الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحركة العلمية
إن تأثير الانقلاب المريني على الحالة الفكرية، لم يكن ذلك التأثير القوي الذي تتبدل معه معالم الأمور وتتغير مجاري الأحوال؛ لذلك فإن الحركة العالمية قد بقيت في نشاطها وتقدمها، كما كانت على عهد الموحدين. وإن كان قد اعتراها في فترة الانقلاب بطبيعة الحال شبه انقطاع أو فتور، فإنها بعد أن انتصبت الدولة المرينية وتشيدت أركانها قد عادت فاسترجعت ما كان لها قبل من القوة والظهور.
نعم لقد استأنفت الحركة العامية سيرها إلى الأمام في ظل الدولة المرينية التي ما فتئت ترعاها وتشجعها بمد يد الإعانة إلى رجالها وتنشيطهم حتى ينصرفوا لخدمتها، بل إن رجال الدولة أنفسهم كانوا يقدمون لها أجل الخدمات مما لا يقوم به إلا أجل العلماء. إذ كان الواحد منهم يكب في نشأته على الدراسة والتحصيل ولا يمنعه ما هو مأخوذ به من قيود الملك وأدوات الرياسة، أن يدأب على النظر في فنون العلم والمعرفة، حتى يصير من رجالها المعدودين. فقد كان السلطان أبو سعيد عثمان بن يعقوب المنصور من أهل العلم، وكان أخوه الأمير أبو مالك ممن لهم اليد الطولي في الأدب، وعارضة قوية في قرض الشعر، وكان السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد من كبار العلماء. ففي حياة والده كان معدوداً في أطباء الخاصة، وفي مدة توليه الحكم أكثر من مجالسة العلماء والأدباء، ومذاكرتهم ومحادثتهم، وكان شديد الإلف لهم، لا يصبر على مفارقتهم، وكل جنس لجنسه إلف. وكذلك أخوه الأمير أبو علي كان محباً للعلم، مولعاً بأهله، منتحلاً لفنونه، وله بصر بالبلاغة واللسان وملكة في نظم الشعر، وهو الذي تنافس مع أخيه أبي الحسن على الكاتب عبد المهيمن الحضرمي في حياة والدهما حتى كادا يقتتلان عليه فألحقه والدهما بمعيته. وكان السلطان أبو عنان ابن أبي الحسن فقيهاً يناظر العلماء الجلة، عارفاً بالمنطق وأصول الدين، وله حظ صالح من علمي العربية والحساب، وكان حافظاً للقرآن عارفاً بناسخه ومنسوخه، حافظاً للحديث عارفاً برجاله، فصيح القلم، كاتباً بليغاً، حسن التوقيع، شاعراً مجيداً. له مقطعات شعرية حسنة تورد في محلها. ومثل ذلك يقال في السلطان أبي العباس
أحمد بن أبي سالم بن أبي الحسن وولده أبي فارس عبد العزيز. فلا غرو أن تنشط الحركة العلمية في هذا العصر، وهي تحظى برعاية ملوك من هذا القبيل، يمثلون النشاط الفكري في جميع ميادينه. ولنفصل الكلام في كل باب باب، كما فعلنا في عصر الموحدين.
ولعل القارئ لا يزال يذكر أننا قسمنا العلوم هناك إلى ثلاثة أقسام، فالعلوم الشرعية تليها العلوم الأدبية ثم العلوم الكونية: أما العلوم الشرعية، وهي الفقه والحديث والتفسير وتوابعها فقد نحي فيها منحى التبسط والتفريع. وإن يكن شيء من ذلك قد وقع في العصر قبله؛ إلا أنه في هذا العصر قد زاد الأمر زيادة ظاهرة، وبلغ التوسع في ذلك منتهاه. يدلنا على ذلك كثرة الفقهاء الذين نبغوا في هذا العصر، والتآليف العظيمة التي وضعت في فروع الفقه. ونحسب أن ذلك كان نتيجة الضغط على رجال هذه العلوم في عصر الموحدين والتحرش بهم وإن الضغط يعقبه الانفجار كما تعلم؛ فكان هذا هو رد الفعل على تلك الحركة الاستفزازية المنافية الاستقلال الناس في أذواقهم ومشاربهم، وحريتهم في أعمالهم ومآتيهم. وإذا صح اعتبار هذا السبب هو الباعث على نشاط هذه العلوم من جديد ورواجها هذا الرواج كله؛ فلا يصح اعتباره سبب ما طرأ عليها من التضخم والنماء، إلا من طريق غير مباشر، وهو ما أشرنا إليه من كثرة المشتغلين بها، فكثر البحث والتعشق في البحث، فكثر الاستنباط والتفريع في الاستنباط، فكثرت مسائل هذه العلوم كثرة لا مزيد عليها. أضف إلى ذلك أن الطلبة في هذا العصر، كانوا لا يستنكفون من الطلب ولو بعد بلوغ المرتبة العليا في التحصيل. فقد كانت هناك طبقة منهم لا يمكن أن يقاس بها أكابر علمائنا الآن، لا تفتر عن الطلب، وهي بعد من كبار العلماء. واعتبر ما حكي عن الكانوني، وكان من أئمة الفقه، الذين لا يشق لهم غبار، أنه كان يدرس المدونة بالقرويين، ويأتي عليها بأبحاث وتعاليق وشروح مستجادة، فكان يجلس إليه أكثر من مائة معمم، وهم حفاظ المدونة إذ ذاك. وهذا حافز قوي لما ذكرنا كان من نتيجته أن اتسعت دائرة هذه العلوم اتساعاً عظيماً.
ودون هذه العوامل المختلفة، التي أدت إلى نشاط علم الفروع، ذلك النشاط العظيم، فإن هناك عاملاً آخر لا يقل عنها شأناً في هذا الصدد، وهو ما كان لطلبة
العلم المذكور في هذا العصر من سمو المنزلة عند الخاصة والعامة، بسبب وقوفهم مع الحق، وسيرهم على الجادة؛ فكان أن عظمت سلطتهم على النفوس وقوي نفوذهم في رجال الدولة. فالفتوى والقضاء، ومناصب الشرع كلها كانت مستقلة عن التدخل الحكومي أو التعرض لها من الرؤساء، وكلمة القاضي كانت نافذة في أكبر كبير، كأصغر صغير. وحسبك أنه لما وقع الشجار بين القاضي أبي الحسن الصغير، والوزير ابن يعقوب الوطاسي، بسبب تعقب هذا الأخير لحكم القاضي، لم يكن من السلطان إلا أن سخط على وزيره وعزله شر عزل.
وهذه المكانة التي كانت لرجال الدين عند الشعب، هي التي جعلت العلامة عبد العزيز الورياغلي يثور بآخر سلاطين بني مرين، ويقلب الدولة المرينية رأساً على عقب، لما سول للسلطان أن يولي على فاس رجلاً يهودياً يسوم أهلها سوء العذاب. أرأيت إلى أي حد بلغ نفوذ الفقهاء في الأمة، فلم لا ينصرفون لخدمة علمهم الذي به رقوا هذه الدرجة من المحبوبية.
ونقول إن هذه النهضة المباركة التي نهضها علم الفروع بسبب الإقبال الشديد على طلبه، قد أفادت العالم من حيث هو، وأفادت الأسلوب العلمي أكثر، حيث قد أدخلت عليه تحسيناً مشهوداً في آثار علماء هذا العصر الممتازة بكثرة الجمع والتحصيل، وحسن التصرف والتعليل، وفي دروسهم التي كانت كأنها بحار تزخر بالفوائد، وترمي بالفرائد، فهذا أبو محمد عبدالله الورياجلي أحد صدور الفقهاء، وممن كانت إليه الرحلة في عصره لأنه كاد يتفرد بمرتبة الاجتهاد، وكان يعرف المذاهب الأربعة معرفة جيدة، فكان يدرسها ويرجح مذهب مالك، وكانوا يقيسونه في علمه بالمازري ولا يعدون به طبقته، وأجوبته تدل على غزارة معرفته إذ لا يذكر فيها إلا الخلاف العالي. قالوا: وكان من عادته أنه يشتغل بالتدريس في فصل الشتاء والربيع؛ وفي المصيف والخريف برابط بالثغور. وهذا ابن الصباغ أملى على حديث «يا أبا عمير، ما فعل النغير» أربعمائة فائدة كلها ما استخرجه بفكره الثاقب من هذا الحديث الشريف.
