الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنقلاب
لم تكن دولة المرابطين أعظم استقراراً ولا أكثر اطمئناناً منها حينما ظهر المهدي ابن تومرت على مسرح التاريخ وضرب ضربته القوية التي قوضت أركان ذلك البنيان الشامخ وأتت عليه من الأساس. على أن من يستقرئ الأحوال بتعمق، يجد أن بذور الثورة كانت تنمو هنا وهناك، والقوم في غفلة عما يجري حولهم. ولعل ابن تو مرات لم يرحل إلى المشرق إلا وهو يحمل في رأسه فكرة الثورة على الواقع المغربي، وخاصة في ميدان الاجتماع وما يرجع لنزعة الدولة العقدية والمذهبية. ولعله رأى بعيني رأسه، وهو يتجول في ميدان المغرب والأندلس، نسخ الإحياء تضرم فيها النار، والناس بين موافق ومخالف، فتاقت نفسه لتحقيق الحق في هذا الموقف الغريب، إذ ليس من الجائز أن يكون الإسلام في المشرق غيره في المغرب.
ومن هنا يجيء اتصال زعيم الانقلاب الموحدي بحجة الإسلام الغزالي في رحلته، وقراءته عليه، وسؤال هذا له عن المصير الذي لقيه كتابه في المغرب، وعن أحوال المرابطين ثم دعاؤه عليهم - فيما يروي المؤرخون - بتمزيق ملكهم، ذلك الدعاء الذي يعتبر في الحقيقة دعوة إلى الثورة عليهم. ومما لا شك فيه أن المهدي رشح نفسه لهذه المهمة، من يومئذ. وما يمنعه من ذلك؟ وهذا الإمام الغزالي الذي أيد سياسة المرابطين أيام العاهل الكبير يوسف بن تاشفين، عاد فسحب تأييده لها أيام ولده علي.
وكان المهدي رجلاً من سوس، ومن قبيلة هرغة بالذات، إحدى قبائل المصامدة واسمه محمد، وإنما اشتهر بالمهدي بعد إعلانه لدعوته، وهو ينتسب في آل البيت عليهم السلام وخرج طالباً للعلم سنة 501 فدخل الأندلس ورحل إلى المشرق؛ فحج ولقي الأئمة وحصل على علم غزير، وكان ذا فصاحة ولسن وحجة قوية، إلى ورع ونسك وغيرة شديدة على الدين، ما جعل منه داعية من الطراز الأول، فلم يلبث أن نزل إلى الميدان مصلحاً دينياً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى التوحيد على طريقة
الأشاعرة، من تأويل المتشابهات وعدم إقرارها على ظاهرها فراراً من الوقوع في التجسيم. وكان أكثر ما يحفز همته للعمل ما يراه من انتشار البغي والفساد مع سكوت علماء الدين على ذلك. ولقد بدأ في طريق عودته إلى المغرب من رحلته التي دامت زهاء عشر سنوات، يصطدم بالعامة وأولي الأمر، إذ كان كلما رأى منكراً تقدم بتغييره، فيريق الخمور ويكسر آلات اللهو والطرب ويغلظ على أهل المجون، كما فعل في الإسكندرية والمهدية وتونس وقسنطينة وبجاية وتلمسان وغيرها. وما كان ينجيه من طائلة العقاب إلا ما يلوح عليه من سمة الخير، ومساندة الرأي العام له إذ كان المجتمع الإسلامي ما يزال يؤثر الطهارة ويتمسك بقانون الأخلاق.
ويظهر من سيرته هذه أن الرجل كان مخلصاً في دعوته أشد الإخلاص، وأنه لم يكن يهمه ملك ولا دنيا إلا بلوغ قصده في محاربة الفساد وتجديد الدين. ولولا ذلك لما عرض نفسه للخطر مراراً في غير موطنه، حيث لا يرجو ملاكاً ولا يجد من قومه أعواناً يشدون أزره ويحمون ظهره. ولقد أشخص بين يدي أمير المسلمين بمراكش عند ما جهر بدعوته وكثر انتقاده للحكام فلم ير فيه غير داعية ديني مخلص، وتأثر بكلامه ثم أمر بتخليته على الرغم من إلحاح أهل مجلسه عليه في البطش به وتحذير مستشاريه له مما سيؤول إليه أمره.
