الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجهة السياسية
دامت دولة الموحدين إلى آخر أيام الناصر ولد المنصور، وهي مثال القوة والعظمة، وجلال الشأن، ورفعة السلطان، ثم أخنى عليها الذي أخنى على لبد، وجرت فيها سنة الكون، فتداعت أركانها، وتقوضت دعائمها، وسرعان ما سقطت من حالق العز إلى حضيض الهوان.
كان فاتحة ما أصابها من الكوارث، وقعة العقاب المشؤومة، التي تألبت عليها فيها دول النصرانية بحذافيرها، ودحرتها اندحاراً شائناً، بسبب ضعف القيادة وعدم اجتماع كلمة الرؤساء والمحاربين من جراء غرور الناصر وخيانة الأندلسيين له. فهو قد اغتر بكثرة ما حشده من الأجناد، وجمعه من الأعداد فلم يأبه لمقاتلة الأندلس الذين كانوا أعرف من غيرهم بثغور العدو، وأبصر بمواطن الضعف من بلاده. وهم حيث لم يستشعر وجودهم، ولا عرف فضلهم، عزموا على عدم مناصحته، وبذل المعونة له؛ وهكذا وقعت الكرة على المسلمين وبقيت هذه الوقعة عبرة للعتبرين.
ثم فشت بعد ذلك جملة أمراض في جسم الدولة، ومات الناصر مكبوتاً مغموماً، فانتثر بموته عقد رجالات الموحدين، وظهرت خيانة رؤسائهم في إقامة ولده المستنصر مقامه، وكان دون بلوغ ليتمكنوا من الاستبداد به، والضغط على إرادته، كذلك ظهرت طباعية الولاة الذين أطلقوا أيديهم في أموال الرعية وأمتعتها، ونبغ دعاة الفتنة في كل صقع وقبيل، وسلك المفسدون إلى الشر كل سبيل. أما الأندلس فلا تسل عما نزل بها من الويلات والمحن، إنه انقسمت على نفسها، وتغلب الأشقياء فيها على الأطراف، وانبرى العدو إليها ثانياً يسوم أهلها الخسف والعذاب. وأما إفريقية فقد ابتدأت تستعد للانفصال تحت رئاسة الموحدين الذين كان عبد المؤمن أقطعهم فيها الإقطاعات، وسوغ لهم بها الجبايات فشاءوا الآن أن يجازوه جزاء سنمار، بجحد نعمته، وتفريق وحدة مملكته.
وبالاختصار فقد كثرت الفتوق في جسم الدولة، وتعددت الاضطرابات هنا
وهناك، فأعوز رجل حديد الإرادة مثل عبد المؤمن وأين نحن من عبد المؤمن وأين عبد المؤمن منا؟ وأنت خبير بمصائر الدول حين تصل إلى هذا الحد من الاختلال وسوء الإدارة، ولا تجد من يأخذ بضبعها، ويضطلع بتدبير شؤونها، فلا أسترسل في الحديث عن ذلك التدهور الفظيع، والسقوط السريع.
إنما الذي يستوقف النظر، ويسترعي الفكر، هو سرعة انقراض هذه الدولة واستيلاء الضعف عليها أعز وأقوى ما كانت، فما هي إلا غدوة إلى الأندلس أو روحة، حتى أقضي كل شيء، ودخلت دولة الموحدين فجأة في دور الاضمحلال والعدم، فأديل منها بنو مرين الذين عاجلوها فأجهزوا عليها قبلما تتمكن من رأب صدوعها وعلاج أدوائها.
