الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِالْوِلَايَةِ
ــ
كتاب المساقاة
سميت بذلك لأن السقي أنفع أعمالها لاسيما بالحجاز.
وقيل: من السقي بكسر القاف وتشديد الياء وهي: صغار النخل.
وهي: أن يدفع الإنسان نخلاً أو شجر عنب إلى من يحسن العمل فيها مدة معلومة ليقوم بسقيها وتعهدها على أن له جزءاً معلوماً من ثمرتها.
واتفق جمهور العلماء على جوازها، ولم يخالف فيها إلا أبو حنيفة وزفر، وحجة الجمهور: القياس على القراض المجمع عليه.
وقيل: إن القراض أصله المساقاة لثبوتها بالسنة.
والأصل فيها- قبل اتفاق الصحابة والتابعين-: ما في (الصحيحين)[خ2328 - م1551]: عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) ومن جهة المعنى: أن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرغ لها، ومن يحسن ذلك قد لا تكون له أشجار.
ولو تعاقدا عقد الإجارة .. للزم المالك غرم الأجرة في الحال، وربما لم يحصل من الأشجار شيء، ولتهاون العامل فدعت الحاجة إلى تجويز عقدها.
قال: (تصح من جائز التصرف)؛ لأنها معاملة على المال فاعتبر في عاملها ذلك كالقراض والإجارة.
قال: (ولصبي ومجنون بالولاية) أي: عند المصلحة للاحتياج إلى ذلك، وحكم السفينة كذلك، فلو قال: ولمحجور .. لعم.
وفي معنى الولي: الإمام في بساتين بيت المال وناظر الوقف، فلو أجر الولي بياض أرض الصبي بأجرة على مقدار منفعة الأرض وقيمة الثمرة، ثم ساقاه على الشجر
وَمَوْرِدُهَا: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ،
ــ
على سهم من ألف سهم والباقي للمستأجر كما جرت به العادة .. أفتى ابن الصلاح بصحته إذا كان ذلك لا يعد في العرف غبناً فاحشاً في عقدها.
ونظير ذلك قول الرافعي في (الفلس): إن الولي إذا وجد ما اشتراه للصبي معيباً وكانت الغبطة في إبقائه .. لا يرده ولا يثبت له الأرش.
قال: (وموردها: النخل) بإجماع القائلين بها، وشرط الليث بن سعد رحمه الله أن يكون سقوياً ومنع في البعل، ويدل لجوازه في عموم النخل حديث ابن عمر المتقدم، وسواء في ذلك الفحول وغيرها كما صرح به الخفاف في (الخصال).
قال: (والعنب) خلافاً لداوود، واختلف الأصحاب هل قال الشافعي بذلك نصاً أو قياساً؟ والأشبه الثاني بجامع وجوب الزكاة وإمكان الخرص.
وقيل: أخذه من النص وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من النخل والكرم) وادعى قائلوه أن خيبر كان فيها عنب.
قال الشيخ: وقد تتبعت الروايات فلم أجد فيها ذلك، وإنما في رواية الدراقطني الرافعي بالكرم موافقة للفظ القرآن، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(لا تسموا العنب كرماً، إنما الكرم الرجل المسلم) رواه مسلم [2247/ 8].
قيل: سمي كرماً من الكرم بفتح الراء؛ لأن الخمرة المتخذة منه تحمل عليه فكره أن يسمى به، وجعل المؤمن أحق بما يشتق من الكرم، ويقال: رجل كرم بإسكان الراء وفتحها، أي: كريم.
وقال الزمخشري: أراد أن يقرر ما في قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} بطريق لطيف.
وإطلاق المصنف يقتضي المنع في شجر المقل، وهو الذي صرح به في زيادات
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الروضة)، والرافعي أطلق وجهين، والمنصوص المفتى به: الجواز لشبهه بالنخل.
فائدة:
ثمرات النخيل والأعناب أفضل الثمار، وشجرها أفضل الأشجار بالاتفاق، واختلفوا أيهما أفضل على قولين، وقد ورد:(أكرموا عماتكم النخل المطعمات في المحل فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام، وسبق في (زكاة الفطر) أن التمر خير من الزبيب.
والنخل مقدم على العنب في جميع القرآن.
وشبه النبي صلى الله عليه وسلم النخلة بالمؤمن؛ لأنها تشرب برأسها وإذا قطع ماتت، وينتفع بجميع أجزائها، وليس في الشجر شيء فيه ذكر وأنثى سواها، وهي الشجرة الطيبة المذكورة في القرآن فكانت أفضل.
وقال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وقال: (بيت لا تمر فيه جياع أهله).
وقال: (من أفطر على سبع تمرات من عجوة العالية .. لا يصيبه في يومه ذلك سم ولا سحر).
