الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيها توفّى عبد السلام بن محمد بن أبى موسى أبو القاسم الصوفىّ البغدادىّ، سافر ولقى الشيوخ من أهل الحديث والتصوّف، وجمع بين علم الشريعة والحقيقة.
وفيها توفّى عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر أبو الأصبغ «1» الأموىّ الأندلسىّ.
ولد بقرطبة ثمّ رحل إلى بخارى واستوطن بها. قال الحاكم أبو عبد الله: سمعته ببخارى يروى أنّ مالك بن أنس كان يحدّث، فجاءت عقرب فلدغته ستّ عشرة مرّة فتغيّر لونه ولم يتحرّك؛ فقيل له في ذلك فقال: كرهت أن أقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
ذكر ولاية العزيز نزار على مصر
هو نزار أبو منصور العزيز بالله بن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ بن المنصور بالله أبى طاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدىّ أبى محمد عبيد الله العبيدىّ الفاطمىّ المغربىّ ثمّ المصرىّ، ثانى خلفاء مصر من بنى عبيد، والخامس من المهدىّ إليه ممّن ولى من آبائه الخلافة بالمغرب. مولده بالمهديّة من القيروان ببلاد المغرب فى يوم عاشوراء سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة. وخرج مع أبيه المعزّ من المغرب إلى القاهرة ودام بها إلى أن مات أبوه المعزّ معدّ بعد أن عهد إليه بالخلافة. فولى بعده في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستّين وثلثمائة وله اثنتان وعشرون سنة، وملك مصر وخطب له بها وبالشام وبالمغرب والحجاز،
وحسنت أيّامه. وكان القائم بتدبير مملكته مولى أبيه جوهرا القائد. وكان العزيز كريما شجاعا سيوسا، وفيه رفق بالرعيّة.
قال المسبّحىّ: «وفي أيّامه بنى قصر البحر «1» بالقاهرة الذي لم يكن مثله لا في الشرق ولا في الغرب، وقصر الذهب «2» ، وجامع القرافة «3» . قلت: وفد محى آثار هؤلاء المبانى حتّى كأنها لم تكن. قال المسبّحىّ: وكان أسمر، أصهب الشعر، أعين أشهل [العين «4» ] ، بعيد ما بين المنكبين، حسن الخلق، قريبا من الناس، لا يؤثر سفك الدماء؛ وكان مغرى بالصيد، وكان يتصيّد السباع، وكان أديبا فاضلا» . انتهى.
وذكره أبو منصور الثعالبىّ في يتيمة الدهر، وذكر له هذه الأبيات وقد مات له ابن في العيد فقال:[المنسرح]
نحن بنو المصطفى ذوو محن
…
يجرعها في الحياة كاظمنا
عجيبة في الأنام محنتنا
…
أوّلنا مبتلى وخاتمنا
يفرح هذا الورى بعيدهم
…
طرّا وأعيادنا مآتمنا
وأما بناؤه القصر بالبحر فكان في «1» .
وقال أبو منصور «2» أيضا: «سمعت الشيخ أبا الطيّب يحكى أن الأموىّ صاحب الأندلس كتب إليه نزار هذا (يعنى العزيز صاحب مصر) كتابا يسبّه فيه ويهجوه؛ فكتب إليه الأموىّ: «أمّا بعد، قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك» .
قال فاشتدّ ذلك على نزار المذكور وأفحمه عن الجواب. يعنى أنه غير شريف وأنّه لا يعرف له قبيلة حتّى كان يهجوه» . انتهى كلام أبى منصور.
ولمّا تمّ أمر العزيز بمصر واستفحل أمره وأخذ في تمهيد أمور بلاده، خرج عليه قسأم الحارثىّ وغلب على دمشق. وكان قسّام المذكور من الشّجعان، وكان أصله من قرية «تلفيتا» من قرى «3» جبل سنّير. كان ينقل التّراب على الحمير؛ وتنقّلت به الأحوال حتّى صار له ثروة وأتباع وغلب بهم على دمشق حتّى لم يبق لنوّابها معه أمر ولا نهى؛ ودام على ذلك سنين. فلمّا ملك العزيز وعظم أمره أراد زواله، فندب إليه جيشا مع تكين «4» ، فسار تكين إليه وحاربه أيّاما، وصار العزيز يمدّه بالعساكر إلى أن ضعف أمر قسّام واختفى أيّاما، ثم استأمن؛ فقيّدوه وحملوه إلى العزيز إلى مصر.
