المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌108- تلخيص وتعقيب: - الموسوعة القرآنية - جـ ١

[إبراهيم الإبياري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌الباب الأول حياة الرّسول

- ‌1- الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌2- الإرهاصات بمولد الرسول

- ‌3- نصب الرسول

- ‌4- ولاية البيت

- ‌5- ولاية قصى البيت

- ‌6- ولاية هاشم بن عبد مناف الرفادة والسقاية

- ‌7- ولاية المطلب ثم عبد المطلب ما كان يليه هاشم

- ‌8- حفر زمزم

- ‌9- نذر عبد المطلب

- ‌10- زواج عبد الله بآمنة:

- ‌11- ولادته صلى الله عليه وسلم

- ‌12- حديث رضاعه صلى الله عليه وسلم

- ‌13- وفاة أمه وكفالة جده عبد المطلب له

- ‌14- موت عبد المطلب وكفالة عمه أبى طالب

- ‌15- حديث بحيرى الراهب

- ‌16- زواجه صلى الله عليه وسلم من خديجة

- ‌17- خلاف قريش فى بنيان الكعبة

- ‌18- علم اليهود والنصارى بمبعثه صلى الله عليه وسلم

- ‌19- مبعثه صلى الله عليه وسلم

- ‌20- بدء التنزيل

- ‌21- فرض الصلاة

- ‌22- إسلام على بن أبى طالب

- ‌23- إسلام زيد بن حارثة

- ‌24- إسلام أبى بكر

- ‌25- من اسلم بدعوة أبى بكر

- ‌26- من أسلموا بعد ذلك

- ‌27- الجهر بالدعوة

- ‌28- تآمر قريش على المسلمين

- ‌29- ما لقى الرسول من قومه

- ‌30- إسلام حمزة

- ‌31- ما كان بين عتبة والرسول

- ‌32- الرسول واشراف قومه

- ‌33- أول جهر بالقرآن

- ‌34- استماع قريش إلى قراءة الرسول

- ‌35- عدوان قريش على المستضعفين من المسلمين

- ‌36- الهجرة الاولى إلى الحبشة

- ‌37- إسلام عمر بن الخطاب

- ‌38- تحالف الكفار وحديث الصحيفة

- ‌39- ما لقى الرسول من اذى قومه

- ‌40- رجوع مهاجرى الحبشة

- ‌41- ابن مظعون ورده لجوار الوليد

- ‌42- استجارة أبى سلمة بابى طالب

- ‌43- أبو بكر ورده لجوار بن الدغنة

- ‌44- نقض الصحيفة

- ‌45- إسلام الطفيل بن عمرو

- ‌46- الإسراء والمعراج

- ‌47- خروج الرسول إلى الطائف

- ‌48- عرض الرسول نفسه على قبائل مكة

- ‌49- إسلام الانصار

- ‌50- مبايعة الأنصار للرسول

- ‌51- الهجرة إلى المدينة

- ‌52- هجرة الرسول إلى المدينة

- ‌54- مسجد الرسول بالمدينة وبيته

- ‌55- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌56- حديث الآذان

- ‌57- الرسول ويهود المدينة

- ‌58- حديث المباهلة

- ‌59- من أخبار منافقى المدينة

- ‌60- غزواته صلى الله عليه وسلم

- ‌61- غزوة بدر

- ‌62- غزوة السويق

- ‌63- غزوة ذى أمر

- ‌64- غزوة الفرع

- ‌65- حديث بنى قينقاع

- ‌66- سرية زيد

- ‌67- مقتل كعب بن الأشرف

- ‌68- غزوة أحد

- ‌69- يوم الرجيح

- ‌70- حديث بئر معونة

- ‌71- إجلاء بنى النضير

- ‌72- غزوة ذات الرقاع

- ‌73- غزوة بدر الآخرة

- ‌74- غزوة دومة الجندل

- ‌75- ثم كانت غزوة الخندق فى شوال سنة خمس

- ‌76- غزوة بنى لحيان

- ‌77- غزوة ذى قرد

- ‌78- غزوة بنى المصطلق

- ‌79- حديث الإفك

- ‌80- حديث الحديبية

- ‌81- بيعة الرضوان

- ‌82- الهدنة

- ‌83- غزوة خيبر

- ‌84- عمرة القضاء

- ‌85- غزوة مؤتة

- ‌86- فتح مكة:

- ‌87- غزوة حنين

- ‌88- غزوة الطائف

- ‌89- غزوة تبوك

- ‌90- إسلام ثقيف

- ‌91- حج أبى بكر بالناس

- ‌92- سنة الوفود وهى سنة تسع

- ‌93- حجة الوداع

- ‌94- مرضه صلى الله عليه وسلم وموته

- ‌95- زوجاته صلى الله عليه وسلم

- ‌96- سراريه صلى الله عليه وسلم

- ‌97- أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌98- أعمامه وعمامته صلى الله عليه وسلم

- ‌99- جداته صلى الله عليه وسلم

- ‌100- أخواته صلى الله عليه وسلم

- ‌101- خدمه صلى الله عليه وسلم

- ‌102- مواليه صلى الله عليه وسلم

- ‌103- كتّابه صلى الله عليه وسلم

- ‌104- مؤذنوه صلى الله عليه وسلم

- ‌105- شعراؤه صلى الله عليه وسلم

- ‌106- سلاحه صلى الله عليه وسلم

- ‌107- دوابه صلى الله عليه وسلم

- ‌108- تلخيص وتعقيب:

- ‌الباب الثانى تأريخ القرآن الكريم

- ‌1- أمية الرسول

- ‌2- نزول الوحى:

- ‌(1) - ترتيب نزول السور كما رواها ابن النديم

- ‌(أ) المكية

- ‌(ب) المدنية

- ‌(2) - ترتيب نزول السور كما رواها البقاعى (أ) المكية

- ‌(ب) المدنية

- ‌3- عدد المكى والمدنى:

- ‌4- عدد الآيات:

- ‌5- ترتيب الآيات

- ‌6- أسماء السور

- ‌7- ترتيب السور

- ‌وهاك جدولا يجمع الترتيب فى هذه المصاحف الخمسة:

- ‌فهذا جزء البقرة

- ‌وهذا جزء آل عمران

- ‌وهذا جزء النساء

- ‌وهذا جزء المائدة

- ‌وهذا جزء الأنعام

- ‌وهذا جزء الأعراف

- ‌وهذا جزء الأنفال

- ‌8- الحكمة فى نزول القرآن منجّما

- ‌9- نزول القرآن على سبعة أحرف

- ‌10- اسم كتاب الله

- ‌11- جمع القرآن

- ‌12- مصحف عثمان

- ‌13- كتب المصاحف

- ‌14- تعقيب على كتب المصاحف

- ‌15- القراءات

- ‌16- القراء

- ‌17- رأى ابن قتيبة فى القراءات

- ‌18- تعقيب على القراءات

- ‌19- رسم المصحف

- ‌20- كتابة المصحف وطبعه

- ‌21- تجزئة المصحف

- ‌22- الناسخ والمنسوخ:

- ‌23- المحكم والمشابه والحروف المقطعة فى أوائل السور

- ‌24- البسملة، والاستعاذة، والسجدة

- ‌25- كتاب المصحف

الفصل: ‌108- تلخيص وتعقيب:

‌108- تلخيص وتعقيب:

فالرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو- كما مر بك:

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب «شيبة» بن هاشم «عمرو» بن عبد مناف «المغيرة» بن قصى «زيد» بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة «عامر» بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان.

