الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفاتحون الحقيقيون
لم يتم فتح المغرب كله إلا في زمن يزيد بن معاوية سنة 6? هـ، على يد عقبة بن نافع، ذلك البطل العظيم الذي غامر بنفسه، وأقحمها المخاطر في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وبثّها بهذه الأصقاع. ففي الحقيقة إن هذا الفتح الأول لبلاد المغرب، وما كان سابقاً عنه، إنما هو مقدمة وتمهيدٌ له.
وأول ما فتح من البلاد طنجة، ثم وليلى (1)، وهما إذ ذاك حاضرتا المغرب، ثم استرسلت الفتوح بعد في سائر القبائل المغربية، التي كانت تنقطع الأطماع دونها لتحصنها ومناعتها وشدة بأسها، والتي طالما حاولت إيقاف جيش الفتح الإسلامي عند حده؛ فقاتلها عقبة قتالاً ذريعاً واستنزلها على حكمه. ثم تقدم إلى السبوس؛ ففتح تارودانت عاصمته، ومضى لا يلوي على شيء، حتى وقف بساحل المحيط الأطلسي، حيث رفع يده إلى السماء وقال:«اللهم أشهد أني بذلت الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك، حتى لا يعبد أحد من دونك.» فانتشر الإسلام بالمغرب من أقصاه إلى أقصاه، وبدأ يصارع الوثنية المستحكمة فيه. ولولا قتل عقبة بتهوذة من مدن الزاب، بعد ذلك بسنتين لما بقي لها معه ظهور البتة في المدة القريبة. ولكن وقوع ذلك الحادث المؤلم في مثل تلك الظروف الحرجة، كان ضربة لازب على عدم نجاح الآمال المتعلقة باستقرار الحالة، بعد الفتح، واستتباب الأمن والراحة المتيسر في ظلها كل عسير، والممكن معهما تذليل جميع الصعوبات القائمة بأعمال الفاتح الكبير.
اضطرب الحبل بعد موت عقبة بن نافع، وانتقضت الأمور بإفريقية الشمالية، وعمت الفوضى وغلبت الفتن. وجرت بعد ذلك حوادث كثيرة لا شأن لنا بها؛
(1) هي المدينة الرومانية الأثرية المسماة «فلو بيليس» Volubilis الواقعة مقربة من زرهون، وكانت عند قدوم الإمام إدريس ما تزال عامرة.
فكان من النتائج المتحتمة الوقوع أن توقفت دواليب الحركة الإسلامية، وضعفت العوامل والأسباب الباعثة، والمشوقة إلى الدخول في الإسلام، حتى ارتد عنه من كان أسلم حديثاً، ولم تخالط بشاشته قلبه.
في زمن الوليد بن عبد الملك سنة 87 هـ، قدم موسى بن نصير والياً على إفريقية. فقبض على زمام السلطة بيد من حديد، وضبط الشؤون واستصلح الأحوال، فأصبحت البلاد تمرح في بحبوحة الأمن والنظام، وتتمتع بسكينة وطمأنينة لا عهد لها بهما من قبل. فكان هذا هو الفتح الثاني الحقيقي، وقد قاتل المرتدين عن الإسلام، وبذل قصره في حملهم على الرجوع إليه، والتمسك بحبله المتين. وكان يشتري العبد يظن أنه يقبل الإسلام من بعد أن يجرب فطنته ويمحص عقله، ثم يمضي عتقه ويتولاه.
وهكذا شيد صرح الإسلام في «إفريقية (1)» والمغرب، وأقام دعائمه على السياسة الحكيمة والسيرة العادلة، فلم يبق يخشى عليه الانتقاض بعد هذه الجهود العظيمة، والمتاعب الجسيمة.
وفعلاً فقد استمر الحال على ذلك سنين عديدة، انصرف العزم فيها إلى تعمير الخراب وتجديد المندثر. وفي اثنائها فتحت الأندلس بجيوش المغاربة المسلمين الصادقي الإيمان. وكان يظن أنه لما يرجع السيف إلى غمده، ينصرف العزم على ترقية مستوى البلاد العلمي والأدبي، بعد رقيها عمراناً واقتصاداً وسياسة. ولكن خطراً جديداً أصبح يهدد هذا القطر المغربي القليل الحظ. فلم يتح له أن يجاري الأقطار الإسلامية الأخرى في النهضة والتجدد، والأخذ بأسباب الحضارة والتمدين، بعد أن ظن أنه اجتاز دور الإنشاء والتكوين. ذلك هو خطر الخوارج (2) النازحين إليه من الشرق، المضطهدين من حكوماته، حيث إنهم لم يجدوا مجالاً فسيحاً لترويج بدعتهم وبث دعايتهم في أمن وأمان مثل المغرب. وقد قاسى منهم الأمرين، وذاق
(1) يطلق مؤرخونا إفريقية على المغرب الأدنى والأوسط ونحن نتبعهم في ذلك أحياناً.
(2)
دخل الدعاة الخوارج إلى المغرب من العراق في أوائل المائة الثانية، فبثوا دعوتهم بين المغاربة وتلقاها عنهم رؤوس القبائل، ففشت في دهمائهم. وكانت خوارج المغرب إباضية وصفرية، ومهما فرقتان معروفتان من فرق الخوارج.