وقال الذهبىّ رواية أخرى في أمر قسّام، قال:«وهو الذي يتحدّث الناس أنّه ملك دمشق، وأنّه قسم البلاد، وقدم لقتاله سلمان بن جعفر بن فلاح إلى دمشق بجيش، فنزل بظاهرها ولم يمكنه دخولها؛ فبعث إليه قسّام بخطّه: أنا مقيم على الطاعة. وبلغ العزيز ذلك فبعث البريد إلى سلمان ليردّه؛ فترحّل سلمان من دمشق؛ وولّى العزيز عليها أبا «1» محمود المغربىّ؛ ولم يكن له أيضا مع قسّام أمر ولا حلّ ولا عقد» . انتهى كلام الذهبىّ.
قلت: ولعلّ الذي ذكره الذهبىّ كان قبل توجّه عسكرتكين والفضل؛ فإنّ الفضل لمّا سار بالجيوش أخذ دمشق من قسام وعوّضه بلدا، وهو المتواتر.
والله أعلم.
وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزىّ: «كان العزيز قد ولّى عيسى بن نسطورس «2» النّصرانىّ ومنشا «3» اليهودىّ؛ فكتبت إليه امرأة: بالذى أعزّ اليهود بمنشا، والنصارى
بابن نسطورس، وأذلّ المسلمين بك، إلّا نظرت في أمرى. فقبض العزيز على اليهودىّ والنصرانىّ، وأخذ من ابن نسطورس ثلثمائة ألف دينار» . انتهى.
وقال ابن خلكان: وأكثر أهل العلم لا يصحّحون نسب المهدىّ عبيد الله والد خلفاء مصر، حتّى إنّ العزيز في أوّل ولايته صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد هناك ورقة فيها:
[السريع]
إنّا سمعنا نسبا منكرا
…
يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدّعى صادقا
…
فاذكر أبا بعد الأب الرابع
وإن ترد تحقيق ما قلته
…
فانسب لنا نفسك كالطائع
أو فدع «1» الأنساب مستورة
…
وادخل بنا في النسب الواسع
فإنّ أنساب بنى هاشم
…
يقصر عنها طمع الطامع
فقرأها العزيز ولم يتكلّم. ثمّ صعد العزيز المنبر يوما آخر فرأى ورقة فيها مكتوب:
[البسيط]
بالظّلم والجور قد رضينا
…
وليس بالكفر والحماقه
إن كنت أعطيت علم غيب
…
فقل لنا كاتب البطاقه
قال: وذلك لأنّهم ادّعوا علم المغيّبات والنجوم. وأخبارهم في ذلك مشهورة.
انتهى كلام ابن خلكان باختصار.
وقال غيره: كان العزيز ناهضا، وفي أيّامه فتحت حمص وحماة وحلب، وخطب له صاحب الموصل أبو الذّوّاد «2» محمد بن المسيّب بالموصل، وخطب له باليمن. ثمّ
انتقض ما بينه وبين صاحب حلب أبى الفضائل بن سعد الدولة ومدبّر ملكه لؤلؤ بعد وفاة سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب لمّا قتل بكجور وهرب كاتبه (أعنى كاتب بكجور، وهو علىّ بن الحسين المغربىّ) من حلب إلى مشهد الكوفة على البريّة؛ ثم اجتهد حتى وصل إلى مصر، واجتمع بالعزيز هذا وعظّم أمر حلب عنده وكثّرها، وهوّن عليه حصونها وأمر متولّيها أبى الفضائل.
قلت: ولؤلؤ وأبو الفضائل يأتى بيان ذكرهما فيما يقع بينهما وبين العزيز، وتأتى أيضا وفاتهما في الحوادث، فيظهر بذلك أمرهما على من لا يعرفهما.
