المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ: الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ- وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٥

[الدميري]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ: الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ- وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ

‌فَصْلٌ:

الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ- وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَارِ رَحَىً- لَا يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلَا إِقْطَاعٍ.

ــ

قال: (فصل):

هذا معقود لحكم الأعيان المستفادة من الأرض، وتنقسم إلى ظاهر على وجهها وباطنة في طباقها.

قال: (المعدن الظاهر- وهو: ما خرج بلا علاج كنفظ وكبريت وقار ومومياء وبرام وأحجار رحى).

(النفط) بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة: دهن معروف.

و (الكبريت): عين تجري فإذا جمد ماؤها .. صار كبريتاً أبيض وأصفر وأكدر، والأحمر منه جوهر، وضربوا به المثل في العزة فقالوا: أعز من الكبريت.

قال الشاعر [من الكامي]:

عز الوفاء فلا وفاء وإنه

لأعز وجداناً من الكبريت

والقار والقير: الزفت.

و (المومياء) بضم الميم والمد: شيء يلقيه الماء في بعض السواحل فيجمد ويصير كالقار، ويقال: إنها حجارة سود، وأما المومياء التي من الموتى .. فنجسة.

و (البرام) بكسر الباء: حجارة تعمل منها القدور.

ومن المعادن: القطران المائي والجبلي، والمدر وأحجار النورة والياقوت، والبلور والملح والكحل والجص.

قال: (لا يملك بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع) بل هي مشتركة بين الناس كالمياه الجارية والحطب والكلأ، يستوي فيها المسلم والكافر؛ لأن أبيض بن حمال سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعه ملح مأرب .. فأقطعه.

ص: 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقال الأقرع بن حابس: يا رسول الله؛ إنه كالماء العد، قال:(فلا إذن) رواه الأربعة وصححه ابن حبان [4499].

والإجماع منعقد على منع إقطاع مشاريع الماء وكذلك المعادن الظاهرة.

و (الماء العد): الكثير الدائم الذي لا ينقطع.

و (مأرب) بهمزة ساكنة بعد الميم ثم راء مكسورة، ويجوز تخفيف الهمزة وهي: مدينة باليمن كانت بها بلقيس.

وامتناع إقطاع المعادن الظاهرة لا خلاف فيه بين العلماء.

وقال القاضي أبو الطيب: إنما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم ملح مأرب على ظاهر ما سمع منه، كما استفتى في مسألة وصورت له على خلاف ما هي عليه فأفتى ثم بانت له على خلاف صورة الاستفتاء.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إلي ..) الحديث .. فقضية شريطة لا تستدعي وقوعاً ولا جوازاً، ولم يثبت لنا قط أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بحكم ثم بان خلافه، وقد صان الله أحكام نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

قال الشيخ: وما يروى من قوله حين قتل النضر بن الحارث لما سمع شعر أخته: (لو سمعته ما قتلته) فلم يثبت بإسناد صحيح، بل قال الزبير بن بكار في (كتاب أنساب قريش): إن شعرها موضوع، مع أنه لو صح .. لم يكن من هذا الباب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يباح له القتل وهو مخير فيه، له أن يقتل وله أن لا يقتل.

وتستثنى من إطلاق المصنف صورتان:

إحداهما: ما لا تلزم عليه مؤنة من ذلك بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل منه ملح. جاز أن يملك بالإحياء، وجاز للإمام إقطاعه.

ص: 437

فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ .. قَدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْر ِ حَاجَتِهِ فِإِنْ فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً .. فَالأَصَحُّ: إِزْعَاجُهُ. فَلَوْ جَاءَا مَعاً .. أُقْرِعَ فِي الأَصَحِّ.

ــ

والثانية: إذا ظهر شيء من هذه المعادن في أرض ملكها بالإحياء .. فإنه يملكه بلا خلاف، قاله الإمام وغيره، وسيأتي هذا في قول المصنف:(ومن أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن .. ملكه).

قال: (فإن ضاق نيله .. قدم السابق بقدر حاجته) لسبقه، قال الرافعي: ولم يبينوا أنها حاجة يوم أو سنة، وقال الإمام: يرجع فيه إلى العادة فيأخذ ما تقتضيه عادة أمثاله، قال ابن الرفعة: أي: ما دام فيه، فإذا انصرف عنه .. فغيره ممن سبق أولى، وعبارة (الوجيز): السابق لا يزعج قبل قضاء وطره.

