المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ونالت نواقيس الديارات وجمة … وخوف فلم يمدد إليهنّ ساعد فتبكى - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - جـ ٤

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌ذكر المساجد الجامعة

- ‌ذكر الجوامع

- ‌الجامع العتيق

- ‌ذكر المحاريب التي بديار مصر وسبب اختلافها وتعيين الصواب فيها وتبيين الخطأ منها

- ‌جامع العسكر

- ‌ذكر العسكر

- ‌ جامع ابن طولون

- ‌ذكر دار الإمارة

- ‌ذكر الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف

- ‌الجامع الأزهر

- ‌جامع الحاكم

- ‌جامع راشدة

- ‌جامع المقس

- ‌جامع الفيلة

- ‌جامع المقياس

- ‌الجامع الأقمر

- ‌جامع الظافر

- ‌جامع الصالح

- ‌ذكر الأحباس وما كان يعمل فيها

- ‌الجامع بجوار تربة الشافعيّ بالقرافة

- ‌جامع محمود بالقرافة

- ‌جامع الروضة بقلعة جزيرة الفسطاط

- ‌جامع غين بالروضة

- ‌جامع الأفرم

- ‌الجامع بمنشأة المهرانيّ

- ‌جامع دير الطين

- ‌جامع الظاهر

- ‌جامع ابن اللبان

- ‌الجامع الطيبرسيّ

- ‌الجامع الجديد الناصريّ

- ‌الجامع بالمشهد النفيسيّ

- ‌جامع الأمير حسين

- ‌جامع الماس

- ‌جامع قوصون

- ‌جامع الماردانيّ

- ‌جامع أصلم

- ‌جامع بشتاك

- ‌‌‌جامع آق سنقر

- ‌جامع آق سنقر

- ‌جامع آل ملك

- ‌جامع الفخر

- ‌جامع نائب الكرك

- ‌جامع الخطيريّ ببولاق

- ‌جامع قيدان

- ‌جامع الست حدق

- ‌جامع ابن غازي

- ‌جامع التركمانيّ

- ‌جامع شيخو

- ‌جامع الجاكيّ

- ‌جامع التوبة

- ‌جامع صاروجا

- ‌جامع الطباخ

- ‌جامع الأسيوطيّ

- ‌جامع الملك الناصر حسن

- ‌جامع القرافة

- ‌جامع الجيزة

- ‌جامع منجك

- ‌الجامع الأخضر

- ‌جامع البكجريّ

- ‌جامع السروجيّ

- ‌جامع كرجي

- ‌جامع الفاخريّ

- ‌جامع ابن عبد الظاهر

- ‌جامع كراي

- ‌جامع القلعة

- ‌جامع قوصون

- ‌جامع كوم الريش

- ‌جامع الجزيرة الوسطى

- ‌جامع ابن صارم

- ‌جامع الكيمختي

- ‌جامع الست مسكة

- ‌جامع ابن الفلك

- ‌جامع التكروريّ

- ‌جامع البرقية

- ‌جامع الحرّانيّ

- ‌جامع بركة

- ‌جامع بركة الرطليّ

- ‌جامع الضوة

- ‌ جامع

- ‌جامع الحوش

- ‌جامع الاصطبل

- ‌جامع ابن التركمانيّ»

- ‌جامع الباسطيّ

- ‌جامع الحنفيّ

- ‌جامع ابن الرفعة

- ‌جامع الإسماعيليّ

- ‌جامع الزاهد

- ‌جامع ابن المغربيّ

- ‌جامع الفخريّ

- ‌الجامع المؤيدي

- ‌الجامع الأشرفيّ

- ‌الجامع الباسطيّ

- ‌ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص رضي الله عنه أرض مصر إلى أن صاروا إلى اعتقاد مذاهب الأئمة رحمهم الله تعالى، وما كان من الأحداث في ذلك

- ‌ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها

- ‌ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام، منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية

- ‌ذكر المدارس

- ‌ المدرسة الناصرية

- ‌المدرسة القمحية

- ‌مدرسة يازكوج

- ‌مدرسة ابن الأرسوفيّ

- ‌مدرسة منازل العز

- ‌مدرسة العادل

- ‌مدرسة ابن رشيق

- ‌المدرسة الفائزية

- ‌المدرسة القطبية

- ‌المدرسة السيوفية

- ‌المدرسة الفاضلية

- ‌المدرسة الأزكشية

- ‌المدرسة الفخرية

- ‌المدرسة السيفية

- ‌المدرسة العاشورية

- ‌ المدرسة القطبية

- ‌المدرسة الخرّوبية

- ‌مدرسة المحليّ

- ‌المدرسة الفارقانية

- ‌المدرسة المهذبية

- ‌‌‌المدرسة الخرّوبية

- ‌المدرسة الخرّوبية

- ‌المدرسة الصاحبية البهائية

- ‌المدرسة الصاحبية

- ‌المدرسة الشريفية

- ‌المدرسة الصالحية

- ‌المدرسة الكاملية

- ‌المدرسة الصيرمية

- ‌المدرسة المسرورية

- ‌المدرسة القوصية

- ‌المدرسة المنصورية

- ‌المدرسة الحجازية

- ‌المدرسة الطيبرسية

- ‌المدرسة الأقبغاوية

- ‌المدرسة الحسامية

- ‌المدرسة المنكوتمرية

- ‌المدرسة القراسنقرية

- ‌المدرسة الغزنوية

- ‌المدرسة البوبكرية

- ‌المدرسة البقرية

- ‌المدرسة القطبية

- ‌مدرسة ابن المغربيّ

- ‌المدرسة البيدرية

- ‌المدرسة البديرية

- ‌المدرسة الملكية

- ‌المدرسة الجمالية

- ‌المدرسة الفارسية

- ‌المدرسة السابقية

- ‌المدرسة القيسرانية

- ‌المدرسة الزمامية

- ‌المدرسة الصغيرة

- ‌مدرسة تربة أمّ الصالح

- ‌مدرسة ابن عرّام

- ‌المدرسة المحمودية

- ‌المدرسة المهذبية

- ‌المدرسة السعدية

- ‌المدرسة الطفجية

- ‌المدرسة الجاولية

- ‌المدرسة الفارقانية

- ‌المدرسة البشيرية

- ‌المدرسة المهمندارية

- ‌مدرسة ألجاي

- ‌مدرسة أمّ السلطان

- ‌المدرسة الأيتمشية

- ‌المدرسة المجدية الخليلية

- ‌المدرسة الناصرية بالقرافة

- ‌المدرسة المسلمية

- ‌مدرسة اينال

- ‌مدرسة الأمير جمال الدين الأستادار

- ‌المدرسة الصرغتمشية

- ‌ذكر المارستانات

- ‌مارستان ابن طولون

- ‌مارستان كافور

- ‌مارستان المغافر

- ‌المارستان الكبير المنصوريّ

- ‌المارستان المؤيدي

- ‌ذكر المساجد

- ‌المسجد بجوار دير البعل

- ‌مسجد ابن الجباس

- ‌مسجد ابن البناء

- ‌مسجد الحلبيين

- ‌مسجد الكافوريّ

- ‌مسجد رشيد

- ‌المسجد المعروف بزرع النوى

- ‌مسجد الذخيرة

- ‌مسجد رسلان

- ‌مسجد ابن الشيخيّ

- ‌مسجد يانس

- ‌مسجد باب الخوخة

- ‌المسجد المعروف بمعبد موسى

- ‌مسجد نجم الدين

- ‌مسجد صواب

- ‌المسجد بجوار المشهد الحسينيّ

- ‌مسجد الفجل

- ‌مسجد تبر

- ‌مسجد القطبية

- ‌ذكر الخوانك

- ‌الخانكاه الصلاحية، دار سعيد السعداء، دويرة الصوفية

- ‌خانقاه ركن الدين بيبرس

- ‌الخانقاه الجمالية

- ‌الخانقاه الظاهرية

- ‌الخانقاه الشرابيشية

- ‌الخانقاه المهمندارية

- ‌خانقاه بشتاك

- ‌خانقاه ابن غراب

- ‌الخانقاه البندقدارية

- ‌خانقاه شيخو

- ‌الخانقاه الجاولية

- ‌خانقاه الجيبغا المظفري

- ‌خانقاه سرياقوس

- ‌خانقاه أرسلان

- ‌خانقاه بكتمر

- ‌خانقاه قوصون

- ‌خانقاه طغاي النجميّ

- ‌خانقاه أمّ أنوك

- ‌خانقاه يونس

- ‌خانقاه طيبرس

- ‌خانقاه أقبغا

