الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ:
الأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَيْ: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيِّيْنَ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
ــ
وقف على المدرس والمعيد والفقهاء بمدرسة كذا .. نزل على ما يقتضيه العرف من التفاوت بينهم وبين الفقيه والأفقه، وكذلك ينزل على إلقاء المدرس في الغدوات فلا يكفي إلقاؤه ليلاً ولا عشية.
وقال في (أماليه): إذا وقف على من يصلي الصلوات الخمس في هذا المسجد، أو على من يشتغل بالعلم في هذه المدرسة، أو يقرأ كل يوم في هذه التربة كذا، فأخل الإمام أو المشتغل أو القارئ بهذه الوظائف في بعض الأيام .. لم يستحق شيئاً من المعلوم في مقابلة الأيام التي أدى فيها الوظيفة، بخلاف ما إذا استأجره لخياطة خمسة أثواب فخاط بعضها .. فإنه يستحق حصته من الأجرة، قال: والفرق أنا نتبع في الأعواض والعقود والمعاني وفي الشروط والوصايا الألفاظ، والوقف من باب الإرصاد والإرزاق والمعاوضات، فمن أخل بشيء من الشرط .. لم يستحق شيئاً؛ لانتفاء شرط الاستحقاق.
قال: ولو شرط واقف المدرسة ألا يشتغل بها المعيد أكثر من عشر سنين فمضت ولم يكن في البلد معيد غيره .. جاز استمراره وأخذ الجامكية؛ لأن العرف يشهد أن الواقف لم يرد شغور مدرسته، وإنما أراد أن ينتفع هذا مدة.
قال: وكذا الحكم في كل شرط شهد العرف بتخصيصه.
قال: (فصل):
عقده لأحكام الوقف المعنوية، وهي الثابتة له من الشارع لا بإثبات الواقف.
قال: (الأظهر: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى، أي: ينفك عن اختصاص الآدميين فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه) كالعتق والصدقة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ،
ــ
والثاني- وبه قال مالك-: لا ينتقل، بل هو باق على ملك الواقف؛ لأنه حبس الأصل وسبل الثمرة وذلك لا يوجب زوال ملكه، ولهذا تتبع شروطه.
والثالث- وبه قال أحمد-: ينتقل إلى الموقوف عليه كالصدقة.
والرابع- وهو أضعفها-: إن كان الوقف على معين .. فهو ملك الموقوف عليه بلا خلاف، أو على جهة عامة .. فالملك فيه لله بلا خلاف، واختاره الغزالي.
والخامس: مثله إلا أنه إن كان على معين .. ففيه الخلاف، حكاه الماوردي.
قال الرافعي: كل هذا فيما سوى وقف التحرير، أما وقف التحرير كالمسجد .. فالملك فيه لله بلا خلاف، بمعنى انقطاع الآدميين عنه، وألحق به ابن الرفعة الربط والمدارس، والوقف على ذلك أوسع من الوقف على المسلمين.
فإن قيل: سيأتي في (الشهادات) أن الوقف يثبت بشاهد ويمين، وهو مخالف للمصحح هنا من أنه ملك لله؛ فإن حقوق الله تعالى لا تثبت إلا برجلين .. فالجواب: أن معنى الملك هنا: انفكاك حقوق الآدميين عنه كما تقرر، فهو كالعتق من غير نظر إلى جانب المالك، ولذلك أشار إليه المصنف بـ (أي) التفسيرية؛ أي: هذا معنى الانتقال إلى الله تعالى، وإلا .. فجميع الموجودات له في كل الأوقات، بل قال إمام الحرمين في كتاب (الشامل): لا يتصور في حق العباد ملك الرقاب وإن أطلق توسعاً وتجوزاً؛ إذ المالك في الحقيقة هو الله تعالى.
قال: (ومنافعه ملك للموقوف عليه) يتصرف فيه تصرف الملاك في الأملاك، لكن يستثنى منه: وقف المسجد والبئر والمقبرة ونحوها، فللواقف أن صلي ويستقي ويدفن ويكون كأحدهم بالاتفاق كما فعل عثمان في بئر رومة، فإنه سبلها وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين، رواه النسائي والترمذي وقال: حسن.
