الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْهِبَةِ
ــ
كتاب الهبة
هي مصدر وهب يهب هبة، واتهب: قبل الهبة، وفي التنويه): أصلها من هبوب الريح، ويحتمل أنها من هب من نومه؛ أي: استيقظ للإحسان.
والهدية مشتقة من الهداية؛ لأنه اهتدى بها إلى الخير وإلى تآلف القلوب.
والأصل في الباب قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هيئاً مريئاً} ، وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى:{وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ، وبقوله صلى الله عليه وسلم:(تهادوا تحابوا).
قال الرافعي: قيل: المراد بالتحية: الهبة، والمشهور عن ابن عباس أنها السلام، والحديث رواه البخاري في (كتاب الأدب)[594]، وهو في (سنن البيهقي)[6/ 169] و (شعبه)[6/ 479] بإسناد صحيح، ثم روي عن أبي عبد الله البوشنجي أنه قال: يروى (تحابوا) مشدداً من المحبة، ومخففاً من المحاباة.
وقال في (المصابيح): صح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تهادوا؛ فإن الهدية تذهب بالضغائن).
وفي (الترمذي)[2130] عن أبي معشر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: (تذهب وحر الصدور) أي: غلها، قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وأبو معشر اسمه نجيح، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وبهذا اعترض على عبد الحق لما ذكره في (الأحكام).
التَّمْلِيكُ بِلَا عِوَضٍ هِبَةٌ،
ــ
وفي (صحيح البخاري)[2568]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو دعيت إلى كراع .. لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع .. لقبلت).
ولما ولي الحسن بن عمارة قاضي بغداد مظالم الكوفة، بلغ الأعمش فقال: ظالم ولي مظالما، فبلغ ذلك الحسن فأهدى إليه أثواباً ونفقة، فقال الأعمش: مثل هذا يصلح أن يولى علينا، يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعود على فقيرنا، فقال له رجل: يا أبا محمد؛ بالأمس تقول كذا واليوم تقول كذا؟ قال: حدثني حيثمة عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها) والأصح: وقفه على ابن مسعود.
وأجمعت الأمة على استحباب الهبة؛ لأنها سبب للتوادد والتحابب.
قال: (التمليك بلا عوض هبة) عبارة (الحوي الصغير): الهبة تمليك بلا عوض، عكس عبارة المصنف، وهي أحسن؛ فإن المحدث عنه الهبة، ولفظ التمليك يقتضي: أن الاختصاصات كجلد الميتة ونحوه لا هبة فيها، وهو الأصح هنا، وفي (الروضة) في (باب الأحداث) ما يخالفه.
وقوله: (بلا عوض) يخرج المعاوضات بلفظ الهبة، كما لو وهب بشرط ثواب معلوم .. فإنه يبيع على الأصح، وإذا أطلقت الهبة .. إنما تقع على غير ذات الثواب.
وحد ابن الرفعة وغيره الهبة بتمليك عين تبرعاً في الحياة؛ لأنه إذا حلف لا يهب فأوصى له .. لم يحنث في الأصح.
وقال الشيخ: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن الميت لا يحنث إن سميناها هبة.
فَإِنْ مَلَّكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الآخِرَةِ .. فَصَدَقَةٌ، فَإِنْ نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَامًا .. فَهَدِيَّةٌ
ــ
واحترز بـ (العين) عن هبة المنافع، وليس ذلك متفقاً عليه، وعن الوقف إذا قلنا: الملك فيه لله أو للواقف، قال الشيخ: ولا حاجة إلى ذلك أيضاً؛ لأن المنافع لم يملكها الموقوف عليه بتمليك الواقف، بل بتسبيله في جهة الله تعالى.
قال: (فإن ملك محتاجاً لثواب الآخرة .. فصدقه)، (محتاجاً) مفعول (ملك)، واللام للتعليل، أي: لأجل ثواب الآخرة، وذكره في (الشرح) و (الروضة) كذلك، ولا حاجة إليه؛ فإن الصدقة على الغني جائزة ومثاب عليها إذا قصد القربة، لكن لما كان الغالب على الصدقة أن تخص الفقراء .. جرى في ذلك على الغالب فلا مفهوم له.
قال: (فإن نقله إلى مكان الموهوب له إكراماً .. فهدية)؛ لقضاء العرف بذلك، ومنه إهداء النعم إلى الحرم، ولذلك لا يدخل لفظ الهدية في العقار بحال، فلا يقال: أهدى إليه داراً ولا أرضًا، وإنما يطلق ذلك في المنقولات كالثياب والعبيد، لكن سيأتي في (باب النذر) أنه لو قال: لله علي أن أهدي هذا البيت أو الأرض للحرم .. باعه ونقل ثمنه، فحصل من هذا أن هذه الأنواع تفترق بالعموم والخصوص، فكل هدية وصدقة .. هبة، ولا تنعكس، ولهذا لو حلف لا يهب فتصدق .. حنث، وبالعكس .. لا يحنث، هذا في صدقة التطوع، أما الزكاة .. فكوفاء الدين لا تمليك فيها من جهة المزكي، فإذا حلف لا يهب .. لم يحنث بها.
وقال المتولي والروياني: أغلب ما تستعمل الهدية فيما تحمل إلى أعلى منه، وأنكره المصنف في (تهذيبه)، وصوب أنها تستعمل في المحمل على النظير والأعلى والأسفل فلذلك أطلقه هنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: (إكراماً) قال الشيخ: الظاهر أنه ليس بشرط، بل الشرط النقل، وقد يقال: احترز به عن الرشوة، ومفهوم كلامه أيضاً: أن الهدية لابد فيها من التمليك، لكن سيأتي في (الأضحية): أن الهدية إلى الأغنياء لا تمليك فيها، وقد يجاب بأن ذلك لخصوص الأضحية، لأنها لا تباع للأغنياء بخلاف غيرها.
وقوله: (الموهوب له) هو المشهور في اللغة، يقال: وهبته له؛ لقوله تعالى: {وهبت نفسها للنبي} ، {يهب لمن يشاء إناثًا} ، {فهب لي من لدنك وليا} ، {ووهبنا له أهله} ،} ووهبنا لداود سليمان}.
وفي كتب الرافعي وغيره: الموهوب منه، وهي قليلة، وأنكرها بعضهم، وقال المصنف: إنها جائزة، وإنها وردت في الحديث، وإن (من) زائدة على مذهب الأخفش والكوفيين، واختلفوا هل يشترط في حد الهداية أن يكون بين المهدي والمهدى إليه رسول ومتوسط أم لا على وجهين: أصحهما: أنه لا يشترط، وهذه الأنواع الثلاثة مندوب إليها، وفعلها مع الجيران ومع الأقارب وأهل الخير أفضل منه مع غيرهم.
وينبغي أن لا يحتقر القليل فيمتنع من إهدائه، وأن لا يستنكف المهدى إليه عن قبول القليل؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لو دعيت إلى كراع .. لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع .. لقبلت).
وفي (الصحيحين)[خ2566 - م1030] عنه أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة). ويستحب للمهدي إذا دعى له المهدى إليه أن يدعوا أيضاً له.
ويستثنى من ذلك أرباب الولايات والعمال؛ فإنه يحرم عليهم قبول الهبة والهدية من أهل ولاياتهم على المذهب ممن ليست له عادة بذلك قبل الولاية.
ويجوز قبول الهدية من الكافر كالمسلم.
وَشَرْطُ الْهِبَةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ لَفْظًا،
ــ
قال: (وشرط الهبة: إيجاب وقبول) مراد المصنف بـ (الشرط): ما لابد منه.
وأركان الهبة أربعة:
الأول والثاني: العاقدان، وأمرهما واضح.
والثالث: الصيغة، فلابد فيها من الإيجاب والقبول كالبيع وسائر التمليكات، فلا يجوز تعليقها على شرط ولا توقيتها على المذهب، ولا يجوز تأخير القبول عن الإيجاب، بل يشترط التواصل المعتاد في البيع، وعن ابن سريج جواز تأخير القبول كما في الوصية.
فمن صريح الإيجاب: وهبت وأعمرت ومنحت ملكت، وفي قوله: أطعمتك هذا فاقبضه وجهان.
ومن القبول: قبلت أو رضيت، والصدقة: تصدقت، ويكفي فيها كلها: ملكتك وخذه وما في معنى ذلك، لكن تستثنى الهبة الضمنية فلا يحتاج فيها إلى قبول كأعتق عبدك عني، فإذا أعتقه .. دخل في ملكه هبة، ويعتق عليه.
وفي (الكفاية) عن القفال: إذا اشترى حلياً لزوجته وزينها به .. لا يصير ملكاً لها، وفي الولد الصغير يكون ملكاً له.
وتستثنى المرأة إذا وهبت ليلتها لضرتها .. فلا يشترط قبولها على الصحيح، وقد يستثنى ما يأكله الضيف كما قاله الرافعي في (باب الوليمة)، لكنه هنا قال: إنه لا يملكه.
قال: (لفظًا)؛ لأن الرضا لا يطلع عليه إلا بدلالة اللسان، هذا في الناطق، أما الأخرس .. فتكفيه الإشارة المفهمة، واختار في (شرح المهذب) صحتها بالمعاطاة كالبيع، وهي واردة على المصنف، وكذلك يرد عليه: أن البيع يصح بالكناية على الصحيح فالهبة أولى، وكذلك الخلع التي يخلعها السلطان على الأمراء والقضاة
وَلَا يُشْتَرَطَانِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ
ــ
وغيرهم لا يشترك فيها القبول؛ لجريان العادة بلك كما سيأتي في (القضاء).
