الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ:
لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ الْعَارِيَةِ مَتَى شَاءَ إِلَاّ إِذَا أَعَارَ لِدَفْنِ مَيْتٍ .. فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ
ــ
قال: (فصل:
لكل منهما رد العارية متى شاء)؛ لأنها مكرمة ومبرة من المعير، وارتفاق من المستعير، فلو ألزمناها لامتنع الناس منها، ولا فرق بين المطلقة والمؤقتة.
وقال مالك: لا يجوز الرجوع في المؤقتة، وهو وجه لصاحب (التقريب).
ومن جوازها يعلم أنها تنتهي بموت أحدهما وإغمائه وبحجر السفه، فإذا مات المستعير .. وجب على ورثته الرد وإن لم يطالب المعير، كذا قاله الرافعي، وزاد غيره أن مؤنة الرد على التركة، فإن لم يخلف شيئًا .. فالواجب عليهم التخلية فقط.
قال: (إلا إذا أعار لدفن الميت .. فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون)؛ لأن الدفن يراد للدوام، وفي النبش هتك لحرمة الميت.
ويستفاد من منع الرجوع أنه ليس له طلب الأجرة؛ لأن العرف لم يجر به، والميت زائل الملك، والأولياء لا يلزمهم، لكن للمالك سقي الأشجار إن لم يؤد ذلك إلى ظهور شيء من الميت.
والمراد بـ (الاندراس): أن يصير ترابًا، وذلك يختلف باختلاف الأرض والموتى، وكذا بعد الاندراس عند القاضي حسين يمتنع الرجوع أيضًا.
ومسألة الكتاب مصورة بما إذا كان الرجوع بعد الدفن، فإن رجع بعد الوضع في القبر وقبل المواراة .. فالصحيح: امتناعه أيضًا، كما صرح به في (الشرح الصغير)، وليس في (الكبير) ولا في (الروضة) في ذلك تصحيح.
وَإِذَا أَعاَرَ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ؛ إِنْ كَانَ شَرَطَ الْقَلْعَ ومَجَّانًا .. لَزِمَهُ،
ــ
وإن كان قبل الوضع .. جاز، وفي هذه الحالة قال المتولي: يغرم الراجع لولي الميت مؤنة الحفر؛ لأنه ورطه.
ووهم الرافعي فنقل عنه أن الحفر على ولي الميت، وتبعه في (المطلب) فجزم به، لكن في (فتاوى البغوي): لو أعار أرضًا للزراعة ثم رجع المعير بعد أن حرثها المستعير .. لم تلزمه أجرة الحراثة، والمعير قد ورطه في المسألتين، إلا أن يقال: إن الدفن واجب لابد منه على الولي؛ بخلاف الزرع، فهو راجع إلى خيرته، فيغرم الأول دون الثاني.
وأورد على حصر الكتاب: إذا كفنه أجنبي وقلنا: إنه باق على ملك الأجنبي كما صححه المصنف في (باب السرقة) .. فهو عارية لازمة.
وإذا استعار دارًا لسكنى معتدة .. فهي لازمة من جهة المستعير فقط.
وإذا قال: أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرًا .. لم يكن للوارث الرجوع.
وإذا أعار جدارًا لوضع الجذوع فوضعها وأحكمها .. فقيل ليس له في هذه الرجوع، لكن الأصح: جوازه كما تقدم في (باب الصلح).
وإذا أراد الصلاة المفروضة فأعاره ثوبًا يستر به عورته أن يفرشه في مكان نجس ففعل وأحرم وكان الرجوع يؤدي إلى بطلان الصلاة .. فالمتجه: منعه، ويحتمل الجواز، وفائدته طلب الأجرة.
وإذا أعار سلاحًا أو دابة للغزو والتقى الزحفان .. قال في (الخصال): ليس له الرجوع فيهما حتى ينكشف القتال.
قال: (وإذا أعار للبناء أو الغراس ولم يذكر مدة ثم رجع) أي: بعد أن بنى أو غرس (إن كان شرط القلع مجانًا .. لزمه)؛ لأنه رضي بالتزام الضرر الذي يدخل عليه
وَإِلَاّ: فَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ .. قَلَعَ، وَلَا تَلْزَمُهُ تَسْوِيةُ الأَرْض فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَلْزَمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
بالقلع، وتلزمه أيضًا تسوية الأرض إن شرطها، وإلا .. فلا، سواء في ذلك المؤقتة والمطلقة.