والغاية في هذا الباب ما روي عن أبي القاسم عبد العزيز بن أبي عمران موسى العبدوسي أحد أفراد بيت العبدوسي الذين ظلوا رجالاً ونساء حاملين راية الفقه والحديث بفاس
والمغرب زماناً طويلاً. وقد رحل أبو القاسم هذا إلى تونس، ودرس بها فقضى التونسيون العجب من وعيه للعلوم وكثرة حفظه. وكثير من علمائهم أوقفوا دروسهم وحضروا عنده رغبة في الأخذ عنه، واتصال السند به. وكان الناس يستبقون إلى المسجد ويأخذون مجالسهم فيه قبل صلاة الصبح، وتغص بهم رحاب المسجد فيجلسون خارجه حتى يكون من خارجه أكثر من بداخله. وكان هو يسمع الكل بصوته الجهير. ولما رأوا تفرده بإتقان علوم الشريعة من فقه وحديث وتفسير، قالوا إنه لا يحسن غيرها، فاقترحوا عليه أن يقدم لهم درساً في العربية فدرسها أيضاً وبهرهم ما شاهدوه مما هو فوق الطاقة، فأجمعوا حينئذ على إمامته وتفوقه في العلوم، وأنه لا يضاهيه في جمعه وتحصيله أحد من المعاصرين سواء بإفريقيا والمغرب.
وبعد، فاسمع ما يقوله علماؤها عنه نقلاً عن أحمد بابا: «قال القاضي أبو عبدالله ابن الأزرق، كتب إليه أبو عبدالله الزلديوي المفتي بتونس، يعرفني بحاله من الحفظ مما يقضى منه العجب، أنه ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة، الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم بن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبدالله بن مرزوق يقول لنا فيه، يرد عليكم حافظ المغرب الآن؛ فقلنا هذا من قبيل مبالغات الإخوان في التوصية بإخوانهم. فلما اجتمعنا به وأقام عندنا أزيد من عام رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهمه يكون لأحد. ولقد كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم الثبرزلي، سلم له معاصروه في حفظ الفقه وأشياخ المدونة والناس دونه في ذلك، وببجاية الشيخ أبو القاسم المشذالي كذلك. وحضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا بمثل العبدوسي في حفظه وعلمه، وعلمنا صدق ابن مرزوق فيما وصفه به، وكان كما قال الشاعر:
فلما التقينا صدق الخبرَ اُلخْبرُ
بل صغر الخبَرَ الخْبر» ثم قال في وصف درسه: «وكذلك فعلت أنا، تركت مجلس تدريسي وحضرت عنده لأخذ شيئاً من طريقه، فرأيت شيئاً لا يدرك إلا بعناية ربانية، موقوف ذلك على من رزقه الله الحفظ ينفق منه كيف يشاء. لازمناه
حضراً وسفراً، وعلمنا طريقة تفكراً ونظراً، ولا يقدر على طريقته إلا من رزق فطنة كاملة الاستواء ممدة من جميع القوى الروحية والبدنية.
أما إذا أقرأ المدونة فاستمع لما يوحي: يبتدئ في المسألة من كبار أصحاب مالك، ثم ينزل طبقة طبقة حتى يصل إلى علماء الأقطار من المصريين والإفريقيين والمغاربة والأندلسيين وأئمة الإسلام وأهل الوثائق والأحكام حتى يكل السامع وينقطع عن تحصيله الطامع. وكذا إذا انتقل إلى الثانية وما بعدها، هذا بعض طريقته في المدونة. وأما إذا ارتقى الكرسي، يعني كرسي التفسير، فترى أمراً معجزاً ينتفع به من قدر له نفعه من الخاصة والعامة. يبتدئ بأذكار وأدعية مرتبة، يكررها كل صباح ومساء يحفظها الناس ويأتونها من كل فج عميق. وبعد ذلك يقرأ القارئ آية فلا يتكلم بشيء منها إلا قليلاً، ثم يفتتح فيما يناسبها من الأحاديث النبوية، وأخبار السلف وحكايات الصوفية وسير النبي وأصحابه والتابعين. ثم بعدها يرجع إلى الآية، وربما أخذ في نقل الأحاديث فيقول الحديث الأول كذا والثاني كذا والثالث كذا إلى المائة فأزيد، ثم كذلك في المائة الثانية، والشك في الثالثة».