قال: (فإن طلب زيادة) على حاجته (.. فالأصح: إزعاجه)؛ لأن إقامته عليه كالتحويط المانع لغيره من الأخذ، قال الرافعي: ويمكن الفرق بينه وبين مقاعد الأسواق في عدم الإزعاج لشدة الحاجة إلى المعادن.

والثاني: لا يزعج، ويأخذ بحق السبق ما أراد؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:(من سبق إلى ما لم يسبق إليه .. فهو أحق به) وحمله الأولون على ما لا يضر بالغير.

قال: (فلو جاءا معاً .. أقرع في الأصح) لعدم المزية.

والثاني: يجتهد الإمام ويقدم الأحوج.

والثاني: ينصب من يقسم الحاصل بينهما، فإن تشاحا في البداءة .. أقرع بينهما، فإن وجد تاجر ومحتاج .. فيشبه أن يقدم المحتاج.

وألحق في (التنبيه) بالمعدن الظاهر المباحات كالصيد والسمك، وما يؤخذ من البحر من اللؤلؤ والصدق، وما ينبت في الموات من الكلأ والحطب، وما ينبع من المياه، وما يسقط من الثلوج، وما يرمى رغبة عنه.

ص: 438

وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ- وَهُوَ: مَا لَا يخْرُجُ إِلَاّ بِعِلَاجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ

ــ

فرع:

ليس للإمام أن يقطع بركة ليؤخذ سمكها، ولا أرضاً ليؤخذ حشيشها ولا حطبها؛ إذ لا يدخل في هذه الأشياء تحجر ولا إقطاع، ولو عمر أحد المعدن الظاهر حتى زاد نيله .. لم يصر أحق به.

قال: (والمعدن الباطن، وهو: ما لا يخرج إلا بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس) وكذلك الرصاص والبلخش والفيروزج والياقوت والعقيق، وجميع الجواهر المركوزة في طبقات الأرض.

فأما (النحاس) بضم النون وكسرها فهو: عين القطر الذي أساله الله تعالى لسليمان بن داوود كما ألان الحديد لأبيه، والظاهر أنه جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ليستعملها فيما يريد، وعن ابن عباس:(أجريت له ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن).

و (الحديد) تولده في الأرض كتولد سائر الأجساد، وهو أكثر نفعاً من سائر المعادن، قال الله تعالى:{وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس} .

وقال ابن عباس: أنزل الله مع آدم من الجنة السندان والمطرقة والكلبتين والإبرة، هذا مذهب المفسرين.

وذهب قوم إلى أن معنى {وأنزلنا الحديد} : أنشأناه، كقوله:{وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزواج} .

ومن خواصه العجيبة: أن برادته إذا علقت على إنسان يغط في نومه .. يزول ذلك عنه.

و (الرصاص): قال أرسطو: أنه صنف من الفضة، لكن دخل عليه ثلاث آفات رائحة ورخاوة وصرير، كما تدخل على الجنين في بطن أمه الآفات فيفسد.

ومن خاصته إذا ألقي في قدر لم ينضج لحمها.

وذكر ابن سراقة في (أدب الشاهد): أن العمل في المعادن مكروه إلا إذا كان قريبا

ص: 439

لَا يُمْلَكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الأَظْهَرِ. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ .. مَلَكَهُ.

ــ

لا يفوت الجماعة ولا يخرج به عن الوطن.

قال: (لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر) كالمعدن الظاهر، ولأن المعدن يشبه الموات، والموات لا يملك إلا بالعمارة، وحفر المعدن تخريب، وعلى هذا إذا انصرف عنه .. كان غيره أحق به.

والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يملك إلى القرار؛ لأنه لا يتوصل إلى نيله إلا بتعب ومؤنة فأشبه الموات إذا أحيي.

ومحل القولين إذا قصد التملك ووصل إلى نيل، فإذا لم يقصد التملك بل قصد الأخذ والانصراف .. فلا يملكه قولا واحداً، وأما قبل الوصول .. فهو كالمتحجر.