وقوله: (مجانًا) كذا هو في (الروضة) وكتب الرافعي، وهو يوهم أنه لو شرط القلع لم يقل: مجانًا .. لا يكون كذلك، والصواب: حذفه كما حذفه أبو الطيب والدارمي والمحاملي وأصحاب (الحاوي) و (البحر) و (المهذب) و (الشامل) و (البيان) ونص عليه في (المختصر)، لا جرم حذفه الرافعي في نظيره من الإجارة.
ولو اختلفا في وقوع شرط القلع .. فالظاهر تصديق المستعير؛ إذ الأصل عدمه واحترام ماله، كذا قاله بعض المتأخرين، ولا خلاف أنه بعد الرجوع لا يجوز للمستعير البناء والغراس، فلو فعلا عالمًا بالرجوع .. فكما تقدم.
ونبه في (البحر) على أن المراد بالغراس: الغرس؛ فإن الغراس هي نفس الأغصان التي تغرس، قال: فلو عبر بـ (الغرس) لكان أخصر وأحسن.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يشترط عليه القلع أصلًا (فإن اختار المستعير القلع .. قلع) أي: بلا أرش؛ لأنه ملكه وقد رضي بنقصانه.
قال: (ولا تلزمه تسوية الأرض في الأصح)؛ لأنه مأذون فيه فلم يلزمه ضمان نقصه كاستعمال الثوب المستعار.
قال: (قلت: الأصح: تلزمه والله أعلم) ليرد ما أخذ كما أخذ، والأكثرون أطلقوا الوجهين من غير تصحيح، والرافعي رجح في (الشرحين) الثاني كما رجحه المصنف، وصحح الشيخ أن ما حصل من حفر بسبب البناء والغراس في مدة العارية
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ .. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، بَلِ الْمُغِيرُ بِالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ، أَوْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ، قِيلَ: أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْقِيمَةِ.
ــ
لا تلزم تسويته، وما حصل بسبب القلع زائد على ذلك تلزم تسويته، وقال: إنه الذي تتعين الفتيا به.
وموضع الخلاف: إذا كانت الحفرة الحاصلة في الأرض على قدر الحاجة، فإن زادت على حاجة القلع .. لزم طم الزائد قطعًا.
قال: (وإن لم يختر) أي: المستعير القلع (.. لم يقلع مجانًا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ليس لعرق ظالم حق) فأفهم أن غير الظالم له حق وقال أبو حنيفة: يقلع مجانًا.
قال: (بل المعير بالخيار بين أن يبقيه بأجرة، أو يقلع ويضمن أرش النقص، قيل: أو يتملكه بالقيمة)؛ لأن العارية مكرمة لا يليق بها منع المعير ولا تضييع مال المستعير، فأثبتنا الرجوع على وجه لا يتضرر به المستعير.
فعلى هذا: أي خصلة اختارها المعير أجبرنا المستعير على موافقته عليها، وإلا كلفناه تفريغ الأرض، ونعتبر مع ذلك أيضًا أرش نقصان الثمرة إن كانت على الأشجار.
والمراد بـ (النقصان): التفاوت بين قيمته قائمًا ومقلوعًا، وعلى القائل: لا يتملك، أن ذلك بيع، فلابد فيه من التراضي.
مهمة:
حاصل ما في (الشرحين) و (الروضة) أوجه:
أصحهما في هذا الباب: يتخير بين التمليك بالقيمة والقلع بالأرش، ليس له
فَإِنْ لَمْ يخَتَرْ .. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا إِنْ بَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الأُجْرَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا فِي الأَصَحِّ،
ــ
الإبقاء بأجرة وهو المجزوم به في (المهذب) هنا وفي (المنهاج) في (الفلس) وفي (التنبيه) في (الشفعة.
والثاني: يتخير بين الثلاث، وهو ما أجاب به في (الروضة) و (أصلها) في أبواب منها (الهبة).
والثالث: يقلع بالأرش قهرًا.