قال: (يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة) بالاتفاق وإن قلنا الملك في الرقبة لله؛ لأن ذلك مقصود الواقف، وهذا ما لم يشترط نفي الإجارة، فإن اشترط نفيها .. امتنع كما سبق.
وفهم من تجويز الإعارة: تجويز الإجارة بدون أجرة المثل من باب أولى.
وَيَمْلِكُ الأُجْرَةَ
ــ
هذا إذا كان الوقف مطلقا، فإذا قال: وقفت داري ليسكنها معلم الصبيان في هذه القرية .. فللمعلم أن يسكنها وليس له أن يسكنها غيره بأجرة ولا بغيرها، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قول المصنف:(والأصح: أنه إذا وقف بشرط أن لا يؤجر اتبع).
ولو قال: وقفت داري على أن تستغل وتصرف غلتها إلى فلان .. تعين الاستغلال ولم يجز أن يسكنها كما أفتى به القفال وغيره، وقوة كلام المصنف تعطي أن الموقف عليه يؤجر، والصحيح: منعه إلا أن يكون ناظراً أو أذن له في ذلك.
فرع:
إذا حصل في استيفاء المنفعة من الموقوف عليه نقص من عين الوقف كرصاص الحمام، إذا استوفى الموقوف عليه الأجرة .. لزمه قيمة ما أذهبته النار من الرصاص مما قبضه من الأجرة وصرفه في مثله، قاله في (المطلب) تفقهاً، وعمل الناس عليه.
إذا حصل في استيفاء المنفعة من الموقوف عليه نقص من عين الوقف كرصاص الحمام، إذا استوفى عليه الأجرة .. لزمه قيمة ما أذهبته النار من الرصاص مما قبضه من الأجرة وصرفه في مثله، قاله في (المطلب) تفقهاً، وعمل الناس عليه.
وإذا وقف ثوراً للإنزاء .. جاز، ولا يجوز استعماله في الحراثة، ولا يجوز ذبح البهيمة المأكولة الموقوفة وإن خرجت عن الانتفاع، كما لا يجوز إعتاق العبد الموقوف، لكن لو صارت بحيث يقطع بموتها .. قال المتولي: تذبح للضرورة، وفي لحمها طريقان: أشهرهما: يشترى بثمنه بهيمة من جنسها وتوقف.
والثاني: البناء على أقوال الملك، فإن قلنا: للواقف أو الموقوف عليه .. صرف لهما، وإن قلنا: لله تعالى .. فعل فيه الحاكم ما رآه مصلحة.
قال: (ويملك الأجرة) كما لو أجر ملكه، وتصرف إليه الأجرة في الحال، فلو أجر الناظر الوقف سنين بأجرة معجلة .. فظاهر إطلاق المصنف: صرفها إليه في
وَفَوَائِدَهُ كَثَمَرَةٍ وَصُوفٍ وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ فِي الأَصَحِّ. وَالثَّانِي: يَكُونُ وَقْفاً
ــ
الحال وإن احتمل عدم بقائه لمدة إجارتها، وبه صرح ابن الرفعة وقال: نبهت على ذلك؛ لأن بعض من أدركت من القضاة العلماء كان يمنعه من التصرف في جميع الأجرة، ولا يصرفها له جملة خشية انتقالها لغيره، وبهذا صرح القفال في (الفتاوى) فقال: لو وقف على أولاده ثم نسلهم ثم الفقراء فأوجر عشر سنين مثلا وأخذت الأجرة .. لم يجز للقيم أن يعجل لهم الأجرة، وإنما يعطي بقدر ما مضى من الزمان، فإن دفع أكثر فمات أحد .. فعلى القيم الضمان، وقد تقدمت المسألة في أواخر (باب الإجارة).