ثم قال: «وكذلك فعل في إقرائه للعربية، فبدأ بأصحاب سيبويه، ثم نزل إلى السيرافي وشراح الكتاب وطبقات النحويين حتى على الحاضرون وكلوا. وما زال كذلك حتى ذهبوا ولم يراجع في ذلك، وقد كان قصدهم اختباره وامتحانه» أهـ. بتصرف يسير الإيضاح. وإذ قد تبينت هذه الظاهرة التي كانت غالبة على علم الفروع في هذا العصر، فإنا نقول أنها طريقة منهجية إصلاحية، اختص علماء المغرب دون غيرهم بالعمل عليها، والدعوة إليها إذ في هذا الوقت، بدأ العمل بتلك المختصرات العقيمة، وسرى هذا الداء الوبيل، داء الاختصار، إلى العلوم الإسلامية عامة، فقلل فائدتها؛ فكان علماؤنا يشددون النكير على ذلك، ويصدون الطلبة عن قراءة الكتب التي تحي بها أصحابها هذا المنحى. ويروى عن القباب أنه كان يقول إن ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب أفسدوا الفقه. ولما حج اجتمع بابن عرفة في تونس فأطلعه ابن عرفة على مختصره الفقهي، وقد شرع في تأليفه، فقال له القباب ما صنعت شيئاً، فقال ولم؟ فقال إنه لا يفهمه المبتدي، ولا يحتاج إليه المنتهي. فتغير وجه ابن عرفة حينئذ. قالوا وكان هذا هو السبب الحامل له على بسط العبارة في
أواخر مختصره. ومثل القباب في ذلك اليزناسني الفقيه الكبير، فإنه كان صاحب ابن شاس، واستشار وهذا في وضع مختصره الجواهر، فأشار عليه ألا يفعل؛ فلم يعمل ابن شاس بإشارته. وقد ألمعنا إلى الأثر السيء الذي أثرته هذه المختصرات في العلوم الإسلامية بالخصوص، وراجع الفصل التاسع والعشرين من المقالة السادسة من مقدمة ابن خلدون التعرف تأثيرها في العلوم مطلقاً، فلا ريب إذا عددنا ما اتبعه علماؤنا المغاربة في هذا العصر طريقة إصلاحية منهجية.
هذا وقد تناولنا الكلام على العلوم الإسلامية جملة، وأعطينا عليها من العبدوسي مثالاً مشتركاً. وإن ظهر أننا نخص الفقه بمزيد العناية، لأنه في الواقع كان أكثرها انتشاراً. ولو ذهبنا نعد رجاله البارزين الذين ما زالت الفتوى والأحكام منذ هذا العهد إلى الآن تدور على أقوالهم واجتهاداتهم لضاق المجال عن استيفائهم؛ ولكن ذلك كله لا يغطي على ما كان لغير الفقه من الظهور، وخاصة علم الحديث رواية ودراية، وعلم التفسير وتوابعه. فبالإضافة إلى مثال العبدوسي نذكر المحدث والرحالة الشهير ابن رشيد الفهري الذي جال في أقطار إفريقية ومصر والشام والحجاز ولقي من أعلام الرواية الجم الغفير، وأكثر من هذا الشأن، وتوسع في الأخذ وذهب في ذلك إلى أبعد غاية. وكان له تحقق بعلوم الحديث وضبط أسانيده، وتمييز رجاله، ومعرفة انقطاعه واتصاله، وألف فيه التآليف المفيدة، وحسبك برحلته الفريدة التي سماها (ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين الكريمتين إلى مكة وطيبة، ) المشحونة بالمسائل الحديثة والأسانيد العديدة، التي روي بها أمهات كتب هذا الفن، والأجزاء المختلفة المؤلفة فيه دليلاً على رسوخ قدمه، وكونه من الحفاظ الذين يقل لهم النظير مع كمال الثقة، وشهرة العدالة، والتمسك بالسنة والعمل بالحديث، وإن خالف ما عليه الناس مما يعزز ما قلناه في الفصل السابق من أن الحرية المذهبية لم تقيد قط في المغرب، وإن صار المذهب الرسمي فيه هو المذهب المالكي وكذلك العقيدة السلفية لم تقطع منه برغم سيادة المذهب الأشعري.