وَجَوَّزَهَا الْقَدِيمُ فِي سَاِرِ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ. وَلَا تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ،
ــ
وشبه صلى الله عليه وسلم عين الدجال بحبة العنب؛ لأنها أصل الخمرة وهي أم الخبائث.
قال: (وجوزها القديم في سائر الأشجار المثمرة) كالتين والجوز واللوز والمشمش والتفاح والخوخ والكمثرى؛ لعموم الحاجة إلى ذلك كما في النخل والعنب، وبهذا قال مالك وأحمد لرواية الدارقطني المتقدمة، واختاره المصنف في (التصحيح)، وسبقه إلى تصحيحه الخفاف.
ومحل المنع إذا أفردت هذه الأشياء بالمساقاة، فإن كانت تابعة للنخل أو العنب .. فوجهان: أصحهما في زوائد (الروضة) في آخر (باب المزارعة): الجواز قياساً على المزارعة، لكن قيده الماوردي بما إذا كانت قليلة تابعة للنخل أو العنب.
والجديد: المنع؛ لأنها رخصة فخصت بموردها، وإنما جوزت فيما فيه الزكاة رفقاً بالمالك والفقراء وهذه لا زكاة فيها.
فأما ما لا ساق له كالزرع وقصب السكر والبطيخ والباذنجان والقثاء والبقول، فما ثبتت أصوله في الأرض ويجز مرة بعد أخرى .. ففي جواز المساقاة عليه وجهان: أصحهما: المنع، وما لا تثبت أصوله في الأرض ويجز مرة بعد أخرى .. لا تجوز المساقاة عليه قطعاً، وذلك هو المزارعة والمخابرة الآتي ذكرهما.
واحترز بـ (المثمرة) عما لا ثمرة له كالتوت الذكر والصنوبر وشجر الخلاف فيمتنع فيها على القديم أيضاً على الصحيح.
وقال الشافعي: لا تجوز المساقاة على الموز؛ لأن ساقه يقطع ثم يخلف.
ويشترط في الأشجار المساقى عليها أن تكون معينة مرئية.
قال: (ولا تصح المخابرة)؛ لما روى مسلم [1547] عن ابن عمر قال: (كنا
وَهِيَ: عَمَلُ الأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَلَا الْمُزَارَعَةُ،.
ــ
لا نرى بالخبر بأساً حتى كان عام أول، فزعم رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه).
و (الخبر) بإسكان الباء هو: المخابرة.
وفي (سنن أبي داوود)[3399]: عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يذر المخابرة .. فليؤذن بحرب من الله ورسوله) وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة.
وهي مشتقة من الخبير وهو الأكار، أو من الخبار وهي الأرض الرخوة، أو من خيبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهلها.
قال: (وهي: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل) في هذا التفسير نظر؛ فإن العمل من وظيفة العامل فلا يفسر العقد به، ولذلك عبر في (المحرر) بالمعاملة على الأرض.
قال: (ولا المزارعة)؛ لما روى مسلم [1549] عن ثابت بن الضحاك الصحابي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها) وبهذا قال مالك وأبو حنيفة خلافاً لأحمد.
وقال أكثر العلماء ببطلان المزارعة والمخابرة جميعاً إذا لم يكونا تابعين لمساقاة.
وقالت طائفة بجوازهما.
وقالت طائفة بجواز المزارعة دون المخابرة، ولم يقل أحد بجواز المخابرة دون المزارعة.
فممن قال ببطلانها رافع بن خديج وجابر وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وأبو حنيفة ومالك والشافعي.
وجوزهما أحمد واختاره المصنف من جهة الدليل، ونقله عن ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي، وعمل الناس على ذلك في جميع الأعصار وأجابوا عن الأحاديث الصحيحة فيها، وقال أحمد: حديث النهي عنهما مضطرب كثير الألوان.
وقال ابن سريج والجوري: تجوز المزارعة دون المخابرة، وهو المشهور عن أحمد.
وَهِيَ: هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ.
ــ
واختلف الناس في كراء الأرض؛ فعن الحسن وطاووس: منعه مطلقاً، والأكثرون: على جوازه بالذهب والفضة ونحوهما، ونقل بعضهم فيه الإجماع؛ ولعل ما يحكى عن الحسن لم يصح عنه، ومنع مالك كراءها بالطعام، والحق في مسألة الكراء الجواز إذا لم يكن شرط مفسد ولا جهالة، وحمل النهي على ما تضمن أحدهما أو على التنزيه.
قال: (وهي: هذه المعاملة، والبذر من المالك) فلم يدخل في النهي عن كراء الأرض، وما جزم به المصنف من كون المزارعة غير المخابرة هو الصواب.