قال: (ولا يشترطان في الهدية على الصحيح، بل يكفي البعث من هذا والقبض من ذاك)؛ لأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقبلها ولا لفظ هناك، رواه الترمذي [1953]، وعلى ذلك جرى الناس في الأعصار، وكذلك كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم.
فإن قيل: هذا كان إباحة لا هدية وتمليكاً .. فجوابه: أنه لو كان إباحة .. لما تصرفوا فيه تصرف الملاك، ومعلوم أن ما قبله النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصرف فيه ويملكه غيره.
قال الرافعي: ويمكن أن يحمل كلام من اعتبر الإيجاب والقبول على الأمر المشعر بالرضا دون اللفظ، يقال: الإشعار بالرضا قد يكون لفظًا وقد يكون فعلًا.
وفي (صحيح البخاري)[2576]: عن أبي هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام .. سأل عنه: (أهدية أم صدقة؟) فإن قيل: صدقة .. قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل، وإن قيل: هدية .. أكل منهم.
وفي (الصحيحين)[خ2574 - م2441]: (كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكان له جيران من الأنصار لهم منائح فكانوا يرسلون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ألبانها.
وفي (سنن البيهقي)[6/ 169]: عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس: أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضرته).
والوجه الثاني: يشترطان كالبيع والوصية.
والثالث: لا يشترطان في المأكول ويشترطان في غيره، واختاره الإمام والغزالي، والصحيح الأول؛ لأنهم كانوا يتهادون الأطعمة وغيرها، واشتهر وقوع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكسوة والدواب في هدايا الملوك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن مارية أم ولده كانت من الهدايا.
والرابع: إن أراد التمليك .. اعتبر الإيجاب والقبول، وإلا .. فلا، لكن له الانتفاع به بغير البيع، وللمهدي الرجوع فيه ما دام باقيًا؛ لأنه بمنزلة الإباحة، قاله القفال، قال: ولهذا لو بعث إليه حلوى .. لم يكن له بيعها وإنما يأكلها هو وأهله.
وعبارة المصنف تشعر بعدم احتياج الصدقة إلى الإيجاب والقبول، لكن قال الرافعي: الصدقة كالهدية بلا فرق، وطريقة الشيخ أبي حامد ومن تبعه افتقارها إليهما، واختاره في (الشامل) أن الأنواع الثلاثة لا تفتقر إليهما، وهو منصوص (البويطي).
فروع:
الأول: تشترط في الواهب أهلية التبرع، فلا تصح المكاتب بغير إن سيده ولا العبد وإن قلنا: يملك بتمليك سيده، والمبعض .. قال الدارمي: تصح هبته.
الثاني: إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول .. قبل له وليه، فإن كان الواهب له من يلي أمره غير الأب والجد .. قبل له الحاكم أو نائبه، وإن كان أبًا أو جدًا .. تولى الطرفين كالبيع، ولا اعتبار بقبول متعهد الطفل الذي لا ولاية له عليه خلافًا لأبي حنيفة، وإذا وهب لعبد غيره .. فالمعتبر قبول العبد.
الثالث: إذا وهب له شيئين فقبل أحدهما، أو شيئًا فقبل بعضه .. فوجهان في (الروضة) و (الشرح).
قال الرافعي: والفرق بينه وبين البيع: أن البيع معاوضة وقد يتضرر البائع بالتبعيض؛ لانتقاص قيمة الباقي، ولم يرجح الرافعي والمصنف شيئاً منهما.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في (المهمات): والراجح: التحاقه بالبيع فلا يصح، كما لو وهب لاثنين فقبل أحدهما نصفه .. فإنه لا يصح على الأصح.
قلت: الصواب: صحته؛ لما روى أحمد [4/ 171] بإسناد جيد في أثناء حديث ليعلى بن مرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي له سمن وأقط وكبش، فقبل السمن والأقط ورد الكبش) وبه جزم في (الإحياء).
الرابع: غرس أشجاراً وقال عند الغراس: أغرسها لابني .. لم تصر للابن، ولو قال: جعلتها له- وهو صغير- صارت له، بخلاف الولد الكبير.
الخامس: ختن ابنه واتخذ دعوة فحملت إليه هدايا ولم يسم أصحابها الأب ولا الابن، فهل تكون الهدايا ملكًا للأب أو الابن؟ فيه وجهان: قطع القاضي حسين بأنها للولد، ويجب على الأب أن يقبلها له، فإن لم يقبل .. أثم.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تكون ملكًا للأب؛ لأن الناس يقصدون التقرب إليه، قال المصنف: وهذا أقوى وأصح، قال الشيخ: وبه أقول.
ويتفرع عليه أنه إذا كان الأب قاضيًا .. يحرم قبول الهدية له.
السادس: بعث إليه كتابًا وقال: اكتب الجواب على ظهره .. لزمه رده، وليس له التصرف فيه، وإلا .. فهو هدية يملكها المكتوب إليه على الأصح.
وقيل: يبقى على ملك الكاتب، وللمكتوب إلي الانتفاع به على سبيل الإباحة.
السابع: أعطاه درهمًا وقال: ادخل به الحمام، أو دراهم وقال: اشتر لنفسك بها عمامة ونحو ذلك .. ففي (فتاوى القفال): أنه إن قال ذلك على سبيل التبسط المعتاد .. ملكه وتصرف فيه كيف شاء، وإن كان غرضه تحصيل ما عينه لما رأى به من الشعث والوسخ أو لعلمه بأنه مكشوف الرأس .. لم يجز صرفه إلى غير ما عينه، وكذلك لو طلب الشاهد مركوبًا فأعطاه دراهم ليصرفها إلى مركوب هل له صرفها إلى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جهة أخلى؟ وجهان: قال المصنف: والصحيح المختار ما قاله القفال.
ويشكل على تصحيحه: أنه في (الشهادات) صحح: أنه لو أعطى الشاهد دراهم وقال: اركب بها .. أن له صرفها في الركوب وغيره من غير فرق.
وصحح الرافعي فيما لو أوصى لدابة غيره وفسره بالصرف في علفها: أنه يصح، ويتعين الصرف لذلك؛ مراعاة لغرض الموصى.
الثامن: سئل الشيخ أبو زيد عن رجل مات أبوه، فبعث إليه رجل ثوبًا ليكفنه فيه هل يملكه حتى يمسكه ويكفنه في غيره؟ فقال: إن كان الميت ممن يتبرك بتكفينه لفقه أو ورع .. فلا، ولو كفنه في غيره .. وجب رده إلى مالكه.
التاسع: أفتى الغزالي بأن خادم الصوفية الذي يتردد في الأسواق ويجمع لهم شيئًا يأكلونه أن الخادم يملكه، ولا يلزمه الصرف إليهم، قال: إلا أن المروءة تقتضي الوفاء لهم، لكن لهم منعه من الأخذ على اسمهم.
وقال في (الإحياء): من له عيال وأعطي شيئاً بسببهم .. فهو له، وله أن يطعمهم من غيره.
العاشر: أعطاه ثوبًا على وجه الصدقة، فأخذه ظانًا أنه عارية أو وديعة، فرده على الدافع .. قال القاضي: لا يحل له أخذه، وعليه إخباره بأنه صدقة، وهذا تفريغ على الصحيح أن الصدقة لا تفتقر إلى لفظ، أما على طريقة أبي حامد .. فلا، ولو جاء الرسول وقال: إنه هدية، وكذبه ربه وقال: إنما أرسلته عارية أو وديعة .. صدق.
وَلَوْ قَالَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ .. فَهِيَ هِبَةٌ،
ــ
قال: (ولو قال: أعمرتك هذه الدار فإذا مت فهي لورثتك) أو لعقبك (
…
فهي هبة) مما يتعلق بالصيغة الكلام في العمرى والرقبى، وهما لفظان كانت العرب تستعملهما في عطيتين مخصوصتين، وقد ورد الشرع بتعيين بعض أحكامهما.
ولفظ العمري مأخوذ من العمر؛ لأنه يجعلها له عمره، والرقبى من المراقبة؛ لأن كلًا منهما يرقب صاحبه.
والأصل في ذلك: ما رواه مسلم [1625] عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه .. فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث).
ورواها عن النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس، وأجمع الناس على صحة العمرى في الجملة، ولها صور:
إحداها: ما بدأ به المصنف، قال الأصحاب كلهم: تصح، وهي الهبة بعينها لكنه طول العبارة، ولا خلاف أنه إذا مات في هذه الصورة .. تكون لورثته، فإن لم يكن له وارث .. كانت لبيت المال، ولا تعود إلى المعمر بحال، ولا خلاف أنها لا تختص بالعقب، بل ورثته كلهم كذلك، وهو ظاهر.
وتمثيله بـ (الدار) لا يفهم منه الحصر، بل الحيوان وغيره كذلك بلا خلاف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أعمر شيئًا
…
).
ولو قال: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو قال: أسكنتها لك عمرك .. صح، وكانت هبة منافع تستوفى بمضى الزمان شيئًا فشيئًا، وللمسكن الرجوع متى شاء، وأيهما مات .. بطلت الإباحة.