وفي الواقع إنها لفرصة نادرة اهتبلها هؤلاء البدو النازحون إلى المغرب من الصحراء، قصد الإمتيار والتربع مراعيه الخصبة، على عادتهم في كل سنة، حينما تجدب أراضيهم، وتصوح نباتاتهم. فما أن دخلوا المغرب هذا العام، حتى وجدوا المعالم قد تبدلت، والمشاهد قد تغيرت، وخلت الأوطان من السكان وبقيت الحقول والمسارح هملاً من غير راع، ولا متعهد، فنمت وربت. وكأنما كانت تعرف ما سيؤول إليه أمر هؤلاء الغرباء، فأوتهم إلى ظلها، وبسطت لهم أكنافها فنزلوها وتقروها، وطاب لهم بها المقيل، فسمع بهم بقية إخوانهم، فنسلوا إليهم من كل حدب، وأقاموا معهم بغتبطين بما يصادفونه من الخصب والرخاء والعيش الرغد. على هذه الصفة كان دخولهم أولاً إلى المغرب، ولما استقر بهم المقام، ولم يجدوا من يقف في وجههم ويصد عاديتهم عن البلاد، شجعوا وأقدموا على شن الغارات والإجلاب بخيلهم ورجلهم على الحواضر والبوادي، ومن هذا الوقت نشأت عندهم فكرة الاستيلاء والتغلب على المغرب، فاقبلوا يعملون على تنفيذها وتحقيقها. وكذا الحوادث التاريخية الكبرى تبدأ عادية بسيطة ثم لا تزال تنمو وتستفحل حتى يعظم قدرها ويجل خطرها.
ولم تكن هذه القبائل؛ بنو مرين وزناتة عموماً، في بلادها فوضى لا نظام لها ولا قانون، بل كانت خاضعة لأحكام الشرع الشريف في معاملاتها وأحوالها الشخصية، وكانت تقيم على رأسها زعيماً كسائر القبائل، يسمى بالأمير تحقيقاً
لاستقلالها الذاتي. وفي حين دخولها للمغرب، كان هذا الأمير هو عبد الحق المريني رأس هذه الدولة، وأبو الأملاك منها، وكان رجلاً فاضلاً ديناً متورعاً، له نفوذ وجاء في قبائل زناتة كلها، فظل يجاذب الموحدين حبل الملك زمناً، ثم قضى وخلفه أولاده أبو سعيد عثمان وأبو معرف محمد وأبو بكر، فاستمر التنافس بينهم وبين ملوك الموحدين الذين ما كان أكثر عددهم وأقل مدتهم على العادة في هذه الفترة التي يعقبها السقوط. ثم لما آذنت شمسهم بالزوال، وظلهم بالانقلاب أوقع بهم بنو مرين في معركة تعرف بيوم المشعلة، وقعة فاصلة لم يرفعوا بعدها رأساً ولا أبدوا حراكاً، وجاءت نوبة يعقوب بن عبد الحق رابع الإخوة المذكورين فلم يكن من الصعب عليه أن يستأصل شأفتهم ويجتث جذورهم في سنة 6? 4، وكذلك خلص له الملك بالمغرب، فأعلن نفسه سلطاناً وتلقب بالمنصور.
تقلص ظل الموحدين من المغرب، واستتب الأمر لبني مرين، فلم يبق من ينازعهم في شيء، لذلك نرى أن مجال العمل المفيد قد أصبح فسيحاً أمام السلطان الجديد، إنما هو لم يترك بعد ميدان الحرب والسياسة فتقدم إلى إفريقية يريد استلحاقها، كما كانت في أيام الموحدين، وهيهات ذلك فقد فات الفوت، ودخلت تلك البلاد في ملك بني عبد الواد، وبني حفص القائمين بها، ولم يبق محل للعملية التي أجراها عبد المؤمن لتحقيق الوحدة المغربية، وضم أطراف البلاد الإفريقية، فتلك قد اكتنفها من الظروف المؤاتية ما لم يكن منه هنا قليل ولا كثير، لذلك كان الإقدام على الحرب في هذه الحال مجازفة، قلما تأتي بنتيجة غير الشر المستطير، فالذي ينبغي عمله حينئذ هو الاتحاد والتعاون على تشييد صروح العدل والنظام وإصلاح أحوال البلاد، وتبادل المصالح المشتركة.
وأما الحرب وخصوصاً بين شعبين إسلاميين متجاورين، فإنما تسبب من الضرر والبلاء ما يعسر مع طول المدة تداركه وتلافيه.