- ‌الخانقاه الخروبية

- ‌ذكر الربط

- ‌رباط الصاحب

- ‌رباط الفخري

- ‌رباط البغدادية

- ‌رباط الست كليلة

- ‌رباط الخازن

- ‌الرباط المعروف برواق ابن سليمان

- ‌رباط داود بن إبراهيم

- ‌رباط ابن أبي المنصور

- ‌رباط المشتهى

- ‌رباط الآثار

- ‌رباط الأفرم

- ‌الرباط العلائي

- ‌ذكر الزوايا

- ‌زاوية الدمياطيّ

- ‌زاوية الشيخ خضر

- ‌زاوية ابن منظور

- ‌زاوية الظاهري

- ‌زاوية الجميزة

- ‌زاوية الحلاوي

- ‌زاوية نصر

- ‌زاوية الخدّام

- ‌زاوية تقي الدين

- ‌زاوية الشريف مهدي

- ‌زاوية الطراطرية

- ‌زاوية القلندرية

- ‌قبة النصر

- ‌زاوية الركراكي

- ‌زاوية إبراهيم الصائغ

- ‌زاوية الجعبري

- ‌زاوية أبي السعود

- ‌زاوية الحمصي

- ‌زاوية المغربل

- ‌زاوية القصري

- ‌زاوية الجاكي

- ‌زاوية الأبناسيّ

- ‌زاوية اليونسية

- ‌زاوية الخلاطي

- ‌الزاوية العدوية

- ‌زاوية السدّار

- ‌ذكر المشاهد التي يتبرّك الناس بزيارتها مشهد زين العابدين

- ‌مشهد السيدة نفيسة

- ‌مشهد السيدة كلثوم

- ‌سنا وثنا

- ‌ذكر مقابر مصر والقاهرة المشهورة

- ‌ذكر القرافة

- ‌ذكر المساجد الشهيرة بالقرافة الكبيرة

- ‌مسجد الأقدام

- ‌مسجد الرصد

- ‌مسجد شقيق الملك

- ‌مسجد الانطاكيّ

- ‌مسجد النارنج

- ‌مسجد الأندلس

- ‌مسجد البقعة

- ‌مسجد الفتح

- ‌مسجد أمّ عباس جهة العادل بن السلار

- ‌مسجد الصالح

- ‌مسجد وليّ عهد أمير المؤمنين

- ‌مسجد الرحمة

- ‌مسجد مكنون

- ‌مسجد جهة ريحان

- ‌مسجد جهة بيان

- ‌مسجد توبة

- ‌مسجد دري

- ‌مسجد ست غزال

- ‌مسجد رياض

- ‌مسجد عظيم الدولة

- ‌مسجد أبي صادق

- ‌مسجد الفرّاش

- ‌مسجد تاج الملوك

- ‌مسجد الثمار

- ‌مسجد الحجر

- ‌مسجد القاضي يونس

- ‌مسجد الوزيرية

- ‌مسجد ابن العكر

- ‌مسجد ابن كباس

- ‌مسجد الشهمية

- ‌مسجد زنكادة

- ‌جامع القرافة

- ‌مسجد الأطفيحيّ

- ‌مسجد الزيات

- ‌ذكر الجواسيق التي بالقرافة

- ‌ذكر الرباطات التي كانت بالقرافة

- ‌ذكر المصلّيات والمحاريب التي بالقرافة

- ‌ذكر المساجد والمعابد التي بالجبل والصحراء

- ‌ذكر الأحواض والآبار التي بالقرافة

- ‌ذكر الآبار التي ببركة الحبش والقرافة

- ‌ذكر السبعة التي تزار بالقرافة

- ‌ذكر المقابر خارج باب النصر

- ‌ذكر كنائس اليهود

- ‌ذكر تاريخ اليهود وأعيادهم

- ‌ذكر معنى قولهم يهودي

- ‌ذكر معتقد اليهود وكيف وقع عندهم التبديل

- ‌ذكر فرق اليهود الآن

- ‌ذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة، وكيف تنصروا ثم صاروا ذمّة للمسلمين، وما كان لهم في ذلك من القصص والأنباء، وذكر الخبر عن كنائسهم ودياراتهم، وكيف كان ابتداؤها ومصير أمرها

- ‌ذكر ديانة القبط قبل تنصرهم

- ‌ذكر دخول قبط مصر في دين النصرانية

- ‌ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية، واتخاذهم ذمّة لهم، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء

- ‌ذكر ديارات النصارى

- ‌أديرة أدرنكة

- ‌ذكر كنائس النصارى

- ‌وأما الوجه البحريّ:

