزل نوابه بموته ولا بانعزاله، وإن كان قاضي ناحية انعزلوا لقلة الضرر.
قوله: ولو كان الإمام قد نصب بنفسه نائبًا عن القاضي في الحكم، فعن أبي الفرج السرخسي: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإمام، ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيدًا بالنيابة ولم يبق الأصل لم يبق النائب. انتهى.
وما ذكره الرافعي بحثًا، واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا، قد حكاه الماوردي فإنه قد حكى وجهين في أنه هل
للقاضي عزل هذا الشخص الذي استنابه الإمام؟ وصرح في استنابته بأنه نائب عن القاضي في تلك الجهة، وإذا كان له عزله فينعزل بموته بلا شك.
قوله: ولا تقبل شهادة الحاكم بعد العزل على حكمه، فلو شهد مع غيره أن حاكمًا جائر الحكم حكم بكذا، ولم يضفه إلى نفسه فوجهان: أقربهما: القبول، ووجه المنع: أنه قد يريد نفسه، ثم يجوز أن يقال: الوجهان في ما إذا لم يعلم القاضي أنه يشهد على فعل نفسه، فإن علم فهو كما لو أضاف، ويجوز أن يقال: هما إذا علم، فإن لم يعلم قبل قطعًا لجواز إرادة غيره.
وعلى هذا الاحتمال لو شهد المعزول أن حاكمًا حكم بكذا وشهد معه آخر أن المعزول حكم به وجب أن لا يقبل، لأنه على هذا التقدير لا يعني إلا بتصحيح الصيغة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الاحتمال الثاني لا يتصور [هنا](1)، لأنه علل وجه المنع بأنه قد يريد نفسه، ولو كان محلهما ما إذا علم لم يصح هذا التعليل، لأنه تعليل [محل](2) النزاع.
الأمر الثاني: أن كلام الأصحاب يدل على الاحتمال الثاني فإن الإمام علل وجه المنع بقوله: فإن الظاهر أنه يعني نفسه، وذكر الماوردي نحوه فقال: ففي قبول شهادته وجهان: أحدهما: لا تقبل حتى يعزيه إلى غيره لجواز أن يكون هو الحاكم به.
وكذلك البغوي فإنه علل القبول بأن الظاهر أنه يريد حكم غيره.
وقد وافقه النووي على نقل الاحتمالين فقط، ولم ينقل عن الأصحاب
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من أ.
في ذلك شيئًا لكنه صحح الأول.
واعلم أن البغوي قد ذكر في "فتاويه" ما يوافق الاحتمال الثاني وهو أن المرعي في شهادة المعزول صحة الصيغة لا غير، فإنه يحكم في ما إذا باع رجل دارًا وغصبها غاصب من المشتري فادعى هذا المشتري على الغاصب وقال: إن البائع إذا شهد مطلقًا أنها ملك هذا المشتري يقبل، وإن علم القاضي أنه باعها لا يرد شهادته، كمن رأى شيئًا في يد إنسان مدة يتصرف فيه تصرف الملاك له أن يشهد له بالملك مطلقًا، ولو علم القاضي أنه شهد بظاهر اليد لا ترد شهادته، وإن كان لو صرح لا تقبل.
قوله: ليس على القاضي تتبع أحكام من قبله من القضاة اكتفاء بأن الظاهر فيها السداد، وفي جواز تتبعها وجهان في "المهذب"، اختيار الشيخ أبي حامد فيهما الجواز. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وقد أعاد المسألة في الباب الذي بعد هذا في أثناء الأدب العاشر، فذكر ما حاصله: الجزم بأنه ليس له ذلك فإنه قال: إلا أنه لا يتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله أن يتبع قضاء نفسه لينقضه.
فتعبيره بقوله: لا يتتبع ظاهره: أنه نفى الجواز ولهذا لما أخرج منه حكم نفسه عبر بالجواز فقط، فقال: وله كذا وكذا، وكلام الماوردي في "الحاوي"[يقتضي أن المعروف هو المنع، فإنه حكى الجواز عن الشيخ أبي حامد فقط، ثم قال: ](1) وجمهور البصريين على المنع.
قوله: ولو ادعى أن المعزول حكم عليه بشهادة عبدين ومن في معناهما، فإن قال: أخذ مني المال احضره لأنه غاصب، وإن لم يدع الأخذ فالأصحاب متفقون على أن الدعوى مسموعة في الجملة، وعلى أن بينة
(1) سقط من أ.
المدعي محكوم بها، وأما صاحب "الكتاب" فإنه نصب الخلاف في سماع أصل الدعوى، وقال: إنه مبني على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدين ومن في معناهما هل تقتضي غرمًا؟ وهذا الخلاف غير معروف. انتهى كلامه.
وهذا الذى قاله الرافعي هنا من إنكار الخلاف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتبعه النووي في "الروضة"، وإنكاره غريب، فقد صرح به القاضي والإمام في "النهاية" نقلًا عن العراقيين فقال: إذا ادعى على الأول أنه ترك الصواب في حكمه وقضى بشهادة عبدين أو معلنين بالفسق فهل يقبل القاضي الجديد هذه الدعوى؟ ذكر العراقيون فيه وجهين:
أحدهما: لا يقبلها ولا يستحضر المعزول لذلك، وهذا ليس بشيء.
والوجه: القطع باستحضاره، هذه عبارته.
وحكى الخلاف أيضًا الهروي في "الإشراف"، وحكاه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" و"المطلب".
وأما الخلاف الذي ذكره الغزالي في الغُرم فأشار به إلى أن الذي يجب بخطأ الإمام هل يجب في بيت المال أم عليه ثم تحمله العاقلة؟
قوله في المسألة: فإذا حضر وأنكر صدق، وكيف يصدق؟ فيه وجهان:
أحدهما: بيمين، وهو اختيار العراقيين والروياني كسائر الأمناء.
والثاني: بغير يمين، وبه قال الإصطخري وصاحب "التلخيص"، لأنه كان أمين الشرع فيصان منصبه عن الحلف، وهذا أحسن وأصح عند الشيخ أبي عاصم وصاحب "التهذيب"، وبه قال صاحب "التقريب" والماوردي. انتهى.
وتعبيره بقوله: أحسن، يقتضي رجحان الثاني، ولهذا اقتصر على نقل رجحانه في "الشرح الصغير" و"المحرر" فقال: فيه وجهان:
أحسنهما: بلا يمين [هذا] لفظه.
ولم يذكر فيها ترجيح غيره عن أحد وقد حذف النووي من "الروضة" اللفظ الدال على الترجيح وهو لفظ: الأحسن.
إذا علمت ذلك كله فقد اختلف فيه تصحيح النووي فصحح في "المنهاج" من "زوائده": أنه لابد من اليمين، وخالف في "الروضة" في كتاب الدعوى والبينات، فقال في الباب الثالث المعقود لليمين في المسألة الثانية من الطرف الثالث ما نصه: ولو ادعى على المعزول أنه حكم عليه أيام قضائه ظلمًا وأنكر، فقد سبق وجهان في أنه يحلف أم يصدق بلا يمين وهو الأصح. انتهى.
ولم يصرح الرافعي هناك بتصحيح.