إلى هنا ينتهى النسب الصحيح، وما فوق ذلك فهو من صنع النسابين.

وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، يلتقى نسبها مع نسب أبيه صلى الله عليه وسلم عند جدهما الأعلى: كلاب بن مرة.

ولقد مات أبوه عبد الله بالمدينة وأمه حامل به لشهرين، وكان قد خرج فى تجارة فمرض فعرج بالمدينة يسلم بأخواله من بنى النجار، فأقام عندهم شهرا مات بعده عن خمسة وعشرين عاما.

وكان مولده، صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول- 20 من أبريل سنة 51- على الصحيح، بالدار التى عند الصفا، والتى كانت بعد لمحمد بن يوسف، أخى الحجاج، وقد بنتها زبيدة مسجدا حين حجت.

وكانت قابلته التى نزل على يديها: الشفاء، أم عبد الرحمن بن عوف.

وأرضعته امرأة من بنى سعد بن بكر بن هوازن، يقال لها: حليمة بنت أبى ذؤيب.

ص: 294

واسم أبيه فى الرضاعة: الحارث بن عبد العزى، من بنى سعد بن بكر ابن هوازن.

وكان إخوته فى الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، والشيماء حذافة بنت الحارث.

وحين بلغ محمد ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب بالأبواء- موضع بين مكة والمدينة، وعمرها ثلاثون عاما.

وبعد وفاة آمنة بسنتين توفى جده عبد المطلب، وكان يكفله، وعمر محمد عندها ثمانى سنين.

فكان محمد بعد وفاة جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب، وأبو طالب وعبد الله- أبو رسول الله- أخوان لأب وأم، وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.

وحين بلغ محمد أربعة عشر عاما- أو خمسة عشر- كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان. ولقد شهد محمد بعض أيامها، أخرجه أعمامه معهم ينبل عليهم، أى يرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم به.

ولما بلغ محمد خمسة وعشرين عاما تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد المعزى بن قصى بن كلاب بن مرة، يلتقى نسبها مع نسبه فى جدهما الأعلى قصى، كما يلتقى نسبها مع نسب أمه آمنة فى كلاب بن مرة.

وكانت خديجة أول امرأة تزوجها محمد، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وكانت سنها حين بنى بها محمد أربعين عاما. ولقد تزوجها قبل محمد رجلان هما: أبو هالة بن زرارة التميمى، وعتيق بن عائذ المخزومى.

ص: 295

وقد عرفت خديجة محمدا حين خرج فى تجارة لها إلى الشام فى رحلته الثانية مع غلامها ميسرة، وكانت رحلته الأولى إلى الشام حين خرج مع عمه أبى طالب، وسنه اثنا عشر عاما، حدثها ميسرة عن صدقه وأمانته فرغبت فيه وسعت إلى الزواج منه.

وولدت خديجة لمحمد أولاده كلهم إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية، فولدت له القاسم، وبه كان يكنى، والطيب «الطاهر» ، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة.

ومات القاسم والطيب فى الجاهلية. وأدركت بناته كلهن الإسلام وأسلمن.

وحين بلغ محمد خمسة وثلاثين أخذت قريش فى تجديد بناء الكعبة، وكانت قد أصابها حريق، ومن بعد الحريق سيل. وحين بلغت قريش موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يكون له الشرف فى وضعه موضعه، وكاد الخلاف يثير بينهم حربا، ثم انتهوا إلى أن يكون الفصل بينهم إلى أول داخل عليهم من باب بنى شيبة، وكان محمد أول داخل عليهم من هذا الباب، فارتضوه حكما فيما شجر بينهم، فبسط محمد رداءه ووضع الحجر عليه، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف من أطراف الرداء، حتى إذا ما استووا رفع الحجر بيديه ووضعه مكانه.

ولقد عرفت قريش محمدا صبيّا فلم تعهد عليه ما تعهد مثله على الصبيان من إسفاف أو تدن، وعرفته يافعا فلم تعد له نزوة أو زلة، ثم عرفته زوجا فى سن مبكرة فعرفته أطهر الأزواج ذيلا.

وهو منذ أن درج بين أهله ووعى كان الصادق الأمين، لا يقول إلا صدقا، ولا يعطى أو يأخذ إلا أمينا حين يعطى، أمينا حين يأخذ، أمينا

ص: 296

حين يستشار ويشير. والنفس إن ملكت الصدق والأمانة ملكت ما بعدهما من كل ما هو محمود من الصفات، وهكذا كان محمد قبل أن يبعثه الله رسولا.

ولقد حبّب إلى محمد التحنث والتحنف شأن الصادفين عن متاع الحياة، العازفين عن لينها المفضى إلى الاستنامة إليها، فكان يعتكف فى حراء- جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها- شهرا من كل سنة، يجعله خالصا لعبادة ربه على ما رسم إبراهيم، ومن بعده إسماعيل عليهما السلام.

وبقى محمد على هذا الذى أخذ به نفسه يختلف إلى غار حراء شهرا من كل عام، إلى أن كانت السنة التى اختاره الله فيها رسولا لرسالته، وكان عندها فى الأربعين من عمره.

وهكذا كان محمد حين دبت قدماه على أرض مكة من الجزيرة العربية محط الأبصار، وشغل الأفكار، حاطه ربه باليمين وليدا، إيذانا منه لعباده بما سيؤهله له، وصانه عن اللهو العابث صبيّا ليرتفع به عما يتدنى فيه غيره كى يمهد لإجلاله، وأجرى الصدق على لسانه، وبسط بالأمانة يديه، وملأ بالرحمة قلبه، وبالحكمة رأسه، ليرى الناس فيه ما يفقدون من صفات فيلتفوا حوله اليوم تمهيدا لالتفافهم حوله فى غد.

وحين استوى محمد شابّا، واستوت باستوائه صفات الكمال كلها فيه، رأى الناس أنهم بين يدى عجب استعصى على عامتهم تأويله، ولم يستعص على خاصتهم من أولى الكتاب، فعرفوا أنه النبى المرتقب.

ومضى محمد فى طريقه المرسوم يهيئه الله لتلقى ما سوف يوحى به إليه.

فغدا لا يرى فى منامه رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، وغدت الخلوة

ص: 297

محببة إلى نفسه، يقضى فى غار حراء الليالى ذوات العدد خاليا لعبادته، ولا يعود إلى أهله إلا لكى يتزود لمثلها.

وفيما كان محمد فى غار حراء خاليا يتحنث تمثل له جبريل يحمل إليه الوحى من ربه، ويؤذنه بدعوة قومه إلى الله الواحد الأحد وترك عبادة الأوثان.