وقال جماعة منهم الماوردي والنبدنيجي والخطابي: معناهما واحد وهو: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ونسبة صاحب (البيان) إلى الأكثرين، وكذلك صاحب (رفع التمويه) وغلطا في ذلك، وكذا فسرهما الجوهري في (صحاحه) وابن الأثير في (جامعه).
فروع:
الأول: المناصبة التي تفعل بالشام وهي: أن يسلم إليه أرضاً ليغرسها من عنده ويكون الشجر بينهما .. قال الشيخ من منع المخابرة منعها، ومن أجازها .. ففي تجويزه هذه نظر.
الثاني: قال الشيخ: كل من زرع أرضاً ببذره .. فالزرع له إلا أن يكون فلاحاً يزرع بالمقاسمة بينه وبين صاحب الأرض كعادة الشام، فإن الزرع يكون على حكم المقاسمة على ما عليه عملهم.
قال: وأنا أراه وأرى وجهه من جهة الفقه أن الفلاح كأنه خرج عن البذر لصاحب
فَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخْلِ بَيَاضٌ .. صَحَّتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ بِشَرْطِ: اتِّحَادِ الْعَامِلِ، وَعُسْرِ إِفْرَادِ النَّخْلِ بِالسَّقْيِ، وَالْبَيَاضِ بِالْعِمَارَةِ.
ــ
الأرض، وصاحب الأرض خرج عن الأرض لصاحب البذر بالشرط المعلوم بينهما فيثبت على ذلك.
قال: فإذا تعدى شخص على الأرض وغصبها وهي في يد الفلاح فزرعها على عادته .. لا نقول الزرع للغاصب، بل للمغصوب منه على حكم المقاسمة، قال: وهذه فائدة تنفع في الأحكام.
الثالث: زراعة على أرض بجزء من الغلة معلوم، فعطل العامل الأرض .. أفتى المصنف بأنه: إن كان قد تسلمها من المالك .. فعليه أجرة ما عطله منها، وغلطه في ذلك الشيخ تاج الدين الفزاري، والذي قاله المصنف هو القياس الموافق لكلام الروياني في (البحر).
قال: فلو كان بين النخل بياض) وهي: الأرض الخالية عن الزرع والشجر (
…
صحت المزارعة عليه من المساقاة على النخل) لعسر الإفراد، وعليه حملوا معاملة أهل خيبر على شطر التمر والزرع.
واقتصار المصنف على النخل ليس بجيد؛ فإن العنب كذلك، وهو قد استدركه على (التنبيه) بقوله: والصواب أن المزارعة تصح على الأرض التي بين العنب أيضاً، وينبغي أن يلتحق بهما غيرهما من الأشجار إذا جوزنا المساقاة عليها.
قال: (بشرط: اتحاد العامل)؛ لأن إفراد المزارعة بعامل يخرجها عن كونها تابعة، ويؤدي إلى اختلاط العمل، والمراد: أن لا يكون من ساقاه غير من زارعه لا أن يكون شخصاً واحداً، فلو ساقى عشرة وزارعهم بعقد واحد .. صح.
قال: (وعسر إفراد النخل بالسقي، والبياض بالعمارة) لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها، فإن أمكن الإفراد .. لم تجز المزارعة على الأصح؛ لانتفاء
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ لَا يُقَدِّمَ الْمُزَارَعَةَ، وَأَنَّ كَثِيرَ الْبَيَاضِ كَقَلِيِلهِ،
ــ
الحاجة، وعبارة (الشرحين) و (الروضة): التعذر، وهي أوفق لعبارة الجمهور.
قال: (والأصح: أنه يشترط أن لا يفصل بينهما) أي: بين المساقاة والمزارعة التابعة، بل يأتي بهما على الاتصال لتحصيل التبعية، فإذا قال: ساقيتك على النخل وزارعتك على الأرض بالنصف مثلاً .. صح قطعاً، فلو قال: ساقيتك على النخل بالنصف وزارعتك على الأرض بالنصف، فقال: قبلت المساقاة وقبلت المزارعة .. صح في الأصح، ولو قال: قبلتهما .. صح على الصحيح.
أما لو قال: ساقيتك على النخل بالنصف فقبل ثم بعد ذلك قال: زارعتك على الأرض بالنصف .. لم يصح في الأصح لفوات التبعية.
والثاني: يصح لحصولهما لشخص واحد، ولو لم يأت بلفظ المساقاة والمزارعة بل قال: عاملتك عليهما بالنصف .. كفى.
وموضع الخلاف إذا بقي من مد المساقاة ما يمكن فيه الزرع، وإلا .. فيمتنع قطعاً، كذا نص عليه الدارمي وغيره.
قال: (وأن لا يقدم المزارعة)؛ لأنها تابعة والتابع لا يتقدم على متبوعه.
والثاني: يكون العقد موقوفاً، فإن ساقاه بعدها .. بانت صحتها، وإلا .. فلا، وإذا قلنا بهذا .. قال ابن الرفعة: فالأشبه اختصاصه بما قبل التفرق.
