الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سياسة الدولة
في ذاك الجو السياسي المضطرب الذي خضع له المغرب مدى ثلاثة قرون أو تزيد، ومن صميم الشعب المغربي الذي سئم حياة الفوضى والقلق، قام الرجل الذي رسم لهذه البلاد خطة العمل، وقاد أهلها إلى قرارة المجد ومستوى العظمة، فعرفوا واجبهم من يومئذ وما تخلفوا عنه قط. وكان الرجل تلميذاً غير مباشر للشيخ أبي عمران الفاسي السابق الذكر، والذي نفته السلطة الغاشمة من بلده فاس لأمره بالمعروف ونهي عن المنكر. فنحن إذاً بإزاء خريج لتلك المدرسة الإصلاحية التي لم يتح لها أن تقوم بدورها في أرض الوطن فأدته من بعيد على أحسن الوجوه.
ويتعلق الأمر بأحد زعماء قبيلة صنهاجة العظيمة وهو يحيي بن إبراهيم الكدالي، فإنه لما حج ومر في طريق عودته بالقيروان، اجتمع بأبي عمران هذا وتحدث إليه عن سوء الحالة الاجتماعية بالمغرب وما عليه القبائل من الجهل بأصول الدين وفروع الشريعة. فبعث معه بكتاب إلى تلميذه واجاج بن زلو اللمطي وكان فقيهاً صالحاً وإقامته بمدينة نفيس بالجنوب المغربي، يأمره فيه أن يبعث معه من تلاميذه من يصلح للدعوة والإرشاد، ويصبر على لأواء الصحراء. ولحسن الحظ فقد وقع اختياره على تلميذ من الحذاق الأذكياء الفقهاء النبلاء أهل الدين والفضل والتقى والورع والأدب والسياسة والمشاركة في العلوم، كما وصفه ابن أبي زرع، هو عبد الله بن ياسين الجزولي؛ فخرج مع يحيى بن إبراهيم حتى وصل بلاد كدالة من قبائل صنهاجة، وهم ولمتونة إخوة يجتمعون في أب واحد. وكانوا يسكنون آخر بلاد الإسلام، ويحاربون السودان، ويليهم من جهة المغرب البحر المحيط (1).
(1) هكذا حدد مواطنهم الأولى صاحب القرطاس، وتلك عبارته. ويعني بآخر بلاد الإسلام الصحراء الكبرى فقد كانت غاية ما انتهت إليه الدعوة الإسلامية إذ ذاك ثم بلغت بفضل جهود المرابطين إلى ما وراء التخوم الصحراوية من إفريقية السوداء.
دخل عبدالله بن ياسين بلاد صنهاجة بقصد تعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين فوجد القوم على جهل مطبق لا يفرقون بين حلال وحرام، ليس معهم من الإسلام إلا الشهادتان ويتزوجون أكثر من أربع نسوة، فجعل يقرئهم القرآن ويبين لهم شرائع الإسلام ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فثقلت وطأته عليهم ونفرت منه قلوبهم، وحدث أن مات حاميه والذاب عنه الزعيم يحيى بن إبراهيم فتوفرت الأسباب على منابذته والإعراض عنه، فخرج مع من ثبت منهم على دعوته إلى رباط ناء في أقاصي الصحراء حيث أقاموا يعبدون الله ويطبقون تعاليم دينه. . وقيل إن يحيى بن إبراهيم كان ممن خرج معه إلى هذا الرباط بعد أن تنكر له قومه ونبذوا طاعته ولم يمت إلا بعد ذلك. وأياً كان فإنهم ما لبثوا هنالك إلا قليلاً حتى تسامع بهم الناس فكثر عليهم الوارد ونزع إليه التوابون ممن جفوه قبل. وبلغ عدد من اجتمع عليه من أشراف صنهاجة نحو ألف رجل، فسماهم هو أو سماهم الناس «المرابطين» ، من أجل ملازمتهم لذلك الرباط.
ولم يزل عبد الله بن ياسين مقيماً برباطه على الحالة التي وصفناها حتى قويت جموعه وكثرت وفوده، فندبهم إلى جهاد من خالفهم من قومهم وقال لهم: «يا معشر المرابطين! إنكم جمع كثير، وأنتم وجوه قبائلكم، ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده. فقالوا له: أيها الشيخ المبارك؛ مرنا بما شئت تجدنا سامعين، ولو أمرتنا بقتل آبائنا لفعلنا. فقال لهم: «اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وابلغوهم حجته؛ فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم؛ وإن أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
وقد كان هذا هو دستور الدولة المرابطية الذي سارت عليه منذ قيامها، وقانونها الأساسي الذي لم تجد عنه قط. إنها قامت لإصلاح الفساد وتطهير المجتمع من عوامل الشر ونشر الفضائل الدينية وتطبيق الشريعة الإسلامية كما جاء بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم. وهي كما عملت وفق هذه المسطرة في قبائل المغرب التي أفسدها الدعاة والخوارج من أصحاب البدع والنزعات الضالة، حتى أنقذ الله بها هذا القطر
من الهاوية التي كان قد تردى فيها، فإنها قد سارت على نفس المسطرة لما أصبحت مدعوة إلى القطر الأندلسي الذي أفسده تحلل ملوك الطوائف من كل الالتزامات الدينية والسياسية وانغراس أهله في الملاهي والملذات.