وأما الأخيران فلا يجبر عليهما المستعير، فالثابت له على هذا خصلة واحدة.
ثم قوله: (يبقيه بأجرة) لا يصح أن يكون ما يطلبه المعير، ولا أن يفرض الحاكم أجرة المثل حالة؛ إذ لا ضابط للمدة، ولا مسقطة؛ لأنه لا يفرض مسقطًا، وأقرب ما يمكن سلوكه ما ذكره في (الصلح) من بيع حق البناء دائمًا بعوض حال بلفظ البيع أو الإجارة وإن جهلت المدة، لكن يلزم منه أن يبني ويغرس غيره عند تلفه أو قلعه، أو يؤجره لغيره وهو بعيد.
ومحل تخيير المعير بين الخصال الثلاث: إذا كانت الأرض خالصة له، فإن بنى أحد الشريكين أو غرس في مشتركة بإذن شريكه .. لم يكن للشريك إذا رجع إلا الإبقاء بأجرة.
قال: (فإن لم يختر .. لم يقلع مجانًا إن بذلك المستعير الأجرة)؛ لانتفاء الضرر.
قال: (وكذا إن لم يبذلها في الأصح)؛ لأن المعير مقصر بترك الاختيار راض بإتلاف منافعه.
والثاني: له القلع مجانًا؛ لأن العارية قد انتهت بالرجوع فلابد من الأجرة في مقابلة الانتفاع، هذا الذي قطع به المخيرون بين الثلاث، ويقابله أن له القلع مجانًا،
ثُمَّ قِيلَ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيْئًا. وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَلَا يَدْخُلُهَا الْمُسْتَعِيرُ بِغَيرِ إِذْنٍ لِتَفَرُّجٍ، وَيَجُوزُ لِلسَّقْيِ وَالإِصْلَاحِ فِي الأَصَحِّ
ــ
وأغرب الشاشي وابن يونس فحكياه مع بذلها أيضًا.
قال: (ثم قيل: يبيع الحاكم الأرض وما فيها وتقسم بينهما) فصلًا للخصومة.
قال: (والأصح: أنه يعرض عنهما حتى يختارا شيئًا)؛ إذ لا تقصير من المستعير، فكيف يزال ملكه قهرًا؟
قال الإمام: والظاهر لزوم الأجرة في مدة التوقف.
وقوله: (يختارا) كذا هو مثنى بخط المصنف و (المحرر) وبعض نسخ (الشرحين)، والصواب: حذف الألف، كما هو بخطه في (الروضة)؛ لأن اختيار المعير كاف.
قال: (وللمعير دخولها والانتفاع بها) أي: في مدة التنازع؛ لأنها ملكه ويستظل بالبناء والغراس لكن لا يربط بهما شيئًا ولا يستند إليهما، هكذا قاله القاضي وجماعة، فإن حمل على ما يضر .. فلا إشكال كما سبق في (الصلح).
قال: (ولا يدخلها المستعير بغير إذن لتفرج)؛ لأنه لا ضرورة به إلى ذلك.
و (التفرج): لفظة مولدة مأخوذة من انفراج الهم وهو انكشافه، ووقع في (الوسيط) التنزه بدل التفرج وهو مراده، لكن هذه اللفظة معدودة من لحن العوام.
قال أهل اللغة: التنزه التبعد عن المياه والبلاد، ومن لحن العامة: كنا نتنزه، أي: نتفرج.
قال: (ويجوز للسقي والإصلاح في الأصح) صيانة لملكه عن الضياع.
والثاني: لا؛ لأنه يشغل ملك غيره إلى أن يصل إلى ملكه، وضعفه الإمام بأنه يؤدي إلى تعطيل الثمار.
وَلِكُلٍّ بَيْعُ مِلْكِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُهُ لِثَالِثٍ
ــ
وتعبيره بـ (الإصلاح) أعم من قوله في (المحرر) و (الروضة) و (الشرحين): ومرمة الجدار.
ومحل الجواز ما إذا لم تتعطل المنفعة على مالك الأرض بدخوله، فإن تعطلت لم يمكن إلا بأجرة، قاله المتولي وصوبه الشيخ.
