الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال رحمه الله:
الركن الخامس: البينة
قوله: فإذا تعارضت البينتان وفقدت أسباب الترجيح، فإما أن يكون المدعى به في يد ثالث أو في أيديهما. . . . إلى آخره.
أهمل قسمًا آخر وهو: ما إذا لم يكن في يد أحد، وقد ذكره في "التنبيه" وألحقه بهذين القسمين، وكأن صورته فيما إذا كان عقارًا أو متاعًا ملقى في الطريق وليسا عنده.
قوله: فإذا أقام كل واحد بينة تعارضتا وفيهما قولان، أظهرهما: يسقطان فكأنه لا بينة فيصار إلى التحليف.
والثاني: يستعملان فتنتزع العين ممن هي في يده.
ثم في كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال:
أحدها: تقسم العين المدعاة بينهما.
والثاني: توقف إلى أن يتبين الأمر أو يصطلحا.
والثالث: يقرع فيأخذها من خرجت قرعته. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح من أقوال الاستعمال هو الوقف كذا جزم به الرافعي في أوائل باب التحالف وتبعه عليه في "الروضة".
الثاني: أن هذه الأقوال التي في كيفية الاستعمال هل هي في الأولوية أو التعيين؟ لم يتعرض له المصنف، وقد حكى فيه الإمام وجهين من غير ترجيح، فإذا تعذر أحدهما فلا يحمل عند القائل به على الباقي إن جعلناها في الوجوب بل يسقط البينتان، وإن جعلناها في الأولوية حُمِلَ عليه.
قوله: وفي محل الأقوال طُرُق:
إحداها: القطع بالتساقط إذا لم يمكن الجمع.
الثانية: القطع بالاستعمال إذا أمكن.
الثالثة: طرد القولين في الحالتين. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وتعبيره في حكاية الطريقة الثانية يوهم أنه على هذه الطريقة يجيء ثلاثة أقوال، فإنه قد تقدم أن الثلاثة تأتي إذا قلنا بقول الاستعمال، والقطع إنما أفاد نفي غيرها ومراده هنا بالاستعمال هو القسمة خاصة.
وكلام الرافعي قبل هذا وبعده، يوضح ما ذكرناه، فكأنه أراد التعبير به فسبق قلمه إلى الاستعمال.
قوله في "الروضة": ولو كانت العين في يدهما ولم يكن لواحد منهما بينة، فكل واحد مدع في نصف ومدعى عليه في نصف، فيحلف كل واحد على نفي ما يدعيه الآخر، ولا يتعرض واحد منهما في يمينه لإثبات ما في يده بل يقتصر على أنه لا حق لصاحبه فيما في يده، نص عليه وهو المذهب، وفيه خلاف سبق في باب التحالف في البيع. انتهى.
وما ذكره رحمه الله من أن الخلاف قد سبق هناك غلط فإنه لم يتقدم له ذكر في "الروضة" هناك.
نعم ذكره الرافعي في ذلك الموضع، ثم إنه هنا أحال عليه، فلما اختصره النووي لم يذكره في التحالف بناء على أنه يذكره هنا، ثم إنه تابع الرافعي على إحالته على ذلك الموضع ظنًا منه أنه سبق فوهم فيه.
قوله الثاني: دار في يد إنسان وادعى زيد نصفها فصدقه، وادعى عمرو
نصفها فكذبه صاحب اليد وزيد معًا، ولم يدعه [واحد منهما](1) لنفسه.
فالنصف الذي يدعيه المكذب هل يسلم إليه أم يبقى في يد صاحب اليد، أم ينزعه الحاكم ويحفظه إلى ظهور مالكه؟
فيه ثلاثة أوجه حكاها الفوراني. انتهى.
والصحيح من هذه الأوجه أنه يبقى في يده كما كان ولكن لا تنصرف الخصومة عنه.
كذا ذكره قبل ذلك في أوائل الركن الثاني المعقود لجواب المدعى عليه، وعلله بأن الظاهر أن ما في يده ملكه، وما صدر منه ليس بمزيل ولا يظهر لغيره استحقاق، وتابعه على ذلك في "الروضة"، ثم رجح هنا من "زوائده": أن الحاكم ينتزعه ذهولًا عما صححه هو والرافعي هناك فقال: قلت: أقواهما الثالث. والله أعلم.
قوله: ولو لم تكن بينة ونكل الداخل عن اليمين فردت على الخارج، وحكم له ثم جاء المدعى عليه ببينة تسمع، كما لو أتى بها بعد بينة المدعي، وفيه وجه: أنها لا تسمع بناء على أن النكول ورد اليمين كالإقرار. انتهى كلامه.