قال: (وفوائده) أي: ويملك فوائده (كثمرة وصوف ولبن)؛ لأن الوقف لذلك ينشأ، فإن كان الموقوف شجرة .. ملك ثمارها، ولا يملك أغصانها إلا فيما يعتاد قطعه كأغصان الخلاف فإنها كثمار غيرها، وإن كان بهيمة .. ملك الصوف والوبر واللبن والريش والبيض؛ لأن ذلك مقصود الوقف.
هذا فيما حديث بعد الوقف، أما الموجود حالة الوقف .. فهو للواقف إذا كانت الثمرة مؤبرة، فإن لم تكن مؤبرة .. فقولان.
هذا إذا أطلق الوقف أو شرطه للموقوف عليه، فإن وقف دابة على ركوب إنسان ولم يتعرض لصوفها ولا لبنها .. فالمذهب: أنه للواقف.
ولو جعل الركوب لشخص والصوف واللبن لآخر .. اتبع بلا خلاف، وأما الأكساب .. فيملك المعتاد منها والنادر كما سيأتي في مهر الموطوءة، لكن المرجحة في الموصى بمنفعته أنه يملك المعتاد خاصة، والفرق قوة الملك هنا.
قال: (وكذا الولد في الأصح) كاللبن والثمرة، ولا يخفى أن المراد: الولد الحادث، أما غير الحادث .. فإن الخلاف فيه مرتب، وأولى بالدخول كما تقدم.
[قال]: (والثاني: يكون وقفاً)؛ تبعاً لأمه كولد الأضحية.
وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ .. اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا. ولَهُ مَهْرُ الْجَارِيَةِ إِنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِنْ صَحَّحْنَاهُ،
ــ
وقال السرخسي: الخلاف في ولد الفرس والحمار، أما ولد النعم .. فيملك قطعاً؛ لأن المقصود منها الدر والنسل.
وقيل: يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف إلى أن يصرح بخلافه، وخص ابن أبي هريرة الخلاف بغير المحبس في سبيل الله، قال: فأما الفرس المحبس فيه .. فولده وقف كأصله، وقد تقدم في (زكاة التجارة) حكم الولد في غالب أبواب الفقه.
قال: (ولو ماتت البهيمة .. اختص بجلدها)؛ لأنه أولى به من غيره، فلو دبغه .. ففي عوده وقفاً وجهان: رجع المتولي أنه يعود وقفاً.
هذا إذا أطلق، فإن خصه ببعض المنافع .. فلا.
قال في (الدقائق): وعبرت بالاختصاص؛ لأن النجس لا يوصف بأنه مملوك. اهـ
وقد حكى الماوردي فيه أوجها: ثالثها: يوصف به ما كان أصله ملكاً كالميتة، بخلاف الكلب ونحوه.
قال: (وله مهر الجارية إن وطئت بشبهة) كاللبن والثمرة، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (أو نكاح إن صححناه)؛ لأن المهر من جملة الفوائد، وهذا لا خلاف فيه أيضاً، ولأن المهر سبيله سبيل الأكساب، ولأن الوقف يقتضي تملك المنافع المعتادة، ومنفعة البضع ليست منها، والأصل في ذلك: أن وطء الجارية الموقوفة لا يجوز للواقف ولا للموقوف عليه بلا خلاف ولو قلنا: الملك فيها لهما؛ لأنه ملك ضعيف.
وإن وطئت .. فلها أحوال:
أحدها: أن يطأها أجنبي، فإن لم تكن هناك شبهة .. لزمه الحد والولد رقيق، فإن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت مكرهة .. فلها المهر، ثم هو للموقوف عليه، وكذا لو طاوعت وهي ممن لا تعتبر مطاوعتها، بخلاف ما لو كانا زانيين .. فلا مهر على الأصح.
وإن كان شبهة .. فلا حد ويجب المهر والولد حر وعليه قيمته، ويكون ملكاً للموقوف عليه.
