الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لست ليال بقين من ذى القعدة.
وحج الناس تلك السنة، على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد، وهى سنة ثمان.
وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم، ما بين ذى القعدة، إذ انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهر رمضان من سنة تسع.
89- غزوة تبوك
ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وذلك فى زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج فى غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يصند له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وهو فى جهازه ذلك، للجدين قيس، أحد بنى سلمة: يا جد، هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟
فقال: يا رسول الله، أو تأذن لى ولا تفتنى؟ فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء منى، وأنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: قد أذنت لك.
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، فبعث إليهم النبى صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن حليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد فى سفره، وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحفص أهل الغنى على النفقة والحملان «1» فى سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان فى ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها.
ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة،
فقال: لا أجد ما أحملكم عليه
، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.
(1) الحملان: ما يحمل عليه من الدواب.
فلقى ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى، أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعبد الله بن مغفل، وهما يبكيان، قال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحا له، فارتحلاه، وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاءه المعذرون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله تعالى.
واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصارى، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبى، فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، رضوان الله عليه، على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا:
ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فلما قال ذلك المنافقون
أخذ على بن أبى طالب، رضوان الله عليه، سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى أنك استثقلتنى وتخففت منى، فقال: كذبوا، ولكننى خلفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبى بعدى، فرجع على إلى المدينة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره.
ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أياما إلى أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له طعاما، فلما دخل، قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الضح «1» والريح والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، فى ماله مقيم، ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما، حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لى زادا، ففعلتا. ثم قدم بعيره فارتحله، ثم خرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك.
وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى فى الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة.
فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة. ثم أخبر رسول الله صلى الله
(1) الضح: الشمس. [.....]
عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها، واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر فى طلب بعير له.
فأما الذى ذهب لحاجة فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره، فاحتملته الريح، حتى طرحته بجبلى طيىء، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الذى وقع بجبلى طيىء، فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة.
ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
فلما أصبح الناس ولا ماء معهم، شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله سبحانه سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه فى طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، يقال له: عمارة بن حزم، وكان عقبيّا بدريّا، وهو عم بنى عمرو بن حزم، وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا. فقال زيد بن اللصيت، وهو فى رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أليس محمد يزعم أنه نبى، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمارة عنده: إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبى، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟ وإنى والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها، وهى فى هذا الوادى، فى شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتونى بها.
فذهبوا، فجاءوا بها. فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شىء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا، عن مقالة قائل أخبره الله عند بكذا وكذا، للذى قال زيد بن اللصيت. فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى. فأقبل عمارة على زيد يضرب فى عنقه ويقول: إلى عباد الله، إن فى رحلى لداهية وما أشعر! اخرج أى عدو الله من رحلى، فلا تصحبنى.
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول
الله، قد تخلف أبوذر، وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه. وتلوّم «1» أبوذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا. ونزل رسول الله فى بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أباذر. فلما تأمله القوم قالوا:
يا رسول الله، هو والله أبوذر، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله أباذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.
وقد كان رهط من المنافقين، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين فى الحبال.. إرجانا وترهيبا المؤمنين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا «2» فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا.
فانطلق عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه.
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذى أوان، بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة
(1) تلوم. تلبث.
(2)
احتراقو: هلكوا.
(م 17- الموسوعة القرآنية- ج 1)
والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا، فتصلى لنا فيه، فقال: إنى على جناح سفر، وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله لآتيناكم، فصلينا لكم فيه.
فلما نزل بذى أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن عدى، أخا بنى العجلان، فقال:
انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى. فدخل إلى أهله، فاخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه.
وكانت مساجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين المدينة إلى تبوك معلومة مسماة.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان قد تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف ثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة، فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.
ويقول كعب: وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا، حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب نحو صاحبى مبشرون، وركض رجل إلى فرسا، وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءنى الذى سمعت صوته