فلمّا هوّن علىّ بن الحسين أمر حلب على العزيز، تشوّقت نفسه إلى أخذ حلب من أبى الفضائل. وكان للعزيز غلامان، أحدهما يسمى منجوتكين والآخر بازتكين «1» من الأتراك، وكانا أمر دين مشتدّين؛ فأشار على العزيز المغربىّ المذكور بإنفاذ أحدهما لقتال الحلبيّين لتنقاد إليه الأتراك مماليك سعد الدولة؛ فإنّه كان قبل ذلك قد استأمن إلى العزيز جماعة من أصحاب سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان بعد موت سعد الدولة، فأمّنهم العزيز وأحسن إليهم وقرّبهم؛ منهم وفيّ «2» الصّقلبىّ فى ثلثمائة غلام (يعنى مملوكا) وبشارة الإخشيذىّ في أربعمائة غلام، ورباح «3» السيفىّ؛ فولّى العزيز وفيّا الصقلبىّ عكّا، وولّى بشارة طبريّة، وولّى رباحا غزة. ثمّ إنّ العزيز ولّى مملوكه منجوتكين حرب حلب، وقدّمه على العساكر وولّاه الشأم، واستكتب له أحمد بن محمد النّشورىّ «4» ، ثمّ ضمّ إليه أيضا أبا الحسن علىّ بن الحسين المغربىّ المقدّم ذكره ليقوم المغربىّ بأمر منجوتكين وتدبيره مع الحلبيّين؛ فإنّه كان أصل
هذه الحركة. وخرج العزيز حتّى شيّعهم بنفسه وودّعهم. فسار منجوتكين حتّى وصل دمشق، فتلقّاه أهلها والقوّاد وعساكر الشام والقبائل، فأقام منجوتكين بعساكره عليها مدّة، ثم رحل طالبا لحلب في ثلاثين ألفا. وكان بحلب أبو الفضائل بن سعد الدّولة ابن سيف الدولة بن حمدان ومعه لؤلؤ، فأغلقا أبوابها واستظهرا في القتال غاية الاستظهار على المصريّين. وكان لؤلؤ لمّا قدم عسكر مصر إلى الشام كاتب بسيل «1» ملك الرّوم فى النجدة على المصريّين ومتّ «2» له بما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة، وأنّ هذا ولده قد حصر مع عساكر المصريّين؛ وحثّه على إنجاده؛ ثمّ بعث إليه بهدايا وتحف كثيرة، وسأله في المعونة والنّصرة على المصريّين، وبعث الكتاب والهدايا مع ملكون السريانىّ؛ فتوجّه ملكون السريانىّ إليه فوجد ملك الرّوم بقاتل ملك البلغر؛ فأعطاه الهديّة والكتاب، فقبل الهديّة وكتب إلى البرجىّ نائبه بأنطاكية أن يسير بالعساكر إلى حلب ويدفع المغاربة (أعنى عساكر العزيز) عن حلب. فسار البرجىّ فى خمسين ألفا؛ ونزل البرجىّ بعساكره الجسر الجديد «3» بين أنطاكية وحلب. فلمّا بلغ ذلك منجوتكين استشار علىّ بن الحسين المغربىّ والقوّاد في ذلك، فأشاروا عليه بالانصراف من حلب وقصد الروم والابتداء بهم قبل وصول الروم الى حلب، لئلا يحصلوا بين عدوّين. فساروا حتّى نزلوا تحت حصن «4» إعزاز وقاربوا الروم، وصار بينهم النهر
المعروف بالمقلوب «1» . فلمّا وقع بصرهم على الروم رموهم بالنّشاب وبينهم النهر المذكور، ولم يكن لأحد الفريقين سبيل للعبور لكثرة الماء. وكان منجوتكين قد حفظ المواضع التى يقلّ الماء فيها، وأقام جماعة من أصحابه يمنعون عسكره من العبور لوقت يختاره المنجّم. فخرج من عسكره من الدّيلم رجل شيخ كبير في السن وبيده ترس وثلاث روسات «2» ؛ فوقف على جانب النهر وبإزائه قوم من الروم، فرموه بالنّشاب وهو يسبح حتّى قطع النهر، وصار على الأرض من ذلك البرّ والماء في النهر إلى صدره.