وكان ابتداء الوحى فى شهر رمضان وفى السابع عشر منه، يشير إلى قوله تعالى فى سورة البقرة: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. ويشير إلى الثانية قوله تعالى فى سورة الأنفال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وكان التقاء الجمعين- أعنى المسلمين والمشركين يوم بدر- فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة.

وكان أول ما نزل عليه من الوحى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.

ولقد تلقاه الرسول مجهودا وانصرف به مشدوها، ووقف فى مكانه بعد خروجه من حراء ناظرا فى آفاق السماء، لا يتقدم أمامه ولا يرجع إلى الوراء، إلى أن ارتدت إليه نفسه وانتهى إلى خديجة وهو يحس هزة المقرور.

وفتر الوحى فترة بلغت أعواما ثلاثة، كانت لتلك النفس البشرية المختارة بمثابة الفترة التى سبقت الرحى وحبّب فيها إلى الرسول أن يتحنث، فلقد هيأ هذا التحنث نفس محمد لهذا التلقى وقارب بها منه، وإذا هى على الرغم من هذا التقريب وذاك الإعداد تهتز لجلال ما ترى وتسمع، وإذا هى بهذا قد انتهت من مرحلة لتبدأ فى مرحلة، وإذا المرحلة الجديدة فى حاجة إلى زاد كما كانت المرحلة الأولى فى حاجة إلى زاد، وإذا هذا الزاد الجديد فترة يخلو فيها محمد إلى نفسه بما شاهد يتمثله مرة وسرة لتراح إليه روحه، وليأنس به

ص: 298

روعه، حتى إذا ما تلقاه بعدها تلقاه متهيئا له. وهكذا كانت تلك الفترة خلو ثانية، بعد تلك الخلوة الأولى فى غار حراء، هيأت الأولى نفسه لتلقى الوحى وهيأت الثانية نفسه للأنس بالوحى.

وحركت فترة الوحى ألسنة أهل مكة بالقول فاسترسلوا يقولون: ودعه ربه؟؟

وقلاه. يرددها لسان الضلال شماتة بلسان الحق، ويحاول العقل الغافل أن يخدع بها العقل الواعى ليصرفه عن الدعوة الجديدة.

وانضمت هذه التى خلا بها الخصوم من شماتة إلى تلك التى خلا بها الرسول من لهفة، فإذا هو بعد هذه وتلك أحزن ما يكون على انقطاع الوحى، وأشوق ما يكون إلى اتصاله.

ومع هذا التهيؤ الكامل لهذه النفس البشرية المختارة اتصل الوحى ونزل على محمد قوله تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى يرد على المتقولين. ونزل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ يأمره أن يكون رسول ربه إلى الناس يدعوهم إليه وإلى الحق، ويصرفهم عن الأوثان وعن الباطل.

وأخذ محمد يدعو إلى ربه، وإلى هذا الدين الجديد الذى اصطفاه ربه له، فى بيئة قد عرفت لها إيغالها فى الباطل واستكانتها إليه، وبين قوم أشربوا الضلال فعاندوا عليه، فاقتضت الحكمة الحكيمة أن تأخذ الدعوة طريقها سرّا لاعلانية، وخفية لا جهرا، تضم إليها الآنس بها وتجمع عليها من تفتح قلبه لها.

وكان أقرب الناس إلى الرسول من الرجال أبو بكر، وكان له صديقا وإلفا، ومن الصبيان على بن أبى طالب، فى ظله نشأ وبين يديه شب، ومن

ص: 299

النساء زوجه خديجة، وكانت كالئته فى خلواته وملاذه فى فزعاته، ومن الموالى زيد بن حارثة، وكان حب رسول الله، وهبته خديجة له قبل النبوة، وكان عمره إذ ذاك ثمانى سنين، فأعتقه رسول الله وتبناه، ومن العبيد بلال بن رباح الحبشى، وكان قريبا من أبى بكر غير بعيد عما يرى. فكان هؤلاء جميعا أول من آمنوا بمحمد وأول من صدقوه. وبقى الرسول بمن آمن معه يدعو الناس خفية، وما سلم الرسول وما سلم من معه- على الرغم من عدم مجاهرتهم بالدعوة- من أذى كبير حملوه راضين، حتى إذا ما أفصحت الدعوة عن نفسها شيئا، وغدت حديث البيئة، لم يكن بد من أن يقف محمد ومن حوله القليلون المستضعفون للناس جهرا يدعون، بعد أن قضوا نحوا من أعوام ثلاثة يسرون.

وكان الصدام بين الحق والباطل. وما جبلت النفوس الغافلة أن تخرج من غفلتها فى يسر، ولا سيما إذا كانت تلك الغفلة تظلها عقيدة وبحميها تقليد، وكانت تلك العقيدة وذلك التقليد إرث قرون.

ومشت قريش إلى الرسول تساومه على أن يطلب ما يشاء من ملك أو سيادة أو مال على أن يترك ما يدعو إليه، فعادوا بغير ما كانوا يأملون، ولقد كانت لهم فيها عظة لو كانوا يتدبرون.

من أجل هذا عنف هذا الصدام وقسا، وذاق دعاة الحق من عنفه ومن قسوته الشىء الكثير، وكان ماذاقوا ابتلاء لهذا الحق وابتلاء لهم، إذ لو كان هو زيفا ما ضمهم إليه على عسره، ولو كانوا هم على غير اليقين به ما انضموا إليه حاملين ما يمر.

ومضى محمد يشق الطريق بمن تبعه وسط هو جاء عاصفة، يدبر للدعوة

ص: 300

بتدبير السماء، وكان حين يصبر على الأذى يصيبه يأسى للأذى يصيب أصحابه.

فلقد كان رسولا، وكان فى عافية بمكانه من رسالته، لا يخشى أن يزلزل إيمانه بها ترغيب أو ترهيب، وكان أتباعه على حسن إيمانهم وعظيم صبرهم بشرا يجوز عليهم ما يجوز على البشر من الوعد والإيعاد، ولقد وفى أكثرهم لمعتقده فلم يصرفه إيذاء كما لم يحوله إعطاء، وهلك نفر منهم تحت سوط البلاء، كما لان نفر منهم فأعطوا بألسنتهم وما نظنهم أعطوا بقلوبهم.

فلقد تتبع مشركو مكة من يسلمون بألوان الأذى كلها لا يقصدون، فآذوهم فى أموالهم وآذوهم فى أهليهم وآذوهم فى أجسادهم، وعز على رسول الله ما يلقى أصحابه، وكانوا كلهم قد تخلت قبائلهم عن حمايتهم، فمن كان منهم ذا بأس هابوه، ومن كان منهم مستضعفا حملوا عليه.

وهنا يرى الرسول رأيا، ويراه معه الذين استضعفوا أمرا، لقد رأى الرسول لهؤلاء أن يهاجروا إلى الحبشة بعد أن سمع عن النجاشى عدله وإنصافه، فخرج إلى الحبشة نفر من المسلمين، على ما فى هذه الرحلة من ألم الفراق ووعثاء الطريق وعذاب الغربة.