وسكوت المصنف عن الإقطاع هنا يفهم جوازه وهو الأظهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع، رواه سلم، وهذه من ناحية الفرع.

قال: (ومن أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن .. ملكه) بلا خلاف؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، بخلاف الركاز فإنه مودع فيها.

واحترز بقوله: (فظهر) عما إذا كان عالماً به ثم اتخذ عليه داراً .. فقيل: إن هذا على القولين السابقين، وقيل: يملكه قطعاً.

وإذا تملك معدناً باطناً فجاء غيره واستخرج منه شيئًا بغير إذنه .. لزمه رده ولا أجرة له، أما بيعه .. فالأصح: منعه؛ لأن المقصود النيل وهو مجهول وفي معناه الهبة، قال في (البحر): لكن ترتفع يده بالهبة لا بالبيع.

ولو اشترى داراً فوجد فيها معدناً باطناً .. فهو للمشتري، بخلاف الركاز.

ص: 440

وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ مِنَ الأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا،

ــ

تنبيه:

تقييده بالباطن يفهم أنه لو حصل معدن ظاهر .. لا يملكه، وبه صرح شراح (الحاوي) وليس كذلك، فقد حكى الإمام فيه الإجماع كما تقدم في أول الفصل، فالصواب حذف لفظه (باطن).

قال الشيخ: لم يرد أنه لا يملك الظاهر، بل يملكه ملكًا مؤبدًا قطعًا؛ لإجماع الأصحاب على أن من أحيا أرضا مواتاً ملكها بجميع أجزائها، وصرح كثير بملك النوعين بذلك، منهم الإمام والماوردي والدارمي وابن الصباغ وغيرهم، ولم يذكر في (البسيط) ولا (الوسيط) لفظة (الباطن).

ولو قال المالك: اعمل فيه وما استخرجته فهو لك، أو قال: استخرج لنفسك .. فالحاصل لمالك المعدن؛ لأنه هبة مجهول، والأصح أنه يستحق الأجرة.

قال: (والمياه المباحة من الأودية والعيون في الجبال يستوي الناس فيها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار) رواه أبو داوود [2471].

وفي (ابن ماجه)[2473]: (ثلاث لا يمنعن) فذكره.

فلا يجوز تحجرها لأحد، ولا للإمام إقطاعًا بالإجماع، ولا بيعها، وإن حضر اثنان فصاعدًا .. أخذ كل ما يشاء، فإن ضاق .. قدم السابق، فإن جاءا معًا .. أقرع، ويقدم طالب الشرب على طالب السقي.

والمراد بالمباح ما لا مالك له كالنيل والفرات ودجلة.

واحترز به عن المملوكة بأن حفر رجلا نهراً يدخل فيه الماء من الوادي أو النهر المتخرق منه .. فالماء باق على إباحته لكن مالك النهر أحق به كالسيل يدخل ملكه، فليس لأحد مزاحمته بسقي الأرض، وأما للشرب والاستعمال وسقي الدواب .. فيجوز ما لم يضر به، ولو جهل أمره بأن وجد نهر تسقى منه أراض ولم يدر هل انخرق بنفسه أو حفر .. فالأصح- وبه جزم الشيخان-: الحكم بأنه مملوك.

ص: 441

فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ .. سُقِيَ الأَعْلَى فَالأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،

ــ

ويستثنى من إطلاق ما لو كان عليه قاطنون فأهل النهر أولى به، قاله القاضي أبو الطيب.

قال: (فإن أراد قوم سقي أراضيهم منها فضاق .. سقي الأعلى فالأعلى) حتى لو كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه لم يجب على من فوقه الإرسال إليه، بل يحبس الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لما روى الحاكم [2/ 62] عن عائشة وأبو داوود [3634] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:(أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك في سيل مهزور- بتقديم الزاي- ومذنب، وهما موضعان بالمدينة) وروى ابن ماجه [2482] قريباً من ذلك.

مهمة:

المراد بـ (الأعلى) الذي لا يتقدمه أحد، وبالتالي الذي أحيي بعد الأول، وليس المراد بالثاني الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب، بل الاعتبار بالسبق، كذا صرح به القاضي أبو الطيب وصاحبًا (المهذب) و (الشافي).