الفصل: ونالت نواقيس الديارات وجمة … وخوف فلم يمدد إليهنّ ساعد فتبكى

ونالت نواقيس الديارات وجمة

وخوف فلم يمدد إليهنّ ساعد

فتبكى عليهنّ البطاريق في الدجى

وهنّ لديهم ملقيات كواسد

بذا قضت الأيام ما بين أهلها

مصائب قوم عند قوم فوائد

‌جامع الظاهر

هذا الجامع خارج القاهرة، وكان موضعه ميدانا، فأنشأه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ جامعا. قال جامع السيرة الظاهرية: وفي ربيع الآخر، يعني سنة خمس وستين وستمائة، اهتمّ السلطان بعمارة جامع بالحسينية، وسير الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، والصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا، وجماعة من المهندسين، لكشف مكان يليق أن يعمل جامعا، فتوجهوا لذلك واتفقوا على مناخ الجمال السلطانية. فقال السلطان لا والله لا جعلت الجامع مكان الجمال، وأولى ما جعلته ميداني الذي ألعب فيه بالكرة وهو نزهتي، فلما كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر، ركب السلطان وصحبته خواصه والوزير الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا والقضاة ونزل إلى ميدان قراقوش، وتحدّث في أمره وقاسه ورتب أموره وأمور بنائه، ورسم بأن يكون بقية الميدان وقفا على الجامع يحكر، ورسم بين يديه هيئة الجامع، وأشار أن يكون بابه مثل باب المدرسة الظاهرية، وأن يكون على محرابه قبة على قد رقبة الشافعيّ رحمة الله عليه، وكتب في وقته الكتب إلى البلاد بإحضار عمد الرخام من سائر البلاد، وكتب بإحضار الجمال والجواميس والأبقار والدواب من سائر الولايات، وكتب بإحضار الآلات من الحديد والأخشاب النقية برسم الأبواب والسقوف وغيرها، ثم توجه لزيارة الشيخ الصالح خضر بالمكان الذي أنشأه له، وصلّى الظهر هناك، ثم توجه إلى المدرسة بالقاهرة فدخلها والفقهاء والقرّاء على حالهم، وجلس بينهم، ثم تحدّث وقال: هذا مكان قد جعلته لله عز وجل، وخرجت عنه وقفا لله، إذا مت لا تدفنوني هنا. ولا تغيروا معالم هذا المكان فقد خرجت عنه لله تعالى. ثم قام من إيوان الحنفية وجلس بالمحراب في إيوان الشافعية، وتحدّث وسمع القرآن والدعاء، ورأى جميع الأماكن، ودخل إلى قاعة ولده الملك السعيد المبنية قريبا منها، ثم ركب إلى قلعة الجبل وولى عدّة مشدّين على عمارة الجامع، وكان إلى جانب الميدان قاعة ومنظرة عظيمة بناها السلطان الملك الظاهر، فلما رسم ببناء الجامع طلبها الأمير سيف الدين قشتمر العجميّ من السلطان فقال: الأرض قد خرجت عنها لهذا الجامع، فاستأجرها من ديوانه، والبناء والأصناف وهبتك إياها، وشرع في العمارة في منتصف جمادى الآخرة منها.

وفي أوّل جمادى الآخرة سنة ست وستين وستمائة سار السلطان من ديار مصر يريد بلاد الشام، فنزل على مدينة يافا وتسلمها من الفرنج بأمان، في يوم الأربعاء العشرين من

ص: 95

جمادى الآخرة المذكور، وسير أهلها فتفرّقوا في البلاد، وشرع في هدمها وقسم أبراجها على الأمراء، فابتدأ في ذلك من ثاني عشريه، وقاسوا شدّة في هدمها لحصانتها وقوّة بنائها، لا سيما القلعة، فإنها كانت حصينة عالية الارتفاع ولها أساسات إلى الأرض الحقيقة، وباشر السلطان الهدم بنفسه وبخواصه ومماليكه، حتى غلمان البيوتات التي له، وكان ابتداء هدم القلعة في سابع عشريه، ونقضت من أعلاها ونظفت زلاقتها، واستمرّ الأجناد في ذلك ليلا ونهارا، وأخذ من أخشابها جملة، ومن ألواح الرخام التي وجدت فيها، ووسق منها مركبا من المراكب التي وجدت في يافا وسيرها إلى القاهرة، ورسم بأن يعمل من ذلك الخشب مقصورة في الجامع الظاهريّ بالميدان من الحسينية، والرخام يعمل بالمحراب، فاستعمل كذلك.