وقال مالك: اللفظ الذي ذكره المصنف ينصرف إلى المنافع؛ لأن تمليك الرقبة
وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: أَعْمَرْتُكَ .. فَكَذَا فِي الْجَدِيدِ، وَلَوْ قَالَ: فَإِذَا مِتَّ عَادَتْ إِلَيَّ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ
ــ
لا يتأقت، فإذا مات المعمر ولا ورثة له .. رجعت إلى المعمر، وكذا لو كان له ورثة وانقرضوا، ولا تكون لبيت المال.
قال: (ولو اقتصر على: أعمرتك .. فكذا في الجديد)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (العمرى ميراث لأهلها) متفق عليه [م1626] من حديث أبي هريرة، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، ويقابل الجديد أقوال في القديم:
أشهرها: بطلانها؛ لقول جابر: (إنما العمرى التي أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت .. فإنها ترجع إلى صاحبها) رواه مسلم [1625].
والقول الثاني القديم: أنها تكون للمعمر في حياته، فإذا مات .. رجعت للمعمر أو ورثته.
والثالث: أنها عارية يسترها المعمر متى شاء، ثم بعده للواهب.
ومراده بالاقتصار: أنه لم يقل معه: هو لك ولعقبك، لا أنه لم يذكر معه شيئا آخر، فإنه لو ضم إليه: هي لك عمرك أو مدة عمرك أو ما شئت أو ما حييت .. كان الحكم كذلك.
قال: (ولو قال: فإذا مت عادت إلي .. فكذا في الأصح) فتصح الهبة ويلغى الشرط؛ لإطلاق الأحاديث الصحيحة، قال الرافعي: وكأنهم عدولا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة، فليس لنا شرط فاسد مناف لمقتضى العقد يصح معه إلا هذا.
والثاني: تبطل؛ لأنه شرط مخالف لمقتضى الملك، لأن من ملك شيئًا .. صار بعده إلى وارثه.
والثالث: تصح ولا يلغى الشرط، والمسألة مفرعة على التي قبلها، فإن قلنا في
وَلَوْ قَالَ: أَرْقَبْتُكَ أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبى، أَيْ: إِنْ متَ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ .. فَالْمَذْهَبُ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ
ــ
تلك البطلان .. فهذه أولى، وإن قلنا بالصحة والعود إلى الواهب .. فكذلك هنا.
ولو قال: جعلت هذه الدار لك عمري أو حياتي .. فوجهان:
أحدهما: أنه كقوله: جعلتها لك عمرك أو حياتك؛ لشمول اسم العمرى.
وأصحهما: البطلان؛ لخروجه عن اللفظ المعتاد لما فيه من تأقيت الملك، فإنه قد يموت الواهب قبله بخلاف العكس، فإن الإنسان لا يملك إلا مدة حياته فلا تأقيت فيه، وأجري الخلاف فيما لو قال: جعلتها لك عمر فلان.
قال: (ولو قال: أرقبتك أو جعلتها لك رقبى؛ أي: إن مت قبلي عادت إلي وإن مت قبلك استقرت لك .. فالمذهب: طرد القولين الجديد والقديم) فإن قلنا بالجديد .. صح ولغى الشرط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئًا .. فهو لورثته) رواه أبو داوود [3551].
والقديم: البطلان.
والطريق الثاني: القطع بالبطلان؛ لأن فيها تأقيتًا واشتراطًا ليس في العمرى، ثم لابد في الرقبى من الإيجاب والقبول والقبض كما سبق.
فروع:
الأول: لو باع على صورة العمرى فقال: ملكتكها بعشرة عمرك .. قال ابن كج: لا يبعد عندي جوازه تفريعًا على الجديد، وقال أبو علي الطبري وابن سريج: لا يجوز، وهو الأصح.
الثاني: لا يجوز تعليق العمرى كقوله: إذا مات أو قدم فلان أو جاء رأس الشهر فقد أعمرتك هذه الدار، أو فهي لك عمرك، ولو علق بموته فقال: إذا مت فهذه الدار لك عمرك .. فهي وصية تعتبر من الثلث.
الثالث: جعل رجلان كل واحد منهما داره للآخر عمره على أنه إذا مات قبله عادت إلى صاحب الدار .. فهذه رقبى من الجانبين.
وَمَا جَازَ بَيْعُهُ .. جَازَ هِبَتُهُ،
ــ
الرابع: قال: داري لك عمرك، فإذا مت فهي لزيد، أو عبدي لك فإذا مت فهو حر .. صحت العمرى على قوله الجديد، ولغى المذكور بعدها.
قال: (وما جاز بيعه .. جاز هبته) ها هو الركن الرابع، وهو الموهوب، وهو معتبر بالبيع فإن الهبة تمليك ناجز كالبيع، هذا هو الغالب، وقد يختلفان فتجوز هبة المشاع سواء المنقسم وغيره، وسواء وهبه للشريك أو غيره.
وتجوز هبة الأرض المزروعة مع زرعها ودون زرعها وعكسه.
ولا تجوز هبة المعدوم ولا المجهول والضال والآبق، وفي هبة ما لم يره الخلاف في بيعه.
وهبة الزيت النجس التصدق به منعها القاضي أبو الطيب، وقال المصنف: ينبغي أن يقطع بجواز التصدق به للاستصباح ونحوه.
وحذف المصنف التاء من (جازت هبته) لمشاكلة (جاز بيعه)، ولأن تأنيث الهبة غير حقيقي، لكن يستثنى من إطلاق المصنف: المنافع؛ فإنها تباع بالإجارة، وفي هبتها وجهان:
أشهرهما: أنها تكون عارية.
والثاني: أنها هبة لا تلزم إلا بالقبض، وقبضها باستيفائها، فيرجع متى شاء، وليس قبضها- كما في الإجارة- بقبض العين، واستشكل بأن استيفاء المنافع إتلافها فكيف يملكها بعد تلفها بخلاف العارية.
ويستثنى الموصوف في الذمة؛ فإن يباع سلمًا، ولا يجوز أن يقول: وهبتك ألف درهم في ذمتي ثم يعينها في المجلس، والمال الذي لا يصح التبرع به يجوز بيعه كالمريض يصح بيعه من وارثه بثمن المثل ولا تصح هبته منه، بل يكون وصية.
وَمَا لَا كَمَجْهُولٍ وَمَغْضُوبٍ وَضَالٍّ .. فَلَا، إِلَاّ حَبَّتَيْ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا
ــ
والوصي والقيم على مال الطفل يصح منهما بيع ماله، ولا يجوز لهما هبته.
والوكيل بالبيع وغيره والمكاتب يصح منه بيع ما في يده لا هبته كما تقدم.
والإمام في بيع المال له بيع ما رأى المصلحة في بيعه منه دون هبته من غير مستحق ونحوه، وإذا استولد الراهن الجارية المرهونة أو عتقها ولم ينفذهما لكونه معسرًا .. يجوز بيعها للضرورة، ولا تجوز هبتها، لا من المرتهن ولا من غيره كما قاله الرافعي، وحكم الهبة في الاستتباع حكم البيع، فما تبع فيه .. تبع فيها، وما لا .. فلا، كذا صرح به الجرجاني، إلا أن الإمام ذكر في (باب الخراج بالضمان) أنه لو وهب حاملًا .. لا يتبعها الحمل على الجديد.
قال: (وما لا كمجهول ومغصوب وضال .. فلا)؛ لأنه لا يصح بيعه، وقال ابن سريج: تصح هبة الآبق والمغصوب لقادر على انتزاعهما، ويستثنى من المجهول إذا لم تعلم الورثة مقدار ما لكل منهم من الإرث، كما لو خلف ولدين أحدهما خنثى أو اصطلح الذين وقف بينهم المال على التساوي أو التفاوت .. فإنه يجوز.
قال الإمام: ولابد أن يجري بينهم تواهب، وإلا .. بقي المال على صورة التوقف، فإنه وإن كان عن جهالة فإنه جائز للضرورة، فلو أخرج بعضهم نفسه من البين ووهبه لهم على جهل بالحال .. جاز أيضًا، ولابد من لفظ الهبة، بخلاف إعراض الغانم، وكذلك إذا اختلط حمام البرج أو الثمار والأحجار المدفونة، وكذلك الصبغ في البيع ونحوه على ما تقرر في أبوابه.
قال: (إلا حبتي حنطة ونحوها) أي: من المحقرات؛ فإنه لا يجوز بيعها على الصحيح، وتجوز هبتها بلا خلاف، كذا في (الدقائق)، وكأنه سبق قلم؛ ففي (الشرح) في (باب اللقيط) في الحكم الثالث في التعريف: أن ما لا يتمول كحبة حنطة وزبيبة لا يباع ولا يوهب، وهو ساقط من (الروضة)؛ لأنه في ضمن بحث.
ولم يذكر الرافعي ولا ابن الرفعة هذا الاستثناء في شيء من كتبهما، ومال الشيخ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى الصحة؛ لأن كلام الماوردي في أول (الدعاوى) صريح في جوازه، وأورد على حصره مسائل:
منها: بيع حق التحجر لا يصح على الأصح، وتجوز هبته.
ومنها: إذا جعل شاته أضحية .. ليس له بيع صوفها ولبنها، وله هبة ذلك، قاله الرويان.
ومنها: جلد الميتة قبل الدباغ يوهب ولا يباع كما قاله في (باب الأواني) من (الروضة).