قال: (ولكل بيع ملكه) من الآخر ومن ثالث كسائر الأملاك، ثم إن باعه أحدهما للآخر .. فلا كلام، وإن باع المعير لثالث .. تخير المشتري كما كان يتخير البائع، وإن باع المستعير .. فالمعير باق على خيرته، وللمشتري الخيار إن جهل.
قال: (وقيل: ليس للمستعير بيعه لثالث) بل يبيعه للمعير فقط؛ لأن ملكه غير مستقر.
والصحيح: الأول؛ لأن عدم الاستقرار لا يمنع البيع، كالشقص المشفوع، يجوز للشريك بيعه وإن جاز أن ينزعه الشفيع، أما إذا أذن له المعير .. فمقتضى كلام الماوردي والإمام القطع بالصحة.
وقال في (المطلب): الذي يظهر طرد الخلاف مطلقًا.
وقيل: لا يجوز للمعير البيع لثالث أيضًا، وصححه الماوردي والروياني؛ لأن مدة بقاء الغرس فيها مجهولة.
كل هذا في حال التنازع وقبل استقرار الأمر بينهما على أجرة، فإن اتفقنا على أجرة مسماة .. صار الحكم كالحكم في العين المستأجرة.
ولو باعا لثالث بثمن واحد .. صح في الأصح للحاجة، بخلاف ما لو كان لاثنين عبدان لكل منهما عبد فباعاهما بثمن واحد ولم يعلم ما يقابل كلًا منهما عن العقد .. فإن المصحح في (شرح المهذب) و (تصحيح التنبيه) ونقله الرافعي في (الصداق) عن النص: البطلان.
وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَقَّتَةُ كَالْمُطْلَقَةِ، وَفِي قَوْلٍ: لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا مَجَّانًا إِذَا رَجَعَ. وَإِذَا أَعَارَ لِزِرَاعَةٍ وَرَجَعَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَيْهِ الإِبْقَاءَ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَن لَهُ الأُجْرَةَ. فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتقْصِيرِهِ بِتَاخِيرِ الزِّرَاعَةِ .. قَلَعَ مَجَّانًا.
ــ
قال: (والعارية المؤقتة كالمطلقة) أي: في جميع ما سبق، سواء انتهت المدة أو رجع قبلها.
وقيل: لا رجوع قبلها، وفائدة التأقيت إنما هي المنع من إحداث غرس أو بناء.
قال: (وفي قول: له القلع فيها مجانًا إذا رجع) ومحل هذا القول بعد المدة وهو بعدها لا يحتاج إلى رجوع، فكان ينبغي أن يعبر بالانتهاء دون الرجوع، والضمير في (فيها) يعود إلى المؤقتة.
قال: (وإذا أعار لزراعة ورجع قبل إدراك الزرع .. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد)؛ لأن له أمدًا ينتظر، بخلاف البناء والغراس، فإن كان الزرع مما يعتاد قلعه .. كلف القلع.
والثاني: حكمه حكم البناء والغراس في التخيير السابق.
قال: (وأن له الأجرة)؛ لأن الإباحة انقطعت بالرجوع فأشبه ما إذا أعاره دابة إلى بلد فرجع في الطريق .. فإنه يجب عليه نقله إلى مأمن بأجرة المثل.
والثاني: يبقيه بغير أجرة استصحابًا للأصل، لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع، وهو رأي المزني واختاره الروياني، فلو كان الزرع يعتاد قطعه كالباقلاء والقصيل .. كلف القلع.
قال: (فلو عين مدة ولم يدرك فيها لتقصيره بتأخير الزراعة .. قلع مجانًا) أشار بذلك إلى علة الحكم وهذا لا خلاف فيه، ويلزمه مع ذلك تسوية الأرض.
وأفهم كلامه: أنه إذا لم يكن مقصرًا .. لم يقلع مجانًا، بل يكون كما لو أعار مطلقًا، سواء كان عدم الإدراك لحر أو برد أو مطر، أو لقلة المدة المعينة، أو لأكل
وَلَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ .. فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ. وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَقَالَ لِمَالِكِهَا: أَعَرْتَنِيهَا، فَقَالَ: بَلْ أَجَّرْتُكَهَا، أَوِ اخْتَلَفَ مَالِكُ الأَرْضِ وزَارِعُهَا كَذلِكَ .. فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ عَلَى الْمَذْهَبِ
ــ
الجراد رأس الزرع فينبت ثانيًا، وفي نظيره من الإجارة وجه: أنه يقلع مجانًا، فهنا أولى.