ولما عاد السلطان إلى مصر في حادي عشري ذي الحجة منها وقد فتح في هذه السفرة يافا وطرابلس وأنطاكية وغيرها، أقام إلى أن أهلت سنة سبع وستين وستمائة، فلما كملت عمارة الجامع في شوّال منها ركب السلطان ونزل إلى الجامع وشاهده، فرآه في غاية ما يكون من الحسن وأعجبه نجازه في أقرب وقت ومدّة مع علوّ الهمة، فخلع على مباشريه، وكان الذي تولى بناءه الصاحب بهاء الدين بن حنا، والأمير علم الدين سنجر السروريّ متولى القاهرة، وزار الشيخ خضرا وعاد إلى قلعته، وفي شوّال منها تمت عمارة الجامع الظاهريّ ورتب به خطيبا حنفيّ المذهب، ووقف عليه حكر ما بقي من أرض الميدان، ونزل السلطان إليه ورتب أوقافه ونظر في أموره.

بيبرس: الملك الظاهر ركن الدين البندقداريّ، أحد المماليك البحرية الذين اختص بهم السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وأسكنهم قلعة الروضة، كان أوّلا من مماليك الأمير علاء الدين أيدكين البندقداريّ، فلما سخط عليه الملك الصالح أخذ مماليكه ومنهم الأمير بيبرس هذا، وذلك في سنة أربع وأربعين وستمائة، وقدّمه على طائفة من الجمدارية، وما زال يترقى في الخدم إلى أن قتل المعز أيبك التركمانيّ الفارس أقطاي الجمدار في شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وكانت البحرية قد انحازت إليه فركبوا في نحو السبعمائة، فلما ألقيت إليهم رأس أقطاي تفرّقوا واتفقوا على الخروج إلى الشام، وكانت أعيانهم يومئذ بيبرس البندقداريّ، وقلاون الألفيّ، وسنقر الأشقر، وبيسرى، وترامق، وتنكز، فساروا إلى الملك الناصر صاحب الشام. ولم يزل بيبرس ببلاد الشام إلى أن قتل المعز أيبك، وقام من بعده ابنه المنصور عليّ، وقبض عليه نائبه الأمير سيف الدين قطز وجلس على تخت المملكة، وتلقب بالملك المظفر، فقدم عليه بيبرس فأمّره المظفر قطز، ولما خرج قطز إلى ملاقاة التتار وكان من نصرته عليهم ما كان، رحل إلى دمشق فوشى إليه بأن الأمير بيبرس قد تنكر له وتغير عليه، وأنه عازم على القيام بالحرب، فأسرع قطز بالخروج من دمشق إلى جهة مصر وهو

ص: 96

مضمر لبيبرس السوء، وعلم بذلك خواصه فبلغ ذلك بيبرس فاستوحش من قطز وأخذ كلّ منهما يحترس من الآخر على نفسه، وينتظر الفرصة، فبادر بيبرس وواعد الأمير سيف الدين بلبان الرشيديّ، والأمير سيف الدين بيدغان الركنيّ المعروف بسم الموت، والأمير سيف الدين بلبان الهارونيّ، والأمير بدر الدين آنص الأصبهانيّ، فلما قربوا في مسيرهم من القصر بين الصالحية والسعيدية عند القرين، انحرف قطز عن الدرب للصيد، فلما قضى منه وطره وعاد والأمير بيبرس يسايره هو وأصحابه، طلب بيبرس منه امرأة من سبي التتار فأنعم عليه بها، فتقدّم ليقبل يده وكانت إشارة بينه وبين أصحابه، فعند ما رأوا بيبرس قد قبض على يد السلطان المظفر قطز، بادر الأمير بكتوت الجوكندار وضربه بسيف على عاتقه أبانه واختطفه الأمير آنص وألقاه عن فرسه إلى الأرض، ورماه بهادر المغربيّ بسهم فقتله، وذلك يوم السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ومضوا إلى الدهليز للمشورة، فوقع الاتفاق على الأمير بيبرس، فتقدّم إليه أقطاء المستعرب الجمدار المعروف بالأتابك وبايعه وحلف له، ثم بقية الأمراء وتلقب بالملك الظاهر، وذلك بمنزلة القصير.