وفي (مغنى الحنابلة): وكثير من الناس يغلطون في ذلك ويجمدون على ظاهر قولهم: الأعلى فالأعلى، وإنما خرج ذلك على الغالب، وبعضهم يقول: الأول فالأول، والمراد: أول إحياء، وما أوهم خلاف ذلك من كلام الماوردي وابن الصباغ مؤول.

قال: (وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين) أي: يبلغ الجانب الأعلى منهما كما في آية الوضوء؛ لما روى الشيخان [خ2360 - م2357] وأصحاب السنن من حديث عبد الله بن الزبير: أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي

ص: 442

فَإِنْ كَانَ فِي الأَرْضِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ .. أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ.

ــ

يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير:(اسق يا زبير حتى تبلغ الكعبين، ثم أرسل لماء إلى جارك) فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:(اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار) فأولا أمره بأخذ بعض حقه، وثانياً أمره باستيفائه، والذي قاله المصنف هو ما ذهب إليه الجمهور.

وقيل: يرجع فيه إلى العادة، وهي تختلف باختلاف الأرض وما فيها من زرع، وبالزمان كما جزم به المتولي والماوردي، وقواه الشيخ.

وقيل: لا يقدم الأعلى، بل يسقون بالحصص، وهو غريب بل غلط.

واحترز بقوله أولاً: (ضاق) عما إذا لم يضق بأن كان يكفي الجميع، فإن كلا يسقي ما شاء متى شاء، وربما يظن أن الأنهار الكبار لا تحتاج إلى هذا الترتيب فيها لسعتها وليس كذلك، فإن أعظم الأنهار نيل مصر وسقي بلادها منه يحتاج إلى ضبط بالجسور ونحوها لتروى بلادها، وإلا .. فيضيع على بعضها، وكذلك أنهار الشام بالنسبة إلى بساتينها ودورها.

قال: (فإن كان في الأرض ارتفاع وانخفاض .. أفرد كل طرف بسقي) وطريقه: أن يسقي المنخفض أولاً حتى يبلغ الكعبين، ثم يسده ويسقي المرتفع، لأنهما لو سقيا معاً .. لزاد الماء في المنخفضة على القدر المستحق، بل طريقه: أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين، ثم يسد ويسقي المرتفع.

قال الشيخ: والظاهر أنه لا يتعين البداءة بالأسفل، بل لو عكس .. جاز، ومرادهم لئلا يزيد في المستفلة على الكعبين، ولو سقى الأول ثم احتاج إلى السقي مرة أخرى .. مكن منه في الأصح.

وعمارة حافات هذه الأنهار من بيت المال.

ولو أراد رحل أحياء أرض وقيها من هذا الماء، فإن ضيق على الباقين .. منع، وإلا .. فلا.

ص: 443

وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فِي إِنَاءٍ .. مُلِكَ عَلَى الصَّحيحِ. وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلاِرْتِفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ

ــ

قال: (وما أخذ من هذا الماء) أي: المباح (في إناء .. ملك على الصحيح) كالاحتطاب والاحتشاش، ولا يجب بذله إلا لمضطر، وكذلك إذا وضعه في حوض مسدود المنافذ .. نقل عن ابن المنذر فيه الإجماع، ولا يجب بذله إلا لمضطر، ومقابله وجه ضعيف يحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يملك بحال؛ لأن الناس شركاء فيه.

واحترز بـ (المأخوذ في إناء) عن الداخل في ملكه بسيل؛ فإنه لا يملك بدخوله في الأصح.

وخص المتولي الوجهين بماء المطر إذا اجتمع في أرضه، وجزم بأنه لا يملك ماء السيل بدخوله في أرضه، وهذا إن صح كان وجهاً ثالثاً.

وقال ابن الصلاح: إذا دخل الماء في كيزان الدولاب الذي يديره الماء .. ملكه صاحب الدولاب كما لو استقى بنفسه، وكذا لو أدارته دابة من طريق أولى، ولو أخذه ثم أعاده إليه .. لا يصير شريكاً في النهر باتفاق الأصحاب.