فلمّا رآه «3» عساكر منجوتكين رموا بأنفسهم في الماء فرسانا ورجّالة، ومنجوتكين يمنعهم فلا يمتنعون حتّى صاروا مع الروم في أرض واحدة وقاتلوا الروم؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، فولّى الروم وأعطوهم ظهورهم، وركبهم المسلمون فاثخنوهم قتلا وأسرا، وأفلت كبير الروم البرجىّ في عدد يسير إلى أنطاكية، وغنم المسلمون من عساكرهم وأموالهم شيئا لا يعدّ ولا يحصى. وكان مع الروم ألفان من عسكر حلب المسلمين فقتل منجوتكين منهم ثلثمائة. وتبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية فأحرق ضياعها ونهب رساتيقها، ثمّ كرّ راجعا إلى حلب، وكان وقت الغلّات؛ فعلم لؤلؤ أنّه لا له نجدة «4» وأنّه يضعف عن مقاومة المصريّين؛ فكاتب المغربىّ والنّشورىّ كاتب منجوتكين وأرغبهما في المال وبذل لهما ما أرضاهما، وسألهما أن يشيرا على منجوتكين بالانصراف عن حلب إلى دمشق وأن يعود في العام المقبل؛ فخاطباه فى ذلك، وصادف قولهما له شوق منجوتكين إلى دمشق؛ وكان منجوتكين أيضا
قد ملّ الحرب فانخدع؛ وكتب هو والجماعة إلى العزيز يقولون: قد نفدت الميرة ولا طاقة للعساكر على المقام، ويستأذنونه في الرجوع إلى دمشق. وقبل أن يجيء جواب العزيز رحلوا عن حلب إلى دمشق. وبلغ العزيز ذلك فشقّ عليه رحيلهم، ووجد أعداء المغربىّ طريقا إلى الطعن فيه عند العزيز، فصرف العزيز المغربىّ وقلّد الأمر للأمير صالح بن علىّ الرّوذبارىّ وأقعده مكانه. ثمّ حمل العزيز من غلّات مصر في البحر إلى طرابلس شيئا كثيرا. ثمّ رجع منجوتكين إلى حلب فى السنة الآتية وبنى الدور والحمّامات والخانات والأسواق بظاهر حلب، وقاتل أهل حلب. واشتدّ الحصار على لؤلؤ وأبى الفضائل بحلب، وعدمت الأقوات عندهم بداخل حلب، فكاتبوا ملك الروم ثانيا وقالوا له: متى أخذت حلب أخذت أنطاكية؛ ومتى أخذت أنطاكية أخذت قسطنطينيّة. فلمّا سمع ملك الروم ذلك سار بنفسه في مائة ألف وتبعه من كلّ بلد من معاملته عسكره؛ فلمّا قرب من البلاد أرسل لؤلؤ إلى منجوتكين يقول: إنّ الإسلام جامع بينى وبينك، وأنا ناصح لكم، وقد وافاكم ملك الروم بجنوده فخذوا لأنفسكم؛ ثم جاءت جواسيس منجوتكين فأخبروه بمثل ذلك، فأحرق منجوتكين الخزائن والأسواق وولّى منهزما؛ وبعث أثقاله إلى دمشق، وأقام هو بمرج قنّسرين ثم سار إلى دمشق. ووصل بسيل ملك الروم بجنوده إلى حلب، ونزل موضع عسكر المصريّين، فهاله ما كان فعله منجوتكين، وعلم كثرة عساكر المصريّين وعظموا في عينه؛ وخرج إليه أبو الفضائل صاحب حلب ولؤلؤ وخدماه «1» . ثم سار ملك الرّوم في اليوم الثالث ونزل على [حصن «2» ] شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قوّاد العزيز، فقاتله يوما واحدا، ثم طلب منه
الأمان فأمّنه؛ فخرج بنفسه إليه، فأهّل «1» به بسيل ملك الروم وأعطاه مالا وثيابا، وسلّم الحصن إليه؛ فرتّب ملك الروم [عليه] أحد ثقاته. ثمّ نازل حمص فافتتحها عنوة وسبى منها ومن أعمالها أكثر من عشرة آلاف نسمة. ثمّ نزل على طرابلس أربعين يوما، فقاتلها «2» فلم يقدر على فتحها، فرحل عائدا إلى الروم. ووصل خبره إلى العزيز فعظم عليه ذلك إلى الغاية، ونادى في الناس بالنفير، وفتح الخزائن وأنفق على جنده، ثمّ سار بجيوشه ومعه توابيت آبائه فنزل إلى الشام، ووصل إلى بانياس «3» ، فأخذه مرض القولنج وتزايد به حتّى مات منه وهو في الحمام في سنة ستّ وثمانين وثلثمائة.