قال: (ولو حمل السيل بذرًا إلى أرضه فنبت .. فهو لصاحب البذر)؛ لأنه عين ماله وكذلك ما حمله الهواء، فإن كان ذلك البذر لا قيمة له كحبة أو نواة .. فهل النابت لمالك الأرض أو الحبة؟ وجهان، صحح المصنف الثاني، واستثنى منه: ما إذا كان المالك ألقى ذلك الشيء أو أعرض عنه؛ فقطع بأنه لصاحب الأرض.
قال: (والأصح: أنه يجبر على قلعه) أي: مجانًا؛ لأن المالك لم يأذن فيه، فأشبه ما إذا انتشرت أغصان شجرة الغير إلى هواء داره .. له قطعها ولا أجرة عليه وإن كثر لعدم الفعل منه.
والثاني: لا يجبر؛ لعدم التعدي.
فعلى هذا: يكون كالمستعير، فينظر في النابت أهو زرع أم شجر ويكون الحكم كما سبق، وإذا قلع في هذه المسألة .. تلزمه تسوية الحفر .. لأنه أدخل النقص في ملك غيره لاستصلاح ملكه، فلو بذلك صاحب الأرض الأرش .. أجبر قطعًا، ويجبر أيضًا على تسوية الحفر.
قال: (ولو ركب دابة وقال لمالكها: أعرتنيها، فقال: بل أجرتكها) أي: مدة كذا بكذا (أو اختلف مالك الأرض وزارعها كذلك .. فالمصدق المالك على المذهب)؛ لأن المنافع تصح المعاوضة عليها كالأعيان.
ولو اختلفا في العين بعد استهلاكها فقال المالك: بعتكها، وقال: بل وهبتنيها .. صدق المالك، فكذا هنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكما لو أكل طعام الغير وقال: كنت أبحته لي، وأنكر المالك .. فإن القول قوله، وبهذا قال مالك والمزني.
والثاني: يصدق الراكب والزارع وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب إما بالإجارة كما زعم المالك أو بالإعارة كما زعم الراكب، والمالك يدعي عوضًا والأصل براءة ذمته منه.
والثالث: يصدق المالك في الأرض دون الدابة، وهذا هو المنصوص في (المختصر) وأظهر عند القفال؛ لأن الدواب تكثر فيها الإعارة والأرض تندر، فيصدق في كل صورة من الظاهر معه، وضعف هذا بأن الشافعي رضي الله عنه لا يعتبر العادة في الدعاوى، ولهذا لا تقدم دعوى العطار على الدباغ في دعوى العطر كما سيأتي في بابه.
والفرق بين هذا وبين ما إذا غسل ثوبه غسال أو خاطه خياط ثم قال: فعلته بالأجرة، وقال المالك: مجانًا حيث كان القول المالك مع يمينه: أن الغسال فوت منفعة نفسه ثم ادعى لها عوضًا على الغير، وههنا المتصرف فوت منفعة مال الغير وأراد إسقاط الضمان عن نفسه .. فلم يقبل.
تنبيهان:
أحدهما: إطلاق تصديق المالك يوهم استحقاقه المسمى إذا حلف على نفي الإعارة وإثبات الإجارة إتمامًا لتصديقه، والأصح: أجرة الثل.
والثاني: صورة مسألة الكتاب: أن يختلفا بعد مضي مدة لها أجرة والدابة باقية، فإن لم تمض مدة لها أجرة .. فإن المالك يسترد العين، ولا معنى للاختلاف.