قال: (وحافر بئر بموات للارتفاق أولى بمائها حتى يرتحل) المراد أولى بما يحتاج إليه من مائها لسقيه وماشيته وزرعته، لقوله صلى الله عليه وسلم:(من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم .. فهو أحق به) فإذا ارتحل .. صارت كالمحفورة للمارة، فلكل أحد الشرب منها ويسقي الزرع، فإذا عاد حافرها .. فهو فيها كغيره.

والمراد بقوله: (للارتفاق): ارتفاق نفسه، أما الحفر لارتفاق المارة .. فهو كأحدهم، وكذا الحافر بلا قصد في الأصح.

والمراد بكونه (أولى بمائها): فيما يحتاج إليه له ولماشيته وزرعته لا مطلقاً، فليس له منع ما فضل عنه عن المحتاج إليه للشرب إذا استقى بدلو نفسه، ولا منع مواشيه، وله منع غيره من سقي الزرع به، وفيه احتمال للإمام.

ص: 444

وَالْمَحْفُورَةُ لِلَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ .. يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا .. لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ

ــ

قال: (والمحفورة) أي: في الموات (للتملك أو في ملك يملك ماؤها في الأصح)؛ لأنه نماء ملكه كالثمرة واللبن، ولأن الركاز له فالماء أولى.

والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يملكه؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (الناس شركاء في ثلاث).

ويجري الخلاف فيما لو انفجرت عين في ملكه، وفي كل ما ينبع في ملكه من القير والنفط والمومياء والملح، والمنصوص أنه يملكه، وقال أبو إسحاق: لا.

واحترز بـ (المحفورة للتملك) عما إذا حفرها لمارة أو حفرها بلا قصد، والأصح أنه لا اختصاص له، والناس فيها سواء.

قال: (وسواء ملكه أم لا .. لا يلزمه بذلك ما فضل عن حاجته لزرع)؛ لأنه لا يجب سقيه، وقيل: يجب إذا احتاج الزرع إليه، وهو رواية عن أحمد؛ لما روى الأربعة:(أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن منع فضل الماء).

قال: (ويجب لماشيته على الصحيح)؛ لما روى الشافعي [شم 1/ 382] عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ .. منعه الله فضل رحمته يوم القيامة) وفيه إشارة إلى أن الكلأ من رحمة الله، فكما منعه بمنع الماء منعه الله من رحمته، وفيه إشارة إلى تحريمه؛ لأن رحمة الله تعالى لا يمنعها إلا معصيته، فلما كان فضل الماء مانعاً من الرحمة .. كان معصية، وخالفت البهائم الزرع؛ لما للروح من الحرمة بدليل وجوب سقيها بخلاف الزرع.

والثاني: لا يجب؛ لعموم: (لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه).

ص: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وكما لا تجب إعارة الدول والرشاء وبذل الماء المحرز في الأواني، والحديث محمول على الاستحباب.

تنبيهات:

أحدها: قول المصنف: (على الصحيح) يمكن عوده إلى عدم الوجوب للزرع والوجوب للماشية، فإن الخلاف فيهما، والتصحيح مختلف.

الثاني: للوجوب في الماشية شروط:

أن يكون فاضلاً عن حاجته كما تقدم، فإن لم يفضل .. لم يجب بلا خلاف؛ لأن الوعيد إنما جاء في بذلك الفضل، فإن لم يحتج إليه في الحال ولكن يحتاج إليه في ثاني الحال .. لزمه بذله؛ لأنه قد يستخلف.

وأن لا يجد للماشية ماء مباحاً، ووقع في كلام الرافعي: كلأ مباحاً، وهو سبق قلم.

وأن يكون بقرب الماء كلأ ترعاه المواشي، فإن لم يكن .. لم يجب.

وأن لا يكون عليه في وصول ماشيته إلى الماء ضرر لزرع ولا شجر، فإن استضر .. لم يلزمه التمكين.

وأن يكون الفاضل لم يحز في إناء أو حوض، فإن حازه .. لم يلزمه بذل فضله على الصحيح.

الثالث: المراد بـ (البذل): تمكين صاحب الماشية من الماء، ولا يلزمه استقاؤه لهم، ولا تمكينهم من دلوه وحبله وغربه، بل يسقيه أرباب الماشية بأنفسهم بآلتهم ودلائهم، وإذا دعت الضرورة إلى إعارة الدلو والرشاء وجب بالعوض، قاله القاضي حسين.