وما صححه من سماعه البينة بعد الحكم بالنكول قد تابعه عليه في "الروضة"، والصحيح المذكور في الركن الرابع: عدم سماعها، لأن الصحيح أن اليمين المردودة كالإقرار لا كالبينة فاعلمه وقد تقدم هناك الوعد بذكر هذا الموضع.
قوله: وفي الترجيح بسبق التاريخ طريقان: المشهور منهما: أنه على قولين:
(1) في أ: عمر ونصفها.
أصحهما عند الأكثرين: نعم، وأصحهما عند ابن كج وشرذمة: أنه لا ترجيح. انتهى ملخصًا.
ما ذكره هنا من الترجيح بسبق التاريخ قد صحح عكسه في الباب الثاني من كتاب اللقيط في الحكم الثالث المعقود لنسبه وعبر بالأصح، وسبق ذكر لفظه هناك، ووقع هذا التناقض في "الروضة" أيضًا.
قوله: ويجوز أن يشهد بالملك في الحال استصحابًا لحكم ما عرفه، من قبل كشراء أو إرث وغيرهما، وإن احتمل زواله، فلو صرح في شهادته بأنه تعمد الاستصحاب، فقال في "الوسيط": فيه وجهان:
قال الأصحاب: لا تقبل كما لا تقبل شهادة الرضاع على الثدي، وحركة الحلقوم.
وقال القاضي الحسين: تقبل لأنَّا نعلم أنه لا مستند له سواه. انتهى.
وما وقع في "الوسيط" في تصوير المسألة، وتبعه عليه في الرافعي و"الروضة" تحريف، فإن صورة الخلاف بين القاضي والأصحاب كما قاله في "النهاية": أن لا يكون الشاهد قد شهد بالملك في الحال بل شهد بملك سابق، وذكر مع ذلك من استمرار الأحوال ما يسوغ له الشهادة به في الحال، والغزالي صوره بما إذا شهدت بالملك في الحال، ولكن صرحت بأنها تعتمد فيه الاستصحاب، والذي يدل على بطلان التصوير بما ذكره الغزالي ومن تبعه: أن الغزالي قد استدل عليه بقوله كما لا تقبل شهادة الرضاع على صورة الامتصاص وحركة الحلقوم.
ونظير هذا من مسألتنا إنما هو الشهادة على استمرار الأحوال التي تسوغ الشهادة بالملك في الحال، وأما إذا شهد بالملك في الحال، وذكر أن معتمده الاستصحاب فنظيره أن يشهد على الرضاع ويذكر أن معتمده امتصاص الثدي وحركة الحلقوم.
قوله: ولو قال المدعى عليه: كان ملكك أمس فوجهان:
أظهرهما: الانتزاع.
وقطع ابن الصباغ بأنه يؤاخذ بإقراره، وحكى الوجهين في ما إذا قال: كان في يدك أمس، وفَرّق بين اليد والملك بأن اليد قد تكون مستحقة، وقد لا تكون. انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة قد اختلف فيها كلام "الروضة"[اختلافًا عجيبًا سبق إيضاحه في كتاب الإقرار في الركن الرابع منه](1) فراجعه.
قوله: إذا قال المكري: أكريتك هذا البيت من الدار شهرًا بعشرة، وقال المكتري: بل اكتريت جميع الدار بالعشرة، فهذا اختلاف قدر المكتري، فإذا أقاما بينتين وقلنا بالاستعمال فيجيء قول القرعة خلافًا لابن سلمة.
وأما قولا القسمة والوقف فالمشهور أنهما لا يجبان.
أما الوقف فلوجهين:
أحدهما: وهو الذي أورده أكثرهم أن العقود لا توقف على أصلنا فالنزاع هاهنا في العقد، ثم رده بأن معنى الوقف هاهنا أنّا نتوقف ولا نمضي حكمًا إلى أن ينكشف الحال، وهذا معهود في أصولنا.
والوقف الذي نقول بإبطاله هو ما يخالف فيه بعض الشروط كإذن الملك في بيع الفضولي. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هاهنا من مجيء قول القرعة دون قول التوقف قد جزم بعكسه في أول باب التحالف، وقد ذكرت هناك لفظه فراجعه.
قوله: ولو وجدت الزيادة في كل واحد من الجانبين بأن قال المكري
(1) سقط من أ.
أكريتك هذا البيت بعشرين وقال المكتري: بل جميع الدار بعشرة، فلابن سريج رأيان:
أحدهما: الرجوع إلى التعارض لتقابل الزيادتين.
وأضعفهما: أنه يؤخذ بالزيادة من الجانبين فتجعل جميع الدار تكرى بعشرين، وهذا خلاف قول المتداعيين والشهود جيمعًا. انتهى كلامه.