والذي نريد أن نقوله هو أن الرجل كان صاحب فكرة إصلاحية عمل لتنفيذها بالوسائل المألوفة قبل أن يكون طالب ملك يرتكب كل محظور للحصول عليه. وبذلك تعلم أنه فوق ما تقول عليه ورمي به من التلبيس والشعوذة وعضائه الأمور. وهذا هو رأي ابن خلدون الناقد البصير. فاستمع إلى ما يقوله في هذا الصدد عند تعرضه لتصحيح كثير من أغلاط المؤرخين في مقدمته الحافلة:
«ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفاشلة، ما يتناقله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب، من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين ونسبته إلى الشعوذة والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق والنعي على أهل البغي قبله، وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك، حتى فيما يزعم الموحدون أتباعه من انتسابه في أهل البيت. وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه، فإنهم لما رأوا من نفوسهم مناهضته في العلم والفتيا والدين بزعمهم، ثم أمتاز عنهم بأنه متبوع الرأي،
مسموع القول، موطأ العقب، نقموا ذلك عليه وغضوا منه بالقدح في مذاهبه والتكذيب لمدعياته. وأيضاً فإنهم كانوا يأنسون من ملوك لمتونة أعدائه، تجلة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم، لما كانوا عليه من السذاجة وانتحال الديانة؛ فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة والانتصاب للشورى، كل في بلده وعلى قدره في قومه، فأصبحوا بذلك شيعة لهم وحرباً لعدوهم، ونقموا على المهدي ما جاء به من خلافهم والتثريب عليهم والمناصبة لهم، تشيعاً للمتونة وتعصباً لدولتهم. ومكان الرجل غير مكانهم وحاله غير معتقداتهم. وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاءهم، ونادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه، فاقتلع الدولة من أصولها وجعل عاليها سافلها، أعظم ما كانت قوة وأشد شوكة وأعز انصاراً وحامية. وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها، قد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم الهلكة. وتقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة والتعصب لتلك الكلمة، حتى علت على الكلم ودالت بالعدوتين من الدول؛ وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر على المكاره والتقلل من الدنيا، حتى الولد الذي ربما تجنح إليه النفوس وتخادع عن تمنيه. فليت شعري ما الذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله، وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله? ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته «سنة الله التي قد خلت في عباده» .
وكما أنه لم يقم لطلب الملك على ما علمت، فإنه لم يقم لطلب ثأر له عند دولة المرابطين، لأنها لم تؤذه بشيء ولم تمد إليه يداً بسوء. وكون تنازع الزعامة بين المصامدة الذين ينتسب إليهم وصنهاجة التي ينتمي لها المرابطون، هو الباعث له على القيام كما قيل بذلك، ضعيف جداً؛ وخصوصاً مع ما علم من ديانته وتقواه وعدم تمسكه بأسباب العصبية التي نهى عنها الإسلام. على أنه لم يثبت أن هناك تنازعاً كان قائماً بين المصامدة وصنهاجة عند ظهور المهدي بن تومرت. والثابت هو أن دعوته كانت تحتضن مختلف القبائل لأنها قامت تحت شعار التوحيد، كما كانت دعوة عبدالله بن ياسين تنتظم صنهاجة وغيرها ولذلك سمى أتباعه بالمرابطين. فالأمر في الحالين معاً يتعلق بدعوة دينية أكثر مما يتعلق بعصبية قبلية. نعم لقد كان أنصار المهدي في غالب الأمر من المصامدة، وذلك لأنه آوى إليهم وأقام فيهم مدة يدعو إلى فكرته وينشرها بينهم بكل قواه، بعدما يئس من استجابة العلماء له في نبذ التقليد وطرح الجمود،
