الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
37- إسلام عمر بن الخطاب
ولما قدم عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش، ولم يدركا ما طلبا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردهما النجاشى بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب- وكان رجلا ذا شكيمة لابرام ما وراء ظهره- امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة، حتى غلبوا قريشا.
وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة.
وتقول أم عبد الله بنت أبى حثمة: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر زوجى فى بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علىّ وهو على شركه- وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا- فقال:
إنه للانطلاق يا أم عبد الله! قلت: نعم، والله لنخرجن فى أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله مخرجا. فقال: صحبكم الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها. ثم انصرف وقد أحزنه خروجنا.
فجاء عامر بحاجته تلك فقلت له: يا أبا عبد الله. لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت فى إسلامه؟ قلت: نعم. قال: فلا يسلم الذى رأيت حتى يسلم حمار الخطاب..... يأسا منه، لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام.
وكانت أخته فاطمة بنت الخطاب، عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعدها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر.
وكان نعيم بن عبد الله النحام، من بنى عدى بن كعب، قد أسلم، وكان أيضا يستخفى بإسلامه خوفا من قومه.
وكان خبّاب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا أنهم قد اجتمعوا فى بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة ابن عبد المطلب، وأبو بكر، وعلى بن أبى طالب، فى رجال من المسلمين، ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الذى فرق أمر قريش فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تار كيك تمشى على الأرض، وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم! فقال: وأى أهل بيتى؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، واختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. فرجع عمر عائدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها (طه) يقرئهما إياها، فلما سمعوا صوت عمر، تغيب خبّاب فى مخدع لهم، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها.
وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال:
ما هذه الهيمنة «1» التى سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلا والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه.
وبطش بختنه سعيد بن زيد. فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.
فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى، وقال لأخته:
أعطنى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد، وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها.
قال: لا تخافى، وحلف لها بآلهته ليردنها- إذا قرأها- إليها.
فلما قال ذلك طمعت فى إسلامه، فقالت له: يا أخى، إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر.
فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها (طه) ، فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه.
فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإنى سمعته أمس وهو يقول:«اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر» .
فقال له عند ذلك عمر: فدلنى يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو فى بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه.
(1) الهينمة: الصوت الذى لا يفهم.
فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب. فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوشحا السيف.
فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف.
فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرّا قتلناه بسيفه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له. فأذن له الرجل. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه فى الحجرة، فأخذ بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة، وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة.
فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأؤمن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله.
فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم.
فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عزوا فى أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم.
وكان عمر يقول: لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أى أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أنى قد أسلمت؟
قلت: أبو جهل، فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إلىّ (م 5- الموسوعة القرآنية- ج 1)