ولكن قريشا لم ترض لمسلم أن يقر آمنا، وإن كان على أرض غير أرضهم، فحين بلغهم أن المسلمين أصابوا بالحبشة دارا وقرارا بعثوا فى إثرهم رجلين من من رجالهم وحملوهما هدايا للنجاشى وبطارقته، وكاد الرجلان أن يكيدا للمسلمين عند النجاشى، ولكن النجاشى حين استمع لهما واستمع للمسلمين رد الرجلين خائبين وترك المسلمين آمنين.

ويسلم حمزة بن عبد المطلب، ويسلم عمر بن الخطاب، وكانا رجلى بأس

ص: 301

ففرح لإسلامهما المسلمون وأسى لإسلامهما المشركون، لما رأوه من انتشار الإسلام على الرغم مما يفعلون. وخال المشركون أنهم لم يبلغوا فى الأذى ما يريدون فائتمروا بينهم أن يمعنوا فى الإيذاء إلى حد لا يقوى المسلمون له، فكتبوا فيما بينهم كتابا تعاقدوا فيه على بنى هاشم وبنى المطلب على أن يقطعوا ما بينهم وبينهم فلا تكون ثمة صلات من زواج أو بيع أو شراء، غير أن ذلك لم يجد شيئا.

ويفقد الرسول نصير بن عزيز بن إلى نفسه كريمين عليه، الواحد بعد الآخر، قبل أن يهاجر إلى المدينة بنحو من ثلاث سنين، فلقد فقد عمه أبا طالب، وكان نعم العون له، كفله بعد وفاة جده عبد المطلب، ووقف إلى جانبه منذ بعث يناصره ويرد عنه كيد المشركين، وكان المشركون يهابون أبا طالب فلم يقدموا على كثير مما كانوا يريدون، وبعد أيام ثلاثة فقد زوجته خديجة بعد زواج دام أربعة وعشرين سنة وستة أشهر، ولقد علمت موقف خديجة من الرسول قبل أن يبعث وبعد أن بعث، وكانت أول مسلمة وأول مناصرة، رعت الرسول وقامت فى عونه أيام لاعون.

وكما حزن المشركون لإسلام حمزة وعمر فرحوا لموت أبى طالب وخديجة، واشتطوا يمعنون فى الأذى، غير أن الرسول ما أبه لأذى المشركين وما قعد عن لقاء الناس فى الأسواق يدعو لعقيدته.

وكان الإسراء الذى تم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم المعراج إلى السماء. وفى تلك الليلة فرضت الصلاة على المسلمين، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة.

ولسنا نحب أن نخوض فيما خاض فيه المجتهدون من قبل حول الإسراء

ص: 302

والمعراج، أكان بالجسد أم كان بالروح، واختلافهم دليل على أنه ليس ثمة قول قاطع، وعندى أن الخير فى مثل هذه تقبل الصورة على إجمالها، فنحن ملزمون بالتصديق بالإسراء والمعراج وأنهما وقعا حقّا، ولكنا غير ملزمين أن نؤمن بالصورة التى وقعا بها، ما دمنا لا نجد أثرا يملى إملاء صريحا، وثمة حقائق دينية منها هذه، يجب أن نقف عند مدلولها ولا نناقش صورها، وأى شىء يعنى المؤمن عن الرسول فى هذه إلا أن يصدق بأنه أسرى به، وأنه مع هذا الإسراء فرضت الصلاة، وأين نفوسنا وما تملك من نفوس الرسل وما تملك، وأين بصائرنا وما تحوز من بصائر الرسل وما تحوز، ثم أين مكان المغمور فى حمأة المادة من مكان السابح فى شفافية المعنويات.

لقد أسرى بالرسول، وعرج به، ما فى ذلك شك، ولقد فرضت الصلاة فى تلك الليلة، ما فى ذلك شك، بهدا حدثنا الرسول ونطق القرآن. ولو شاءا تفصيلا لزادا، ولكنهما أعطيانا مانعى وما يعنينا وحجبا عنا ما بعد ذلك.

ولعل نظرة المشركين للإسراء يناقشون صورته التى وقع بها هى التى حفزت المسلمين بعد إلى أن يكدوا أنفسهم فى هذا الخلاف، وليست صورة الوحى تبعد كثيرا عن صورة الإسراء، ومن آمن بالأولى يؤمن بالثانية، فكما اتصل محمد بربه فى تلك اتصل محمد بربه فى هذه، وكما تلقى محمد عن ربه فى الأولى تلقى محمد عن ربه فى الثانية.

وحين ازداد المشركون إيذاء ازداد الرسول تعرضا للقبائل يعرض عليها ما نزل عليه من السماء، وبينما هو عند العقبة قريبا من مكة لقى نفرا من

ص: 303

الخزرج فعرض عليهم الإسلام فأجابوه وأسلموا ورجعوا إلى قومهم فى المدينة بالإسلام يدعونهم إليه.

حتى إذا كان العام المقبل لقى الرسول من الأنصار رجالا آخرين فبايعوه على الإيمان به، وفى اللقية الثانية كان الاتفاق بين الأنصار والرسول على خروج الرسول إلى المدينة، واستوثق الرسول واستوثق له عمه العباس، وكان حاضرا فى هذا الاجتماع، وكانت الهجرة إلى المدينة، خرج إليها المسلمون وأقام الرسول بمكة يدبر لأمر خروجه.

وعلى الرغم من حيطة قريش خرج الرسول ومعه أبو بكر وركبا إلى المدينة، وخرجت قريش فى إثرهما تطلبهما، ففوت الله عليهم ما يطلبون.

وكان خروج الرسول من مكة يوم الخميس فى اليوم الأول من ربيع الأول، وكان بلوغه المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت منه، وكان ذلك ظهر يوم اثنين، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وخمسين سنة.

ولقد علم المسلمون أول ما علموا أن هذا البلاء زاد المسلم إلى الجنة، وعصمته يوم الميعاد، وما على الرسول إلا البيان، وأن عليهم التمكن لهذا البيان، ونصر الله صنو جهاد العبد وكفاحه وصبره، على هذا رسالات السماء، وعلى هذا رسل السماء إلى العباد، يهبط الهدى حين تنتشر الظلمة، ويتلقف الهدى رسول مختار، يصطفيه الله صادقا جلدا صبورا، فإذا الناس معه على الطريق لهم مثل همه، نصرا نصراء للحق ينصرونه بصدقهم وجلدهم وصبرهم، لا يحرصون على الحياة، ولا يغريهم متاعها، وإذا هم حين يؤيدون رسالة السماء، قد أيدتهم رسالة السماء، وإذا الدنيا معهم على هذا الحق، وإذا هم سادة الدنيا بهذا الحق.