وقيل في وفاته غير ذلك أقوال كثيرة، منها أنّه مات بمدينة بلبيس من ضواحى القاهرة، وقيل: إنّه مات في شهر رمضان قبل خروجه من القاهرة في الخمّام، وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر. وكانت مدّة ولايته على مصر إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وأيّاما. وتولّى مصر بعده ابنه أبو علىّ منصور الملقّب بالحاكم الآتى ذكره إن شاء الله. وكان العزيز ملكا شجاعا مقداما حسن الأخلاق كثير الصّفح حليما لا يؤثر سفك الدماء، وكانت لديه فضيلة؛ وله شعر جيّد، وكان فيه عدل وإحسان للرعيّة. قلت: وهو أحسن الخلفاء الفاطميّين حالا بالنسبة لأبيه المعز ولابنه الحاكم؛ على ما يأتى ذكره إن شاء الله.
قال ابن خلكان: «وزادت مملكته على مملكة أبيه، وفتحت له حمص وحماة وشيزر وحلب؛ وخطب له المقلّد «4» العقيلىّ صاحب الموصل بالموصل [وأعمالها «5» ]
فى المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وضرب اسمه على السكة والبنود، وخطب له باليمن. ولم يزل في سلطانه وعظم شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجّها إلى الشام، فابتدأت به العلّة في العشر الأخير من رجب سنة ستّ وثمانين وثلثمائة. ولم يزل مرضه يزيد وينقص، حتّى ركب يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمّام بمدينة بلبيس، وخرج إلى منزل الأستاذ أبى الفتوح برجوان، وكان برجوان صاحب خزانته بالقصر، فأقام عنده وأصبح يوم الاثنين، وقد اشتدّ به الوجع يومه ذلك وصبيحة نهار الثّلاثاء، وكان مرضه من حصاة وقولنج، فاستدعى القاضى محمد بن النّعمان وأبا محمد الحسن بن عمّار الكتامىّ الملقّب أمين الدولة- وهو أوّل من تلقّب من المغاربة، وكان شيخ كتامة وسيّدها- ثمّ خاطبهما فى أمر ولده الملقّب بالحاكم، ثمّ استدعى ولده المذكور وخاطبه أيضا بذلك.
ولم يزل العزيز في الحمّام والأمر يشتدّ به إلى بين الصلاتين من ذلك النهار، وهو الثلاثاء الثامن والعشرون من شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وثلثمائة، فتوفّى في مسلخ الحمّام. هكذا قال المسبّحىّ» .
قلت: والعزيز هذا هو الذي رتّب الفطرة «1» فى عيد شوّال، وكانت تعمل على غير هذه الهيئة. وكانت الفطرة تعمل وتفرّق بالإيوان، ثم نقلت في عدّة أماكن؛ وكان مصروفها في كلّ سنة عشرة آلاف دينار. وتفصيل الأنواع: دقيق ألف حملة، سكّر سبعمائة قنطار، قلب فستق ستة قناطير، لوز ثمانية قناطير، بندق أربعة قناطير، تمر أربعمائة إردب، زبيب ثلثمائة إردب، خلّ ثلاثة قناطير،
عسل نحل خمسة قناطير «1» ، شيرج مائتا قنطار، حطب ألف ومائتا حملة، سمسم إردبان، آنيسون إردبان، زيت طيّب للوقود ثلاثون قنطارا، ماء ورد خمسون رطلا، مسك خمس نوافج «2» ، كافور عشرة مثاقيل، زعفران مائة وخمسون درهما.