الحال الثاني: أن يطأها الموقوف عليه، فإن لم تكن شبهة .. قيل: لا يحد لشبهة الملك، والأصح: بناؤه على أقوال الملك؛ إن لم نملكه .. حد، كما لو وطئ الموصى له بالمنفعة الجارية، وهل الولد ملك أو وقف؟ فيه وجهان كذا قاله الرافعي هنا، وقال في الموصى له بالمنفعة: إن وطئ .. لم يحد، وفيه وجه: أنه يحد، واختصره في (الروضة) فقال: لم يحد على الصحيح المشهور، وقيل: يحد كالمستأجر، وهذا يناقض ما صححه الرافعي هنا.
وإن وطئ بشبهة .. فلا حد والولد حر ولا قيمة عليه، ولا تصير الجارية أم ولد على الصحيح فيهما.
الثالث: أن يطأها الواقف، فإن لم يكن الوطء شبهة .. قال الرافعي: فهو على أقوال الملك:
إن لم نجعل الملك له .. فعليه الحد- قال الشيخ: ويحتمل أن لا يحد لشبهة الملك- والولد رقيق، وفي كونه ملكاً أو وقفاً الوجهان، ولا تكون الجارية أم ولد له.
وإن جعلنا الملك له .. فلا حد، وفي نفوذ الاستيلاء إن أولدها الخلاف في استيلاء الراهن؛ لتعلق حق الموقوف عليه بها، وهذا أولى بالمنع.
وإن وطئ بشبهة .. فلا حد والولد حر نسيب، وعليه قيمته كما تقدم، وفيما يفعل بها الوجهان، وتصير أم ولد له، تعتق بموته إن ملكناه، وتؤخذ قيمتها من
وَهُوَ الأَصَحُّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا أُتْلِفَ، بَلْ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ لِيَكُونَ وَقْفاً مَكَانَهُ،
ــ
تركته، وفيما يفعل بها الخلاف، وسكت الرافعي عن المهر، والظاهر: وجوبه إذا لم نملكه وكان الوطء بشبهة.
قال: (وهو الأصح) أشار به إلى أن في تزويج الأمة الموقوفة وجهين:
أصحهما: الجواز؛ تحصيناً لها وقياساً على إجارتها.
والثاني: المنع؛ لما فيه من النقص، وربما ماتت من الطلق فيفوت حق البطن الثاني، فعلى الأصح: ولاية تزويجها مخرجة على أقوال الملك، إن قلنا: للموقوف عليه .. زوجها بغير إذن غيره، كذا أطلقه الرافعي وغيره، وقيد في (المطلب) بما إذا كان النظر في الوقف له، أما إذا كان مشروطاً للواقف أو الأجنبي .. فيكون الناظر الحاكم، ويستشير الموقوف عليه لا الواقف، وإن قلنا: الملك للواقف .. زوجها، ولا يتوقف على وصي الحاكم، وفي توقفه على رضا الموقوف عليه وجهان: أصحهما: نعم، ولو طلبت التزويج .. كان لهم الامتناع على المذهب كغيرها.
وصورة المسألة: أن يقفها على أن يكون كسبها للموقوف عليه أو يطلق.
وليس للموقوف عليه أن يتزوج الموقوفة إن قلنا: إنها ملكه، وإلا .. فوجهان: أصحهما: المنع احتياطاً، ولهذا لو وقفت على الإنسان زوجته .. انفسخ النكاح.
قال: (المذهب: أنه لا يملك قيمة العبد الموقوف إذا أتلف، بل يشتري بها عبد ليكون وقفاً مكانه) إذا قتل العبد الموقوف، فإن تعلق بقتله قصاص .. استوفاه من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حكم له بملكه من الواقف أو الموقوف عليه، وإن قلنا: لله تعالى .. استوفاه الحكم، وإن لم يتعلق بقتله قصاص .. فله أحوال:
أحدهما: أن يقتله أجنبي .. فيلزمه قيمته، وفي مصرفها طريقان:
أحدهما: أن تصرف ملكاً لمن حكمنا له بملك الرقبة ويبطل الوقف.