غير أن أولئك القوم لم يكونوا يحسبون هذا الحساب، ولا يقيمون. لهذه الاعتبارات وزناً. فلذلك لا نعجب من تسابقهم إلى تحقيق هذه الغاية، وهي الاستيلاء على بلاد إفريقية مهما كلفهم ذلك من الجهد والعناء، ومهما كان فيه من إزهاق الأرواح البريئة، وتقاتل المسلمين بعضهم مع بعض. ثم منهم من كان مرابطاً دائماً على معاقل
تلك البلاد، لا يرفع عنها الحصار أبداً، ومنهم من كان معكوفه على الحرب فيها، سبباً في نبوغ الثوار عليه، واختلال شؤون مملكته، ومع ذلك لم ينقطع طمعهم فيها، ولم تنشن عزيمتهم عنها حتى جاء أبو الحسن، فخر هذه الدولة وأحد عظماء سلاطين المغرب، فلم يلبث أن فتحت له أبوابها على المصاريع، ودخل إليها حتى وصل إلى تونس، وضم المغرب كله بعضه إلى بعض، وأخذ في تنظيمه وإصلاحه على طريقة تكفل له النجاح والتقدم. لكن أجلاف العربان من بني سليم، وبقايا بني هلال إخوتهم) (1) الذين كانوا يعيشون في الأرض فساداً، ويأخذون الإتاوات من الناس ظلماً وعدواناً لما رأوا شدة شكيمته على أهل البغي والعناد وجده في سد أبواب المطامع، وحسم أصول الفساد ثاروا به وقطعوا عليه خط الرجعة، فوقع في الشرك وعمي خبره على شعبه.
وجاء الطاعون الجارف فأخلى البلاد، وافتى العباد، فأرجف الناس بموت السلطان، واختلت الأمور وكاد اليأس يستولي على النفوس، فوثب ولده أبو عنان وبايع نفسه، وانتصب على عرش والده المحصور في تونس. فلما سمع والده بذلك ركب البحر وقفل راجعاً في أسطوله الذي كان ينيف على الخمسمائة قطعة، ولكن الحظ السيء كتب على أسطول المغرب العظيم أن يتحطم في البحر، فتضمحل حينذاك القوة البحرية لهذا القطر الذي طالما جال بها وصال، فذهبت مع أمواج الخضم جميع القواد والأبطال؛ لكن الخسارة كل الخسارة في العلماء الذين كان السلطان لا يستغني عنهم، ويستصحبهم في حضره وسفره. وقد كان معه منهم في هذه الوجهة جم غفير فذهبوا ضحية سياسته الهوجاء، وهو نفسه إنما نجا على لوح من ألواح بعض السفن المتكسرة، بقي يتخبط فوقه حتى رماه الموج في أحد شواطئ مملكته، وكانت هذه النكبة مما ينقطع لها نياط القلب، ولا يرقأ لها دمع العين.
ولما رجع أبو الحسن، كان ولده قد ثبت مركزه، وأمر أمره فلم يشأ أن يتنزل له عن العرش فتقاتلا، وإنه لمن المؤسف أن يقع هذا بين الولد والوالد، وثبت على عهد الوالد رجال ممن صحت نياتهم، وخلصت ضمائرهم؛ لكن الوالد المسكين
(1) كان المنصور الموحدي نقل عرب بني هلال من إفريقية إلى المغرب وأوطنهم فيه، وقد بقيت منهم هناك بقايا هم الذين عاودوا سيرتهم الأولى مع إخوتهم بني سليم.
كانت أيامه في انصراف، فلم ينشب أن توفي رحمه الله، وقد كان بني فأحسن البناء، إنما لم يتم الله مراده، وقام الولد الشاب وتتبع خطوات أبيه، فتمسك بفتوحاته في تلك البلاد، ونظر في أحوالها بعين الحكمة والسداد، لكن ما لبث الأمر بعده إن رجع إلى مبداه، وعاد لتونس استقلالها وللجزائر سلطنتها وبقي المغرب قائماً بنفسه في أخريات أيام هذه الدولة.
هذه كانت سياسة المرينيين في إفريقية، وهي كما رأيتها لا تدل على مهارة وحسن تدبير، بل غاية ما فيها، وتسبب عنها فعلاً تفريق كلمة المسلمين الموحدة، وبذر العداوة بين قلوبهم النقية، زيادة على إضعاف قوتهم المادية والمعنوية، مما يسهل طريق استيلاء العدو عليهم وتمكنه منهم.
