الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصلها الإسلام أو وصلها ولم يتمركز فيها؛ لم يكن للعربية أن تهاجمها أو تتمكن فيها. فالبربرية، ولو أنها انهزمت أمامها، لم تجد خيراً من أن تحتفظ بالرمق الباقي منها في ذلك البعض من الحصون والمعاقل. وهناك حقيقة، في شعف جمال الأطلس، كان متربعها ومقيلها، حيث بقيت تتنازع البقاء. فآناً تجد من يأخذ بضبعها من متعصبة المغاربة ومتحمسيهم، أو ممن لا ناقة له ولا جمل في هذا الأمر، وإنما همته بذر الشقاق والخلاف بين العنصرين المتمازجين والجنسين المتحدين (1) فتنهض وتستوي؛ وآناً تبقى مهملة منبوذة، لا يؤبه لها ولا يحفل بها، وذلك غالب أمرها. بل فيا عدا عصر الفتوح الذي نحن فيه، وفيما بعده بقليل، لم يبق لها بجانب العربية ظهور ولا صولة مطلقة. وخصوصاً بعد قيام الدول العربية البحت من بني مرين والسعديين والعلويين، كما ستجد تفاصيل ذلك في تضاعيف هذا الكتاب.
الصراع بين العرب والمغاربة
إذا عدنا لذكر الصراع القائم بين العرب والمغاربة؛ فلسنا نقصد صراعاً دينياً من نوع ما سبق، فنكون نقضنا حكمنا بأن المغاربة لم ينتقضوا على الإسلام أولاً، إلا لأنهم جهلوه فعادوه، وإنما نقصد هذا الصراع السياسي الطويل الذي ثارت عوامله بين العنصرين المتنافسين فيما بعد، بسبب تداول الحكم وتنازع السلطة.
ولعل مثار النزاع أولاً إنما كان لأجل استبداد العرب بوجوه المنافع، واختصاصهم بالمناصب العالية في الدولة، فبدأت المطالبة بالمساواة في الحقوق. ثم استفحل الداء فبدأ المغاربة يشعرون بالخطر يتهددهم، وأنهم إن لم يتلافوا الحال، ربما أفضى الأمر إلى محو وجودهم السياسي. فهاجت حميتهم وثارت عصبيتهم، وهبوا مندفعين كالسيل الجارف يريدون في البدء نيل حقوقهم المهضومة، وتثبيت مركزهم المتضعضع. ثم لما استحلوا الظفر واستمرءوا طعم الظهور، لم يبقوا قانعين بما حصلوا عليه. فتعلقت آمالهم بالملك والإمارة، وساروا في سبيلهم متحمسين.
(1) هذا ما فعله الفرنسيون حين احتلوا المغرب، وقد باعت جهودهم ولله الحمد بالفشل.
ونستشهد التاريخ في إثبات هذا الرأي؛ فنجد أن أول ما وقع هذا الاستبداد في دولة الإمام إدريس، حيث يتحدث المؤرخون أنه في سنة 189 هـ وفدت عليه وفود العرب من بلاد إفريقية والأندلس، في نحو خمسمائة فارس من القيسية والأزد ومذحج وبني يحصب والصدف وغيرهم. فسر بوفادتهم وأجزل صلاتهم وقربهم، ورفع منازلهم وجعلهم بطانته دون المغاربة. فاعتز بهم لأنه كان فريداً بين هؤلاء، ليس معه عرب، فاستوزر عمير بن مصعب الأزدي، واستقضى منهم عامر بن محمد بن سعيد القيسي قيس عيلان الخ كما في القرطاس. ولكنا نلاحظ أنه لم يظهر أثر سيء لهذه السياسة الإستئثارية، كما يحسن أن تسمي؛ في ذلك الحين على عهد الإمام إدريس، ولعل ذلك يرجع لما كان له ولهم من عظيم المنزلة عندهم، وصدق المحبة فيه. فلم يكونوا ينظرون إلى أعماله بعين الشك والريبة، كما نظروا إلى أعمال أولاده من بعده. ولأن الأمر في أوائله فلا ينتبه إليه، فلا يظهر ما يكون نتيجة له أو أثراً عنه. وكل ما نريد أن نقوله، هو أن هذا السلوك كان مبدأ الاستبداد على المغاربة ومنشأ الخلاف على العرب؛ وإن لم يظهر أثر ذلك إلا بعد أن تدهورت سياسة الأدارسة واختلت إدارتهم، فقويت الهمم وشدت العزائم على مقاومتهم والسعي في مناوأتهم.
فظهر على مسرح التاريخ موسى بن أبي العافية فجد في أثر الدولة الفتية يصلي رجالها نيراناً مستعرة، ويشن عليهم كل غارة شعواء، حتي قوض أركانها المتينة وهد بنيانها الشامخ وكاد يستأصلهم، لولا أن أخذت الناس الشفقة عليهم، فمنعوه منهم، فأقلع عنهم خزيان حقيراً. وما كاد يستريح ويأخذ في تدبير شؤونه حتى انبرى له بنو عبيد فساقوه بعصاهم. ومن هنا تعلم أن المغاربة لم يكونوا يريدون الانفراد بالسلطة أول الأمر، وإنما كانوا مغلوبين على أمرهم ومضروباً على أيديهم؛ فأرادوا الدفاع عن أنفسهم ونيل حقوقهم المهضومة؛ وإلا فان أبا عبد الله الشيعي كان يدعوهم إلى بيعة الفاطميين العلويين. وهل كانوا بالمغرب إلا داخلين في دعوة مماثلة ومبايعين للأدارسة العلويين? فلا يخلو هؤلاء الخارجون معه إما أن يكونوا مغرورين أو منتهزين الفرصة للحصول على مطامعهم في ظل الدولة الجديدة على حد قول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة أمرئ
…
نصيب ولا حظ تمنى زوالها