والأصح: أنه يشتري بها عبداً؛ لئلا يتعطل غرض الواقف من استمرار الثواب، ويتعلق حق البطن الثاني بما اشترى، وإذا اشترى عبد وفضل شيء من القيمة .. قيل: يعود ملكاً للواقف، وقيل: يصرف إلى الموقوف عليه، والمختار في زوائد (الروضة): أنه يشتري به شقص عبد؛ لأنه بدل جزء من الموقوف، ثم الذي يجعل بدلاً يشتريه الحاكم على الصحيح، ولا يجوز للمتلف أن يشتريه ويقيمه مقام الأول؛ لأن من ثبت في ذمته شيء .. ليس له استيفاؤه لغيره، ولو كانت الجناية توجب القصاص .. فهو كعبد بيت المال على الأصح فيستوفيه الحاكم، كذا قاله الشيخان تبعاً للمتولي، قال الشيخ: والذي صححه الماوردي والقاضي حسين وابن الصباغ:
منع القصاص في النفس والطرف، وهو الذي نعتقد صحته.
وأشار بقوله: (ليكون وقفاً) إلى أنه لا يصير وقفاً بنفس الشراء، بل لابد من إنشاء وقف، هو الأصح في زوائد (الروضة) و (الشرح الصغير)، ويقفه الحاكم.
وللمسألة نظيران: بدل المرهون وبدل الأضحية، فبدل المرهون جزم الشيخان فيه بأنه يصير رهناً بمجرد أخذه، بل صحح المصنف: أنه رهن، وهو في الذمة كما تقدم في بابه، وبدل الأضحية الواجبة فصلا فيه بين أن يشتري بعين القيمة فيصير أضحية بنفس الشراء وبين أن يشتري في الذمة ونوى عند العقد أنه أضحية فكذلك، وإلا .. فلابد من جعله بعد الشراء أضحية، ولم يذكرا هذا التفصيل في بدلي الرهن والوقف.
وأيد في (المهمات) القول بالتفصيل بما إذا كان عنده نصاب من الأثمان فاشترى به عرضاً للتجارة، فإنه يبني حولها على حوله إن اشترى بالعين دون الذمة كما جزم به
فَإِنْ تَعَذَّرَ .. فَبَعْضُ عَبْدٍ
ــ
في (الروضة)، فلو حصل من بدل الموقوف فوائد قبل إيقافه كالأجرة أو الكسب أو الثمرة .. ينبغي أن تكون كالعين الموصى بإيقافها إذا حصل منها مثل ذلك، وسيأتي في (كتاب الوصية) تحقيق ذلك.
ثم لابد من مراعاة وصف الذكورة والأنوثة في البدل والمبدل، فلا يشتري عبد بقيمة أمة ولا أمة بقيمة عبد، ولا صغير بقيمة كبير ولا عكسه على أقوى الوجهين في (الروضة)؛ لاختلاف الغرض بالنسبة إلى البطون من أهل الوقف.
الحال الثاني والثالث: إذا قتله الموقوف، عليه أو الواقف فإن صرفنا القيمة إليه في الحالة الأولى ملكاً .. فلا قيمة عليه إذا كان هو القاتل، وإلا .. فالحكم والتفريغ كالحالة الأولى، وحكم أرش الأطراف والجنايات على العبد الموقوف فيما دون النفس حكم قيمته في جميع ما ذكرناه، هذا هو الصحيح، وفي وجه: تصرف إلى الموقوف عليه على كل قول كالمهر والأكساب.
قال: (فإن تعذر .. فبعض عبد)؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، بخلاف ما إذا أتلف الضحية ولم يوجد بقيمتها إلا شقص شاة؛ لأنه لا يضحي بشقص الشاة ويوقف بعض العبد، وسكت المصنف عما إذا تعذر بعض العبد، وفيه في (الحاوي) و (البحر) ثلاثة أوجه:
أحدها: يبقى على حاله تبعاً لأصله.
والثاني: يكون ملكاً للموقوف عليه.
والثالث: لأقرب الناس إلى الواقف كما في الولد.
وَلَوْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ .. لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى المّذْهَبِ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعاً، وَقِيلَ: تُبَاعُ وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ
ــ
تتمة:
إذا جنى العبد الموقوف واستوفى منه .. فات الوقف كموته، وإن آل الأمر إلى المال .. لم يتعلق برقبته؛ لتعذر بيع الوقف، لكن يفدى كأم الولد إذا جنت، فإن قلنا: الملك للواقف .. فداه، أو لله تعالى .. فداه أيضاً على الأصح، وإن قلنا: للموقوف عليه .. فالصحيح: أنه يفديه، وحيث أوجبنا الفداء على الواقف فكان ميتاً .. فداه الوارث، وقال المتولي: لا يفدى من التركة؛ لأنها انتقلت إلى الوارث، وعلى هذا هل يتعلق بكسبه أم ببيت المال كالحر المعسر الذي لا عاقلة له؟ وجهان.
قال: (ولو جفت الشجرة .. لم ينقطع الوقف على المذهب) وكذا لو قلعها ريح أو سيل؛ إدامة للوقف على عينه، ونظراً لبقاء بعض المنافع. وفي وجه: أن الوقف ينقطع كما إذا مات العبد؛ لأن الوقف منوط باسم الشجرة، والباقي جذع أو حطب لا شجرة.
فعلى هذا: ينقلب الحطب ملكاً للواقف ولورثته، وكان الصواب أن يعبر بـ (الأصح) كما في (المحرر) و (الروضة)؛ لأن المسألة ذات وجهين لا طريقين.
قال: (بل ينتفع بها جذعاً) أي: بإيجار أو غيره؛ لأنه أقرب إلى غرض الواقف.
قال: (وقيل: تباع)؛ لتعذر الانتفاع به على الجهة التي شرطها الواقف.
قال: (والثمن كقيمة العبد) أي: المتلف، ففي وجه: يصرف إلى الموقوف عليه ملكاً، وفي وجه: تشترى به شجرة أو بعض شجرة من جنسها لتكون وقفاً.
قال الرافعي: ويجوز أن يشتري ودي ويغرس موضعها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، هذا إذا كانت مأكولة، فإنه يصح بيعها للحمها، وإن لم تكن مأكولة .. لم يأت الخلاف في بيعها إلا على الوجه الشاذ في صحة بيعها اعتمادًا على جلدها، وزمانة العبد كزمانة الدابة أو البهيمة.
وحكى الروياني عن القاضي أبي الطيب أنه لا يجوز بيعه قطعاً.
حادثة:
سئل الشيخ عن رجل وقف أرضاً بها أشجار موز والعادة أن شجره لا يبقى أكثر من سنة، فزالت الأشجار بعد أن نبت [من] أصولها أشجار ثم أشجار على ممر الأزمان .. فأجاب: الأرض وما فيها من أصول الموز وفراخه وقف، وما نبت بعد ذلك من الفراخ ينسحب عليه حكم الوقف كالأغصان النابتة من الشجرة الموقوفة، وكذلك لو ماتت الأشجار وغرس غيرها مكانها على أنه للوقف .. صار وقفاً، وكذلك الأرض ينسحب عليها حكم الوقف، ولا يحتاج إلى إنشاء وقف، بخلاف العبد الموقوف إذا قتل واشترى بقيمته عبداً آخر فإنه يحتاج إلى إنشاء وقف على الصحيح كما تقدم، والفرق أن العبد الموقوف قد فات بالكلية والأرض الموقوفة باقية.
فرع:
إذا كان البناء أو الغراس موقوفاً في أرض مستأجرة، وصار الريع لا يفي بالأجرة، أو وفى بها لا غير .. أفتى ابن الأستاذ بأنه يقلع وينتفع بعينه إن أمكن، وإلا .. صرف إلى الموقوف عليه.
حادثة:
فضل من ريع الوقف مال هل للناظر أن يتجر فيه؟
أجاب الشيخ بجواز ذلك إذا كان لمسجد؛ لأنه كالحر بخلاف غيره.