ولقد عمل المرابطون مع عبدالله بن ياسين على تثبيت دعائم الإسلام في بلاد صنهاجة أولاً ثم في بقية البلاد كسجلماسة ودرعة وسوس، إذ كانت على ما كان عليه أهل صنهاجة من الجهل والزيغ والفساد. وكان عبد الله يرتب العمال في كل البلاد التي يحل بها ويأمر بإقامة العدل وإظهار السنة وأخذ الزكاة والعشر من القبائل وإسقاط ما سوى ذلك من المغارم التي طالما كانت السبب في تمردهم وانحرافهم عن الجادة. وقاتل في مدينة تارودانت قوماً من الروافض يقال لهم البجلية، منسوبين إلى عبد الله البجلي الرافضي، كان قدم إلى سوس حين قدم عبيد الله الشيعي إلى إفريقية، فأشاع هنالك مذهبه فور ثوه بعده جيلاً عن جيل، لا يرون الحق إلا ما في أيديهم، فطهر تلك الناحية من بدعتهم وردهم إلى السنة. كما قاتل برغواطة ببلاد تامسنا الساحلية المعروفة اليوم بالشاوية، وكانوا أهل نحلة فاسدة وزيغ عن الدين.
وفي أثناء المعركة التي انتهت باستئصال شافتهم، توفي رحمه الله شهيدة مبروراً، وقد قضى في تربية المرابطين وإعدادهم للمهمة العظمى التي قاموا بها مدة حكمهم للمغرب؛ إحدى وعشرين سنة، لأن دخوله للصحراء مع يحيى بن إبراهيم كان سنة 430 واستشهاده كان سنة 451، وهي مدة لا تعد شيئاً إذا قسناها بالنتائج التي حصلت فيها. فقد طهر المغرب من الظلم والفساد، وتوحدت أقاليمه بعد طول الفرقة، وقطع دابر الخلاف المذهبي والسياسي الذي كان سبباً في كثير من الحروب الداخلية العنيفة، وتمحضت جهود المغاربة من يومئذ لبناء مستقبل بلادهم وإحلالها المحل اللائق بها بين بقية بلاد الإسلام والعروبة.
وكان بلي أمر المرابطين حين وفاة ابن ياسين الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي لم يلبث أن سلم سلطاته لابن عمه يوسف بن تاشفين وانقطع هو إلى الجهاد في بلاد السودان مع الإشراف على شؤون الصحراء.
وكان يوسف ذا همة عالية وحزم وعزم؛ فلما أسند إليه الأمر عزم على تصفية ملك المغرب وانتزاع ما بقي منه بيد مغراوة وبني يفرن. وهكذا استولى على
فاس ونقل كرسي المملكة منها إلى مراكش التي بناها سنة 454 ثم طمح إلى تملك المغرب الأوسط فلم ينشب أن أخذ عاصمته تلمسان من يد مغراوة، ثم افتتح مدينة تنس ووهران وجبل وانشريس وجميع أعمال شلف إلى الجزائر. وفي سنة 475 كان قد صفاً له أمر المغربين معاً. ثم إن مستخلفه الأمير أبا بكر بن عمر كان قد مضي إلى الصحراء يجاهد في سبيل الله حتى بلغ حدود السودان ونهر النيجر، ولما توفي سنة 480 دخلت هذه البلاد كلها في طاعة يوسف، فعظم بذلك أمره وذاع صيته في البلاد. ومن ثم توجهت إليه أنظار أهل الأندلس وتعلقت به آمالهم في النجدة والإنقاذ.