على هذا عرف المسلمون محمدا، وبهذا قدم محمد نفسه للمسلمين، لم يطمعوا

ص: 304

فى أن تكشف السماء عنهم ضرّا لم يشمروا هم لكشفه، ولا فى أن تزيح عنهم السماء بلاء لم يتهيئوا هم لإزاحته، كما لم يجعلوا كلمة التوحيد وحدها سلاحهم على أعدائهم وعدتهم التى بها يقوون، بل جعلوا هذه الكلمة هى اللبنة الأولى فى سرح إيمانهم، وانضم بها بعضهم إلى بعض يتناصحون، والرسول من بينهم يملى عليهم ويشير.

على هذا عاهد المسلمون الله، وعلى هذا عاهد المسلمون الرسول، وعاهدوا الله على أن يناصروا رسوله، وعاهدوا الرسول على أن يناصروا رسالته، ثم عاهدوا أنفسهم على البذل للتمكين للرسالة، لا يسألون الله نصرا قبل أن يسألوا أنفسهم بذلا.

وعلى هذا عاش منهم فى مكة من أنس فى نفسه قوة على احتمال الأذى ولم يخش أن يفتن فى دينه، وهاجر منهم إلى الحبشة من لم يقو على احتماله الأذى وخاف أن يفتن فى دينه، حتى إذا كانت الهجرة إلى المدينة لم ينظر المهاجرون إلى وطن عزيز عليهم، وأهل قريبين إلى نفوسهم، ومال هو قوام حياتهم، وإنما نظروا إلى عقيدة هى لهم الحياة كلها وطنا وأهلا ومالا، وسرعان ما لحق بهم الرسول إلى المدينة ليبدأ بالمهاجرين معه من مكة وبالأنصار أهل المدينة مرحلة جديدة من مراحل الدعوة كانت معها حروب، وكانت معها تضحيات، وكان نصر الله صنو نصر المسلمين لرسوله ولرسالته، وكتب الله بجهاد المجاهدين لهذه الدعوة أن تستقر، وكتب لها أن تدخل بهم مكة فاتحين ليمحوا كلمة الإثم ويردوا أهلها إلى الهدى.

وغزا رسول الله بالمسلمين سبعا وعشرين غزوة، كما بعث بعوثا وأرسل سرايا بلغت جميعا ثمانيا وثلاثين. وكانت هذه البعوث والسرايا والغزوات (م 20- الموسوعة القرآنية- ج 1)

ص: 305

كلها دفاعا عن النفس وذيادا عن الحق، فلقد لبث الرسول بالمسلمين منذ بدأت الدعوة ثلاث عشرة سنة داعيا إلى الله بالمعروف، يعرض به كما يعرض بالمسلمين، فلا يعنيه ولا يعنيهم هذا التعريض، ويؤذى المسلمون بين يديه فيدعوهم إلى الصبر ولا يهيجهم إلى الشر، وكان ذلك يظن عن ضعف حين كان المسلمون قلة فما بالك بهم بعد أن أصبحوا كثرة. وكم من أيام آب فيها الصحابة إلى الرسول وهم ما بين مشجوج ومضروب يستأذنونه فى أن يردوا عن أنفسهم أو يثأروا من ضاربيهم فما كان جواب الرسول لهم إلا

قوله: اصبروا فإنى لم أومر بقتالهم.

وكانت حكمة السماء فى هذا الصبر أن يخرج الرسول بالأمة العربية من بعده على ود لم يعكره عداء أو عدوان، وكانت حكمتها فى الإرخاء فيه إلى أن بلغ ثلاثة عشر عاما أن تعذر إلى من لم يسلموا، ولم يكونوا غير أهل وإخوان، الإعذار كله فلا تذر فى أيديهم سببا من أسباب اللوم، ثم كانت حكمة السماء فى هذا الصبر الطويل أن تخلق فى المسلمين قوة الاحتمال والجلد والأناة والترفق، إلى غير ذلك من صفات تعوز النفوس المقبلة على مهام جسمية، وهل كانت رسالة الإسلام إلا رسالة جسمية؟

حتى إذا ما أعذر المسلمون إلى إخوانهم وأبلغوا فى الإعذار، وصبروا وأمعنوا فى الصبر، لم يكن بد من أن تتولى حكمة السماء هؤلاء الصابرين بتدبر يحفظ عليهم صبرهم من أن ينفد، ويحفظ عليهم وجودهم من أن يستذل، وترعى لهم كيانهم من أن يهان، وما جاءت الدعوة الجديدة إلا لتحمى لهؤلاء وجودهم وكيانهم، لهذا أذن للرسول فى أن يدفع عن نفسه، وعن المسلمين.

ص: 306

ونحن إذا تتبعنا الغزوات غزوة غزوة، والسرايا سرية سرية، والبعوث بعثا بعثا، لا نجدها خرجت جميعها إلا لتدفع غزوا أو لترهب حتى تمنع غزوا.

فلقد خرج حمزة على أول بعث بعد سبعة أشهر من الهجرة ليلقى عيرا لقريش فيها أبو جهل قادمة من الشام، وكان هذا البعث الأول نذيرا لقريش عله يكفها عن غيها، لم يقصد فيه المسلمون إلا إلى هذا، فحين دخل بين الفريقين رجل صلح كف المسلمون أيديهم ولم يدخلوا فى قتال.

وبعد شهر من هذا البعث خرجت سرية لتلقى أبا سفيان فى نفر من أصحابه، وكانت بين الفريقين مناوشة أصيب فيها سعد بن أبى وقاص بسهم من سهام المشركين، فكان أول سهم أصيب به مسلم فى الإسلام.

ثم كانت سرية سعد بن أبى وقاص التى خرجت تعترض عيرا لقريش، فمرت العير ولم تقع عليها السرية.

وعلى رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة خرج رسول الله وجمع من المسلمين يريدون ودان- الأبواء- حيث عير لقريش، وحيث بنو ضمرة الذين كانوا يعينون عليه. ورجع رسول الله بمن معه من هذه الغزوة بعد أن صالحته بنو ضمرة على ألا تعين عليه. ولقد فاتته عير قريش فى هذه الغزوة كما فاتته فى غزوة بعدها هى غزوة بواط، وكانت بعد شهر من غزوة ودان.

وبعد غزوة بواط كانت غزوة بدر الأولى التى خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدرك كرز بن جابر الفهرى، وكان قد أغار على المدينة واستاق سرحا لها. غير أن كرزا فات جيش المسلمين فلم يدركوه.

وعلى رأس ستة عشر شهرا من الهجرة خرج حمزة بن عبد المطلب فى نفر

ص: 307

من المسلمين يريدون عيرا لقريش قافلة من الشام، وحين أدركوا العشيرة، وجدوا أن العير فاتتهم.

وبعد شهر خرجت سرية فى اثنى عشر رجلا تبغى نخلة، وهو مكان بين مكة والطائف، لترصد قريشا وتعرف ما عندها، غير أن تلك السرية التقت بعير لقريش فكان بينهما عدوان تورط فيه المسلمون وعادوا بغنائم وأسرى، وكانوا فى رجب، وهو شهر حرام، فعاتبهم الرسول عليها حين عادوا إليه.