وَالأَصَحُّ: جَوَازُ بَيْعِ حُصْرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ إِلَاّ لِلإِحْرَاقِ
ــ
قال: (والأصح: جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق)؛ لئلا تضيع ويضيق المكان بلا فائدة، وكذلك الحكم في نحاتة أخشابه وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها جمال ولا منفعة.
والثاني: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبداً، وإلى هذا ذهب الجمهور.
قال القاضي أبو الطيب: لا أعرف أحداً من أصحابنا جوز بيع الجذع، والذي رجحه الرافعي والمصنف تبعاً فيه الإمام، وكلهم قيدوه بما قيده المصنف من أنها لا تصلح إلا للإحراق فكأنها بمنزلة العدم، فحصول نزر يسير من ثمنها يعود على الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل بذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، أما إذا صلحت لأن ينتفع بها في الوقف أدنى انتفاع .. فإنها تبقى قولا واحداً.
وعلى الأول قالوا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس: أن يشتري بثمن الحصر الحصر، ولا يصرف إلى منفعة أخرى، قال الرافعي: ويشبه أن يكون هو المراد بما أطلقوه.
وإن صلح الجذع المنكسر لشيء سوى الإحراق .. لم يجز بيعه بلا خلاف، مثل أن تتخذ منه أبواب أو ألواح أو غير ذلك مما يمكن في المسجد، قال المتولي: ويجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف.
قال الشيخ: حتى لو أمكن استعمال شيء من ذلك بإدراجه في آلات العمارة كان مانعاً من بيعه فيما يظهر لنا، وقد تقوم قطعه من الجذع مقام آخرة، وقد تقوم النحاتة مقام التراب، والجذوع المشرفة على الانكسار يجري فيها الخلاف في المنكسرة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الشيخان- تبعاً للإمام-: والخلاف لا يختص بالمسجد، بل يجري في انهدام شيء من الدار الموقوفة وانكسار أخشابها وفي إشرافها على الانهدام.
قال الشيخ: والحق أن ذلك لا يجوز؛ لعموم: (لا يباع ولا يورث)، قال: ومن أصعب الأشياء قو (الحاوي): وداره المنهدمة، فيظن الذي يراه أنه الذي عليه الفتوى ومعظم الأصحاب، ولم يقل به واحد منهم، فلا حول ولا قوة إلى بالله، ومع ذلك كله قد يسأل: لم فرض (الحاوي الصغير) الكلام في دار المسجد؟ وأي فرق بين الدار الموقوفة على المسجد والموقوفة على غير والرافعي أطلق ذلك؟ وقد يقول القائل: دار المسجد مستحقها المسجد، وهو شيء واحد حاجته الآن، فالمتصرف عليه نظره شامل، وأما الموقوف على بطون .. فالبطن الذي لم يأت بعد ليس للناظر تصرف عليه.
قال: وهذه المسألة عمت بها البلوى، وبحمد الله صان الله مذهب الشافعي رضي الله عنه فلم يقدر الله أن أحداً من الشافعية أقدم عليها، لكن غيرهم أقدموا وتوسعوا لفساد الزمان حتى فحش ذلك في هذا القرن الثامن بمصر والشام، ولم يسمع به في غيرهما من البلاد ولا قبل هذا الزمان، بل ما برحت الأوقاف مصونة لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة التي هي خير القرون، وفي حفظي قديماً من كلام مالك أنه قال: هذه الأوقاف عندنا بالمدينة داثرة لا يتعرض لها. اهـ
قال الإمام: وإذا جوزنا البيع .. فالأصح: صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقيل هو كقيمة المتلف فيصرف إلى الموقوف عليه ملكاً على رأي، وإذا قيل به فقال الموقوف عليه: لا تبيعوها واقلبوها إلى ملكي .. لم يجب على المذهب، ولا تنقلب عين الموقوف ملكاً، وقيل: تنقلب ملكاً بلا لفظ.
وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ .. لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ.