ومنها: هبة إحدى الضرتين نوبتها للأخرى لا تقابل بعوض.
ومنها: الطعام المغنوم في دار الحرب يهبه المسلمون بعضهم من بعض ليأكلوه ما داموا في دار الحرب، ولا يصح تبايعهم له.
ومنها: الضيف له أن يهب من صاحبه على رأي، ولا يصح بيعه.
ومنها: الدهن النجس للاستصباح ونحوه كما في زوائد (الروضة) في (باب البيع) تفقهًا، ووافق المنقول في (البحر) قبيل (باب السلم).
فرع: قال العبادي: لو قال: أنت في حل مما تأخذ من مالي أو تعطي أو تأكل .. يجوز أن يأكل ولا يجوز أن يأخذ أو يعطي؛ لأن الأكل إباحة وهي تصح مجهولة، والأخذ والإعطاء هبة لا تصح مجهولة.
قال: ولو قال لرجل: ادخل كرمي وخذ ما شئت، أو خذ من الثمرة ما شئت .. لا يزيد على عنقود واحد؛ لأنه أقل ما ينطلق عليه الاسم، وهو مشكل؛ ففي (فتاوى
وَهِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، وَلِغَيْرِهِ بَاطِلٌ فِي الأَصَحِّ.
ــ
القفال): أنه في هذه الحالة يأخذ ما شاء؛ لأنه إباحة.
وإن قال: ما أخذت من ثمار بستاني فقد وهبته لك .. لم يجز.
قال: (وهبة الدين للمدين إبراء) لا يحتاج إلى القبول على المذهب نظرًا إلى المعنى، وقيل: يحتاج نظرًا إلى اللفظ، واختلف كلام الشيخين في اعتبار ذلك، ويجريان فيما لو تصدق عليه به، حكاه الإصطخري في (أدب القضاء)، والروياني تفقهًا، وقال أبو حامد: لا يحتاج إلى قبوله قطعًا.
قال: (ولغيره باطل في الأصح)؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.
والثاني: يصح، ونقلوه عن النص، وجعله في (الشامل) الأقيس؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان، والخلاف بمين على جواز بيعه لغير من عليه، إن صح .. فالهبة أولى، وإلا .. فوجهان: أصحهما: المنع، فإن صحت .. ففي لزومها قبل القبض وجهان.
والرافعي والمصنف أطلقا الدين، وقيده صاحب (البيان) وغيره بالمستقر، وقيده بعضهم بكونه على ملئ باذل.
فرع:
رجل عليه زكاة وله دين على مسكين فوهب له الدين بنية الزكاة .. لم تقع الموقع؛ لأنه إبراء وليس بتمليك، وإقامة الإبراء مقام التمليك إبدال وذلك لا يجوز في الزكاة، هكذا قال صاحب (البيان).
وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إِلَاّ بقَبْضٍ
ــ
قال: (ولا يملك موهوب إلا بقبض) كالقراض؛ لأن كلًا منهما عقد إرفاق يحتاج إلى القبول، وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى مالك [2/ 752] عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن أبا بكر نحلها عشرين وسقا من ماله، فلما مرض .. قال (يا بنية؛ ما أحد أحب إلي غني بعدي منك، ولا أحد أعز علي فقرًا منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا، ووددت أنك حزتيه وقبضتيه، وهو اليوم مال الوارث وهما أخواك وأختاك، فاقسموه على كتاب الله، فقالت: عرفت أخوي محمدًا وعبد الرحمن وأختي أسماء فمن الأخرى؟ قال: ألقي في روعي أن التي في بطن بنت خارجة جارية) فلو كانت الهبة تملك قبل القبض .. لم يكن لقوله: (وددت أنك لو حزتيه) معنى، وقال بهذا سبعة من الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر ومعاذ وعائشة، ولا مخالف لهم.
وصحح الحاكم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكًا، فمات النجاشي قبل أن يصل إليه، فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين نسائه).
ويقابل ما جزم به المصنف قول قديم: إن الملك يحصل بنفس العقد، وبه قال مالك وأبو ثور وداوود.
وروي عن القديم قول آخر: إن الملك موقوف إلى أن يوجد القبض، فإذا وجد .. تبينا حصول الملك من وقت العقد، ويتفرع على الأقوال أن الزيادات الحادثة بين العقد والقبض لمن تكون؟
وصفة القبض كما في البيع، إلا أنه لم يحصل بالإتلاف ولا بتخلية غير المنقول؛ لأنه غير مستحق كقبض الوديعة، وهذه الأقوال كالأقوال في أن المبيع ينتقل إلى ملك المشتري بالعقد أو بانقضاء الخيار أو بهما؟ وفي أن الموصى به ينتقل إلى الموصى له بالموت أو بالقبول أو بهما؟ لكن الراجح مختلف.
بَإِذْنِ الْوَاهِبِ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ .. قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ،
ــ
تنبيهات:
أحدها: كلام المصنف هنا مخالف لما وقع في (المحرر) و (الروضة) و (المنهاج) في (باب الاستبراء) حيث قال: (ولو مضى زمن استبراء بعد الملك وقبل القبض .. حسب إن ملك بإرث، وكذا بشراء في الأصح لا هبة) فإن هذا يقتضي ترجيح الثاني.
الثاني: لا يخفى أن كلامه في الهبة الصحيحة، أما الفاسدة .. فلا يحصل فيها الملك بالقبض، والمقبوض بها غير مضمون في الأصح.
الثالث: يستثنى من ذلك الهبة الضمنية كما لو قال: أعتق عبدك عني مجانًا؛ فإنه يعتق ويسقط فيه القبض كما تقدم في إسقاط القبول إذا كان التماس العتق بعوض.
ولو وهب لابنه الصغير شيئًا وقبله له .. حكى ابن عبد البر إجماع الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى قبض، ولو أمر الواهب المتهب بعتق الموهوب فأعتقه .. نفذ وكان قبضًا، وكذلك إذا أذن في أكله فأكله.
قال: (بإذن الواهب) فلو قبضه بغير إذنه .. لم يملكه ويضمنه، سواء قبضه في مجلس الهبة أو بعده، سواء كان في يد الواهب أم لا على الأصح، غير أه لا يشترط الفور في القبض، بل يجوز على التراخي.
ولو بعث هدية إلى شخص فمات المهدى إليه قبل وصولها .. بقيت على ملك المهدي؛ لحديث النجاشي المذكور، فلو مات المهدي .. لم يكن للرسول حملها إلى المهدى إليه، والظاهر: أن الحكم كذلك لو جن أو أغمي عليه أو حجر عليه بسفه أو فلس، ولو اختلفا في الإذن في القبض .. فالقول قول الواهب.
قال: (فلو مات أحدهما بين الهبة والقبض .. قام وارثه مقامه) أي: في القبض
وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ
ــ
والإقباض، ولا ينفسخ العقد؛ لأنه يؤول إلى اللزوم فلم يتأثر بالموت كالبيع المشروط فيه الخيار.
قال: (وقيل: ينفسخ العقد)؛ لجوازه كالشركة والوكالة.
والجواب: أن هذه العقود لا تؤول إلى اللزوم، بخلاف الهبة، والخلاف جار في جنون أحدهما وإغمائه.
ولو مات الواهب ولا وارث له إلا بيت المال .. يظهر أن الإمام لا يأذن في القبض كما لا يجيز الوصية المتوقفة على الإجازة.
وفي (تحرير الجرجاني): أن هذا الخلاف لا يجرى في الهدية إذا مات المهدي قبل وصولها، بل ينفسخ قولًا واحدًا؛ لعدم القبول، ويشهد له حديث النجاشي المتقدم.
فروع:
باع الواهب ما وهب قبل أن يقبضه المتهب .. صح البيع وبطلت الهبة، ولو أتلف المتهب الموهوب .. لم يصر قابضًا، بخلاف المشتري إذا أتلف المبيع؛ لأن القبض في البيع مستحق، وللمشتري المطالبة به فجعل التمكين قبضًا، وفي الهبة غير مستحق فاعتبر تحقيقه.
ولو أذن الواهب للمتهب في قبض الموهوب قبل الإيجاب والقبول .. لم يصح كما لو شرط البيعان الخيار قبل العقد، وإن أذن له بينهما بأن قال: وهبت لك الدار وأذنت لك في قبضها، فقال المتهب: قبلت .. فعن الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي شيخ صاحب (البيان): أنه لا يصح، وعن القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق: أنه يصح، والفرع شبيه بمزج الرهن بالبيع، وعن نص الشافعي: لو قال: وهبته له
وَيُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ
ــ
وملكه .. لم يكن إقرارًا بلزوم الهبة؛ لجواز أن يعتقد لزومها بالعقد كما قاله مالك، والإقرار يحمل على اليقين.
ولو قال: وهبته له وخرجت إليه منه، فإن كان الموهوب في يد المتهب .. كان إقرارًا بالقبض، وإن كان في يد الواهب .. فلا.
ولو قيل له: وهبت دارك لفلان وأقبضته؟ فقال: نعم .. كان إقرارًا بالهبة والإقباض.
ولو هب من رجل عبدًا بشرط أن يعتقه .. ترتب على القولين في البيع، فإن قلنا: يصح فيه .. ففي الهبة أولى، وإن قلنا: لا يصح .. ففي الهبة وجهان.
قال: (ويسن للوالد العدل في عطية أولاده)؛ كيلا يفضي بهم الميل إلى العقوق.