ثم كانت غزوة بدر الثانية فى السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية من الهجرة، وكانت بسبب تلك العير التى فاتت المسلمين فى العشيرة، وفيها كانت الحرب بين المسلمين والمشركين، وفيها انتصف المسلمون من المشركين على الرغم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين.

وبعد ليال سبع من مرجع المسلمين من بدر خرج الرسول يريد بنى سليم، وحين أحس بنو سليم بالمسلمين يطلبونهم ولوا هاربين.

وهكذا بدأت رهبة المسلمين تدب فى قلوب المشركين، وبعد أن كانوا قلة مستضعفين غدوا كثرة مرهوبين.

وهنا أحب أن أقف بك وقفة قصيرة، فالحديث عن هذه الغزوات والسرايا والبعوث ذو شقين، ينتهى شقه الأول إلى ما قبل بدر الثانية، ثم هو منذ بدر الثانية ذو شق آخر.

ولقد مر بك فى هذا الشق الأول عرض لكل ما كان فيه من هذه السرايا والبعوث والغزوات، ولقد رأيت فيها المسلمين قد شمروا لإثبات وجودهم وليظهروا فى مظهر القوى بعد أن عاشوا فى مظهر المستضعف، وأن ذلك كان منذ أن استقرت أقدامهم فى المدينة بقليل، وأنهم لم يلبثوا غير سبعة أشهر فى المدينة كان بعدها خروجهم لهذا الإعلان عن قوتهم.

ص: 308

والدعوات عجلة بقدر ماهى مستأنية، تستأنى وتطيل الاسنئناء ما وجدت فى هذا الاستئناء الخير، وتعجل فتسرع إلى العجلة ما وجدت فى هذه العجلة الخير. ولقد تلبث الرسول بمن معه من المسلمين ثلاثة عشر عاما- كما قلت لك- لا يحب أن يخرج بالمسلمين عن الصبر والاحتمال لأسباب بينتها لك، حتى إذا ما نفدت حكمة الصبر كانت حكمة الخروج عن الصبر.

ولقد خرج المسلمون من المدينة فى تلك السرايا والبعوث والغزوات ليثبتوا للملأ من حولهم أنهم خرجوا عن صبرهم، وليثبتوا للملأ من حولهم أنهم قوة تملك أن ترهب.

ولا غرو أن نرى هذا الشق الأول كله يمضى فى التعرض لعير بعد عير، فلقد كان هذا أسلوب ذلك العصر فى الإرهاب، وما أراد المسلمون غير أن يهابوا ويرهبوا وأن يبادلوا جيرانهم هذا الأسلوب الإرهابى.

ولم يكن فيه عليهم غضاضة، فلقد رأيتهم فى كل ما فعلوا لم يقصدوا إلا الإعلان عن خروجهم، ولقد فاتتهم العير فى الكثير من خرجاتهم، وحين التقوا بخصومهم مرة كان هذا الصلح الذى ثم بين حمزة وأبى جهل فى البعث الأول، ثم لقد رأيت كيف عاتب الرسول أصحابه على ما كان منهم فى نخلة.

إذن لم يكن صحيحا ما اتهم به المغرضون محمدا وأصحابه عن هذا الشق الأول من الحروب بأنها كانت للسلب، فلقد رأيت معى كم سلب المسلمون فيها وكم عيرا لقوا. والصحيح كما ثبت لك أن هذه الحروب- إن صح أنها كانت حروبا- لم يقصد منها المسلمون إلا الذى حدثتك عنه، وأنها لم تكن غير وثبة بعد صبر طويل، وكانت وثبة تحكى وثبات العصر فى شىء وتخالفه فى شىء، تحكيه فى مظهرها الإرهابى وتخالفه فى مظهرها السلبى.

ص: 309

ومنذ أن دخل المسلمون مع المشركين فى غزوة بدر الثانية بدأ الشق الثانى من الحروب، فلقد أخذت الحرب فى هذا الشق الثانى مظهرها الحق، فنشبت تمليها الخصومة القائمة بين عقيدة وعقيدة، وكان الخروج إليها خروجا من أجل إثبات عقيدة ومحو أخرى، واختفت تلك الأسباب الأولى التى أثارت حروب الشق الأول، اختفى مظهر الإرهاب وما إليه من تتبع عير أو التعرض لها، وبدا مظهر التطاحن من أجل العقيدة، وعلى هذا توالت غزوات الشق الثانى.

فكانت غزوة بنى سليم التى حدثتك عنها، ثم غزوة بنى قينقاع يهود المدينة، وكانوا على غير صفاء مع المسلمين، وبعد هذه الغزوة كانت غزوة السويق التى خرج فيها أبو سفيان ليثأر لبدر.

وحين رجع الرسول من غزوة السويق خرج يغزو غطفان، وكان قد بلغه أنهم أعدوا العدة لغزوه.

ثم كانت غزوة أحد التى خرج فيها المشركون ليثأروا من المسلمين بيوم بدر، وفيها خالف رماة المسلمين أمر الرسول وتدبيره فكانت الغلبة للمشركين.

وبلغ رسول الله عقب قفوله من «أحد» أن المشركين يهمون بالرجوع إلى المدينة بعد أن كسبوا شيئا من النصر فى أحد، فخرج الرسول بأصحابه الذين كانوا معه فى أحد وحدهم إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة حتى لا يطمع فيه عدوه.

وفى ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة كانت غزوة بنى النضير من يهود المدينة، وكانوا قد كادوا للرسول وهموا بقتله.

ص: 310

وبعد هذه الغزوة بنحو من شهرين خرج رسول الله إلى غزوة ذات الرقاع ليغزو قوما من غطفان كان قد بلغه عنهم أنهم جمعوا جموعا لمحاربته.

ثم كانت غزوة بدر الأخيرة، وقد كان أبو سفيان حدد موعدها بعد بدر الثانية، غير أنه خشى بأس المسلمين فلم ينهض إليهم.

ولمثل ما خرج إليه الرسول يوم ذات الرقاع كان خروجه إلى دومة الجندل- مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال وتبعد عن المدينة خمس عشرة ليلة- فلقد بلغ الرسول أن قوما يعسفون، وأنهم على أن يمتدوا بعسفهم إلى المدينة، فخرج إليهم فإذا هم يقرون، فعاد المسلمون وقد غنموا شيئا.

ولمثل هذا أيضا كان خروج الرسول إلى المريسيع.

واتفقت كلمة اليهود مع كلمة المشركين على أن يغزو محمدا فى المدينة مجتمعين، فكانت غزوة الخندق التى حفر فيها الرسول خندقا حول المدينة يحميها من هذا الهجوم، ولقد كتب فيها النصر للمسلمين وارتد المشركون عن المدينة مدحورين.

ولم يكن بد من أن يأخذ المسلمون اليهود بمناصرتهم لقريش فى غزوة الخندق، فما كاد المشركون يرتدون عن المدينة حتى خرج المسلمون لغزو بنى قريظة وإملاء شروطهم عليهم.