وهذا ابن حجر يقول عن صاحبنا ابن رشيد في الدرر الكامنة: «وكان على مذهب أهل الحديث في الصفات يمرها ولا يتأول، كان يسكت لدعاء الاستفتاح ويسر البسطة. . .» ومن كبار محدثي هذا العصر الرئيس عبد المهيمن الحضرمي الذي جمع إلى البراعة في الأدب والعربية
التفوق في علم الحديث حتى حلاه ابن خلدون بأمام المحدثين، وله مشيخة حافلة تحتوي على ألف شيخ، مع أنه لم تكن له رحلة، ومن ثم قال فيه المقري الكبير:«جمع فأوعى واستوعب أكثر المشاهير وما سعى، فهو المقيم الظاعن، الضارب القاطن.» ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي؛ كان إلى تضلعه بالفقه، محدثاً ضابطاً عارفاً برجال السند ومراتب الحديث، يستظهر كثيراً من كتبه المطولات، وألف فيه تآليف حسنة.
ومنهم الإمام الحافظ، التاريخي أبو عبدالله محمد بن عبد الملك الأوسي الأنصاري المراكشي صاحب الذيل والتكملة، على تاريخ ابن الفرضي لعلماء الأندلس وصلة ابن بشكوال له، ومقامه في الحفظ للحديث والأخذ عن المشايخ مما لا يخفى. ومنهم الراوية النقادة أبو عبدالله محمد بن محمد بن علي العبدري الحاحي الرحالة الشهير، وسعة روايته وقوة عارضته مما يعرف بالوقوف على رحلته، ومنهم الشيخ المحدث الكبير أبو زكرياء يحيى بن أحمد السراج الفاسي. كان أيضاً رحالة، مكثر من الرواية، مقتنياً للكتب، ضابطاً لها. له سماع عظيم وفهرسة جامعة في مجلدين. إلى غير هؤلاء ممن يطول ذكرهم.
أما المفسرون فمنهم ابن العابد الفاسي الذي اختصر تفسير الكشاف للزمخشري وجرده من مسائل الاعتزال.
وابن البناء العددي الذي له موضوعات كثيرة في التفسير وحاشية على الكشاف، وأبو القاسم السلوي وله تفسير جليل، وأبو علي الشوشاوي وله كتاب الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، ضمنه من علوم القرآن فنوناً عديدة وجعله عشرين قسماً، كل قسم منها يحتوي على مسائل مختلفة؛ فهو من المحاولات الطيبة لجمع علوم القرآن، على غرار ما فعل البدر الزركشي في كتابه البرهان ثم السيوطي في الإتقان.
ثم فيما بقي من العلوم الشرعية مثل التصوف والكلام، لا نرى أنهما كانا منتشرين بكثرة لما علم من أن السذاجة التي تخدم مع الفقه حين تدول الدولة له، لا تجامع التصوف، وأنت قد رأيت الحرب التي قامت بين الفقه والتصوف في العصر المرابطي، إلا أن النتيجة هنا لم تكن كالنتيجة فيما سبق، فلم يقض الفقه على التصوف، ولكنه أخضعه لسلطانه. وقد يقال إن العصر بالنسبة للتصوف كان
عصر تمحيص بسبب هيمنة الفقهاء عليه، وما أحسن التصوف يسير في ظلال الفقه. إذ يكون هو لب الشريعة المكنون، وسرها المصون، وقد كان من أقطابه في هذا العصر ابن عباد الرندي الذي قضى أكثر حياته في فاس، وابن الحاج الفاسي، وأحمد زروق. وكتبهم فيه لا تزال من خير المصادر للتصوف الموزون بميزان الشرع.
ومهما تجوزنا في الكلام، وعممنا في الإحكام، لا يمكننا أن نهمل الإشارة إلى علم أصول الفقه وعلم القراءات، وما نالها في هذا العصر أيضاً من العناية الخاصة، والأول من توابع الفقه والثاني من توابع التفسير؛ فالأصول كثر دارسوه، وظهرت طبقة ممن كادوا يختصون به فوضعت فيه التآليف المهمة، وطبعته بطابع الفقه المالكي ما لم يتهيأ لغيرهم من قبل.