والمراد بـ (الوالد): الأصل، والأم والجدة والجد كذلك.
وفي (الصحيحين)[خ2586 - م1623]: عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال:(أكل ولدك نحلت مثله؟) قال: لا، قال:(فأرجعه) وفي رواية لهما: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟) قال: نعم، قال:(فلا إذن) وفي رواية لهما: (اتقوا الله وعدلوا بين أولادكم).
وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة وأكثر العلماء.
وقال أحمد وابن حبان: يجب العدل بين الأولاد في العطية إلا إذا اختص أحدهما بمعنى يبيح التفضيل كحاجة أو زمانة أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغال بعلم ونحوه.
ولا خلاف أن التسوية بين الأولاد مطلوبة، حتى في القبلة ينبغي إذا قيل أحدهم أن يقبل الآخر.
واستدل القائلون بجواز التفضيل بقصة أبي بكر لما نحل عائشة جذاذ عشرين وسقًا، وبأن عمر فضل عاصمًا بشيء، وفضل ابن عوف ولد ابن أم كلثوم، وفضل
بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الإِرْثِ
ــ
عبد الله بن عمر بعض ولده على بعض، وفضل القاسم بن محمد بعض ولده على بعض.
وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): لو كان بعضهم فقيرًا وبعضهم غنيًا .. ففي تقديم الفقير على الغني نظر واحتمال، وعبارة المصنف تقتضي: أن ترك المساواة خلاف الأولى، لكن جزم المصنف والرافعي بالكراهة.
وإذا أعطى وعدل .. كره له الرجوع، وكذا إن كان له ولد واحد فوهب منه .. كره له الرجوع إن كان الولد عفيفًا بارًا، وإن كان عاقًا أو كان يستعين بما أعطاه في معصية .. فلينذره بالرجوع، فإذا أصر .. لم يكره الرجوع.
وقال الغزالي: إذا ترك العدل .. كان تاركًا للأحب، فلم يقل: الواجب كما نقله ابن الرفعة وغيره عنه.
وكذلك يسن العدل للولد إذا وهب شيئًا لأبويه، قال الدارمي: فإن فضل .. فضل الأم؛ لحديث: (أن لها ثلثي البر).
ونقل المصنف في (شرح مسلم) في (باب البر والصلة) عن المحاسبي: أنه نقل الإجماع على أن الأم تفضل في البر على الأب.
قال: (بأن يسوي بين الذكر والأنثى)؛ لما روى سعيد بن منصور [293] والبيهقي [6/ 177] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلًا أحدًا .. لفضلت النساء) وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
قال: (وقيل: كقسمة الإرث) وبه قال أحمد فيعطي الذكر مثل حظ الأنثيين كما أعطاهم الله تعالى وهو خير الحاكمين.
وقيل: الأولى أن يفضل الأنثى، حكاه ابن سلامة المقدسي في (شرح
وَلِلأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ،
ــ
المفتاح)، ويرده حديث ابن عباس المذكور.
ولو كان في الأولاد خنثى .. فحكمه كالذكر لا الأنثى، حتى يجري فيه الوجهان، كذا في (نواقض الوضوء) من (شرح المهذب)، والإخوة ونحوهم لا يجري فيهم هذا الخلاف، قال ابن الرفعة: ويحتمل طرده خشية الإيحاش، وقد يفرق بأن المحذور في الأولاد عدم البر وهو واجب، قال: ولا شك أن التسوية بينهم مطلوبة، لكن دون طلبها بين الأولاد.
وقد روى البيهقي في (شبعه)[7929] عن سعيد بن العاصي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده) وفي رواية [7930]: (الأكبر من الإخوة بمنزلة الأب).
فرع:
إذا لم يعدل ووهب بعض أولاده دون بعض من غير معنى يقتضي ذلك .. فعن أحمد أنها باطلة، وعنه أنها صحيحة ويجب أن يرجع، وعندنا هي صحيحة مع الكراهة كراهة تنزيه، والأولى في هذه الحالة أن يعطي الآخرين ما يحصل به العدل، ولو رجع .. فلا بأس.
قال: (وللأب الرجوع في هبة ولده)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما أعطى ولده) رواه الأربعة وصححه الحاكم [2/ 46] وابن حبان [5123].
وقال ابن سريج: لا يرجع إلا إذا قصد بهبته استجلاب بر أو دفع عقوق فلم يحصل، فإن أطلق الهبة ولم يقصد ذلك .. فلا رجوع، والصحيح: الجواز مطلقًا، ولغرابة هذا عن ابن سريج لم يعد وجهًا.
وقال أبو حنيفة: لا رجوع للأب، وعن مالك: إن غب راغب في مواصلة الولد
وَكَذَا لِسَائِرِ الأُصُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ،
ــ
بسبب المال الموهوب فزوج من الابن أو تزوج البنت .. فلا رجوع له، وأصح الروايتين عن أحمد مثل مذهبنا.
واستدل أبو حنيفة لمنع رجوع الأب بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (العائد في هبته ..) ونحوه وأدلة الرجوع أخص وأقوى في المعنى، لاسيما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:(لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما أعطى ولده) فلفظه صريح ما فيه حيلة، ومذهب أبي حنيفة عكس هذا وقال: الوالد لا يرجع وغيره يرجع.
نعم؛ يستحب الرجوع لمن ترك العدل بين أولاده، نقله في (البحر) عن الأصحاب، وحق الرجوع ثابت له على التراخي، فلو أسقطه .. لم يسقط، بل له الرجوع بعد ذلك.
ولا فرق في الولد بين أن يكون غنيًا أو فقيرًا، اتفق دين الوالد والولد أو اختلف، كبيرًا كان الولد أو صغيرًا، وكان الشيخ يتوقف في جواز الرجوع في هبة الولد الصغير؛ إذ لاحظ له في ذلك، ويجوز الرجوع في بعض الموهوب كما له الرجوع في كله كما قاله الرافعي في (باب التفليس).
قال: (وكذا لسائر الأصول على المشهور)؛ لأنه كالأب في الحرمة والاحترام والعتق والنفقة وسقوط القصاص.
والمعنى في تخصيص الأصول بذلك: انتفاء التهمة عنه؛ لما طبع عليه الإنسان من إيثار ولده على نفسه، ولأنه لا يرجع إلا لحاجة أو مصلحة، وقد يرى في وقت أن المصلحة في الرجوع إما بقصد التأديب أو غيره، بخلاف الأجنبي.
وعن القفال الشاشي: أنه لا رجوع للأم؛ لعدم ولايتها، ولأن الخبر إنما ورد في الأب، وقيل: يختص بالأب والأم، وقيل: لكل أصل له ولاية كالأب والجد أبي
وَشَرْطُ رُجُوعِهِ: بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ؛ فَيَمْتَنِعُ بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ،
ــ
الأب، وقيل: ترجع الأم قطعًا وفي غيرها قولان؛ لأن ولادتها متيقنة والولد منها قطعًا، وقيل: يرجع آباء الآباء وفي غيرهم قولان.
ولو وهب لعبد ولده .. رجع، أو لمكاتب ولده .. فلا، وهبته لمكاتب نفسه كالأجنبي، ولو تنازع رجلان مولودًا ووهبنا له .. فلا رجوع لواحد منهما، فإن ألحق بأحدهما .. فالأصح في زوائد (الروضة): الرجوع.
وحكم الرجوع في الهدية حكمة في الهبة، ولو تصدق على ولده فله الرجوع على الأصح المنصوص، كذا قاله الشيخان هنا، وصححا في (باب العارية) وفي (الشرح الصغير) في البابين مقابله؛ لأن القصد بالصدقة التقرب إلى الله فأشبهت العتق، والقصد بالهبة إصلاح الولد وربما كان الإصلاح في الرجوع، والأصح: الأول كما قاله المتولي.
ولو أبرأه من دين .. بني على أن الإبراء إسقاط أو تمليك، إن قلنا: تمليك رجع، وإلا .. فلا.
قال المصنف: ينبغي أن لا يرجع على التقديرين، ومحل الرجوع في الهبة إذا كانت بغير ثواب، فإن شرط فيها الثواب وأثابه الولد .. فلا رجوع له على الصحيح.
ولو وهب من ولده ثم مات الواهب ووارثه أبوه لكون الولد مخالفاً له في الدين .. فلا رجوع للجد الوارث؛ لأن الحقوق لا تورث وحدها، إنما تورث بتبعية الأموال وهو لا يرث.
قال: (وشرط رجوعه: بقاء الموهوب في سلطنة المتهب، فيمتنع ببيعه ووقفه) وهذا لا خلاف فيه؛ لأن الشارع إنما أثبت الرجوع في العين وقد تعذر، ولا يستحق عنها بدلًا؛ لأنها لم تكن بعوض، ويلتحق به ما إذا كاتب العبد أو كانت أمة فاستولدها، كل ذلك يمنع الرجوع، والمراد: بيع كله، فلو باع البعض .. فله
لَا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْوِيجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، وَكَذَا الإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
ــ
الرجوع فيما لم يبع، قاله صاحب (التقريب).
ولو كان الموهوب حبًا فبذره الابن أو بيضًا فأحضنه الدجاج وتعفن الحب وصار البيض دمًا .. خرج عن المالية وامتنع الرجوع حينئذ، فإذا نبت الحب وصار البيض فرخًا .. قال القاضي حسين والرافعي: لا رجوع، واختار الشيخ جواز الرجوع كما يرجع في الخل بعد تخمر العصير؛ لأنه لم يخرج عن سلطنة المتهب.