وكانت بعد هذه غزوات وسرايا، كان الخروج إليها لمثل تلك الأسباب التى مرت بك، إلى أن كان أمر الحديبية حين خرج رسول الله يريد مكة بعد ست سنوات من الهجرة وحيث كانت المصالحة بينه وبين قريش على أن يرجع عنهم عامهم هذا.

ص: 311

وفى السنة السابعة من الهجرة كانت غزوة خيبر حيث اجتمع اليهود على حرب المسلمين ثم فتحها.

وبين غزوة خيبر سنة سبع وفتح مكة سنة ثمان كانت سرايا وغزوات لرد عدوان أو كبت خصومة. وبفتح مكة عاد الإسلام إلى موطن الرسالة ومكان البيت، وقضى على كلمة الشرك القضاء الأخير بعد أن اقتحم عليه معقله.

ولقد خاض المسلمون بعد فتح مكة حربين حملوا عليهما، كانت أولى هاتين الحربين غزوة حنين التى تهيأت فيها هوازن لحرب الرسول، وكانت بينهم وبين المسلمين حرب طاحنة كتب فيها النصر أخيرا للمسلمين.

وتبعت هذه الحرب حرب ثانية كانت امتدادا للحرب الأولى وهى غزوة الطائف.

وكانت بعد غزوة الطائف سرايا من نوع ما سبق من سرايا، إلى أن كانت غزوة تبوك سنة تسع وكانت آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وكان قد خرج فيها للقاء الروم، ولم يكن لقاء.

وإن نظرة إلى جيش المجاهدين المسلمين عند أول بعث خرجوا له، وعند آخر جيش تعبئوا له، ندرك كيف بدأ المسلمون وكيف انتهوا، فلقد كان بعث حمزة ثلاثين راكبا وكان جيش تبوك ثلاثين ألفا، وكانت الخيل فيه عشرة آلاف.

وهكذا خلقت العقيدة من القلة كثرة، ومن الضعف قوة، وبعد أن كان المؤمنون قلة مستضعفين غدوا كثرة مرهوبين. وكان نصر الله فى ظل راياتهم أنى تخفق، ومع خطوات جيوشهم أنى تسير.

ص: 312

وفى ذى الحجة من السنة العاشرة للهجرة حج الرسول بالمسلمين حجة الوداع وفيها خطب الناس خطبته البلقاء التى رسم للناس فيها الحدود وذكرهم بمعالم الدين، وفيها ودع الناس وكأنه يحس أنه ملاق ربه.

وفى أواخر صفر من السنة الحادية عشر للهجرة أخذ المرض رسول الله ولبث مريضا أياما، يقدرها بعضهم بسبعة أيام ويقدرها بعضهم بثلاثة عشر يوما.

وفى يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول من تلك السنة- أعنى السنة الحادية عشرة للهجرة- قبض رسول الله عن ثلاث وستين سنة قمرية.

وكانت أعوام بعثته، منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه، نحوا من ثلاثة وعشرين عاما، قضى أكثرها وما يزيد على نصفها فى مكة تسانده زوجته خديجة إلى أن ماتت قبل الهجرة إلى المدينة بنحو من أعوام ثلاثة.

وفى المدينة عاش الرسول نحوا من أحد عشر عاما وقعت فيها الغزوات كلها، والسرايا والبعوث كلها، وعلى الصحيح فى تسع منها، لأن أول بعث كان فى السنة الثانية من الهجرة. ولقد علمت من قبل أن مجموع تلك الحروب كانت نحوا من خمس وستين، لتعلم هنا أن نصيب كل عام من تلك الأعوام من هذه الحروب بلغ السبع، أى أنه صلى الله عليه وسلم كان له فى كل شهر تدبير جيش ولقاء عدو، هذا إلى تلك التشريعات الكثيرة التى وضعها عن أمر ربه والحدود التى بينها بوحى من ربه، ثم ما بين هذا وذاك من لقاء وفود ولقاء أفراد، وكتب إلى الملوك والأمراء، وقيام بأمور المسلمين جميعا، وما كان أكثرها.

ترى فى ظل هذا كله كيف كان الرسول يفرغ لشأنه، وكم من ساعات

ص: 313

يومه كانت له خالصة، ونحن نعلم، إلى هذا الذى ذكرناه له من واجبات، واجبات أخرى، وكانت لربه يختصها بالعبادة.

هذه هى حياة أعوام تسعة رأيت كيف ملأت الواجبات الثقال صفحاتها، ورأيت كيف شغل فيها الرسول بتدبير شئون العقيدة شغلا متصلا.

ومن الغريب أن هذه الأعوام التسعة التى لا نكاد نجد فيها بين ساعاتها ساعة كانت للرسول خاصة، هى الأعوام التى يتطاول المتقولون فيقولون:

إن الرسول عاش فيها لمتاعه بثلاث عشرة امرأة.

وهذا التطاول يرده ما قدمت، ويرده أن الرسول فى شبابه لم تعهد عليه ريبة، فقد بنى على خديجة وهو فى الخامسة والعشرين وهى فى الأربعين، وبقى معها إلى أن توفاها الله قبل الهجرة بأعوام ثلاثة كما مر بك، وكان عمره إذ ذاك خمسين سنة.

وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة هى سودة بنت زمعة، وكانت تحت ابن عمها السكران بن عمرو، وكان السكران هو وزوجته من مهاجرة الحبشة، وحين رجع بزوجته من الحبشة إلى مكة مات بها ولم يكن له عقب يرعى سودة فتزوجها الرسول.

ولم يتزوج الرسول بكرا غير عائشة بنت أبى بكر وبنى بها بالمدينة، كما تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمى، ثم مات خنيس فعرضها عمر على أبى بكر فلم يجب، ثم عرضها على عثمان فسكت، ورأى الرسول الأسى فى وجه عمر فضم حفصة إليه.

وضم إليه الرسول زينب بنت خزيمة بعد أن قتل عنها زوجها عبد الله ابن جحش يوم أحد.

ص: 314

وضم إليه بنت عمته زينب بنت جحش، وكانت من قبله زوجة لمولاه زيد بن حارثة.

وبعد زينب ضم إليه الرسول أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان، وكانت هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة بعد أن أسلما، ثم تنصر زوجها هناك فى الحبشة ومات بها، وأبت هى أن تتنصر وبقيت على إسلامها فتزوجها الرسول وهى بالحبشة.

وضم إليه الرسول أم سلمة هند بنت أبى أمية، وكانت هى الأخرى من مهاجرات الحبشة توفى عنها زوجها وخلف لها ولدين وبنتين.

وضم إليه الرسول خالة خالد بن الوليد ميمونة بنت الحارث، وكانت قبله عند أبى رهم العامرى.

وضم إليه رسول الله صفيه بنت حيى بن أخطب، وكانت زوجة لسلام ابن مشكم اليهودى، ثم لكنانة بن أبى الحقيق، فقتل عنها كنانة يوم خيبر.

وضم إليه رسول الله جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، وكانت فى سبى غزوة المصطلق، وما إن علم المسلمون بزواج الرسول منها حتى أطلقوا ما فى أيديهم من بنى المصطلق، وقد بلغ عدد من أعتقوا مائة.

