الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بينهما كتاب الله فى صورة مقروءة، كى يفيد منه الناس جميعا على تعاقب الأزمان، فما تغنى الرّقاع ولا غيرها، ثم هى عرضة للبلى والتشتت، وما يغنى الحفظة، وهم إلى فناء، ولا الناقلون عنهم، وليس لهم ميزة المعاصرة.
ويحرّك الله المسلمين لهذه الحسنة حين استحر القتل يوم اليمامة بقرّاء القرآن، فيخف عمر بن الخطاب إلى أبى بكر، وكان عندها خليفة، وكان الذى استخف عمر إلى أبى بكر فزعه من أن يتخطف الموت القرّاء فى مواطن أخرى، كما تخطفهم فى ذلك الموطن- أعنى اليمامة- فيضيع على المسلمين جمّاع دينهم ويعزّ عليهم كتابهم.
وحين جلس عمر إلى أبى بكر أخذ يناقشه فيما أتى إليه، من جمع القرآن، بعد أن بسط السّبب الحافز، وتلبّث أبو بكر يراجع نفسه، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وكان من كتّاب الوحى، كما مرّ بك، وحضر زيد مجلس أبى بكر وعمر وسمع منهما ما هما فيه، فإذا هو معهما فى الرأى، وإذا أبو بكر حين يجد من زيد حسن الاستجابة يتّجه إليه يقول: إنّك شابّ عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله، فتتبّع القرآن فاجمعه.
ومضى زيد يتتبع القرآن يجمعه ويكتبه، وكان زيد حافظا، فيسّر عليه حفظه ما كلّف به، ولكنه كان إلى هذا لا يقنع فى إثبات الآية يختلف فيها إلا بشهادة.
واجتمعت هذه الصّحف فى بيت أبى بكر حياته، ثم فى بيت عمر حياته.
12- مصحف عثمان
وكما حرّكت محنة اليمامة عمر إلى حسنة، حرّكت محنة أخرى- بعد مقتل عمر- عثمان إلى حسنة، فقد قدم حذيفة بن اليمان من حرب أرمينية وأذربيجان على عثمان فزعا من اختلاف المسلمين فى قراءة القرآن، يقول لعثمان: أدرك الأمّة قبل أن يختلفوا.
وكما استجاب أبو بكر إلى عمر استجاب عثمان إلى حذيفة، فأرسل عثمان يطلب الصّحف من عند حفصة بنت عمر، زوج النبى. وأرسلت حفصة بالصّحف إلى عثمان، وجمع عثمان إليه زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكلّهم من كتّاب
الوحى، وأمرهم بنسخ هذه الصّحف. فكتبوا منها سبع مصاحف. ثم ردّ عثمان الصّحف «1» إلى حفصة، فلم تزل عندها حتى أرسل مروان بن الحكم بن أبى العاص فأخذها فحرقها، كما ذكر أبو بكر السّجستانى «2» ويقول أبو بكر السّجستانى فى مكان آخر بسند متّصل عن سالم بن عبد الله: إن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصّحف التى كتب فيها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر: ليرسلن إليه بتلك الصحف.
فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشقّقت. فقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب فى شأن هذه الصّحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شىء منها لم يكتب «3» .
ولا ندرى إلى أى حد كان توفيق مروان فيما فعل، ولكنه، وهو الرجل الذى كان معاصرا لما وقع، كان عليه أن يطمئنّ إلى أن الأمر قد تمّ على أحسن ما يكون دقة وضبطا، وما نظنه غاب عنه كيف احتاط عثمان لذلك، وما نظنه إلا كان شاهد عثمان وهو يخطب الناس يناشدهم أن يأتوه بما معهم من كتاب الله، وكان عهدهم بالنبىّ قريبا، إذ لم يكن قد مضى على وفاته أكثر من ثلاث عشر سنة. وما نظن الناس إلا وفّوا لعثمان، وجاءه كلّ رجل بما كان عنده، فلقد كان الرجل يأتيه بالورقة والأديم فيه القرآن.
ولقد جمع من ذلك عثمان الشىء الكثير. وما وقف عثمان عند هذه بل لقد دعاهم رجلا رجلا فيناشده:
لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟ فيقول الرجل: نعم. حتى إذا فرغ من ذلك قال: من أكتب الناس؟ فقال الناس: كاتب رسول الله زيد بن ثابت. قال عثمان: فأىّ الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص- وكان سعيد أشبههم لهجة برسول الله- قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد.
هذا كله فعله عثمان، وفعل إلى جانبه الاستئناس بالصّحف التى تمّ جمعها فى عهد أبى بكر وشارك فيها عمر، والتى كانت عند حفصة، تلك الصّحف التى مثلت المصحف الأول المعتمد.
(1) ويقال: إنه نسخ من المصحف أربعة مصاحف أرسلها إلى البصرة والكوفة والشام، واحتفظ بالرابع فى المدينة.
(2)
المصاحف للسجستانى (س: 10) .
(3)
المصاحف (24- 25) .