وإنما عبر المصنف بـ (بقاء السلطنة) لا ببقاء الملك ليحترز بذلك عما لو جنى الموهوب وتعلق الأرش برقبته، أو أفلس المتهب وحجر عليه .. فإن الرجوع يمتنع مع بقاء الملك، فلو عبر ببقاء الملك لورد عليه ذلك.
وشملت عبارته ما لو أبق أو غصب .. فإنه يرجع فيه؛ لبقاء السلطنة.
قال: (لا برهنه وهبته قبل القبض وتعليق عتقه وتزويجها وزراعتها) فكل ذلك لا يمنع الرجوع؛ لبقاء السلطنة، وكذلك الحكم في التدبير والوصية.
وأفهمت عبارته: أنهما إذا قبضا .. امتنع الرجوع، وهو في الهبة لا خلاف فيه، وفي المرهون على الأصح، وقيل: موقوف، فإن انفك الرهن .. بان صحته.
وعلى الصحيح: ينبغي أن يستثنى من ارهن المقبوض: ما إذا كان الأب هو المرهون عنده .. فيشبه أن له الرجوع؛ لأن بيع الرهن من المرتهن جائز؛ إذ الحق له، فكذلك رجوعه.
قال: (وكذا الإجارة على المذهب)؛ لأن العين باقية بحالها كالتزويج، وقال الإمام: إن صح بيع المؤجر .. رجع، وإلا .. فلا، وهذا هو المقابل لقول المصنف:(المذهب).
ولو جنى العبد وتعلق الأرش برقبته .. فهو كالمرهون في امتناع الرجوع، لكن لو
وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ وَعَادَ .. لَمْ يَرْجِعْ فِي الأَصَحِّ.
ــ
قال: أفديه وأرجع فيه .. مكن منه، بخلاف ما لو كان مرهونًا فأراد أن يبدل قيمته ويرجع فيه؛ لما فيه من إبطال تصرف المتهب، كذا قاله الرافعي، والذي قاله القاضي حسين: أن للأب الرجوع، ولا يكون بذلك مختارًا للفداء، بل هو بالخيار إن شاء .. فداه، وإن شاء .. سلمه ليباع في الجناية، واختاره الشيخ، والذي قاله الرافعي سبقه إليه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
ولو تعلق حق غرماء المتهب بماله لإفلاسه والحجر عليه بالفلس .. ففي الرجوع وجهان:
أصحهما: لا رجوع كالمرهون.
والثاني: له الرجوع، واختاره الشيخ أيضاً.
قال: (ولو زال ملكه وعاد .. لم يرجع في الأصح)؛ لأن هذا الملك غير مستفاد منه حتى يزيله ويرجع فيه.
والثاني: يعود؛ لأنه وجد عين ماله عند من له الرجوع فيما وهب منه، والخلاف ينبني على أصل تقدم في البيع، وهو أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد، لكن يستثنى منه: ما إذا ارتد- وقلنا بزوال ملكه- ثم أسلم .. فالأصح: الرجوع، وما إذا وهبه عصيرًا فتخمر وتحلل .. فله الرجوع على المذهب كما تقدم، وكذلك لو هبه صيدًا فأحرم ولم يرسله ثم تحلل، ولو كاتبه ثم عجز .. فله الرجوع؛ لأن الملك الأول لم يزل.
أما أو أشرف على الزوال كما لو ضاع الموهوب من الابن فالتقطه ملتقط وعرفه سنة ولم يتملك فحضر المالك .. فإن العين تسلم إليه، وهل للأب الرجوع؟ قال ابن الرفعة: يشبه أن يخرج على الخلاف في أن المشرف على الزوال هل هو كالزائل؟
وأطلق المصنف الزوال والعود، وفرضه الشيخان فيما إذا عاد بإرث أو شراء وهو
وَلَوْ زَادَ .. رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ المُتَّصِلَةِ لَا المُنْفَصِلَةِ
ــ
صحيح بلا إشكال، وكذلك لو عاد باتهاب، وفي الثلاثة فرضه القاضي أبو الطيب، وذكر ابن الرفعة مع ذلك عوده بالإقالة، وقد يتوقف في ذلك بناءً على أن الإقالة فسخ، وهو الصحيح، فلا يكون العائد ملكًا جديدًا، بل العائد بالفسخ هو الملك الأول؛ لأن الفسخ رفع أثر العقد، وعاد الأمر إلى ما كان عليه، وكذا إذا رد عليه بعيب، فلذلك قال الشيخ: والأفقه في العود بالرد بالعيب والإقالة الرجوع، ولو وهب الابن المتهب الموهوب لابنه أو باعه له .. فلا رجوع للجد على المذهب.
قال: (ولو زاد .. رجع فيه بزيادة المتصلة) كالسمن وتعلم الحرفة وحرث الأرض وتسويتها، كما في الرد بالعيب، وعن القديم وجه: أن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهبة كما في الصداق، قال ابن الرفعة: وللشافعي نص يشهد له، لكنهم لم يفرعوا عليه.
واستثنى ابن أبي الدم من هذا الخلاف: ما إذا وهبها حائلاً ثم رجع وهي حامل .. فإنه يرجع فيها حاملًا قطعًا، وهذا صحيح على قولنا: الحمل لا يعرف، فإن قلنا: يعرف- وهو الأصح- لم يرجع إلا في الأم كما قاله الرافعي وغيره.
نعم؛ يستثنى: ما لو تعلم حرفة؛ فإن الأب لا يفوز بها، بل يكون الابن شريكًا له في الزيادة.
وكذا لو وهبه نخلًا فأطلعت ثمرًا غير مؤبر .. لم يرجع فيه على المذهب لأنه لا معاوضة ولا تراضي كالصداق، قاله في (الحاوي) في (باب بيع الأصول والثمار)، لكن في (الروضة) في (باب التفليس) عن الشيخ أبي محمد ما يقتضي ترجيح التبعية، ولم يحك فيه خلافًا.
قال: (لا المنفصلة) معناه: رجع فيه لا في الزيادة المنفصلة، بل يفوز بها
وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ، أَوِ اسْتَرْجَعْتُهُ، أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي، أَوْ نَقَضْتُ الْهِبَةَ،
ــ
الولد؛ لحدوث ذلك على ملكه، ومن هنا يعلم أن الرجوع في الهبة قطع للملك من حينه لا من أصله كما هو الصحيح في الرد بالغيب.
ولو كان الموهوب ثوبًا فصبغه الابن .. رجع الأب في الثوب، والابن شريك في الصبغ، ولو قصره، أو كانت حنطة فطحنها، أو غزلاً فنسجه، فإن لم تزد قيمته .. فللأب الرجوع ولا شيء للابن، وإن زادت، فإن قلنا: القصارة عين .. فالابن شريك، وإن قلنا: أثر .. فلا شيء له.
وإذا وهبه حاملاً ورجع قبل الوضع .. رجع فيها حاملاً، وإن رجع بعد الوضع، فإن قلنا: الحمل يعرف: رجع في الأم، وإن قلنا: لا يعرف .. اختص الرجوع بالأصل.
وإذا وطئ الابن الموهوبة .. قال ابن القطان: لا رجوع وإن لم تحبل؛ لأنها حرمت على الأب، والصحيح: ثبوت الرجوع، ولو نقص الموهوب .. رجع فيه الأب نقصاً، وليس على الابن أرش النقصان.
قال: (ويحصل الرجوع برجعت فيما وهبت، أو استرجعته) أو وهبته (أو رددته إلى ملكي، أو نقضت الهبة) وما أشبه ذلك كأبطلتها أو فسختها؛ لدلالتها على المقصود، وهل هي صرائح أو كنايات؟ وجهان.
ويحصل الرجوع بالكناية مع النية وإن قلنا: لا تنعقد الهبة بها، والرجوع هناك كرجوع البائع عند فلس المشتري، فما كان رجوعًا ثم .. فهو رجوع هنا، ولا يصح إلا منجزًا، فلو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد رجعت .. لم يصح؛ لأن الفسوخ لا تقبل التعليق، ولا يحصل الرجوع بالنية قطعًا.
لَا بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ وَهِبَتِهِ وَإِعْتَاقِهِ وَوَطْئْهَا فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (لا يبيعه ووقفه وهبته وإعتاقه ووطئها في الأصح) الخلاف عائد إلى المسائل الخمس، والمقصود: أنه إذا لم يرجع باللفظ ولكن أتى بهذه الأشياء .. فوجهان:
أحدهما: أنها رجوع، كما أن هذه التصرفات في زمن الخيار فسخ للبيع، وهذا أصح عند الفوراني وصاحب (البيان)، وبه أفتى الغزالي.
والثاني: المنع، وهو الأصح عند الجمهور؛ لكمال ملك الابن بدليل نفوذ تصرفه.
وفي وجه ثالث: أنه رجوع ولا ينفذ.