ونحن إذا وقفنا محقين بجانب يوسف بن تاشفين، ودافعنا عن سياسته الناجحة في ضم الأندلس إلى المغرب، ورمينا في وجوه خصومه بكل ما تقولوه عليه، لا يمكننا هنا أن نقف مبطلين بجانب المرينيين وندافع عنهم ونعتذر لهم، لأنه شتان بين عمل يوسف، وعمل المرينيين، ولئن جني المغرب، وجنت الأندلس من حركة يوسف ما جنياه من الثمار الصالحة، والنتائج الحسنة، فلم يحن المغرب ولا إفريقية من سياسة المرينيين فيها إلا الخسائر المتوالية في المال والرجال. وبالتالي تضعضع المركز الدولي الذي كان لها في العالم وهذا أمر ليس من صالح كلا الطرفين في شيء، بل ليس من صالح الشرق ولا الإسلام ولا العرب. على أن العقل لا يجوز بسرعة إمكان تغلب الدولة المرينية على هؤلاء، وهم مثلها دولة ناشئة شديدة الشكيمة، قوية المراس، فلم يبق إلا انهم أخطأوا سبيل المصلحة وهو الاتحاد معهم على رد عادية العدو بالبلاد الأندلسية، حتى، لا يزيد طغيانه على أهلها، ويعلم أن من وراء اتحاد ملوك النصرانية اتحاد ملوك الإسلام، فيقلل من غلوائه، ولا يشتط في عدوانه ولو كتب ذلك لكان المسلمون متوطنين بأندلسهم إلى الآن، لا ينغص عيشهم فيها شيء.
ثم بعد أن تبينا هذه الناحية من سياسة بني مرين، نصرف النظر إلى ناحية أخرى من سياستهم، وهي موقفهم بإزاء الأندلس، فمنها يظهر لك مزيد اعتنائهم بإفريقية، بل ربما يلتبس عليك الأمر في التوفيق بين سياستهم الأولى في إفريقية، سياسة الفتح والغزو، وسيرتهم الثانية في الأندلس المباينة لتلك تمام المباينة، وذلك أنهم في
الأندلس كانوا قد اتخذوا ربطاً وجنوداً المناوشة الأسبان في القتال، ودفاعهم عن بلاد المسلمين. وكان أول جيش ذهب منهم إليها، في أيام يعقوب المتقدم الذكر، وهو نفسه جاز إلى الأندلس أربع مرات. لا تسأل عن أعماله الحربية فيها، ومواقفه المشرفة؛ فكانوا يستولون فيها على الحصون والمدن العديدة، لكنهم لم يكونوا يتمسكون بها أبداً، إنما كانوا يزفونها هدية إلى أمراء بني نصر، أصحاب الأندلس.