ــ
فروع:
جميع ما ذكرناه في حصر المسجد ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفة على المسجد، أما ما اشتراه الناظر للمسجد أو وهبه له واهب وقبله الناظر .. فيجوز بيعه عند الحاجة بلا خلاف؛ لأنه ملك حتى إذا كان المشتري للمسجد شقصاً .. كان للشريك الأخذ بالشفعة، ولو باع الشريك .. فللناظر الأخذ بالشفعة عند الغبطة، هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، فإن وقفه .. صار وقفاً قطعاً، وجرى عليه أحكام الوقف.
ولو وقف على ثغر فاتسعت خطة الإسلام حوله .. حفظت غلة الوقف لاحتمال عوده ثغراً.
وقال أبو عاصم العبادي: لو وقف على قنطرة فانخرق الوادي وتعطلت تلك القنطرة واحتيج إلى قنطرة أخرى .. جاز النقل إلى ذلك الموضع.
وإذا خرب العقار الموقوف على المسجد وهناك فاضل من غلته .. بدئ منه بعمارة العقار، وإذا تشعث بعض الوقف وفي ريعه ما تمكن به عمارته فأراد متبرع عمارته .. ففي (اقتناص السوانح) لشيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد: منعه بعضهم؛ لما فيه من تعطيل غرض الواقف في تحصيل الأجر، وكذلك لو طلب متبرع شراء دلو يمكن تحصيله من الوقف ونحوه.
قال: (ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادته .. لم يبع بحال)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يباع أصلها) ولأنه كالعبد إذا عتق من زمن، ولا يشبه جفاف الشجرة؛ لأن توقع عود الناس والعمارة قائم، وأيضاً الانتفاع في الحال بالصلاة في العرصة ممكن، وبهذا يفرق بينه وبين الفرس الموقوف على الغزو إذا كبرت ولم تصلح للغزو؛ فإن صاحب (المغني) نقل الإجماع على جواز بيعها، وقاس عليه المسجد، وكما يمتنع بيعه يمتنع إيجاره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو صار موضعه بركة ماء .. لم تجز إجارتها لصيد السمك على بقية الجدر وإن جوزناه في غيرها، وكذلك الحكم إذا خربت المحلة التي حول المسجد وتفرق الناس عنها وتعطل المسجد .. لا يباع ولا يعود ملكاً، فإن لم يخف من أهل الفساد أن ينقضوه .. لم ينقض، وإن خيف .. نقض وحفظ، وإن رأى الحاكم أن يعمر بنقضه مسجداً آخر .. جاز، وما كان أقرب إليه فهو أولى، ولا يجوز صرفه إلى عمارة بئر أو حوض، وكذا البئر الموقوفة إذا خربت يصرف نقضها إلى بئر أخرى لا إلى المسجد.
ويراعى غرض الواقف ما أمكن، والحكم الذي ذكره المصنف من أن المسجد لا يباع بحال لا خلاف فيه عندنا وعند مالك والحنيفة.
وقال محمد بن السحن: يعود ملكاً للواقف إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً، ووافقنا أبو يوسف، وعلى ذلك حكاية مشهورة في (المبسوط) أن محمد بن الحسن مر بمزبلة فقال: هذه مسجد أبي يوسف، ومر أبو يوسف بإصطبل فقال: هذا مسجد محمد، يريد محمد أن أبا يوسف لما قال ببقاء المسجد .. انتهى إلى أن صار مزبلة، ويريد أبو يوسف أن محمداً لما قال: يعود إلى ملك الواقف أو وارثه .. جعله إصطبلاً، فكل منهما استبعد مذهب الآخر بما أشار إليه.
تتمة:
سكت المصنف عن حكم مصرف غلة المسجد عند تعذر إعادته، وجزم الماوردي بأنها تصرف للفقراء والمساكين، وقال المتولي: تصرف لأقرب المساجد إليه، وقال الروياني: إنه منقطع الآخر فيأتي فيه الخلاف، وقال الإمام: يحفظ؛ لتوقع عوده.
وإذا اكتفى المسجد ببعض غلته وفضل شيء .. هل يحفظ لوقت الحاجة أو يشترى