فلما تمت البيعة وحلف الأمراء كلهم قال له الأمير أقطاي المستعرب: ياخوند «1» ، لا يتم لك أمر إلّا بعد دخولك إلى القاهرة وطلوعك إلى القلعة، فركب من وقته ومعه الأمير قلاون والأمير بلبان الرشيديّ والأمير بيلبك الخارندار، وجماعة يريدون قلعة الجبل، فلقيهم في طريقهم الأمير عز الدين أيدمر الحلبيّ نائب الغيبة عن المظفر قطز، وقد خرج لتلقيه، فأخبروه بما جرى وحلفوه، فتقدّمهم إلى القلعة ووقف على بابها حتى وصلوا في الليل فدخلوا إليها، وكانت القاهرة قد زينت لقدوم السلطان الملك المظفر قطز، وفرح الناس بكسر التتار وعود السلطان، فما راعهم وقد طلع النهار إلّا والمشّا عليّ ينادي معاشر الناس ترحموا على الملك المظفر وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر بيبرس، فدخل على الناس من ذلك غمّ شديد ووجل عظيم، خوفا من عود البحرية إلى ما كانوا عليه من الجور والفساد وظلم الناس. فأوّل ما بدأ به الظاهر أنه أبطل ما كان قطز أحدثه من المظالم عند سفره، وهو تصقيع الأملاك وتقويمها وأخذ زكاة ثمنها في كل سنة، وجباية دينار من كلّ إنسان، وأخذ ثلث الترك الأهلية، فبلغ ذلك في السنة ستمائة ألف دينار. وكتب بذلك مسموحا قريء على المنابر في صبيحة دخوله إلى القلعة، وهو يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة المذكور، وجلس بالإيوان وحلّف العساكر، واستناب الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار بالديار المصرية، واستقرّ الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب أتابكا على عادته، والأمير جمال الدين أقوش التجيبيّ أستادارا، والأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحيّ أمير جاندار، والأمير لاجين الدرفيل وبلبان الروميّ دوادارية، والأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوريّ

ص: 97

أميراخور على عادته، وبهاء الدين عليّ بن حنا وزيرا، والأمير ركن الدين التاجي الركنيّ والأمير سيف الدين بكجريّ حجابا، ورسم بإحضار البحرية الذين تفرّقوا في البلاد بطالين، وسير الكتب إلى الأقطار بما تجدّد له من النعم، ودعاهم إلى الطاعة، فأذعنوا له وانقادوا إليه.

وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبيّ نائب دمشق لما قتل قطز جمع الناس وحلّفهم، وتلقب بالملك المجاهد، وثار علاء الدين الملقب بالملك السعيد بن صاحب الموصل في حلب وظلم أهلها، وأخذ منهم خمسين ألف دينار، فقام عليه جماعة ومقدّمهم الأمير حسام الدين لاجين العزيزيّ وقبضوا عليه، فسير الظاهر إلى لاجين بنيابة حلب.

فلما دخلت سنة تسع وخمسين قبض الظاهر على جماعة من الأمراء المعزية، منهم الأمير سنجر الغتميّ، والأمير بهادر المعزيّ، والشجاع بكتوت، ووصل إلى السلطان الإمام أبو العباس أحمد بن الخليفة الظاهر العباسيّ من بغداد، في تاسع رجب، فتلقاه السلطان في عساكره وبالغ في إكرامه وأنزله بالقلعة، وحضر سائر الأمراء والمقدّمين والقضاة وأهل العلم والمشايخ بقاعة الأعمدة من القلعة بين يدي أبي العباس، فتأدّب السلطان الظاهر ولم يجلس على مرتبة ولا فوق كرسيّ، وحضر العربان الذين قدموا من العراق، وخادم من طواشية بغداد، وشهدوا بأن العباس أحمد ولد الخليفة الظاهر بن الخليفة الناصر، وشهد معهم بالاستفاضة الأمير جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر، وعلم الدين بن رشيق، وصدر الدين موهوب الجزريّ، ونجيب الدين الحرّانيّ، وسديد الزمنتيّ نائب الحكم بالقاهرة عند قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الشافعيّ، وأسجل على نفسه بثبوت نسب أبي العباس أحمد، وهو قائم على قدميه، ولقّب بالإمام المستنصر بالله، وبايعه الظاهر على كتاب الله وسنة نبيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذ أموال الله بحقها وصرفهاف ي مستحقها، فلما تمت البيعة قلد المستنصر بالله السلطان الملك الظاهر أمر البلاد الإسلامية، وما سيفتحه الله على يديه من بلاد الكفار، وبايع الناس المستنصر على طبقاتهم، وكتب إلى الأطراف بأخذ البيعة له، وإقامة الخطبة باسمه على المنابر، ونقشت السكة في ديار مصر باسمه، واسم الملك الظاهر معا. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، خطب الخليفة بالناس في جامع القلعة، وركب السلطان في يوم الاثنين رابع شعبان إلى خيمة ضربت له بالبستان الكبير ظاهر القاهرة، وأفيضت عليه الخلع الخليفة، وهي جبة سوداء وعمامة بنفسجية وطوق من ذهب، وقلد بسيف عربيّ، وجلس مجلسا عاما حضره الخليفة والوزير وسائر القضاة والأمراء والشهود، وصعد القاضي فخر الدين بن لقمان كاتب السرّ منبرا نصب له، وقرأ تقليد السلطان المملكة، وهو بخطه من إنشائه، ثم ركب السلطان بالخلعة والطوق ودخل من باب النصر، وشق القاهرة وقد زينت له، وحمل الصاحب بهاء الدين بن حنا التقليد على رأسه قدّام السلطان، والأمراء