وينبغي أن يأتي وجه رابع: أنه إن نوى به الرجوع .. كان رجوعًا، وإلا .. فلا كما في زمن الخيار، فعلى الصحيح: تلزمه بالإتلاف القيمة ويلغو الإعتاق وعلي بالوطء مهر المثل وبالاستيلاد القيمة، ولا خلاف أن الوطء حرام على الأب وإن قصد به الرجوع في الهبة؛ لاستحالة إباحة الوطء لشخصين، وحيث ثبت له .. لا يفتقر إلى قضاء القاضي، وإذا رجع ولم يسترد المال .. فهو أمانة في يد الولد، بخلاف المبيع في يد المشتري بعد فسخ البيع؛ لأن المشتري أخذه على حكم الضمان.
ولا خلاف أن المتهب يستبيح الوطء قبل الرجوع، ثم إذا لم يجعل وطء الأب رجوعًا .. فعليه بالوطء مهر المثل وبالاستيلاد القيمة.
وإن جعلناه رجوعاً .. فهل يقدر انتقال الملك إليه قبله أو معه حتى لا يلزمه المهر أو بعده فيلزمه؟ فيه ثلاثة احتمالات في (المطلب) مستنبطة مما إذا وطئ جارية الابن وأحبلها وأثبتنا الاستيلاد.
وإذا باع الولد العين فادعى الأب: أنه رجع قبل البيع .. لم يقبل، ويحتاج إلى بيان.
وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الأُصُولِ فِي هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ. وَمَتَى وَهَبَ مُطْلَقًا .. فَلَا ثَوَابَ إِنْ وَهَبَ لِدُونِهِ،
ــ
ولو وهب من أبيه شيئا ثم جن .. لم يكن لوليه الرجوع قطعًا.
ولو حجر عليه بسفه .. كان له به الرجوع في زمن الحجر، لا بالفلس على الأصح.
ولا يصح الرجوع إلا منجزًا، فلو قال: إذا جاء الشهر فقد رجعت .. لم يصح، قال المتولي: لأن الفسوخ لا تقبل التعليق.
قال: (ولا رجوع لغير الأصول) هذا لا خلاف فيه عندنا، إنما خالف فيه أبو حنيفة.
قال: (في هبة مقيدة بنفي الثواب)؛ لظاهر الحديث السابق، وكالمتصدق، قال الشيخ: ومقصوده بهذا: بيان محل ما تقدم الكلام فيه، وليس لنا هبة لا ثواب فيها متفق عليها إلا هبة الأعلى للأدنى كما سيأتي.
وأفهمت عبارته: صحة الهبة إذا قيدت بنفي الثواب، وهو الأصح.
فرع تعم به البلوى:
أقر الأب أن هذه العين ملك ابني وهي في يدي أمانة، ثم ادعى بعد ذلك أن المقر به كان نحلة وقد رجع فيه وكذبه الولد .. ففي المصدق منهما وجهان:
قال الأكثرون: المصدق الولد؛ لأن الأصل بقاء ملكه ولا رجوع للأب.
وأفتى القاضي أبو الطيب والماوردي والهروي بمقابلة، وصححه المصنف؛ لأن الإقرار المطلق ينزل على أضعف السببين، وهو هنا الهبة، كما ينزل على أقل المقدارين، ورجح ابن الرفعة الأول وقال: يعارض أضعف السببين هنا كون الأصل بقاء الملك، فهذا الأصل عضد أقوى السببين فعمل به.
قال: (ومتى وهب مطلقاً .. فلا ثواب إن وهب لدونه) أي: في الرتبة كالإمام للرعية؛ لأنه لا يقتضيه اللفظ ولا العادة، وألحق الماوردي بذلك هبة الغني للفقير؛ لأن المقصود نفعه، وهب المكلف لغيره؛ لعدم صحة الاعتياض منه، وهبة الأهل
وَكَذَا الأعْلَى مِنْهُ فِي الأَظْهَرِ، وَلِنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. فَإِنْ وَجَبَ .. فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
والأقارب؛ لأن المقصود الصلة، وهبة العدو؛ لأن المقصود التألف، والهبة للعباد والزهاد؛ لأن المقصود بها التبرك، وكذا الهبة لمن أعان بجاه أو مال فهذه الأنواع لا ثواب فيها.
قال: (وكذا الأعلى منه في الأظهر) كهبة الرعية من السلطان، كما لو أعاره داراً .. لا يلزم المستعير شيء، فكذلك الهبة إلحاقًا للأعيان بالمنافع، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
والثاني- وبه قال مالك-: يجب الثواب لاطراد العادة به، ولقوله صلى الله عليه وسلم لسلمان:(إنا نقبل الهدية ونكافئ عليها).
وأصل الخلاف: أن العادة المقررة هل تنزل منزلة الشرط؟ في ذلك قولان، وقيل: محلهما إذا نوى الثواب، وإلا .. لم يستحقه قطعًا، والهدية كالهبة في جميع ذلك، كذا جزم به الشيخ تبعًا للدارمي والبندنيجي في (باب الشفعة)، وعبارة المصنف الظاهر أنها كالهبة، وأما الصدقة .. فثوابها عند الله لا على المتهب قطعًا، كذا ذكره المصنف في (زوائده) وهو في (الشرح).
قال: (ولنظيره على المذهب)؛ لأن المقصود من مثله الصلة وتأكد الصداقة.
والطريق الثاني: طرد القولين السابقين.
والثالثة: إن قصده الواهب .. استحقه، وإلا .. فقولان.
قال: (فإن وجب) أي: الثواب (.. فهو قيمة الموهوب في الأصح)؛ لأن العقد إذا اقتضى العوض ولم يسم .. وجبت فيه القيمة كالنكاح، وعلى هذا: الأصح: قيمة يوم القبض وبه قال مالك، وقيل: يوم الثواب، وعبارة (الشرح) و (الروضة): قدر قيمة الموهوب، فأسقط المصنف لفظة قدر من (المنهاج) فأوهم تعين النقد وليس كذلك؛ لأنه لا يتعين للثواب جنس، بل الخيرة إلى الواهب، ويقابل الأصح أوجه:
فَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ .. فَلَهُ الرُّجُوعُ
ــ
قيل يثيبه إلى أن يرضى الواهب؛ لما روى الترمذي [3945] وأحمد [2/ 292] وابن حبان [6382] عن أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة .. فعوضه منها ست بكرات فسخطه، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر:(إن رجالاً من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه منها بقدر ما عندي ثم يسخطه، وايم الله! لا أقبل بعد مقامي ها من رجل من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي) زاد أبو داوود [3531]: (أو مهاجري).
والثالث: ما يعد ثوابًا لمثله عادة، وصححه صاحب (الإشراف) والفارقي وابن أبي عصرون.
والرابع: ما يتمول وإن قل؛ لوقوع اسم الثواب عليه، وبه قال أبو حنيفة، فإذا أتى به أكثر منه فهل يقع الجميع ثوابًا أو ثوابًا وتبرعًا؟ خرجه في (المطلب) على تطويل الركوع ونظائره، والصواب: أن الخلاف أقوال كما صححه في (تنقيح الوسيط)، قال: وكذا حكاه جمهور العراقيين، وهم أعرف بالنصوص.
قال: (فإن لم يثبه .. فله الرجوع)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من وهب هبة .. فهو أحق بها ما لم يثب منها) صححه الحاكم [2/ 52]، ولأنه لم يحصل له ما طمع فيه، ويكون ذلك قطعًا للملك من حينه لا من أصله كما تقدم في رجوع الوالد في هبة ولده.
وعلى هذا: لا تلزم المتهب الإثابة، بل إن أراد .. أثاب واستقر ملكه، وإن أراد .. رد، فإن لم يثب .. فللواهب أن يرجع فيما وهب، وزوائده المتصلة للواهب في الأصح، والمنفصلة للمتهب، وقيل: له إمساكه وبذل قيمته بلا زيادة.
كل هذا إذا كان الموهوب باقيًا، فإن تلف .. ضمن بالقيمة في الأصح، يجريان في تغريمه أرش النقص، فلو أراد الواهب الرجوع والمتهب الإثابة .. أجيب المتهب، صرح به الدارمي، فإن تمانعا .. أجبر المتهب على رد الهبة أو الإثابة.
وَلَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ .. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَيَكُونُ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ مَجْهُولٍ .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ
ــ
فرع:
أهدى لرجل شيئًا على أن يقضي له حاجة أو يخدمه فلم يفعل .. وجب عليه ردها إن كانت باقية، أو بدلها إذا تلفت، قاله الإصطخري في (أدب القضاء).
قال: (ولو وهب بشرط ثواب معلوم .. فالأظهر: صحة العقد) نظرًا للمعنى؛ فإنه معاوضة بمال معلوم فصح كما لو قال: بعتك.
والثاني: المنع نظرًا للفظ، وهما كالوجهين فيما إذا قال: بعتك بلا ثمن هل ينعقد هبة أو يبطل؟ وكالوجهين فيما إذ قال: قارضتك والربح كله لك أو لي.
قال: (ويكون بيعًا على الصحيح) ملاحظة للمعنى، فتثبت فيه أحكام البيع عقب العقد كالشفعة وثبوت الخيار ولزوم القبض، ويقابله: أنه هبة مراعاة للفظ فتثبت فيه أحكامها.
وحصله: ثبوت الخيار على الصحيح، وهو خلاف ما صحح في (باب الخيار) وقد تقدم بيانه في، وعلى القولين معًا: لو وهب درهمًا بشرط ثواب درهمين .. لم يجز؛ لأنه ربًا.
قال: (أو مجهول) أي: بشرط ثواب مجهول (.. فالمذهب: بطلانه)؛ لأنه خالف موجب الهبة بالعوض والبيع بجهالة العوض.