وإنك لتعجب من هذه السماحة، وهذا الإيثار، مما لا علة له إلا حسن نياتهم في الجهاد فقط، كما كانوا يصرحون هم أنفسهم بذلك. ولا تقل أن ذلك نتيجة العجز، وعدم القدرة على اقتحام الأندلس وضمها إلى المغرب، فإن من يجرؤ على حرب دولتين فتيتين من الدول المغربية الصميمة بإفريقية، لا يتهيب حرب بني الأحمر؛ خصوصاً وقد كانوا في حرب مع المخالفين عليهم من بني جلدتهم، أو مع الإسبانيين، ولا تقل أيضاً أن البحر كان هو الحاجز بينهما والمانع من تنفيذ هذه الفكرة، ولو طافت برؤوس السلاطين من بني مرين، لأنا نعلم أن أسطول المغرب في ذلك الحين كان من الأساطيل التي تضرب بها الأمثال، وقد ذكرنا آن جملة قطعه التي كانت مع أبي الحسن في وقعة إفريقية خمسمائة قطعة؛ فلا يجوز أن يقال إن البحر هو الذي كان حائلاً عن إقدامهم على شن الغارة على الجزيرة الأندلسية وانتزاعها من أيدي مالكيها، والمتصرفين فيها. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك هو السبب الحقيقي في انصرافهم عنها إلى إفريقية، فليكن هذا السبب الذي نذكره، وهو الذي تؤيده وقائع الأحوال وشواهد العيان، فالمرينيون خلف الموحدين كانوا يعرفون ما نزل بسلفهم من الضعف والانحلال بسبب ذلك القطر الأندلسي، ومحافظتهم عليه، ولئن قيل إنه كان سبب عزهم ومجدهم فقد يقال أيضاً أنه كان سبب تعسهم ونحسهم، فمن المحقق أنه لولا واقعة العقاب لم يتمكن للمرينيين أن يستولوا على المغرب، ويقلصوا ظل نفوذ الموحدين عنه. فهذه العبرة التاريخية هي التي كانت تثنيهم عن المغامرة في أخذ الأندلس وانتزاعها من أيدي بني نصر، ولو فعلوا لنجحوا في ذلك من أول وهلة؛ لكنهم كانوا ينظرون إلى العاقبة فيتخوفون منها. ولنفرض أنهم أخذوها، أليس ما يلزمها من التحصين الدائم، والدفاع المستمر منهكاً لقواهم، كاسراً لشوكتهم يوماً ما، كما سبق ففعل بالمرابطين وبني مؤمن؟ نعم. فنظرهم هذا سديد، وأسدُّ منه نظرهم إلى توحيد إفريقية، لو كان ممكناً إذ ذاك. ولذلك فقد انصرفوا عن الأندلس انصراف المختار
لا اليائس، ثم أقبلوا على إفريقية فلم يغن حذر من قدر، وكانت هي السبب في ضعفهم وانحلال قوتهم، كما لو ذهبوا إلى الأندلس فيما كانوا يقدرون. وقولنا أنهم انصرفوا عن الأندلس ليس على إطلاقه فقد قدمنا أنهم كانوا يقيمون فيها الربط والمقاتلين، بل لقد كان ملوكهم كثيراً ما يعبرون إليها فيقيمون فريضة الجهاد خالصة نباتهم في ذلك، نقية ضمائرهم. ولقد قاموا بأكثر مما يجب عليهم من ذلك، ولاقوا من العدو الذي كان يراوغهم، ويعبث بالعهود التي يعقدونها معه، أذى كثيراً، وكان يتعرض لسخطهم فينزلون به أشد أنواع النقمة، وأقسى ألوان العقاب وهم في ذلك محقون ومنصفون؛ وكل من علم بعد الشُّقة، وتحقق صعوبة ركوب ثبج البحر في ذلك العصر لإنقاذ المستصرخين، وحماية الضعفة من أهل الأندلس، عذر هؤلاء المغيرين إذا أتوا حنقين غضابي؛ فاقتصوا منه على قدر فعله، وجازوه بما يستحق، فإنه كان يتركهم حتى يعودوا إلى مواطنهم بعد أن يكونوا عقدوا معه الهدنة التي يكون هو الطالب لها، فينقض على جواره من المسلمين، ويفعل فيهم الأفاعيل، فما إن يصل الصريخ إلى فاس وتأتي النجدة حتى ينفذ الوعيد ويسبق السيف العذل. وهكذا كان احترام الأوربيين للعهود الدولية في القرون الوسطى - ولا يزال - معلقاً مصالحهم الآنية وبما تمليه إمكانياتهم وظروفهم الحربية فقط لا غير.