والقيام بتغيير المنكر الذي كان يجري على مرأى منهم ومسمع. وبدل أن يمدوا إليه يد المعونة ويعززوا موقفه، قاوموه وجرضوا أمير المسلمين عليه؛ فلم يسعه إلا النجاة بنفسه واللجوء إلى قومه ينشد عندهم الحماية والنصرة. ولقد لجأ منهم إلى مأمن حقاً، حيث انتصب لنشر العلم وبث أفكاره ومبادئه في غير خوف ولا رقابة. وكان أكثر ما يدعو إلى الأخذ بمذهب الأشاعرة في الاعتقاد، وخاصة في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث، الذي كان المغاربة لا يجنحون إليه أخذاً بمذهب السلف في ترك التأويل وإقرار المتشابهات كما جاءت؛ مشددأ النكير عليهم في ذلك وربما رماهم بالتجسيم. ولذلك سمى أتباعه بالموحدين تعريضاً بخصومه من رجال الدولة والفقهاء وعامة أهل المغرب الذين كانوا كلهم على مذهب السلف في العقيدة. وكان من رأيه القول بعصمة الإمام، على رأي الإمامية من الشيعة. وألتف في ذلك كتابه الذي افتتحه بقوله (أعز ما يطلبه) فصار هذا الافتتاح علماً على ذلك الكتاب، ولم تحفظ عنه فلتة في البيدعة سوى هذه على ما يقول ابن خلدون. ويظهر لنا أنه مزج بين المهدوية والإمامية) (1)، ولذلك كان أتباعه يعتقدون فيه الأمرين معاً. وقد لبث الخطباء مدى طويلاً في أيام الموحدين يذكرونه بوصف الإمام المعصوم المهدي المعلوم من فوق منابر المغرب كافة. وعلى كل حال فإنه عكف على التعليم وتربية من استجاب له من قومه في جبال سوس، فكنت تراه طوال يومه يعقد المجالس الخاصة والعامة يلقي فيها إلى الناس مذاهبه وآراءه، متخذاً في ذلك الأساليب الموصلة إلى المقصود بسرعة؛ فتارة يملي بالبربرية وتارة بالعربية، وكذلك فعل في تأليف الكتب مثل المرشدة، وهي عقيدة خالية من البدعة، مما يدل على أنه لم يكن يعلن بآرائه السياسية للعموم أو أن تأليفه لها سابق عن إعلانه بمذهبه هذا الجامع بين المهدوية والإمامية. ومهما يكن من أمر، فإن هذا التطور السياسي إنما طرأ على دعوته بعد خروجه من مراكش ولجوئه إلى سوس. يدلنا على ذلك إجماع المؤرخين على عدم ذكرهم لشيء من آرائه السياسية فيما كان يصدر عنه من أقوال قبل ذلك، وفي مناظرته للعلماء بمراكش بين يدي علي بن يوسف على الخصوص. وكما تنتشر النار في الهشيم كانت هذه الآراء مع مذهبه في التوحيد تنتشر في القبائل، وفي كل يوم يرتفع صيته ويؤمه الناس من كل جهة، فيعرف كيف يستميلهم إليه ويدخلهم في
(1) انظر كتابه أعز ما يطلب ص? 45 وما بعدها.
دعوته، حتى أصبح سلطاناً مطاعاً في جميع القبائل، والمغرب إذ ذاك وفي كل وقت هو القبائل. وقد تأول الجميع عليه ما كان يحدثهم به عن المهدي والإمام المعصوم، فصاروا لا يدعونه إلا بأحد اللقبين.
وكانت هذه الأخبار تصل إلى مراكش فتثير حفيظة الدولة عليه. وكلما اشتدت صولته كلما أوجست الخيفة منه، فتعض أصابع الندم على إفلاته من يدها. وصممت العزم على مناوشته بالقتال ومبادأته بالمحاربة، فأرسلت إليه أول طليعة في سنة 515 وهو بجبل تينمل من بلاد سوس فهزمها.
ولا حاجة بنا إلى القول إن المهدي ثابر في محاربة القوم ومناجزتهم القتال. وكانت الحرب بينهم سجالاً. غير أنه لم يفرح بالانتصار على خصومه في موقف مشهود. ومع ذلك فإنه كان قوي العزم صحيح العقد في جهادهم واثقاً بالنصر عليهم وغلبتهم والإدالة منهم، كما وعد بذلك أصحابه وهو يجود بنفسه. وكان حرياً أن يشهد الدولة المرابطية تخر من فوق عرشها العالي ويتهدم بنيانها الشامخ، لولا أن المنية عاجلته فتوفي وهو في زهرة العمر 5? 4 وخلفه رفيقه عبد المؤمن بن علي الكومي الفتى الجلد الصبور، الذي كان لقي المهدي في ملالة قرية ببجاية، وهو في طريقه إلى المشرق بقصد طلب العلم. فعدل عن رحلته وصحب المهدي مكتفياً بالدراسة عليه، وهذا أحلته منه محلاً خاصاً وأشركه في أمره وكاشفه بخبيئة نفسه، وكان هو وارثه وخليفته من بعده بعهد منه؛ فواصل عمله في محاربة المرابطين بدون انقطاع، وجمع همة الموحدين على هذه الغاية، فلم يضع السيف من يده حتى دخلت دولة المرابطين في خبر كان.
وكانت هذه الدولة قد شاخت قبل الأوان وتمكن منها الضعف أيما تمكن؛ فإنهار كل ما بناه لها ذلك العاهل العظيم يوسف بن تاشفين من آثار المجد الرفيع، وأركان العز المنيع. وذلك أن ولده عليا برغم صلاحه كان ضعيفاً مستضعفاً؛ فغلب على أمره واستقل الولاة بالأقاليم وعاد العتو والفساد في القبائل كما كان، وبرزت المرأة إلى ميدان السياسة فلعبت دورها الذي طالما زلزل العروش وقلب المالك. وهذا كاف في صرف النظر عن هذه الدولة وتوجيهه إلى من يحيط وحدة الأمة بسياج الحكمة والتدبير ويحقق أملها في مواصلة النهوض والتقدم. لذلك فإن العقلاء