ثمن مواعين وأجرة صنّاع وغيرها خمسمائة دينار. انتهى باختصار. ولنعد «3» إلى ذكر وفاة العزيز صاحب الترجمة.
وقال صاحب تاريخ القيروان: «إنّ الطّبيب وصف له دواء يشربه في حوض الحمّام، وغلط فيه فشربه فمات من ساعته؛ ولم ينكتم تاريخ موته ساعة واحدة.
وترتّب موضعه ولده الحاكم أبو علىّ منصور. وبلغ الخبر أهل القاهرة، فخرج الناس غداة الأربعاء لتلقى الحاكم؛ فدخل البلد وبين يديه البنود والرايات وعلى رأسه المظلّة «4» يحملها ريدان الصّقلبىّ، فدخل القصر عند اصفرار الشمس، ووالده العزيز بين يديه في عماريّة وقد خرجت رجلاه منها، وأدخلت العماريّة القصر؛ وتولى غسله القاضى محمد بن النّعمان، ودفن عند أبيه المعزّ في حجرة من القصر. وكان دفنه عند العشاء [الأخيرة «5» ] . وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر والأحوال مستقيمة، وقد نودى في البلدان: لا مؤونة ولا كلفة، وقد أمّنكم الله على أموالكم وأرواحكم؛ فمن نازعكم أو عارضكم فقد حلّ ماله ودمه. وكانت ولادة العزيز يوم الخميس رابع عشر المحرّم سنة أربع وأربعين وثلثمائة» . انتهى كلام ابن خلكان باختصار رحمه الله.
وقال المختار المسبّحى صاحب التاريخ المشهور: «قال لى الحاكم، وقد جرى ذكر والده العزيز،: يا مختار، استدعانى والدى قبل موته وهو عارى الجسم، وعليه الخرق والضّماد (يعنى كونه كان في الحمام) قال: فاستدعانى وقبّلنى وضمّنى إليه، وقال: واغمّى عليك يا حبيب قلبى! ودمعت عيناه، ثمّ قال: امض يا سيّدى فآلعب فأنا في عافية. قال الحاكم: فمضيت والتهيت بما يلتهى به الصّبيان من اللعب إلى أن نقل الله تعالى العزيز إليه» . انتهى كلام المسبّحى.
وقد ذكرنا في وفاة العزيز عدّة وجوه من كلام المؤرّخين رحمهم الله تعالى.
وكان العزيز حازما فصيحا. وكتابه إلى عضد الدولة بحضرة الخليفة الطائع العباسىّ يدلّ على فضل وقوّة. وكان كتابه يتضمّن بعد البسملة:
«من عبد الله ووليّه نزار أبى منصور الإمام العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى عضد الدولة الإمام نصير ملة الإسلام أبى شجاع بن أبى علىّ. سلام عليك؛ فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله الصّلاة على جدّه محمد رسول ربّ العالمين، وحجّة الله على الخلق أجمعين، صلاة باقية نامية متّصلة دائمة بعترته الهادية، وذرّيته الطيّبة الطاهرة. وبعد، فإنّ رسولك وصل إلى حضرة أمير المؤمنين، مع الرسول المنفذ اليك، فأدّى ما تحمله «1» من إخلاصك في ولاء أمير المؤمنين ومودّتك «2» ، ومعرفتك بحقّ إمامته، ومحبتك لآبائه الطائعين الهادين المهديّين. فسرّ أمير المؤمنين بما سمعه عنك، ووافق ما كان يتوسّمه فيك وأنّك لا تعدل عن الحقّ- ثم ذكر كلاما طويلا في المعنى إلى أن قال-: وقد علمت ما جرى على ثغور المسلمين من المشركين، وخراب الشام وضعف أهله، وغلاء الأسعار. ولولا ذلك لتوجّه