الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحياة الأدبية
لم تكن عناية الدولة الشريفة بنهضة الأدب ورقيته، بأقل من عناية غيرها من الدول السابقة الذكر؛ فقد بذل رجالها جهوداً تذكر فتشكر في سبيل تقدمه وتنشيط أهله حتى قامت الحركة الأدبية على قدم وساق، ونفقت سوقها أشد النفاق، فلو أننا نظرنا إلى أول ملك مهد البلاد وأخضع العباد وهو مولاي رشيد لوجدناه قد أجاز بألفين وخمسمائة دينار على بيتين من الشعر مدح بهما وهما:
فاض بحر النوال في كل قطر. . . من ندى راحتيك عذباً فراتاً
غرق الناس فيه فالتمس الفقر. . . خلاصاً فلم يجده فماتا
وكذلك المولى محمد بن عبد الله أجاز ابن الونان لما مدحه بقافيته المشهورة بألف دينار، ومولاي سليمان كان كثير العطاء، عظيم السخاء، ولا تسل عما وصل منه إلى شاعره ومخلد مآثره الشيخ أبي الفيض حمدون ابن الحاج من الهبات والصلات.
وبفضل هذا التشجيع نبغ كثير من الأدباء كتّاباً وشعراء من ازدان بهم هذا العصر، وكانوا مفخرة هذا القطر، وقد يأتي في الرعيل الأول منهم الوزير اليحمدي وعلي مصباح وابن زاكور وابن الطيب العلمي صاحب الأنيس المطرب، وابن الونان ومحمد بن الطيب سكيرج والطيب بن صالح الرزيني والوزير ابن إدريس العمراوي والكنسوس بله غيرهم ممن لم يصلوا إلى مرتبتهم، فإنهم كثير لا يسعنا ذكرهم في هذه الكلمة الوجيزة، وإن كنا سنذكرهم مع بعض مآثرهم في الجزء الثاني والثالث.
وهؤلاء المذكورون هم ممن عرفوا بالقدرة على التعبير والتفنن في أساليب
التحبير نظماً ونثراً مع متانة القول وإحكامه والذهاب في أغراض الكلام مذاهب الموهوبين من أدباء العربية الكبار. فلم يؤثر عليهم ما عرف عن هذه العصور المتأخرة من ضعف الملكات اللسانية بسبب ضعف الحركة العالمية واتجاهها ذلك الاتجاه العقيم المتردد بين الاختصار أو الشرح أو التعليق إلا فيما ندر، بل كان أن شقوا لأنفسهم طريقاً إلى المجد وسط تلك الدروب الملتوية، فأبانوا عن نبوغهم وعبقريتهم، وكان الشعر في أوائل هذا العصر أسبق إلى النهوض من النثر وخاصة في الكتابة الديوانية، ولذلك نعثر على رسائل رسمية من مستوى إنشائي ليس بذاك، في حين أن القصائد الشعرية التي قيلت في مولاي إسمعيل وابنه مولاي محمد العالم ولا سيما من شعراء شنجيط، كانت في مستوى عال من البلاغة والانسجام، ثم فيما بعد دولة سيدي محمد بن عبد الله ارتقت صناعة الكتابة، ولا سيما النثر الفني إلى المكانة التي قال فيها العلامة محمد بيرم الخامس في كتابه صفوة الاعتبار:«لعمري إن صناعة الإنشاء في الدول العربية كادت تكون الآن قاصرة على دولة مراكش» ولا نشك أن للوزير ابن إدريس ومن أتى بعده من بلغاء الكتاب يداً طولي في ذلك.
وإن ننس لا ننس الزواية الدلائية وما لها من يد على الحركة الأدبية في هذا العصر، فإنها التي أنعشت روح الأدب بعد خمودها بأثر سقوط الدولة السعدية. وقد نبغ من أهلها زيادة على المتخرجين فيها كثير من الأدباء الشرقي بن أبي بكر ومحمد ابن الحسناوي ومحمد بن أحمد بن الشاذلي الدلائيين وغيرهم. وقد لبث الأدب المعاصر يحمل طابعها الخاص زمناً غير قصير ممثلاً في أسلوب اليوسي القوي الرصين، ومتأدياً إلى ابن زاكور بطريق شيخه اليوسي، واليوسي من أعظم المتخرجين في الزاوية المذكورة كما سبق القول.
ونتخلص الآن إلى ذكر تراجم زعماء الحركة الأدبية في هذا العصر تتميماً للبحث وإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه: