المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ ــ كتاب الوكالة هي بفتح الواو وكسرها .. التفويض، يقال: وكل - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٥

[الدميري]

الفصل: ‌ ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ ــ كتاب الوكالة هي بفتح الواو وكسرها .. التفويض، يقال: وكل

‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

ــ

كتاب الوكالة

هي بفتح الواو وكسرها .. التفويض، يقال: وكل أمره إلى فلان، أي: فوضه إليه واكتفى به، ومنه:{توكلت على الله} ويقع على الحفظ أيضًا، ومنه:{ونعم الوكيل} أي: الحافظ.

وهي في الشرع: إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه.

والأصل فيها: قوله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة}

وقوله: {اذهبوا بقميصي هذا} .

ومن السنة: ما ثبت في (الصحيحين)[خ2303 - م1593] من إرسال السعاة لقبض الصدقات، وحديث عروة رضي الله عنه المتقدم في (بيع الفضولي).

وفي (أبي داوود)[3632]: عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه وأخبرته بذلك فقال:(إذا أتيت وكيلي .. فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية .. فضع يدك على ترقوته).

وذكر الفقهاء أن النبي صلى الله عليه وسلم: (وكل عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه في نكاح أم حبيبة رضي الله عنها والذي ذكره أهل السير: (أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة رضي الله عنها وأصدقها أربع مئة دينار، والذي أنكحها خالد بن سعيد بن العاصي رضي الله عنه وهو عم أبيها، وكان أبوها كافرًا ولا ولاية له مع غيبته) وهذا الكلام يحتمل أن يكون الوكيل فيه عمرًا وأن يكون النجاشي.

ص: 23

شَرْطُ الْمُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ،

ــ

وانعقد الإجماع على جوازها، والقياس يقتضيه أيضًا؛ فإن الشخص قد يعجز عن القيام بمصالحه كلها، بل قال القاضي حسين وغيره: إنها مندوب إليها؛ لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} .

قال: (شرط الموكل: صحة مباشرته ما وكل فيه) هو بفتح الواو؛ لأن التصرف الخاص بالإنسان أقوى من تصرفه عن غيره، فإذا لم يقدر على الأقوى .. فعلى الأضعف أولى.

قال: (بملك أو ولاية، فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون)؛ لما تقدم، وينبغي أن يأتي في توكيل الصبي في التدبير والوصية الخلاف في صحتهما منه، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا الفاسق في تزويج ابنته إذا قلنا: لا يلي.

قال: (ولا المرأة والمحرم في النكاح)؛ لأنهما لا مدخل لهما في ذلك.

والمراد: أن المرأة لا توكل أجنبيًا في تزويجها، فأما إذا أذنت للولي بلفظ التوكيل .. فإنه يصح كما سيأتي في موضعه، كذا قاله شيخنا وهو عجيب؛ لأن إذنها لوليها بلفظ التوكيل ليس مما نحن فيه أصلًا.

وإطلاق المصنف المحرم محمول على ما إذا وكل ليعقد عنه في حال الإحرام، أما إذا قال: ليزوج بعد التحلل. فقال الرافعي في (كتاب النكاح) يصح؛ لأن الإحرام يمنع الانعقاد دون الإذن، واختار الشيخ أن المحرم لا يصح توكيله في النكاح، سواء قيد بما بعد التحلل أم لا فعلى هذا يبقى كلام المصنف على إطلاقه.

ولو وكل حلال محرمًا ليوكل حلالًا في التزويج .. فالأصح عند الرافعي: الجواز، وعند الشيخ: المنع.

و (المحرم) بضم الميم من تلبس بالإحرام بنسك، أما المحرم بفتح الميم فيجوز توكيله كما سيأتي في (كتاب النكاح).

ص: 24

وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوِليِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .. فَيَصِحُّ.

ــ

قال: (ويصح توكيل الولي في حق الطفل) في النكاح وغيره؛ لولايته عليه.

والمراد بـ (الولي) الأب والجد وكذا الوصي في الأصح.

وتقييده بـ (الطفل) تبع فيه (المحرر)، وفي (الشرح) لم يقيده بذلك وهو الصواب؛ لأن كل محجور عليه كذلك من سفيه أو مجنون أو صبي، ثم الولي بالخيار إن شاء وكل عن نفسه وإن شاء وكل عن موليه.

ويصح توكيل السفيه والمفلس والعبد فيما يستقلون به من التصرفات، ولا يصح فيما لا يستقلون به إلا بعد إذن الولي والغريم والسيد.

قال: (ويستثنى توكيل الأعمى في البيع والشراء .. فيصح) وإن لم يقدر على مباشرته؛ للضرورة، وكذلك في القبض وفيه سر لطيف وهو: أن الأعمى مالك رشيد فالمقتضي لصحة تصرفه موجود، وقارنه مانع لا لخلل فيه ولكن يرجع إلى المبيع لعدم رؤيته، فإذا وكل قام وكيله مقامه في الرؤية.

والتقييد بـ (البيع والشراء) مضر، فسائر العقود التي تفتقر إلى الرؤية كالإجارة والمساقاة والأخذ بالشفعة ونحوها يصح توكيله فيها أيضًا.

ولم يستثن المصنف سوى هذه المسألة مع أنه يستثنى مسائل طردًا وعكسًا، فمن طرده: الولي غير المجبر إذا نهته عن التوكيل .. لا يوكل كما سيأتي، والظافر بحقه لا يوكل في كسر الباب وأخذ حقه كما صرح به جماعة، ومن العكس الأعمى كما تقرر.

والمحرم ليس له أن يزوج وله أن يوكل فيه، وكذا إذا وكل الولي امرأة أن توكل رجلًا عن الولي، خلافًا للمزني.

وإذا وكل المشتري البائع أو المسلم المسلم إليه أن يوكل من يقبض منه .. صح مع أنه لا يباشر القبض من نفسه، وكذلك إذا علق الطلاق بسبق الثلاث وقلنا

ص: 25

وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ،

ــ

بانسداده .. فإنه يوكل فيه؛ لأن الطلاق مملوك له، وإنما امتنع وقوعه منه لأمر خارج فهو كالأعمى في البيع.

قال الرافعي: سمعت بعضهم في المباحثة يقول: ينبغي أن لا يقع طلاق الوكيل.

ويستثنى استيفاء القصاص في الأطراف؛ فإنه لا يباشره المستحق على الأصح بل يوكل فيه، وكذلك استيفاء حد القذف على الأصح، وإذا قال: كلما عزلتك فأنت وكيلي .. فإنه لا يقدر على عزله، ويصح منه التوكيل فيه.

قال: (وشرط الوكيل: صحة مباشرته التصرف لنفسه)؛ لأن تصرف الشخص لنفسه أقوى من تصرفه لغيره، فإذا لم يقدر على الأقوى .. لا يقدر على الأضعف، فكأنه قال: من صحت مباشرته .. صحت وكالته، ومن لا .. فلا.

ويرده على طرده: ما لو وكل الولي فاسقًا في بيع مال الطفل؛ فإنه لا يجوز، وعلى عكسه مسائل تأتي عقب مسألة العبد الآتية.

ويصح توكيل المرتد وإن لم يصح تصرفه في ماله.

ولا يجوز للمسلم أن يوكل كافرًا في استيفاء قود أو حد من مسلم، ولا للإمام نصبه لإقامة الحدود على المسلمين.

وقال الماوردي والروياني: لا يجوز للزوجة أن تتوكل عن غير زوجها إلا بإذنه، وكأنهما أرادا الحرة أما الأمة إذا أذن لها سيدها .. فلا اعتراض للزوج.

فرع:

يشترط في الوكيل أن يكون معينًا، فلو قال: أذنت لكل من أراد بيع داري أن يبيعها .. لم يصح، أو قال لرجلين: أيكما أراد بيع داري فجائز. . لم يجز لأحدهما

ص: 26

لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ،

ــ

أن يبيعها، ولو قال: وكلت زيدًا وهو لا يدري من زيد .. لم يصح.

فلو أذنت من لا ولي لها لكل عاقد في البلد في تزويجها .. أفتى الشيخ بصحة إذنها؛ إذ لا غرض لها في أعيان العقاد والقضاة.

وقال ابن الصلاح: إن قام بإذنها قرينة تقتضي التعيين مثل أن تكون أذنت عن قرب له في تزويجها، أو كانت تعتقد أن لا عاقد في البلد سواه .. فإذنها يختص به ولا يعم، وإن لم يكن كذلك .. جاز لكل عاقد تزويجها.

قال: (لا صبي ومجنون)؛ لسلب عبارتهما، ومثله المعتوه والمبرسم والنائم والمغمى عليه ومن شرب ما أزال عقله لحاجة.

قال: وكذا المرأة والمحرم في النكاح) أي: إيجابًا وقبولًا؛ لما سبق، وكذا المرأة في الرجعة لا ترجع نفسها ولا غيرها؛ لأن الفرج لا يستباح بقولها، ولا يصح توكيلها في اختيار الزوجات إذا أسلم على أكثر من أربع أو طلق إحدى امرأتيه، وفي توكيلها باختيار المفارقات وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه يتضمن اختيار الباقيات للنكاح.

وصورة المسألة: أن يعين لها من تختار منهن أو يفارقها، فإن أطلق .. لم يصح لا من الرجل ولا من المرأة.

والخنثى إذا وكل في قبول النكاح أو الطلاق قال في (شرح المهذب): ينبغي أن يكون كالمرأة للشك في أهليته.

وقال الماوردي والروياني: يمتنع على المرأة أن لا تتوكل إلا بإذن الزوج، ولعل هذا في أمر يحوج إلى الخروج.

ص: 27

لَكِنِ الصَّحِيحُ: اعْتِمَادُ قَوْلِ صَبِيٍّ فِي الإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ،

ــ

قال: (لكن الصحيح: اعتماد قول صبي) أي: المميز (في الإذن في دخول دار وإيصال هدية)؛ لأن السلف كانوا يعتمدونه في ذلك، فإن انضمت إليه قرائن يحصل العلم بصدقه في ذلك .. جاز الدخول والقبول قطعًا، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بقوله: وإن لم ينضم، فإن كان غير مأمون القول .. لم يعتمد، وإلا .. فطريقان.

أصحهما: القطع بالاعتماد.

والثاني: على الوجهين في قبول روايته، فكلام المصنف محمول على ما إذا لم تكن قرينة ولا تهمة.

قال الشيخ: والعبد الذي يقبل قوله في الهدية لو قال لشخص: سيدي أرسلني إليك .. مقتضى إطلاقهم قبول ذلك منه بالقرائن واستشكله وقال: ينبغي أن لا يقبل قوله في ذلك، ويجوز توكيل الصبي في دفع الزكاة في الأصح.

وقال القفال في (الفتاوى): إذا اشترى طعامًا وبعث صبيًا ليستوفيه وكان الصبي يعقل ذلك .. حل، وكذلك في بابي (الهبة) و (السلم) إذا بعث صبيًا لقبضهما.

ويقبل خبر الصبي أيضًا في كل ما طريقه المشاهدة دون الإخبار، فيقبل في رؤية النجاسة، ودلالة الأعمى على القبلة، وخلو الموضع عن الماء كما تقدم في (باب التيمم)، والإخبار بطلوع الفجر والشمس وغروبها، بخلاف ما طريقة الاجتهاد كالإفتاء والإخبار عما يتعلق بالطب ورواية الأخبار كما نقله في (شرح المهذب) عن الجمهور، وكذلك يقبل خبره بطلب صاحب وليمة الإنسان، قال الماوردي والروياني.

ص: 28

وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِ عَبْدٍ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ وَمنْعُهُ فِي الإِيجَابِ

ــ

قال: (والأصح: صحة توكيل عبد في قبول نكاح)؛ لأنه لا ضرر على السيد فيه.

والثاني: يمتنع بغير إذن السيد، كما لا يقبله لنفسه بغير إذنه.

والثالث: يمتنع مطلقًا؛ لأنه إنما جاز في حق نفسه للحاجة.

فعلى الصحيح: تستثنى هذه الصورة من شرط صحة المباشرة لنفسه.

وحيث جوزنا توكيل العبد استثنى منه الماوردي توكيله على الطفل أو مال اليتيم، فإنه لا يجوز؛ لأنه في معنى الولاية.

ومما استثنوه أيضًا: السفيه لا يصح قبوله النكاح بغير إذن وليه، ويقبله لغيره بغير إذن وليه في الأصح.

ومنها: الكافر لا يتزوج مسلمة ولا يكون وليًا في تزويجها، ويجوز أن يتوكل في تزويجها على الأصح.

ومنها: الكافر لا يشتري المسلم، ويكون وكيلًا في شرائه لمسلم إن صرح بالسفارة، وكذا إن لم يصرح على الأصح.

ومنها: المرأة لا تقدر على الطلاق وتكون وكيلة في تطليق غيرها على الأصح.

وتوكيل شخص في قبول نكاح محرمة كتوكيل الأخ في قبول نكاح أخته، والموسر في قبول نكاح أمه لمعسر، وفي قبول نكاح أخت زوجته ومن تحته أربع نسوة.

قال: (ومنعه في الإيجاب)؛ لأنه إذ لم يزوج بنت نفسه .. فأولى أن لا يزوج بنت غيره.

والثاني- وهو الأصح عند الغزالي-: يصح لصحة عبارته في الجملة، وإنما لم يزوج ابنته؛ لأنه لا يتفرغ للنظر في أمرها، والمبعض أولى بالصحة فيما يصح توكيله، والسفيه كالعبد، قاله الرافعي.

ص: 29

وَشَرْطُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ: أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ، فَلَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلَاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ

ــ

والمكاتب يوكل غيره فيما يملكه، ويكون وكيلاً بجعل، وأما بغير جعل .. فكتبرعه.

والمحجور عليه بفلس يتوكل فيما لا يلزم ذمته عهدة قطعًا، وفيما يلزمها أيضًا على الأصح، كما يصح شراؤه على الصحيح.

قال: (وشرط الموكل فيه: أن يملكه الموكل، فلو وكل ببيع عبد سيملكه، وطلاق من سينكحها .. بطل في الأصح)؛ لأنه لا يملك مباشرته عند التوكيل.

والثاني: يصح، ويكفي حصول الملك عند التصرف، وبه قال القفال والبغوي، والخلاف عائد إلى أن الاعتبار بحال التوكيل أو بحال التصرف، ويجريان في التوكيل بإعتاق من سيملكه، وقضاء دين سيلزمه، وبتزويج ابنته إذا انقضت عدتها، أو طلقها زوجها وما أشبه ذلك.

فلو قال: وكلتك في مخاصمة كل خصم يتجدد لي .. فوجهان: ذهب البصريون إلى بطلانها والبغداديون إلى صحتها، ونقل ابن الصلاح عن الأصحاب الصحة فيما إذا وكل في بيع ثمرة قبل ظهورها.

تنبيهان:

أحدهما: موضع الخلاف إذا عين العبد أو المرأة بوصف أو أتى بلفظ عموم مثل: كل عبد أو امرأة، فلو أتى بنكرة صرفة .. لم يصح جزمًا كما أفتى به البغوي.

الثاني: لو جعل المجهول تبعًا لمعلوم أو الغائب تبعًا لحاضر كبيع مملوك وما سيملكه .. ففيه احتمالان للرافعي، والمنقول عن أبي حامد وغيره الصحة، ولو وكله في حقوقه كلها ما وجب منها وما سيجب بعد ذلك .. جاز.

ص: 30

وَأَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلنِّيَابَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِي عِبَادَة إِلَاّ الْحَجَّ، وَتَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ، وَذَبْحَ الْهَدَايَا،

ــ

ويستثنى القراض، فإنه يصح إذن المالك للعامل في بيع ما سيملكه من العروض؛ إذ لا تتم مصالح العقد إلا بذلك.

وأفتى ابن الصلاح بأنه إذ وكله في المطالبة بحقوقه .. دخل فيها ما يتجدد.

ومنها: إذا قال: وكلتك في بيع كذا وأن تشتري بثمنه كذا .. فالمشهور: صحة التوكيل.

قال: (وأن يكون قابلًا للنيابة)؛ لأن التوكيل إنابة، فما لا يقبلها لا يقبل التوكيل.

قال: (فلا يصح في عبادة)؛ لأن المقصود منها ابتلاء الشخص وامتحانه.

قال: (إلا الحج) أي: عند العجز، وكذلك العمرة (وتفرقة الزكاة) والكفارات وصدقة التطوع (وذبح الهدايا) والعقيقة وشاة الوليمة، وصب الماء على أعضاء المتطهر، والتيمم عند العجز.

ويستثنى: صوم الولي عن الميت كما تقدم، وركعتا الطواف إذا فعلهما الأجير؛ فإنهما تقعان عن المحجوج عنه، والوقف؛ فإنه قربة ويصح التوكيل فيه.

واحترز بـ (العبادة) عن التوكيل في إزالة النجاسة، فإنه جائز؛ لأنها من باب التروك، ولذلك لا تشترط فيها النية على الأصح.

وقال في (البحر): لا يجوز التوكيل في غسل الميت؛ لأنه من فروض الكفايات، فيقع عمن باشره.

ص: 31

وَلَا فِي شَهَادَةٍ، وَإِيلَاءٍ، ولِعَانٍ، وَسَائِرِ الأَيْمَانِ، وَلَا فِي ظِهَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ،

ــ

قال: (ولا في شهادة، وإيلاء، ولعان، وسائر الأيمان)؛ إلحاقًا لها بالعبادات؛ لما فيها من تعظيم الرب سبحانه وتعالى.

ومراده بـ (سائر الأيمان) باقيها؛ لأن الإيلاء واللعان من الأيمان.

وتعليق الطلاق والعتق: قالوا: لا يجوز التوكيل فيه؛ لأنه يمين يقصد به حث أو منع.

قال الشيخ: وهذا التعليل يقتضي جواز التوكيل في التعليق الذي ليس كذلك كقوله: إن طلعت الشمس أو جاء الحاج ونحوه، قال: وهذا يعني أن يكون هو الصحيح، وهو وجه حكاه المتولي في (كتاب الطلاق).

قال الرافعي: والتدبير وتعليق الطلاق والعتق في معنى الأيمان.

قال: (ولا في ظهار في الأصح)؛ لأنه منكر من القول وزور، وفي الوكالة إعانة عليه.

والثاني: يجوز تغليبًا لشائبة الطلاق، قال المتولي: وهو ظاهر المذهب، والأول مذهب المزني.

وحقيقة الخلاف ترجع إلى أن المغلب في الظهار اليمين أو الطلاق، فإن صححناه .. فالأصح أنه يقول: موكلي يقول: أنت عليه كظهر أمه.

قال: (ويصح في طرفي بيع، وهبة، وسلم، ورهن، ونكاح) أما النكاح .. فبالنص، والباقي مقيس عليه.

قال: (وطلاق)؛ لأنه إذا جاز في العقد .. ففي قطعة أولى، هذا في الطلاق المنجز أما المعلق .. ففيه الأوجه الثلاثة المتقدمة.

ص: 32

وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَقَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا،

ــ

قال: (وسائر العقود) أي: باقيها كالصرف والتولية والصلح والإبراء والحوالة والضمان والكفالة والشركة والمضاربة والإجارة والجعالة والمساقاة والإعارة والإيداع والأخذ بالشفعة والوصية وقبولها، وأبعد من قال: لا يجوز التوكيل في الوصية؛ لأنها قربة.

وصيغة الضمان والوصية والحوالة: جعلت موكلي ضامنًا لك كذا، أو موصيًا لك بكذا، أو أحلتك بما لك على موكلي من كذا بنظيره مما له على فلان، ويجوز في الخلع والإعتاق والكتابة وعقد الذمة من الطرفين، وكذا في الرجعة في الأصح.

قال: (والفسوخ)؛ لأنه إذا جاز في العقود .. ففي حلها أولى، وذلك كالإقالة والرد بالعيب والفسخ بخيار المجلس والشرط، لكن ما هو على الفور قد يكون في التوكيل فيه تأخير فيبطله، إلا أنه يستثنى من ذلك: التوكيل في فسخ نكاح الزائدات على العد الشرعي كما تقدم إذا قلنا: الفرع تحصيل بالاختيار.

قال: (وقبض الديون وإقباضها)؛ لعموم الحاجة إلى ذلك، ومن جملة الديون: الجزية، وسيأتي حكم التوكيل فيها في بابها.

واحترز بـ (الديون) عن الأعيان كالمغضوب والمسروق، فإنها وإن صح التوكيل في قبضها .. فلا يصح في إقباضها؛ إذ ليس له دفعها لغير مالكها، قاله الشيخ عز الدين.

وأغرب من استثنى قبض عوض الصرف في غيبة الموكل؛ إذ لا دين بعد التفرق لبطلان العقد.

فروع:

يجوز توكيل أصناف الزكاة في قبضها لهم.

ص: 33

وَالدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَكَذَا فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ كَالإِحْيَاءِ وَالاِصْطِيَادِ وَالاِحْتِطَابِ فِي الأَظْهَرِ،

ــ

ويجوز أن يوكل الضامن في إبراء المضمون، فإذا أبرأه .. برئا جميعًا، وأن يوكل المضمون، في إبراء الضامن ولا يبرأ به المضمون.

وإذا وكل في صلح الحطيطة .. فهو كالتوكيل في الإبراء عن بعض الدين.

قال: (والدعوى والجواب) سواء كان ذلك لعذر أو غيره، رضي بذلك خصمه أم لم يرض، وليس للخصم الامتناع من مخاصمة الوكيل، وسواء كان المطلوب مالًا أو عقوبة لآدمي.

أما حدود الله تعالى .. فلا يجوز التوكيل في إثباها، وكذلك المعاصي كالقتل والسرقة لا مدخل للتوكيل فيها بل أحكامها تثبت في حق مرتكبها؛ لأن كل أحد بعينه مقصود من الامتناع منها قال تعالى:{كل نفس بما كسبت رهينة} .

قال: (وكذا في تملك المباحات كالإحياء والاصطياد والاحتطاب في الأظهر) كسائر أسباب الملك، ولأنه تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز أن يوكل فيه كالابتياع والاتهاب.

والثاني: لا؛ لأن وضع اليد وجد منه وهو سبب الملك فلا ينصرف بالنية إلى غيره، وإذا قلنا بالأظهر فاستأجر لذلك .. صح وله الأجرة، والذي حصله للمستأجر.

أما التوكيل في الالتقاط والاغتنام .. فلا يجوز، فإن التقط أو غنم .. كان له دون الموكل على اضطراب فيه في (المهمات).

ص: 34

لَا فِي إِقْرَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ،

ــ

قال: (لا في إقرار في الأصح)؛ لأنه إخبار عن حق فلا يقبل التوكيل كالشهادة.

والثاني: يصح كسائر أسباب الالتزام.

فعلى هذا: لا يلزمه شيء قبل إقرار الوكيل، وإن قلنا بالأول .. ففي كونه مقرًا بنفس التوكيل وجهان في (الشرح الكبير) من غير تصحيح، المذكور منهما في (الحاوي الصغير): أنه لا يكون مقرًا، كما أن التوكيل بالإبراء لا يكون إبراء، وحيث جعلناه مقرًا بنفس التوكيل .. فللوكيل أن يشهد عليه إذا سمعه.

وصورة التوكيل بالإقرار أن يقول: وكلتك لتقر عني بكذا، ويعين جنس المقر به وقدره، فإن قال: أقر عني لفلان بشيء، فأقر .. أخذ الموكل بتفسيره، ولو قال أقر عني لفلان بألف له علي .. كان إقرارًا بلا خلاف.

وصورة إقرار الوكيل أن يقول: أقررت عن فلان بكذا، أو جعلت موكلي مقرًا، واختار الشيخ أن يقول: موكلي مقر بكذا.

قال: (ويصح في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف)؛ قياسًا على سائر الحقوق، ولأنه قد لا يحسن الاستيفاء، بل يتعين ذلك في حد القذف وقطع الطرف، كما ذكره المصنف في (باب كيفية القصاص).

وكلام المصنف يفهم المنع في حقوق الله تعالى، وهو جائز من الإمام والسيد في حد مملوكه في الحضور والغيبة لقوله صلى الله عليه وسلم:(اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ..) كذا استدل به الرافعي، وفيه نظر.

أما التوكيل في إثباتها .. فقد تقدم أنه ممتنع إلا في صورة واحدة وهي دعوى القاذف على المقذوف أنه زنى؛ فإنها مسموعة ويصح التوكيل في إثباتها، قال في (الروضة): ولا يستثنى إلا هذه المسألة.

ص: 35

وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَاّ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ. وَلْيَكُنِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ .. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَعِتْقِ أَرِقَّائِي .. صَحَّ،

ــ

قال: (وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل)؛ لاحتمال العفو في الغيبة وبه أفتى البغوي، وهو قول لا وجه، وكان ينبغي أن يقول:(وفي قول) والأظهر: الجواز مطلقاً، واحتمال العفو كاحتمال رجوع الشهود فيما إذا ثبت ببينة؛ فإنه لا يمتنع الاستيفاء في غيبتهم، وسواء جوزنا أم لا، إذا استوفاه الوكيل وقع الموقع، كما لو وكله في البيع توكيلاً فاسدًا فباع .. صح البيع، وإن استوفاه بعد العفو جاهلاً بالعفو .. وجبت الدية في الأصح.

قال: (وليكن الموكل فيه معلومًا من بعض الوجوه)؛ لئلا يعظم الغرر.

قال: (ولا يشترط علمه من كل وجه)؛ لأنها جوزت الحاجة فسومح فيها.

قال: (فلو قال: وكلتك في كل قليل وكثير، أو في كل أموري، أو فوضت إليك كل شيء .. لم يصح)؛ لأنه غرر عظيم، وقال الشيخ نصر المقدسي: لو وكله في شراء ما شاء .. لم يصح؛ لأنه قد يعجز عنه لكثرته.

ويجمع (قليل) على قليل كسرير وسرر وقليب وقلب.

قال: (وإن قال: في بيع أموالي وعتق أرقائي .. صح)؛ لأن الغرر فيه أقل وهكذا استيفاء ديوني واسترداد ودائعي وقضاء ديوني، ولا يشترط أن تكون أمواله معلومة، ولا ديونه، ولا من هي عليه خلافًا للقاضي والبغوي ومجلي.

ولو قال: بع بعض مالي أو طائفة منه أو سهمًا .. لم يصح؛ لجهالته، بخلاف ما لو قال: أبرئ فلانًا عن شيء من مالي فإنه يصح، ويبرئه عن قليل منه كما صرح به المتولي وغيره، فإن قال له: زوجتي امرأة ولم يعينها .. ففيه خلاف واختلاف تصحيح.

ص: 36

وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ .. وَجَبَ بَيَانُ نَوْعِهِ، أَوْ دَارٍ .. وَجَبَ بَيَانُ الْمَحِلَّةِ وَالسَّكَّةِ،

ــ

وقال القاضي حسين إذا قال: طلق من نسائي من شئت .. لا يطلق الجميع في اصح الوجهين، ولو قال: طلق من نسائي من شاءت .. فله أن يطلق كل من اختارت الطلاق.

وفرق بما ليس ببين وشبهه بقوله: أي عبيدي ضربك أو ضربته، وهي مسألة مشهورة عند الحنفية، ومذهبنا أنه لا فرق في ذلك.

فرع:

في (الروضة) قال أصحابنا: إذا قال: بع هذا العبد أو هذا .. لم يصح.

قال الشيخ: هذا ظاهر إذا حمل على التردد في التوكيل كأنه قال: وكلتك إما في هذا وإما في هذا، أما إذا أراد بيع أحدهما .. فينبغي أن يصح على الصحيح، كما لو قال: بع من شئت منهما، ولا يبيع المجموع.

قال: (وإن وكله في شراء عبد .. وجب بيان نوعه) كتركي أو هندي تقليلاً للغرر؛ فإن الأغراض تختلف بذلك، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي في السلم ولا ما يقرب منها بالاتفاق، وقيل: لا يجب.

هذا إذا لم يقصد الشراء للتجارة، فإن قصدها .. لم يشترط بيان النوع ولا الجنس، فلو وكله في شراء عبد فاشترى من يعتق على الموكل .. صح ووقع عن الموكل على المذهب، وبه قطع الجمهور؛ لأن اللفظ شامل، بخلاف القراض؛ فإن مقصوده الربح فقط، ونقل الإمام وجهًا: أنه لا يقع للموكل، بل يبطل الشراء إن اشترى بعين المال، ويقع عن الوكيل إن كان في الذمة.

قال: (أو دار .. وجب بيان المحلة والسكة)؛ لاختلاف الغرض بذلك.

و (المحلة): الحارة، و (السكة) بكسر السين: الزقاق.

ص: 37

لَا قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ مِنَ الْمُوَكِّلِ لَفْظٌ يَقْتَضِي رِضَاهُ؛ كَوَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ، أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْ أَوْ أَعْتِقْ .. حَصَلَ الإِذْنُ.

ــ

وفهم من (المحلة) البلد بالضرورة، ويعين في الحانوت السوق.

قال: (لا قدر الثمن في الأصح) أي: في هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن غرضه قد يتعلق بواحد ما من ذلك النوع نفسيًا كان أو خسيسًا.

والثاني: يشترط بيان قدره أو غايته بأن يقول: من مئة إلى ألف.

كل هذا إذا قصد القنية، فإن قصد التجارة .. لم يشترط بيان شيء من ذلك كما تقدم، بل يكفي أن يقول: اشتر بهذا ما شئت من العروض، أو ما رأيته مصلحة.

فرع:

قال: اشتر لي عبدًا تركيًا صفته كذا بما شئت، قال الشيخ: ينبغي تقييده بثمن المثل؛ لأن تجويز الزيادة على ذلك غرر كالوكالة العامة، وكذا لو قال: بما شئت من ثمن المثل وأكثر .. لا يسمع منه.

قال: وينبغي التنبه لذلك؛ فإنه يقع كثيرًا في الوكالة ويثبتها القضاة ولا ينتبهون لذلك، أما لو قال: بع هذا العبد بما شئت من الأثمان قليلها وكثيرها .. فإنه يصح، وكأنه وطن نفسه على أقل شيء فلا غرر فيه، أما فساد الوكالة بالكلية .. فلا يظهر.

قال: (ويشترط من الموكل لفظ يقتضي رضاه؛ كوكلتك في كذا، أو فوضته إليك، أو أنت وكيلي فيه) كما يشترط الإيجاب في سائر العقود، ولأن الشخص ممنوع من التصرف في ملك غيره حتى يأذن له.

قال: (فلو قال: بع أو أعتق .. حصل الإذن) قال الرافعي: ولا يكاد هذا يسمى إيجابًا، بل قائم مقام الإيجاب، ولا يكفي قوله: عولت عليك أو اعتمدت.

ولو أكرهة على بيع ماله ففعل .. صح؛ لحصول الإذن كما تقدم في (البيع).

ص: 38

وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ كَوَكَّلْتُكَ، دُونَ صِيغِ الأَمْرِ كَبعْ وَأَعْتِقْ. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الأَصَحِّ

ــ

وإذا قلنا بالأصح- وهو عدم اشتراط القبول- فوكله والوكيل لا يعلم .. ثبتت وكالته في الأصح.

فعلى هذا: إذا تصرف .. كان كبيع مال أبيه على ظن حياته، وفي انعقاد الوكالة بالإيجاب والاستيجاب خلاف البيع، ولو قيل: إنها أولى بالانعقاد .. لم يبعد؛ لنه يحتمل فيها ما لا يحتمل في البيع.

قال: (ولا يشترط القبول لفظًا)؛ لأنها إباحة كإباحة الطعام لا تفتقر إلى قبول لفظي.

واحترز بقوله: (لفظًا) عن الرضا فلابد منه، صرح به الرافعي، حتى لو رد .. بطلت، وهو ينافي ما تقدم من عدم اشتراط العلم، فإن الرضا يستلزم العلم، فالمشروط إذن في دوام الوكالة عدم الرد لا الرضا.

قال: (وقيل: يشترط)؛ لأنها إثبات سلطنة للوكيل.

قال: (وقيل: يشترط في صيغ العقود كوكلتك، دون صيغ الأمر كبع وأعتق) نظرًا إلى الصيغة.

وقال الغزالي: إنه أعدل الوجوه، فإن قلنا باشتراط اللفظ .. لم يجب الفور، وقيل: يجب، وقيل: يكفي المجلس، وسيأتي في (كتاب الطلاق): إذا قلنا التفويض إليها توكيل .. لا يشترط الفور في الأصح، فمسألة الفور تؤخذ من هناك.

وقال الروياني: تستثنى ثلاث صور يكون القبول فيها على الفور:

أحدها: أن يعين الموكل زمان العمل ويخاف فوته.

الثانية: أن يعرضها الحاكم عليه بعد ثبوتها عنده.

الثانية: أن يوكله في إبراء نفسه.

قال: (ولا يصح تعليقها بشرط في الأصح) كالقراض وسائر العقود.

والثاني: يصح كالوصية والإمارة فإنه يصح تعليقهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم

ص: 39

فَإِنْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا .. جَازَ، وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي .. صَحَّتْ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ،

ــ

في أمراء: مؤتة (.. إن قتل زيد .. فجعفر، فإن قتل جعفر .. فعبد الله بن رواحة).

ووقع في (الرافعي) هنا: إن قتل جعفر .. فزيد، وذكرها في (الوصية) على الصواب، أجاب الأصحاب بأن الوصية جوزت بالمجهول والإمارة اغتفر فيها ذلك؛ للحاجة كما جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بين ستة، فإذا أفسدناها .. لم ينفذ تصرفه قبل الشرط قطعًا، وينفذ بعد وجوده للإذن فيه.

فرع:

تصح الوكالة المؤقتة في الأصح كقوله: وكلتك في كذا إلى شهر كذا، وإذا قال الناظر: إذا مات فلان .. ففلان مكانه في وظيفته قال الشيخ: مقتضى المذهب أن ذلك في الوجهان، والأصح المنع، وكذلك إذا قال: يكون نائبًا عن في حياته مستقلًا بعد وفاته .. فإنه أولى بعدم الجواز، فإن الثاني جعل تبعًا للأول، اللهم إلا أن يصدر مثل ذلك عن الإمام الأعظم، فيمتثل إذا لم يخالف الشرع إتباعًا للأمر لا لصحة الولاية.

قال: (فإن نجزها وشرط للتصرف شرطًا .. جاز) قال الرافعي: بالاتفاق؛ لأنه إنما علق التصرف فقط، وفيه وجه حكاه في (التعجيز).

وصورته أن يقول: وكلتك الآن ببيع هذا ولا تبعه إلا بعد شهر، فالآن ظرف للتوكيل، وبعد شهر ظرف للتصرف، فإذا قال: إن شئت زينب فقد وكلتك في طلاقها .. لم يجز، ولو قال: وقد وكلتك في طلاق هند إن شاءت .. جاز.

قال الماوردي: لأن الأول تعليق وكالة، والثاني تنجيزها وتعليق التصرف.

قال: (ولو قال: وكلتك ومتى عزلتك فأنت وكيلي .. صحت في الحال في الصح)، لأن الإذن قد وجد منجزًا.

ص: 40

وَفِي عَوْدِهِ وَكِيلاً بَعْدَ الْعَزْلِ الْوَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِهَا، وَيَجْرِيانِ فِي تَعْلِيقِ الْعَزْلِ

ــ

والثاني: لا يصح؛ لاشتمالها على شرط التأبيد وهو: إلزام العقد الجائز، وللخلاف شروط:

أحدها: أن يأتي بصيغة الشرط مثل: على أني كلما، أو بشرط أني كلما.

الثاني: أن يصل التعليق بالتولية، فلو فصله .. صحت الوكالة قطعًا.

الثالث: أن يعلق بما يقتضي التكرار كـ (كلما) بخلاف (متى) التي عبر بها المصنف و (مهما) التي عبر بها في (المحرر) و (الشرحين)، وسيأتي في (كتاب الخلع) كلام حسن يتعلق بلفظة (مهما).

الرابع: أن يقول: وكلما عزلتك بنفسي أو بغيري؛ لإمكان العزل بتكرر الصيغة أو التوكيل.

قال: (وفي عوده وكيلًا بعد العزل الوجهان في تعليها) والأصح: أنه لا يعود؛ لأن الأصح فساد التعليق.

والثاني: يعود إذا قلنا بصحة تعليقها.

ومحل الخلاف: إذا عزله وعلم بعزله، أو قلنا: إنه ينعزل قبل أن يعلم، وإلا .. فهو باق على وكالته الأولى.

قال: (ويجريان في تعليق العزل) وأولى بالقبول؛ لأنه لا يشترط فيه قبول قطعًا، ومراده الوجهان في صحة تعليق الوكالة في قوله:(ولا يصح تعيلقها بشرط في الأصح).

تتمة:

إذا علق الوكالة على العزل فعزله وقلنا بعود الوكالة .. فالطريق في عزله أن يوكل من يعزله، فإن كان تعليقه شاملًا للتوكيل أيضًا، فإن كان بصيغة لا تقتضي التكرار .. فلعزله طريقان:

ص: 41