قال: (وأن كثير البياض كقليله)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
والثاني: لا؛ لأن الأكثر لا يتبع الأقل، ولأن بياض خيبر كان أقل بدليل أن الشعير كان أقل من التمر، وهل النظر في الكثرة إلى النماء أو إلى مساحة الأرض؟ فيه خلاف، الأظهر عند الغزالي: الأول، وعند المصنف: الثاني.
وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَابِرَ تَبَعاً لِلْمُسَاقَاةَ. وَإِذَا أُفْرِدَتِ الأَرْضُ بِالزِّرَاعَةِ .. فَالْمَغَلُّ لَلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَدَوَابِّهِ وَآلَاتِهِ،
ــ
قال: (وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط من الثمر والزرع) فيصح بنصف من أحدهما وربع من الآخر.
والثاني: يشترط التساوي؛ لأن التفصيل يزيل التبعية ويصيرهما عقدين، وصححه المصنف في (نكت التنبيه).
قال: (وأنه لا يجوز أن يخابر تبعاً للمساقاة)؛ لأن الوارد في قصة خيبر المزارعة لا المخابرة.
والثاني: يجوز كالمزارعة بجامع الحاجة.
كل هذا تفريع على ما تقدم من الفرق بين المزارعة والمخابرة، أما من جعلهما واحداً .. فلا يمنع ذلك.
ولو شرط البذر من المالك والثور من العامل أو عكسه .. فوجهان: أصحهما في الأولى: الجواز، وفي الثاني: المنع.
قال: (وإذا أفردت الأرض بالزراعة .. فالمغل للمالك، وعليه للعامل أجرة عمله ودوابه وآلاته)؛ لبطلان العقد، وعمله لا يحبط مجاناً، وتكون الأجرة من نقد البلد كما صرح به القاضي حسين.
هذا إذا كانت من عند العامل، فإن أفردت بالمخابرة .. فالغلة للعامل وعليه لمالك الأرض أجرة مثلها، فلو زرع البياض بلا إذن .. لزمه كل الأجرة ويقلع مجاناً، ولو كان البذر منهما .. فالغلة لهما ولكل على الآخر أجرة ما انصرف من منافعه على حصة صاحبه.
ومحل ما ذكره المصنف إذا سلم الزرع، فإن أصابته آفة ولم يحصل من الغلة شيء .. فنقل الرافعي في نظيره من الشركة الفاسدة عن المتولي أنه لا شيء للعامل؛
وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا وَلَا أُجْرَةَ: أَنْ يَسْتَاجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الآخَرَ ويُعِيرَهُ نِصْفَ الأَرْضِ، أَوْ يَسْتَاجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ مَنْفَعَةِ الأَرْضِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ فِي النِّصْفِ الآخَرِ مِنَ الأَرْضِ.
ــ
لأنه لم يخلص للمالك شيء، وصوبه المصنف وفيه نظر، فإنه في القراض الفاسد إذا لم يربح العامل شيئاً .. له أجرة المثل.
قال: (وطريق جعل الغلة لهما ولا أجرة: أن يستأجر بنصف البذر ليزرع له النصف الآخر ويعيره نصف الأرض)؛ لأن العامل استحق من منفعة الأرض نصيبه من الزرع، والمالك من منفعته بقدر نصيبه من الزرع، وهذه الطريقة ذكرها الشافعي رحمه الله.
وأفاد المصنف بقوله: (ويعيره) أنه يجوز إعارة المشاع، وفائدته إسقاط الأجرة؛ لأنه لو استأجره على زراعة نصف البدر ولم يعره نصف الأرض فزرع الجميع .. لزمه نصف أجرة الأرض.
قال: (أو يستأجره بنصف البذر ونصف منفعة الأرض ليزرع له النصف في النصف الآخر من الأرض) وهذه قالها المزني.
واحترز المصنف بذلك عما إذا استأجره كذلك ليزرع في النصف من أرض أخرى.
والفرق بين الطريقة الأولى والثانية: أنه في الأولى جعل الأجرة عيناً وفي الثانية عيناً ومنفعة، وأنه في الأولى يتمكن من الرجوع بعد الزراعة في نصف الأرض وأخذ الأجرة وفي الثانية لا يتمكن، وأنه لو فسد منبت الأرض في المدة .. لزمه قيمة نصفها في الأولى دون الثانية؛ لأن العارية مضمونة.
وذكر الأصحاب طريقة ثالثة وهي: أن يقرضه نصف البذر ويؤجره نصف الأرض بنصف عمله ونصف منافع آلاته، وهذه أحوطها.
تتمة:
كل هذا إذا كان البذر لمالك الأرض، فإن كان من العامل .. فطريقه: أن يستأجر