مهمة:
قال: وهبتك ببدل فقال: بل بغير بدل وقلنا: مطلق الهبة لا يقتضي ذلك .. فالأصح في (البحر): أن القول قول الواهب، والأصح في زوائد (الروضة): أن القول قول المتهب، وله نظيران يشهدان بصحته:
أحدهما: إذا قال السيد لعبده: أعتقتك على ألف أو بعتك نفسك بها وطالبه بها
وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ .. فَهُوَ هَدِيَّةٌ أَيْضاً، وَإِلَاّ .. فَلَا وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلَاّ فِي أَكْلِ الْهَدِيَّةِ مِنْهُ إِنِ اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ.
ــ
فأنكر العبد وحلف .. سقط المال وحكم بالعتق.
الثاني: إذا قال الزوج: خالعتك بألف وأنكرت المرأة .. حصلت البينونة ولا شيء عليها كما جزم به الرافعي في بابه.
قال: (ولو بعث هدية في ظرف؛ فإن لم تجر العادة برده كقوصرة تمر .. فهو هدية أيضًا) تحكيمًا للعادة، ومثله علب الفاكهة والحلوى.
وقوله: (بعث هدية) أنكره الحريري في (الدرة)، قال: والصواب: بعث بهدية؛ لقوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية} ، أي: مرسلة رسلاً بهدية، وغير الحريري أجاز الأمرين جميعًا، لكن الأحسن ما في القرآن.
و (القوصرة) بتشديد الراء وقد تخفف: وعاء من خوض يكنز فيه التمر، قال الراجز:
أفلح من كانت له قوصرة .... يأكل منها كل يوم مرة
ولا تسمى بذلك إلا وفيها التمر، وإلا .. فهي زنبيل أو مكتل.
قال: (وإلا .. فلا) بل تكون أمانة في يده كالوديعة للعرف، ويستحب في هذه الحالة الإسراع برد الوعاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(استديموا الهدية برد الظروف).
قال: (ويحرم استعماله)؛ لأنه انتفاع بملك الغير بغير إذنه.
قال: (إلا في أكل الهدية منه إن اقتضته العادة) قال البغوي: ويكون في هذه الحالة عارية.
تتمة في مسائل تتعلق بالكتاب:
لا يحصل الملك بالقبض في الهبة الفاسدة، وهل المقبوض منها مضمون كالبيع الفاسد أم لا كالهبة الصحيحة؟ وجهان، ويقال: قولان: أصحهما في زوائد (الروضة): لا ضمان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال المتولي: وإذا حكمنا بفساد الهبة فسلم المال بعد ذلك هبة، فإن كان يعتقد فساد الأولى .. صحت الثانية، وإلا .. فوجهان بناء على من باع مال أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا.
ويكره للإنسان أن يرجع فيما وهبه من غيره.
وتحرم المسألة على الغني وإن حلت له الصدقة، إلا لمن تحمل حمالة .. فتحل.
وإن قال: تصدقت عليك بالمال الذي لي عليك .. صح وكان إبراء بلفظ الصدقة؛ لقوله تعالى: {ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} ، وقوله:{فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا} ، والمراد في الآيتين: الإبراء.
وروي عن ابن عباس: (من أهديت إليه هدية وعنده ناس .. فهم شركاؤه فيها) وروي مرفوعًا، والموقوف أصح، وبه قال أبو يوسف في المأكول ونحوه.
وفي الحديث الصحيح: (ما أتاك من هذا المال من غير سؤال واستشراف .. فخذه) فلذلك قال ابن حزم بوجوبه.
وقال في (الإحياء): لو طلب إنسان من غيره أن يهبه مالًا في ملأ من الناس فاستحيى منه فأعطاه ولو كان في خلوة ما أعطاه .. لم يحل ذلك للموهوب له كالمصادر؛ لأن سياط القلب آلم من سياط البدن، قال: وكذا كل من وهب له شيئاً لاتقاء شره أو سعايته.
أرسل كتابًا إلى غائب أو حاضر .. قال المتولي: هو هدية يملكه المكتوب إليه، وصححه المصنف، وقال آخرون: يبقى على ملك الكاتب وللمكتوب إليه الانتفاع به على وجه الإباحة، فلو كتب إليه أن اكتب الجواب على ظهره .. لم يملكه وعلي رده، ولم يملك التصرف فيه قطعًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويكره للإنسان أن يشتري ما وهب من غيره.
ولو دفع إليه ثوبًا بنية الصدقة فأخذه المدفوع إليه ظاناً أنه عارية أو وديعة فرده على الدافع .. لا يحل للدافع قبضه؛ لخروجه عن ملكه اعتبارًا بنيته، فإن قبضه .. لزمه دفعه إلى المدفوع إليه.
ولو وهب وأقبض ومات فادعى الوارث كون ذلك في المرض وادعى المتهب كونه في الصحة .. فالمختار: أن القول قول المتهب.
فائدة:
روى البزار في (مسنده)[1413] والدارقطني في أكبر معاجمه والبيهقي في (شعبه)[6052] عن عمار بن ياسر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها؛ للشاة التي أهديت له بخيبر مسمومة) ورواه أبو القاسم بن عساكر في (تاريخه)[22/ 148] كذلك في ترجمة مسلم بن قتيبة، وهو أصل لما يفعله الملوك والأمراء في ذلك، ويلتحق بهم من في معناهم، وقد استشكل هذا الحديث بقوله تعالى:{والله يعصمك من الناس} .
وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أنه كان قبل نزول الآية.
والثاني: أن العصمة لا تنافي تعاطيه لأسبابها، كما أن إخباره تعالى أن يظهره على الدين كله لا ينافي جهاده وأمره بالقتال، فمن تام التوكل سلوك الأسباب والاعتماد على رب الأرباب.
* * *
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة في بر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالوعد
فأما بر الوالدين .. فمأمور به، وعقوق كل منهما كبيرة، وبرهما هو الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما مما ليس منهيًا عنه شرعًا، ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما، ففي (صحيح مسلم) [2552]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه).
وأما عقوقهما .. فهو كل فعل يتأذى به الوالد تأذيًا ليس بالهين مع أنه ليس بواجب، وقيل: تجب طاعتهما في كل ما ليس بحرام، وتوقف الشيخ عز الدين في ضابط العقوق.
قال الغزالي: وإذا كان في مال أحد أبويه شبهة ودعاه للأكل منه .. فليتلطف في الامتناع، فإن عجز .. فليأكل، وليقلل بتصغير اللقمة وتطويل المضغة، قال: وكذلك إذا ألبسه ثوبًا من شبهة وكان يتأذى برده .. فليقبله، وليلبسه بين يديه وينزعه إذا غاب، ويجتهد أن لا يصلي فيه إلا بحضرته.
وأما صلة الرحم .. فمندوب إليها، وهي: فعلك مع قريبك ما تعد به واصلاً غير مناقر ومقاطع له، ويحصل ذلك تارك بالمال، وتارة بقضاء حاجته أو خدمته أو زيارته، وفي حق الغائب بنحو هذا وبالمكاتبة وإرسال السلام إليه ونحو ذلك مما يسمى في العرف صلة.
وأما الوفاء بالوعد .. فمستحب في الهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه هبة لا تلزم إلا بالقبض.
قال الغزالي: وإخلاف الوعد إنما يكون كذبًا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوفاء به، أما لو كان عازمًا عليه ثم بدا له فليس بكذب، ويستحب أن يعقب الوعد وغيره من الأخبار المستقبلة بقوله: إن شاء الله؛ ليخرج عن صورة الكذب.
* * *
فهرس الكتاب
كتاب الشركة
7
كتاب الوكالة
23
فصل: فيما يجب على الوكيل في الوكالة المطلقة والمقيدة بالبيع
42
فصل: فيما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة بأجل
52
فصل: في أن الوكالة عقد جائز
63
كتاب الإقرار
79
فصل: في الصيغة
91
فصل: في بقية شروط أركان الإقرار
95
فصل: في بيان أنواع من الإقرار
108
فصل: في الإقرار بالنسب
123
كتاب العارية
139
فصل: في بيان أن عقد العارية من العقود الجائزة
153
كتاب الغصب
167
فصل: في بيان ما يضمن به المغصوب
177
فصل: في اختلاف المالك والغاصب
195
فصل: فيما يطرأ على المغصوب من زيادة وغيرها
206
كتاب الشفعة
221
فصل: فيما يؤخذ به الشقص
235
كتاب القراض
257
فصل: في أحكام القراض
269
فصل: في بيان أن القراض جائز من الطرفين
280
كتاب المساقاة
291
فصل: فيما يشترط في عقد المساقاة
301
كتاب الإجارة
317
فصل: في بيان شروط المنفعة
342
فصل: في الاستئجار للقرب
353
فصل: فيما يجب على مكري دار أو دابة
359
فصل: في الزمن الذي تقدر به الإجارة
368
فصل: فيما تنفسخ به الإجارة
384
كتاب إحياء الموات
407
فصل: في بيان أحكام المنافع المشتركة
426
فصل: في أحكام الأعيان المستفادة من الأرض
436
كتاب الوقف
453
فصل: في أحكام الوقف اللفظية
492
فصل: في أحكام الوقف المعنوية
504
فصل: في بيان النظر على الوقف وشرط الناظر
519
كتاب الهبة
535
فهرس الكتاب
573
* * *