وهذا الذي ضعفه الرافعي قد صرح في "الروضة" أيضًا بأنه فاسد، والظاهر أنه حصل في نقله عن ابن سريج غلط، فإني رأيت للشيخ أبى محمد كما حكى الوجهين عنه في كتاب "السلسلة" لم ينقل الثاني المذكور هنا، بل نقل عوضًا عنه الاستعمال بالقرعة فدل على ما قلناه.
قوله: قال الإمام: ولو شهد أنه باع فلانًا في ساعة كذا وشهد آخران أنه كان ساكنًا تلك الحالة.
أو شهد اثنان أنه قتل فلانًا ساعة كذا، وشهد آخران أنه كان ساكنًا في تلك الحالة لا يتحرك ولا يعمل شيئًا.
ففي قبول الشهادة الثانية وجهان، لأنهما شهادة على النفي، وإنما تقبل شهادة النفي في المضايق وأحوال الضرورات، فإن قبلناها جاء التعارض. انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو القبول، قال: لأن النفي المحصور كالإثبات في إمكان الإحاطة.
قوله عن الشيخ أبي عاصم: إنه فسر كلمة التنصير بما إذا شهدت البينتان على آخر ما تكلم به بأن يقول لا إله إلا الله عيسى رسول الله.
قال القاضي أبو سعد: وفيه إشكال ظاهر فإن المسلمين يثبتون نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، وإثبات نبوته ليس نفيًا لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم سيما عند منكري المفهوم، فيجب أن تفسر كلمة التنصير بما يختص به النصارى
كقولهم إن الله ثالث ثلاثة، وهل تجب في نيته للإسلام تفسير كلمته؟ وجهان، وجه الوجوب: أنهم قد يعتقدون ما ليس بإسلام إسلامًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن المذكور في "الإشراف" للهروي عن العبادي في تصوير المسألة بأن يقول بعد إثباته نبوة عيسى: وأنه بريء من كل دين، وحينئذ لا يصح الاعتراض، فإن الإسلام من جملة الأديان الداخلة في البراءة فيكون كفرًا.
ولم يتعرض في "الروضة" لمقالة العبادي ولا لمقالة الهروي، بل جعل الضابط ما يختص به النصارى ومثل بثالث ثلاثة.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام مقتضاه أنه لابد في الشهادة على الردة من بيان السبب وقد سبق من كلامه في باب الردة ما يخالفه وتقدم إيضاحه هناك وإيضاح نظائره فراجعه.
قوله: فرع: مات رجل عن زوجة وأخ مسلمين وعن أولاد كفرة، فقال المسلمان: مات مسلمًا. وقال الأولاد: مات كافرًا، فإن كان أصل دينه الكفر. صدق الأولاد، وإن أقاموا بينتين فإن أطلقنا: قدمت بينة المسلم، وإن قيدنا: فعلى الخلاف في التعارض، ويعود خلاف "أبي إسحاق" في جريان القسمة.
وإذا رجحنا طائفة قسم المال بينهم كما يقسم لو انفردوا.
وإن جعلنا المال بين الطائفتين تفريعًا على القسمة، فالنصف للزوجة والأخ، والنصف للأولاد، وفي ما تأخذ الزوجة من النصف وجهان:
أحدهما: ربعه، وكأنه جميع التركة، هو الذي أورده السرخسي.
والثاني: نصفه، ليكمل لها ربع التركة؛ لأن الأخ معترف به، والأولاد
يحجبونها. باتفاقهما، وهو الذي أورده الإمام. انتهى كلامه.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الأول، قال: لأنها معترفة أيضًا باستحقاق الأخ ثلاثة أرباع التركة.
قوله: الثالثة: قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة أنه قُتلَ وأقام الوارث بينة أنه مات حتف أنفه، ففيه قولان:
الظاهر منهما على ما ذكره أبو الحسن العبادي: تقديم بينة العبد.
والثاني: يتعارضان. انتهى.
والصحيح: ما رجحه العبادي، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر القولين، وكذلك النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو قال لسالم: إن مت [ق: أ][في رمضان فأنت حر ولغانم إن مت](1) في شوال فأنت حر، فأقام كل واحد بينة تقتضي حريته فقولان:
أحدهما: يتعارضان.
والثاني: تقدم بينة سالم، فإن قلنا بالتعارض: رق العبدان على القول بالسقوط وعتق من كل واحد نصفه على القسمة، ثم قال: وحكى "ابن كج" عن بعض الأصحاب أنه إذا وجد التعارض في مثل هذا غلبت الحرية. انتهى.
ومعنى تغليب الحرية كما قاله في "الروضة" من "زوائده": أنه لا يحكم بسقوط البينتين.
(1) سقط من أ.