ولكن دعنا من هذا، ولننظر في موقف ملوك بني نصر الأندلسيين بإزاء الدولة المرينية لنتعرف بعد ذلك على من تقع مسؤولية ضياع الأندلس، فقد رأينا من قبل موقف الأندلسيين المرذول، موقف الفضيحة والعار، والخيانة والخذلان، في وقعة العقاب المشؤومة، حتى تسببوا في تصدع أركان تلك الدولة الشامخة وأدخلوا الضعف على الأمة المغربية التي لم تكن تعرفه من قبل. وفي أيام المرينيين، نجد أن هؤلاء الذين سموا أنفسهم ملوكاً، بينما يستنجدون بأسود العرين من بني مرين، فيخف هؤلاء لمساعدتهم وإنقاذهم بدافع الرغبة في الجهاد والذب عن بيضة الإسلام، إذ يتحالفون مع الأعداء عليهم؛ فلا يكاد جنود المغرب يركبون البحر، حتى يجدوا العدو في أساطيل أولئك المستصرخين كامناً لهم، معترضاً كالشجي في حلق الزقاق، فتنشب الجرب، ويشتد ضرامها. فأما حين يكتب النصر للمسلمين وهو الغالب، فإن الناكثين يعتذرون ويقدمون أنفسهم للخدمة، ولا يعدمون من وسائل النفاق، وأساليب الخداع، ما يسترضون به السلطان؛ وأما في حال غلبة العدو، فإنهم يولونه أيضاً الأدبار خشية تقويه
عليهم فيرجعون لبني مرين أيضاً، لأنهم ليس لهم عضد ولا ناصر غيرهم. ولقد حدث مرة أن أرسل السلطان رأس أحد القواد الإسبان من أوقع بالمسلمين وقائع فظيعة، أرسله إلى ملك بني نصر ليظهره إلى المسلمين فيحمدون الله الذي أمكن من عدوهم اللدود. لكن ملك بني نصر طيبه وجعله في صندوق محلى وأرسل به إلى ملك الأسبان يتملقه، فانظر إلى التخاذل كيف يكون، وإلى السقوط من حالة العز إلى خضيض الهون. . . ولا يظن القارئ أنهم كانوا يخافون منهم على بلادهم، فقد قدمنا أن فكرة الاستيلاء على الأندلس لم تدر قط بخلد ملوك المرينين، وإلا فهم لو أرادوها لم تعجزهم بحال، وقد قدمنا أنهم لما كانوا يستولون على حصن. أو بلد، سرعان ما يسلمونه إليهم قاصدين بذلك إزالة النفرة من أنفسهم، وتقوية الروابط معهم، ولم يكونوا يبقون بأيديهم إلا جبل طارق والجزيرة الخضراء، وجزيرة طريف، وهذه إنما يبقونها لربط خيط المواصلة بين العدوتين، وإنزال المقاتلة وإدخار المؤونة مما مصلحته عائدة على الأندلس، لكن أولئك القوم لم يكونوا يراعون هذا الجميل، وإنما ينظرونه بعين عوراء وأخرى مغمضة.
وماذا حدث بعد ذلك؟ حدث أن الدولة المغربية لم تبق على شيء من القوة بسبب ما استنفذت من مجهودها هذه الحروب الطاحنة، ثم قامت قيامة بني مرين؛ بالتهالك على السلطة، وتنازع الإمارة فانتهى الأمر بسقوطهم، وانتصاب دولة بني وطاس، وهم فرع من بني مرين؛ إلا أنهم ليس فيهم غناؤهم فضعفت الأمة ومرج أمرها، واشتغلت بمشاكلها الداخلية، وحروبها الأهلية. فكأنما أبدلت الأرض غير الأرض، والناس غير الناس. وفي هذه الأثناء كانت النداءات على العادة تتوالى من أهل الأندلس على المغرب وهو لا يستجيب لنداء، لأنه كما علمت، منتحر مضرج بالدماء، نعم كان يتسرب إليهم آونة بعد أخرى، فوج من متطوعة المقاتلين ومتحمسة المجاهدين؛ ولكن كان جهده أن يبلغ الأخبار، ويبسط الأعذار، والعدو إذ ذاك لام شعثه، آخذ أهبته قوي متحد، منيخ بكلكله على المسلمين، يذيقهم العذاب المهين، حتى حصلت الكارثة، ونفذ سهم القضاء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قلنا إنه لما سقطت دولة المرينيين خلفتها دولة الوطتاسيين، إلا أن هذه لم يصحبها توفيق فكانت ذنباً طويلاً للدولة المرينية، يجري عليها ما يجري على أعقاب الدول، من مصاحبة الفشل، ومعاناة العثار، وقد بقيت كذلك حتى أخلت المكان للدولة السعدية التي سنتكلم عليها بعد هذه.