ص: 98

مشاة بين يديه، وكان يوما مشهودا.

وأخذ السلطان في تجهيز الخليفة ليسير إلى بغداد، فرتب له الطواشي بهاء الدين صندلا الصالحيّ شرابيا، والأمير سابق الدين بوزيا الصيرفيّ أتابكا، والأمير جعفرا أستادارا، والأمير فتح الدين بن الشهاب أحمد أمير جاندار، والأمير ناصر الدين بن صيرم خازندار، والأمير سيف الدين بلبان الشمسيّ وفارس الدين أحمد بن أزدمر اليغموريّ دوادارية، والقاضي كمال الدين محمد السنجاريّ وزيرا، وشرف الدين أبا حامد كاتبا، وعين له خزانة وسلاحخاناه ومماليك عدّتهم نحو الأربعين، منهم سلاحدارية وجمدارية وزردكاشية ورمحدارية، وجعل له طشطخاناه وفراشخاناه وشرابخاناه، وإماما ومؤذنا وسائر أرباب الوظائف، واستخدم له خمسمائة فارس، وكتب لمن قدم معه من العراق بإقطاعات، وأذن له في الركوب والحركة حيث اختار، وحضر الملك الصالح إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وأخوه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، وأخوهما المظفر، فأكرمهم السلطان وأقرّهم على ما بأيديهم، وكتب لهم تقاليد وجهزهم في خدمة الخليفة، وسار الخليفة في سادس شوّال والسلطان في خدمته إلى دمشق، فنزل السلطان في القلعة، ونزل الخليفة في التربة الناصرية بجبل الصالحية، وبلغت نفقة السلطان على الخليفة ألف ألف وستين ألف دينار، وخرج من دمشق في ثالث عشر ذي القعدة ومعه الأمير بلبان الرشيديّ، والأمير سنقر الروميّ، وطائفة من العسكر، وأوصاهما السلطان أن يكونا في خدمة الخليفة حتى يصل إلى الفرات، فإذا عبر الفرات أقاما بمن معهما من العسكر بالبرّ الغربيّ من جهات حلب لانتظار ما يتجدّد من أمر الخليفة، بحيث إن احتاج إليهم ساروا إليه، فسار إلى الرحبة وتركه أولاد صاحب الموصل وانصرفوا إلى بلادهم، وسار إلى مشهد عليّ فوجد الإمام الحاكم بأمر الله قد جمع سبعمائة فارس من التركمان وهو على عانة، ففارقه التركمان وصار الحاكم إلى المستنصر طائعا له، فأكرمه وأنزله معه وسارا إلى عانة، ورحلا إلى الحديثة، وخرجا منها إلى هيت، وكانت له حروب مع التتار في ثالث محرّم سنة ستين وستمائة، قتل فيها أكثر أصحابه، وفرّ الحاكم وجماعة من الأجناد، وفقد المستنصر فلم يوقف له على خبر، فحضر الحاكم إلى قلعة الجبل وبايعه السلطان والناس، واستمرّ بديار مصر في مناظر الكبش، وهو جدّ الخلفاء الموجودين اليوم.