وأما بذله للرعاء .. فأصح الوجهين وجوبه؛ لأنهم أولى بذلك من الماشية، وهو وارد على المصنف، وإذا قلنا: لا يجب بذله .. كان له بيعه مقدراً بالكيل أو الوزن دون ري الماشية والزرع.

ص: 446

وَالْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْب خَشَبَةٍ فِي عُرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَساوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً.

ــ

وإذا أوجبنا البذل .. لم يجز لحافر البئر طمها، فإن انطمت .. لم تلزمه تنقيتها لهم، فإن أرادوا تنقيتها .. لزمه تمكينهم ليتوصلوا إلى حقلهم منه، وقد يقال: إن حقهم إنما يكون إذا كان فضل، وعند الانطمام لا ماء ولا فضل، وتنقيتها تصرف في ملك الغير.

وجوابه أنه تصرف بمصلحة يعود نفعها عليهما وقد تعلق حقه بما هو ممكن منه.

قال: (والقناة المشتركة يقسم ماؤها بنصب خشبة في عرض النهر فيها ثقب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص) ليصل كل إلى حقه، ويجوز أن تكون الثقب متساوية مع تفاوت الحقوق ليأخذ صاحب الثلث ثقباً وصاحب الثلثين ثقبين، فلو كان لزيد العشر ولعمرو الخمس ولبكر الباقي .. جعل فيها عشر ثقب متساوية، لزيد واحدة ولعمرو ثنتان ولبكر الباقي.

هذا عند ضيق الماء، فإن اتسع بحيث يحصل لكل واحد قدر حاجته .. فلا حاجة لذلك.

قال الرافعي: والقناة كالبئر في ملك الماء ووجوب البذل وغيرهما، إلا أن حفرها لمجرد الإرفاق لا يكاد يتفق، ومهما اشتركوا في الحفر .. اشتركوا في الملك كما في النهر.

وقوله: (ثقب) ضبطه المصنف بالثاء المثلثة، ولو قرئ بالنون .. لصح، وعبارة أبي الطيب: حفر.

وجميع ما تقدم إذا علم مقدار الحصص، فإن جهل .. قسم على قدر الأرض؛ لأن الظاهر أن الشركة بحسب الملك على الأصح في زوائد (الروضة).

والثاني: على عدد الرؤوس؛ لأنه في أيديهم.

قال: (ولهم القسمة مهايأة) ليسقي هذا يوماً وذا يوماً؛ لقوله تعالى {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} وكقسمة سائر الأملاك المشتركة، وقد يكون الماء قليلاً لا ينتفع به إلا كذلك.

ص: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقيل: لا تصح القسمة إلا بالمهايأة؛ لأن الماء يقل ويكثر، وتختلف فائدة السقي بالأيام، فلو أراد أحدهم أن يأخذ نصيبه من الماء ويسقي به أرضاً ليس لها شرب من هذا النهر .. منع منه؛ لأنه يحدث شرباً لم يكن.

و (مهايأة) حال من القسمة، ومجيء الحال من المبتدا، منعه أكثر النحويين، لكن سيبويه أجازه فيخرج عليه كلام المصنف.

والمراد بـ (المهايأة): أمر يتهايأ القوم عليه، أي: يتراضون.

فرع:

الماء المملوك في البئر والقناة المملوكين على القول بأنه مملوك لا يصح بيعه؛ للجهالة والاختلاط.

وإذا باع واحد من الشركاء في النهر الأرض المملوكة له مطلقاً .. لم يدخل الشرب في البيع؛ لأنه ملك منفصل عنه لا تناوله إطلاق الاسم، فإن قال: بحقوقها الداخلة فيها والمنفصلة عنها .. دخل.

قال الشيخ: وبيع حق الماء من الأمور التي تعم بها البلوى في الشام؛ فإن غالب بيوتها لها حقوق فيها من مجار وقنوات تنتهي إلى الأنهار الكبار، فإن بيعت الدار بحقوقها .. فلا إشكال في ذلك، وإن اقتصرت على بيع الماء، فمتى وقع العقد على ذلك .. فهو باطل.