وأنت ترى أن اثنتين منهن، وهما عائشة وحفصة، كانتا ابنتى صحابيين جليلين هما أبو بكر وعمر، وأن ثلاثا منهن كن من المهاجرات إلى الحبشة اللاتى فقدن أزواجهن، وهن: سودة، ورملة، وهند، وأن واحدة منهن، وهى زينب بنت خزيمة، قتل عنها زوجها يوم أحد، وأن واحدة منهن، وهى ميمونة بنت الحارث كانت خالة لخالد بن الوليد الفارس المعروف، وكان بناء الرسول بها مع دخول خالد فى الإسلام، وأن واحدة منهن،

ص: 315

وهى جويرية بنت الحارث، قرب الرسول ببنائه بها ما بين المصطلق والمسلمين.

وأن واحدة منهن، وهى بنت عمه زينب بنت جحش، كان بناؤه بها تشريعا فى الإسلام فى إبطال جعل الموالى لهم حكم الأبناء.

وأن واحدة منهن، وهى خولة بنت حكيم، كانت قد وهبت نفسها للنبى.

وأما عن صفية بنت حيى اليهودية فلقد كادت تثير لجاجا بين المسلمين حين وقعت فى نصيب دحية بن خليفة الكلبى، فحسم الرسول هذا الخلاف ببنائه بها، وكانت من بيت رياسة فى اليهود.

أرأيت إلى الرسول ومن بنى بهن وكيف بنى بهن، ثم أرأيت إلى أن هذا كله كان فى تلك الأعوام التى أحيطت بالشدائد وكان عبء تدبير هذا كله على عاتقه. ثم استمع لتعلم كيف كان الرسول فى حياته، لقد كان زاهدا فى دنياه غليظا على نفسه فى مسكنه وما كله ومشربه وملبسه، وكثيرا ما كان يجتزىء بالخبز والماء.

وكم كانت الشهور تمضى دون أن توقد فى داره نار لطهى، وكثيرا ما رئى وهو يرفو ثوبه بيده، وكان صلى الله عليه وسلم يرقد ليس بينه وبين الأرض إلا حصير قد أثر بجنبه، وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفا، وكانت بيوته من لبن، والحجر من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود.

ولقد دخلت امرأة من الأنصار على عائشة فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية فانطلقت فبعثت إليها بفراش حشوه صوف، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فأمرها بردها ثلاثا، فلم تفعل، فقال لها صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب

ص: 316

والفضة، ثم هو بعد هذا كان القوّام الصوّام المتبتل.

فأية دنيا تلك التى أرادها الرسول بهذا الزواج؟ وإن حياة الرسول الأولى لتملى عليه حياته الثانية، ولقد كان الرسول عفّا فى شبابه، عفّا فى زواجه من خديجة، أثقل أعباء مع عفته فى حياته الأخيرة.

صفحات من جهاد طويل متصل أخرج بها محمد الجزيرة العربية من عماية الضلال إلى نور الحقيقة، ومن رجس الشرك إلى طهر الإيمان، ومن آثام الباطل إلى صالحات الأعمال.

فإذا الجزيرة العربية على دين الإسلام تؤمن برب واحد حق بعد أن كانت موزعة بين أرباب كثيرة زائفة، برئت من الأوثان والأصنام وكانت آفة العقل، واطرحت وأد البنات وكانت سبة الأبد، وعفت عن الآثام وكانت غارقة فيها للأذقان، واستقامت على الطريق لتحمل راية الدعوة تبشر بها الآفاق فإذا هى بعد قليل قد أظلت برأيتها بقاعا لا تحصى وخلقا لا يعد.

تلك حياة الرسول أجملت لك مآثرها وماتم منها، وما تم هذا كله بعيدا عن تدبير السماء، وما تم هذا كله إلا عن وحى متصل يملى على الرسول بكرة وعشيّا فيمليه هو على قومه.

وهذا الوحى الذى تلقاه الرسول عن ربه وتلقاه المسلمون عن رسولهم إلى أن قبضه الله إليه، هو هذا الكتاب الكريم الذى جمع للمسلمين دينهم، وجمعهم على دينهم، وحفظ لهم حياتهم أمة مسلمة، وحفظهم على حياتهم أخوة مسلمين.

ص: 317

وما من شك فى أن هذا الكتاب الكريم يحمل معجزة ثانية خالدة بخلوده، فلقد كانت معجزته الأولى فى بيانه الذى خرست معه الألسنة فما تنطق، وفى فصاحته التى شدهت معها الأفئدة فما تعى، وسوف يظل هذا البيان وتلك الفصاحة حجة على العالمين.

تلك كانت معجزة القرآن الأولى يوم طالع الرسول العرب، وهم ما هم بيانا وفصاحة، فخروا لها ساجدين وأذعنوا لها مسلمين.

أما عن معجزته الثانية فهى فى حمايته أمة من أن تشيع فى أمم، ولغة من أن تذوب فى لغات.

فما نعرف شيئا حمى اللغة العربية من الضياع- مع تلك الأزمات العاصفة التى مرت بها والتى كم أودت مثيلات لها من لغات وبلبلت من ألسنة- غير هذا الكتاب الكريم، أبعدت ما أبعدت الشعوب العربية عن الكلام بلغتها العربية وكان هو مردها إليها، كلما أو شكت أن تنفصم صلتها بها ربطها هو بها.

وهكذا عاشت الأمة العربية بعيدة بكل ما فى يديها عن لغتها قريبة بهذا الكتاب وحده إلى لغتها.

وحين حمى هذا الكتاب اللغة لأهلها حمى هؤلاء من أن يتفرقوا أيدى سبأ، فلو أن الزمن بلبل ألسنتهم أمما مختلفة ذات ألسنة مختلفة ما وجدت بينهم هذه الصلة الضامة من اجتماع على تراث خالد، كان هو بمثابة الأب الروحى الذى يصل بين الأرواح والنفوس والقلوب.

ص: 318

ويكذبك من ينكر عليك أثر اللغة فى التقريب بين شعوب مختلفة الجنس، فما بالك بشعوب يكاد يجمعها جنس واحد.

وكما حفظ هذا الكتاب الكريم هذا المقوم للأمة العربية، وهو اللغة، حفظ مقوما آخر هو الدين، فلقد عاش هذا الكتاب على الألسنة وفى القلوب فوق ما هو مكتوب يسمع ويتلى فى أوقات متلاحقة متصلة، لا يكاد الناس ينسون حتى يتذكروا، ولا يكادون يبعدون حتى يقربوا، فإذا هم على دينهم كما هم على لغتهم، وإذا هذه اللغة وذاك الدين يمسكان الأمة العربية فلا تضل عنها لغتها ولا تضل هى عن دينها.

ولا غرو أن كانت للمسلمين به عنايات متصلة طالت وتنوعت، وهذا أوان ضم هذا كله فى سرد مختصر جامع يعرف به المسلم ما يتصل بقرآنه فى يسر يسير، دون أن يفوته شىء أو يبهم عليه أمر.

ص: 319