وفي سنة ست وستين قرّر الظاهر بديار مصر أربعة قضاة، وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم، وحدث غلاء شديد بمصر، وعدمت الغلة، فجمع السلطان الفقراء وعدّهم وأخذ لنفسه خمسمائة فقير يمونهم، ولا بنه السعيد بركة خان خمسمائة فقير، وللنائب بيلبك الخازندار ثلاثمائة فقير، وفرّق الباقي على سائر الأمراء، ورسم لكلّ إنسان في اليوم برطلي خبز، فلم ير بعد ذلك في البلد أحد من الفقراء يسأل.

ص: 99

وفي ثالث شوّال سنة اثنتين وستين، أركب السلطان ابنه السعيد بركة بشعار السلطنة، ومشى قدّامه وشق القاهرة والكل مشاة بين يديه من باب النصر إلى قلعة الجبل، وزينت البلد، وفيها رتب السلطان لعب القبق بميدان العيد خارج باب النصر، وختن الملك السعيد ومعه ألف وستمائة وخمسة وأربعون صبيا من أولاد الناس، سوى أولاد الأمراء والأجناد، وأمر لكلّ صغير منهم بكسوة على قدره، ومائة درهم، ورأس من الغنم، فكان مهما عظيما، وأبطل ضمان المزر، وجهاته، وأمر بحرق النصارى في سنة ثلاث وستين، فتشفع فيهم على أن يحملوا خمسين ألف دينار فتركوا. وفي سنة أربع وستين افتتح قلعة صفد، وجهز العساكر إلى سيس ومقدّمهم الأمير قلاون الألفيّ، فحصر مدينة ابناس وعدّه قلاع. وفي سنة خمس وستين أبطل ضمان الحشيش من ديار مصر، وفتح يافا والشقيف وأنطاكية. وفي سنة سبع وستين حج فسار على غزة إلى الكرك، ومنها إلى المدينة النبوية، وغسل الكعبة بماء الورد بيده، ورجع إلى دمشق فأراق جميع الخمور، وقدم إلى مصر في سنة ثمان وستين.

وفي سنة سبعين خرج إلى دمشق. وفي سنة إحدى وسبعين خرج من دمشق سائقا إلى مصر، ومعه بيسرى وأقوش الروميّ وجرسك الخازندار وسنقر الألفيّ، فوصل إلى قلعة الجبل، وعاد إلى دمشق فكانت مدّة غيبته أحد عشر يوما، ولم يعلم بغيبته من في دمشق حتى حضر، ثم خرج سائقا من دمشق يريد كبس التتار، فخاض الفرات وقدّامه قلاون وبيسرى، وأوقع بالتتار على حين غفلة، وقتل منهم شيئا كثيرا، وساق خلفهم بيسرى إلى سروج وتسلم السلطان البيرة. ووقع بمصر في سنة اثنتين وسبعين وباء هلك به خلق كثير.

وفي سنة ثلاث وسبعين غزا السلطان سيس وافتتح قلاعا عديدة. وفي سنة أربع وسبعين تزوّج السعيد بن السلطان بابنة الأمير قلاون وخرج العسكر إلى بلاد النوبة، فواقع ملكهم وقتل منهم كثيرا وفرّ باقيهم. وفي سنة خمس وسبعين سار السلطان لحرب التتار، فواقعهم على الأبلستين وقد انضم إليهم الروم، فانهزموا وقتل منهم كثير، وتسلم السلطان قيسارية ونزل فيها بدار السلطان، ثم خرج إلى دمشق فوعك بها من إسهال وحمى مات منها يوم الخميس تاسع عشري محرّم سنة ست وسبعين وستمائة، وعمره نحو من سبع وخمسين سنة، ومدّة ملكه سبع عشرة سنة وشهران.

وكان ملكا جليلا عسوفا عجولا كثير المصادرات لرعيته ودواوينه، سريع الحركة، فارسا مقداما، وترك من الذكور ثلاثة: السعيد محمد بركة خان، وملك بعده، وسلامش وملك أيضا، والمسعود خضر. ومن البنات سبع بنات، وكان طويلا مليح الشكل.

وفتح الله على يديه مما كان مع الفرنج قيسارية وأرسوف وصفد وطبرية ويافا والشقيف وأنطاكية وبقراص والقصير وحصن الأكراد والقرين وحصن عكا وصافيتا ومرقية وحلبا.

وناصف الفرنج على المرقب وبانياس وانطرسوس، وأخذ من صاحب سيس، دريساك

ص: 100