والقراءة ونعني بها ما يشمل التجويد والرسم والقراءات المأثورة والغريبة وتوجيهاتها، ما من أحد من صدور فقهاء هذا العصر إلا وكان له إلمام بها كلاً أو بعضاً، وقد وضعت فيها التآليف أيضاً، إلا أنها على كل حال لم تبلغ في هذا ما بلغته من الذيوع في العصر بعد هذا.
هذا ما يرجع إلى العلوم الدينية، والنشاط الذي طرأ عليها في هذا العصر، والجهود العظيمة التي بذلت في خدمتها حتى بلغت في الجملة إلى المستوى اللائق بها. فلننتقل الآن إلى علوم الأدب لننظر كيف كان سيرها في هذا العصر أيضاً. ونقول: أنها جارت سنة النشوء والارتقاء فبلغت إلى قمة المجد والكمال، وكان هذا عصرها الذهبي في المغرب، والنابغون فيها في هذا العصر كانوا أساتذة من بعدهم، بل طبقت شهرتهم العالم العربي، وما تزال ذكراه فيه حية إلى الآن. فأما النحو واللغة، فإنهما لم ينالا قط من التقدم ما نالا في هذا العصر، وذلك لأن الدولة عربية الصبغة تقدر مجهود العاملين على رفع شؤون العروبة، وليس لها التفات إلى غير ذلك مما توحي به العنصرية المتخلفة كما سبق القول، فلا عجب وقد اتحدت وجهة العمل أن ينبغ في هذين العلمين وفي سائر العلوم العربية رجال عظام ممن يفتخر بهم المغرب، ولا يقلون أبداً عن نظرائهم في بقية العالم العربي. فمن هؤلاء النوابغ ابن أجروم، وابن المجراد وابن هانئ، وابن المرحل، وأبو القاسم الشريف، والمكودي،
وسواهم، ناهيك منهم جميعاً بابن أجرُّوم، ذلك الرجل الذي استطاع أن يخلد اسمه أبد الدهر بوريقات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، لا تحتوي على تفكير عميق، ولا على فلسفة جديدة، وإنما هي قواعد أوليَّة من علم النحو، مقرّرةٌ لدى الجميع. فما السرُّ في هذا الخلود الذي أتيح لهذا الرجل، حتى لقد فتح لنفسه مجالاً بين جدران مدارس القرن العشرين، وحتى أطلق الناس اسمه على النحو كأنما هو واضعُه؟ فقالوا الأجرُّومية، وأرادوا النحو، ممّا لم ينله سيبَويه نفسُه؟ ذلك السر هو النبوغ النادر الذي أوحى إليه بمقدمته على هذا الوضع العجيب. فبينما النحو قد خضع لقوانين المنطق وأصبح دراسة عقلية عقيمة، إذ طلع ابن أجرُّوم بمقدمته التي يعرض بها أصول هذا العلم في سذاجة تشبه عقل الطفل، وترتيب يتوافق وآخر ما قرَّرته البيداغوجيَّة الحديثة في أساليب التعليم. فلا جرَم إن علا اسمُه على الأسماء وتمجَّدت ذكراه بين الخالدين. ولقد كان للتقدُّم الذي نالته هذه العلوم في هذا العصر تأثيرٌ كبيرٌ في تقويم ألسنة العامة، وتذوُّقهم لأسرار اللغة العربية. أما الخاصة فقد كان جُلُّ كلامهم إن لم نقل كله، مستقيماً يجري على الضوابط اللغوية.
وهذا الوزير عبد المهيمن الحضرمي يقولون في ترجمته إنَّ كلامه كان كلُّه معرّباً، وكذلك ابن عبد المنعم الصنهاجي السبتي من كبار اللغويّين والنحاة في هذا العصر، لم يستظهر أحدٌ في زمانه من اللغة ما استظهره كما قال ابن الخطيب عنه في الإحاطة:«وكان يعرب أبداً كلامه» وألف ابن هانئٍ اللخمي كتاباً فيما تلحن فيه العامة، فجعل اللحن خاصاً بالعامة، واستطاع أن يعُدّ هذا اللحن لما كان قليلاً، ومدح كثيرٌ من الشعراء كثيراً من زعماء القبائل المغربيّة، فكانوا يثيبونهم الثواب الجزيل بسبب تذوقهم لجمال هذه الأمداح. وحسبُك بأمداح ابن الخطيب في رئيس جبل درن أبي ثابت الهنتاني. وربما يكون حديث (اللَّظافة) الذي أثبتناه في قسم المنثور من هذا الكتاب أدلَّ من كل ما تقدَّم على تغلغل انتشار العربية وآدابها في الأمة، وشدّة الإقبال عليها من سائر الطبقات.