من أجل هذا لم يختلف زيد وسعيد فى شىء، ووجدا ما اجتمع لهما من قبل على يد أبى بكر وعمر.
هو الذى جمعه عثمان ثانية واستخلف الناس عليه.
ويحكى المؤرخون أن زيدا وسعيدا لم يختلفا إلا فى حرف واحد فى سورة البقرة، فقال أحدهما «التابوت» . وقال الآخر «التابوه» . واختيرت قراءة زيد بن ثابت، لأنه كاتب الوحى.
وأرسل عثمان ستّا من هذه المصاحف إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة، وحبس مصحفا بالمدينة، وأمر عثمان فحرق ما كان مخالفا لمصحفه.
وقد مرّ بك أن على بن أبى طالب كان له مصحف باسمه، أعنى كان إليه جمعه، وأنه بعد موت النبى كان قد أقسم ألّا يرتدى برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن فى مصحف، ففعل.
وينقل أبو بكر السّجستانى «1» بسند متّصل عن أشعث، عن ابن سيرين، أنه حين تخلف علىّ عن بيعة أبى بكر أرسل إليه أبو بكر يقول له: أكرهت إمارتى يا أبا الحسن؟ فقال علىّ: لا والله، إنى أقسمت ألّا أرتدى برداء إلا لجمعة. فبايعه ثم رجع.
ثم يقول أبو بكر: لم يذكر «المصحف» أحد إلّا أشعث، وهو ليّن الحديث. وإنما قال: حتى أجمع القرآن، يعنى أتمّ حفظه.
غير أن ابن النديم- فيما نقلت إليك عنه قبل- يذكر أنه رأى عند أبى يعلى حمزة الحسنى مصحفا سقطت منه أوراق بخطّ على بن أبى طالب يتوارثه بنو الحسن، ثم أورد ترتيب السّور فيه، وقد نقلناها لك فيما سبق.
ولقد كان إلى مصحف علىّ مصاحف أخرى مرّت بك، هى مصحف أبىّ، ومصحف ابن مسعود، ومصحف ابن عباس، ومصحف جعفر الصادق. وكان ثمة مصاحف أخرى هى: مصحف لأبى موسى الأشعرى، ومصحف للمقداد بن الأسود، ومصحف لسالم، مولى أبى حذيفة.
ولقد كانت هذه المصاحف موزّعة فى الأمصار، فكان أهل الكوفة على مصحف ابن مسعود، وأهل البصرة على مصحف أبى موسى الأشعرى، وأهل دمشق على مصحف المقداد بن الأسود. وأهل الشام على مصحف أبىّ بن كعب.
(1) المصاحف (ص: 10) . [.....]
وكان ثمة خلاف بين هذه المصاحف، وهذا الخلاف، وهذا الخلاف هو الذى شهد به حذيفة حين كان مع الجيش فى فتح أذربيجان. وهذا الخلاف هو الذى فزع من أجله عثمان فنهض يجمع أصول القرآن ويجمع إلى هذه الأصول الحفظة الموثوق بهم.
فثمة مراحل ثلاث مرّ بها تدوين المصحف:
أولى هذه المراحل: تلك التى كانت فى حياة النبىّ صلى الله عليه وسلم، فلقد كان من حوله كتّابه يكتبون ما يملى عليهم، وكان الرسول حريصا على ألّا يكتب عنه غير القرآن، حتى لا يلتبس به شىء آخر.
ويروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تكتبوا عنّى شيئا سوى القرآن، فمن كتب عنى شيئا سوى القرآن فليمحه.
ولم يترك رسول الله دنياه إلى آخرته إلا بعد أن عارض ما فى صدره على ما فى صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وحسبك ما يقال عن كثرتهم أنه فى «غزوة بئر معونة» قتل منهم- أى من القرآء- سبعون. ثم حسبك عن كثرتهم أنه كانت منهم سيّدة، هى أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث،
وكان رسول الله يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وقد أمرها رسول الله أن تؤم أهل دارها «1» .
ثم حسبك دليلا على أن القرآن كتب فى حياة الرسول، وأنه كتب فى صحّة وضبط، ما
رواه البراء مع نزول قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «2» قال الرسول: ادع لى زيدا وليجئ باللّوح والدّواة والكتف، ثم قال: اكتب «لا يستوى» أى إن الرسول كان يملى على كاتبه لساعته.
ثم لعلّك تذكر فى إسلام عمر أن رجلا من قريش قال له: أختك قد صبأت- أى خرجت عن دينك- فرجع إلى أخته ودخل عليها بيتها ولطمها لطمة شجّ بها وجهها. فلما سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفة فى ناحية البيت فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «3» واطّلع على صحيفة أخرى فوجد فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى «4» فأسلم بعد ما وجد نفسه بين يدى كلام معجز ليس من قول بشر.
(1) الطبقات الكبرى، لابن سعد.
(2)
النساء: 95.
(3)
الحديد: 1.
(4)
طه: 1.
فهذه وتلك تدلانك على أن الكتّاب كانوا يكتبون بإملاء الرسول، وأن هذا المكتوب كان يتناقله الناس.