وإن وقع ذلك بعد تلف الدابة، فإن تلف عقب الأخذ .. فالراكب مقر بالقيمة لمنكرها، وإن تلفت بعد مدة لها أجرة .. فالراكب مقر له بالقيمة، والمالك ينكرها ويدعي الأجرة، فإن كانت الأجرة مثل القيمة أو أقل .. أخذها بلا يمين، وإن كانت أكثر .. أخذ قدر القيمة، وفي المصدق في الزائد الخلاف.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، وَقَالَ: بَلْ غَصَبْتَ مِنِّي، فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ .. فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ. لَكِنِ الأَصَحُّ: أَنَّ الْعَارِيَةَ تُضْمَنُ بِقِيَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، لَا بِأَقْصَى الْقِيَمِ، وَلَا بِيَوْمِ الْقَبْضِ،
ــ
قال: (وكذا إن قال: أعرتني، وقال: بل غصبت مني) والحال أنه مضى زمن لمثله أجرة والعين باقية .. فالمصدق المالك؛ لأنه يدعي أجرة المثل ههنا، كما يدعي المسمى هناك، وقيل: يصدق الراكب والزارع؛ لأن الأصل براءة الذمة.
وقيل: يصدق المنتفع قطعًا؛ لأن الظاهر من حال المسلم أنه لا يتصرف إلا على وجه جائز.
أما إذا دفع ألفًا إلى إنسان وقال: كانت وديعة فهلكت وقال الدافع: بل قرضًا .. فقال البغوي في (فتاويه) القول قول المدفوع إليه بيمينه؛ لأن الأصل براءته بخلاف ما إذا قال: غصبتني، فقال: بل أكريتني؛ لأنه أتلف منفعة ما له ص
قال: (فإن تلفت العين .. فقد اتفقا على الضمان)؛ إذ كل من الغصب والإعارة مضمن، لكن إنما يستمر ما ذكره إذا ثبت أنها تلفت تلفًا يضمن العارية كما سبق.
قال: (لكن الأصح: أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف، لا بأقصى القيم، ولا بيوم القبض) أشار إلى ثلاثة أوجه مشهورة في الذي تضمن به العارية التالفة بغير الاستعمال المأذون فيه وبغير تعد:
الصحيح منها: ما ذكره، وهو قيمة يوم التلف؛ لأنا لو اعتبرنا الأقصى أو يوم القبض .. لأدى إلى تضمين الأجزاء المستحقة بالاستعمال المأذون فيه.
والثاني: قيمة يوم القبض، واتفقوا على أنه أضعف الأوجه تشبيهًا بالقرض.
والثالث: أقصى القيم كالمغصوب، فالمالك في هذه الصورة يدعي ضمان الغصب والآخر يدعي ضمان العارية، وبنوا على الخلاف ضمان ولد العارية، فإن قلنا: يضمن بالأقصى .. ضمن، وإلا .. فلا، وليس له استعماله بلا خلاف.
فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ أَكْثَرَ .. حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ.
ــ
والخلاف المذكور في كيفية ضمان العارية جار في ضمان المأخوذ بالسوم، لكن الأصح فيه: اعتبار يوم القبض؛ لأن تضمين أجزائه غير ممتنع، كذا قاله الإمام، وقال غيره: الأصح فيه كالأصح في العارية.
قال: (فإن كان ما يدعيه المالك أكثر) بأن تكون قيمتها يوم التلف أقل.
قال: (
…
حلف للزيادة)؛ لأن غريمه ينكرها، وأما المتفق عليه .. فيأخذه بلا يمين؛ لموافقة غريمه على الاستحقاق، وإليه أشار المصنف بقوله:(حلف للزيادة).
نعم؛ إن قلنا: إن اختلاف الجهة يمنع الأخذ .. فلابد من اليمين في أظهر الوجهين.
تتمة:
إذا استعمل المستعير المعار بعد رجوع المعير وقبل العلم به .. نقل الرافعي الرافعي عن (فتاوى القفال): أنه لا تلزمه أجرة، ونقل في (كتاب القسم والنشوز): أن مبيح الطعام إذا رجع عن إباحته فأكله المباح له بعد الرجوع وقبل العلم في وجوب الضمان طريقين.
قال في (المطلب): والأشبه القطع بوجوب الضمان في المسألتين.
* * *
خاتمة
أخذ كوزًا من سقاء ليشرب مجانًا كان الكوز عارية، وإن دفع إليه فلسًا وأخذ الكوز ليشرب فسقط من يده فانكسر ضمن الماء؛ لأنه أخذه بشراء فاسد، ولم يضمن الكوز؛ لأنه بحكم الإجارة الفاسدة.
* * *