وكان العلامة ابن هانئ اللخمي إلى إمامته في العربية وتأليفه فيها، متضلعاً في الأدب بارع الكتابة والشعر، وألف كتاب الغرَّة الطالعة في شعراء المائة السابعة، الذي يعتبر كتاب ابن الخطيب المسمَّى بالكتيبة الكامنة في شعراء المائة الثامنة
كالتذييل عليه، ومثله أبو القاسم الشريف الذي يعرف بالشريف الغرناطي وهو سبتي، وإنما قيل له الغرناطي لإقامته زماناً بغرناطة، وتوليه قضاءها وهو من المؤلفين في العربية والأدب وشرحه لمقصورة حازم مما طبَّقت شهرته الآفاق. ومن أعماله الأدبية المرموقة شرحه للقصيدة الخزرجية المعروفة بالرّامزة في علم العروض، مفتضاً خاتمها بعد أن استعصت على كثير ممن رامها قبله، ولذلك سمَّاه رياضة الأبيّ من قصيدة الخزرجي، وهو ممّا يدلُّ على حصافة عقله وقوَّة فهمه، بَلهَ دلالته على تمكنه من علم العَروض ورسوخه فيه. . . ومالك بن المرحَّل فضلاً عن كونه شاعر العصر بل شاعر المغرب هو أيضاً ممّن ألف في اللغة والأدب كتباً عدة منظومةٌ ومنثورةٌ، منها نظم غريب القرآن لابن عُزَيْز، ونظم اختصار إصلاح المنطق لابن العربي ونظم فصيح ثعلب مع شرحه، ونظم الثلث الأول من أدب الكتاب لابن قُتيبة، بعد ترتيبه، وترتيب الأمثال لأبي عبيد، وأرجوزةٌ في العَروض، واخترع وزناً من أوزان الشعر هو مجزُوُّ الدُّوَبيت المركَّب من فعِلُن مُفاعَلتُن فَعُولن، ومثلِها بحذف فَعِلُن للجَزء كما ذكره العلامة محمد بن عبد المجيد بن كيران في رسالةٍ له في مبادئ العَروض، إلى غير هذا مما يطول تتبعه من حركة انتشار علوم العربية وازدهارها.
ومن دون العربية، فإن التاريخ قد نال عناية عظمى من أبناء هذا العصر، ومن نوابغه فيه المؤرخ العظيم صاحب الفضل على مؤرخي المغرب جملة، ابن أبي زرْع، وما أدراك ما ابن أبي زرع، صاحب القِرطاس وزهر البستان وغيرهما، ومنهم ابنُ عذارى المراكشي صاحب البيان المغرب الشهير، وأبو الحسن الجزَّنائي صاحب زهرة الآس في تاريخ بناء مدينة فاس، وأبو إسحاق التَّاورْتي صاحب تاريخ أبي سعيد عثمان الأصغر، وفيه كان ابنُ خلدون ولسان الدين ابن الخطيب وابن الأحمر وغيرهم ممَّن أوى إلى كنف المرينيين واستظلَّ بظلهم. والتاريخ الخلدوني نفسه مؤلف باسم أبي عِنان وبرسم خزانته، كما أن فيه أيضاً كان صاحبُ الحلل الموشيَّة في الأخبار المراكشية، وصاحب الذخيرة السنيَّة في تاريخ الدولة المرينية. ومن كتَّاب التراجم، ابن عبد الملك المراكشي صاحب الذيل والتكملة وناهيك به. وأبي عبدالله الزَّرْعي الجدْميوي السبتي التاريخي الحافظ، له تاريخ في نحو من أربعين سفراً مُرتَّب على حروف المعجم في أخبار العلماء والأدباء والتعريف بهم، وفي ضمن ذلك من بليغ النظم والنثر والحكايات والفوائد والنوادر ما لا يوصف ذكره في بُلْغة الأمنية.