والثانية من تلك المراحل: ما كان من عمر مع أبى بكر حين استحرّ القتل بالقرّاء فى «اليمامة» ، وما انتهى إليه الرأى بين أبى بكر وعمر فى أن يكلا إلى زيد بن ثابت جمع المصحف، لتكون معارضة بين ما هو مكتوب فى الألواح وبين ما هو محفوظ فى الصّدور، قبل أن تأتى الحروب على حفظة القرآن، فما من شكّ فى أن الاثنين يكمّل أحدهما الآخر، لمن أراد أن يبلغ الكمال والدّقة والضبط.
وما يمنع من هذا الذى فكّر فيه عمر أن يكون هناك جمع سابق على يد نفر من الصحابة، مثل ما فعل «علىّ» ومثل ما فعل «ابن مسعود» ، ومثل ما فعل «ابن عباس» ، ومثل ما فعل غيرهم.
وما كان هذا يغيب عن «عمر» ولكن كان ثمّة فرق بين ما فكّر فيه «عمر» وما سبق بعض الصحابة به، فلقد كان الرأى عند «عمر» أن يبادر فى ظلّ وجود القرّاء إلى إيجاد مصحف رسمىّ بتكليف من الخليفة، والخليفة أقوى على حشد الجهود العظيمة لهذا العمل العظيم.
ولقد أحسّ زيد بثقل المهمة التى أرادها عمر، وأرادها معه أبو بكر، فأبو بكر وعمر لم يريدا عملا فرديّا يحمل عبئه فرد واحد، وإنما أراد عملا جماعيّا تحمل عبئه الخلافة وباسم الخلافة يصدر.
من أجل ذلك قال زيد: فو الله لو كلّفونى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علىّ ممّا كان أمرونى به من جمع القرآن.
ومن أجل ذلك مضى زيد يتحرّى، لم يكتف بما فى صدره وما بين يديه، بل لقد تلمّس آية يفقدها فوجدها عند رجل من الأنصار يدوّنها، وهى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «1» .
ومن أجل ذلك قال أبو بكر لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه.
ومن أجل ذلك لم يقعد زيد عن السّعى ليجد آخر المطاف آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت.
(1) الأحزاب: 23.
(م 23- الموسوعة القرآنية- ج 1)
إذن فقد كان مصحف أبى بكر وعمر أوّل مصحف رسمىّ جمعه زيد بن ثابت لهما فى ظلّ هذا التحرّى الدقيق، الذى كان أبو بكر وعمر من ورائه. غير أن هذا المصحف الرّسمى لم يأخذ طريقه الرسمى إلى الأمصار، ولعل مقتل عمر هو الذى أخّر ذلك.
والمرحلة الثالثة والأخيرة هى المرحلة التى تمت على يد عثمان، وكانت تتمّة للمرحلة الرّسميّة التى بدأت فى عهد أبى بكر وشاركه فيها عمر. فلقد وقع الذى كان يخشاه عمر، والذى فكّر من أجله فى هذا الجمع الرسمى، وعجل به القتل عن أن يمضى فيه إلى آخره.
فلقد مرّ بك كيف استقل كلّ مصر بمصحف، وكانت مصاحف فردية لم يجتمع لها ما اجتمع لمصحف أبى بكر الذى انتهى إلى حفصة، ثم انتهى إلى عثمان، من جهد جماعىّ مستوعب، ولقد سعى «على» جهده، وسعى «أبىّ» جهده، وسعى «ابن عباس» جهده، وسعى «جعفر الصادق» جهده، ولكن هذه الجهود لو تلاقت كما تلاقت حياة أبى بكر وعمر لخضعت لتعديل كثير، ودليلنا على ذلك أنه لما خرج إلى الأمصار مصحف عثمان دان الناس لتحريره قبل أن يدينوا لسلطان الخليفة، وما يستطيع أحد أن يظن بالمسلمين اللّين والضّعف عن أن يقفوا لأقوى الخلفاء يلزموه رأيهم، إن كانوا يعرفون أنهم على الحق وأن الخليفة على غير الحق فى مثل هذا الأمر الدينىّ الجلل، ولكن انصياع المسلمين فى الأمصار كلها لمصحف عثمان، وما كان عثمان بالعنيف، يدلّك على أن المصحف العثمانى خرج من إجماع اطمأنت القلوب إليه.
ويروى أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن «على» فى المصاحف وحرق «عثمان» لها: «لو لم يصنعه عثمان لصنعته «1» » .
ولقد كان «على» صاحب مصحف اختفى بظهور مصحف عثمان. ولكن هذا لم يمنعه من نصرة الحق الذى جاهد من أجله حياته كلها.
والذى قبله «علىّ» قبله «ابن مسعود» ، ولكن بعد لأى «2» ، وقبله يعد هذين كثيرون من الصحابة.
يروى أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن مصعب بن سعد، قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك ولم ينكر ذلك منهم أحد.
(1) المصاحف: (ص: 12) .
(2)
المصاحف: (ص: 18) .