قال: والوراقون يحتالون في كتابة ذلك فيجعلون المبيع جزءاً معلوماً من خشبة يجري فيها الماء وما لها من الحقوق، وكل ذلك باطل؛ لأن ذلك لا يمكن ضبطه بجزء معلوم من البئر، وأيضاً النهر غير مملوك لبيت المال ولا لغيره، بل هو مباح لجميع الخلق .. فلا يجوز بيعه لاشتداد الحاجة إليه، كما أجمعوا على المنع من إقطاع مشارع الماء لاحتياج الناس إليها، فإذا وجدنا نهراً صغيراً بيد قوم مخصوصين مستولين عليه دون غيرهم .. فهو ملكهم يتصرفون بما شاؤوا، وإن لم يكن ملكاً لكن فيه مشارب لقوم مخصوصين .. فحقوقهم فيه على تلك المشارب يتصرفون فيها بالطريق الشرعي.

ص: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عجيبة:

في أحد واديي خيبر عين تسمى الحمة، وهي التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم قسمة الملائكة، يذهب ثلثا مائها في فلج والثلث الآخر في فلج آخر والمسلك واحد، وقد اعتبرت من زمان النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم تطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث تمرات فتذهب اثنتان في الفلج الذي له ثلثا مائها وواحدة في الفلج الثاني، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث، ومن قام في الفلج الذي يأخذ الثلثين ليرد الماء إلى الفلج الثاني .. غلبه الماء إلى الفلج الثاني وفاض ولم يرجع إلى الفلج الثاني شيء يزيد على الثلث، قاله البكري وغيره.

و (الفلج): النهر الصغير.

تتمة:

قال المتولي: إذا ملك أرضاً وأراد زراعتها ولا يمكن إلا بسوق الماء من أرض جاره بأن يحفر نهراً على وجه الأرض .. لا يلزمه تمكينه، ويخالف مسالة الجذوع؛ لأنه لا يعطل عليه منفعة الجدار بوضع الجذوع، فإنه يمكنه أن ينتفع بسطحه ورأس الجذع على الحائط كما كان ينتفع به قبل ذلك، وهنا تتعطل المنفعة على الجار، أما إذا أراد أن يحفر تحت الأرض طريقاً للماء في أرض غيره فهل يلزمه تمكينه؟ وجهان:

أصحهما: لا؛ لأن باطنها ملكه كظاهرها.

والثاني: يلزمه التمكين؛ لما روي أن الضحاك بن خليفة ساق نهراً، فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فمنعه، فرفع الأمر إلى عمر فقال:(لم تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك؟ فأبى، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك).

والجواب: أن هذه القصة منقطعة الإسناد، وأجاب البيهقي بأن عمر خالفه ابن مسلمة.

* * *

ص: 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

خاتمة

عن أبي حنيفة: لا حريم للنهر، وعن أبي يوسف ومحمد: له حريم، وهو مذهبنا.

قال الشيخ: ورأيت في ديار مصر من الفقهاء من يستنكر العمائر التي على حافات النيل ويقول: لا يجوز إحياؤها، وهذا عمت به البلوى في جميع البلدان، وإذا رأينا عمارة على حافة نهر .. لا نغيرها؛ لاحتمال أنها وضعت بحق، وإنما الكلام في الابتداء أو ما عرف حاله.

ويجوز الشرب من الجداول والأنهار المملوكة، والتوضؤ منها وسقي البهائم إذا لم يضر بأهلها؛ إقامة للإذن العرفي فيه مقام اللفظي، قاله الشيخ عز الدين في (القواعد).

قال: (فلو أورد ألفا من الإبل على جدول ضعيف فيه ماء يسير .. فلا أرى جواز ذلك فيما زاد على المعتاد. اهـ

فلو كان النهر لمن لا يعتبر إذنه كاليتيم والأوقاف العامة .. ففيه وقفة؛ لأن صريح إذن المستحق لا يؤثر هنا، فكيف يؤثر ما قام مقامه من العرف؟!

وإذا سقى أرضه بماء مملوك لغيره .. فالغلة لصاحب الأرض، قال الرافعي والمصنف: وعليه قيمة الماء، ولعل مرادهما: البدل؛ فإن الماء مثلي.

قال الحناطي: ولو استحل من صاحب الماء .. كان الطعام أطيب، يعني مع غرامة البدل.

* * *

ص: 450