وكانت بلاد الأندلس منذ سقوط الدولة الأموية، تخضع لملوك الطوائف الذين تنازعوا النفوذ فيما بينهم، واستبدوا بولاياتها المختلفة. ولم يكن عندهم غناء في دفاع العدو المغير، لتفرق كلمتهم وانهماكهم في اللهو والمجون، على حين أن عدوهم آخذ لهم بالمرصاد، يستخلص منهم الجزية لقاء الكف عن قتالهم، ولا يفتأ يتنقص بلادهم من أطرافها مهدداً لهم بالاكتساح الشامل عند أول فرصة. وذهاباً مع الغاية في التهديد قام الفنس السادس ملك قشتالة برحلة جاس فيها خلال ديار ملوك الطوائف حتى وصل إلى ساحل المحيط من شاطئ مدينة طريف وأقحم بفرسه في اليم وقال هنا يجب أن انتهي بجنودي. وقد هلع المسلمون لذلك أشد الهلع وأيقنوا بالخطر الداهم إن لم يتداركهم الله بلطفه، وليأسهم من ملوكهم فإنهم لم يكونوا ينتظرون الغوث إلا من الخارج وقد فكر أهل قرطبة في الاستنجاد بعرب إفريقية، فقال لهم قاضيهم أبو بكر بن أدهم:«أخاف إذا وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية ويتركوا الفرنج ويبدأوا بنا. والمرابطون أصلح منهم واقرب إلينا» . وشعر ملوك الطوائف بانحراف رعاياهم عنهم وسوء رأيهم فيهم وتشوفهم إلى المرابطين، فلم يسعهم تحت ضغط الرأي العام إلا استصراخ يوسف بن تاشفين والاحتماء به من العدو المشترك. وهكذا عبر المعتمد بن عباد ملك إشبيلية إلى العدوة، فلقي يوسف وأبلغه رغبة أهل الأندلس في الجواز إليهم ونصرتهم على عدوهم؛ فما كان منه إلا أن لبي دعوتهم واستنفر الجيوش والمقاتلة إلى الجهاد. وعبر البحر إلى الأندلس؛ فلقيه أهلها وملوكها وعلى رأسهم. المعتمد بن عباد والمتوكل بن الأفطس وغيرهما. ونازل الفنس السادس وجيشه العظيم بسهل الزلاقة من ناحية بطليوس فانتصر عليه وهزمه شر هزيمة حيث لاذ بالفرار في ثلة من الجند مستتراً تحت جناح الظلام.
وكانت هذه الواقعة الحاسمة في يوم الجمعة 15 رجب 479 هـ. وتعرف بالزلاقة، وبها تنفس الأندلسيون الصعداء وامنوا على أنفسهم ودينهم. ولما انتهت المعركة اجتمع ملوك الطوائف، واقبلوا على يوسف يهنونه بالفتح المبين، وحيوه بإمرة الإسلام فصار يدعى أمير المسلمين من ذلك اليوم، وهو أول من تلقب به من ملوك الإسلام فيما نعلم، ولم يجرؤ هو ولا أولاده من بعده أن يتلقوا بأمير المؤمنين تأدباً مع خليفة بغداد، وإن كانوا قد بلغوا في قوة النفوذ والسلطان ما لم يكن للخليفة منه قليل ولا كثير.
ورحل يوسف إلى المغرب بعد ما ترك قطعة من جيشه تحت تصرف ملوك الأندلس لحماية الثغور ودفاع العدو، ولكن هؤلاء سرعان ما راجعوا حياتهم العابثة، وعادوا إلى التناحر فيما بينهم وضيعوا الجند وعرضوا بلادهم للفقد من جديد. فجاء الصريخ إلى يوسف من فقهاء الأندلس وأعيانها وعامتها فأسرع إليهم، وكان العدو قد أخذ في الانقضاض على بلاد الإسلام، فأوقفه عند حده، وقضى على ملوك الطوائف وضم بلاد الأندلس إلى المملكة المغربية، وبذلك أنقذها من الاضمحلال ومن المصير الذي لقيته بعد نحو أربعة قرون.
وتوج يوسف حياته الحافلة بتاج الصدق والإخلاص فأعلن انضواءه تحت لواء الخلافة الإسلامية وكتب للخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله يبايعه ويطلب منه تقليداً على ما بيده من أعمال الأقاليم فأجابه لذلك وخاطبه بأمير المسلمين، وناصر الدين. وكان رسوله إلى الخليفة الفقيه عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبا بكر بن العربي الإمام المشهور. وبعد ورود التقليد عليه من الخليفة ضرب السكة باسمه ونقش على الدينار «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتحت ذلك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. وكتب على الدائرة «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» وكتب على الصفحة الأخرى «عبد الله أحمد أمير المؤمنين العباسي» وعلى الدائرة تاريخ ضربه وموضع سكته. وطار ليوسف بهذه السياسة الحكيمة والسيرة النيرة ذكر جميل في أقطار المشرق والمغرب، حتى خاطبه أقطاب الفكر في العالم الإسلامي حينئذ، من أمثال الإمام الغزالي والقاضي أبي بكر الطرطوشي. ويقال إن الغزالي كان عقد النية على زيارته فتوفي يوسف قبل أن يتهيأ له ذلك.