الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما استولى على مصر أرسل جوهر هذا يهنّئ مولاه المعزّ بذلك؛ فقال ابن هانئ المذكور أيضا في ذلك:
يقول بنو العبّاس هل «1» فتحت مصر
…
فقل لبنى العبّاس قد قضى الأمر
ومد جاوز الإسكندريّة جوهر
…
تصاحبه «2» البشرى ويقدمه النصر
ذكر دخول جوهر إلى الديار المصريّة وكيف ملكها
قال غير واحد: كان قد انخرم نظام مصر بعد موت كافور الإخشيذىّ لمّا قام على مصر أحمد بن علىّ بن الإخشيذ وهو صغير؛ فصار ينوب عنه ابن عمّ أبيه الحسن ابن عبيد الله بن طغج، والوزير يومئذ جعفر بن الفرات؛ فقلّت الأموال على الجند، فكتب جماعة منهم إلى المعزّ لدين الله معدّ وهو بالمغرب يطلبون منه عسكرا ليسلّموا إليه مصر؛ فجهّز المعزّ جوهرا هذا بالجيوش والسلاح في نحو ألف فارس أو أكثر فسار جوهر حتّى نزل بجيوشه إلى تروجة «3» بقرب الإسكندريّة، وأرسل إلى أهل مصر فأجابوه بطلب الأمان وتقرير أملاكهم لهم؛ فأجابهم جوهر إلى ذلك وكتب لهم العهد. فعلم الإخشيذيّة بذلك، فتأهّبوا لقتال جوهر المذكور؛ فجاءتهم من عند جوهر الكتب والعهود بالأمان؛ فاختلفت كلمتهم؛ ثم اجتمعوا على قتاله وأمّروا عليهم ابن الشويزانى «4» ، وتوجّهوا لقتاله نحو الجيزة وحفظوا الجسور؛ فوصل جوهر إلى الجيزة، ووقع بينهم القتال في حادى عشر شعبان ودام القتال بينهم مدّة، ثم صار
جوهر إلى منية الصيّادين «1» وأخذ مخاضة منية شلقان «2» ؛ ووصل إلى جوهر طائفة من العسكر في مراكب، فقال جوهر للأمير جعفر «3» بن فلاح: لهذا اليوم أرادك «4» المعزّ الدين الله! فعبر عريانا في سراويل وهو في موكب ومعه الرجال خوضا، والتقى مع المصريين ووقع القتال بينهم وثبت كلّ من الفريقين، فقتل كثير من الإخشيذيّة وانهزم الباقون بعد قتال شديد. ثم أرسلوا يطلبون الأمان من جوهر فأمّنهم، وحضر رسوله ومعه بند وطاف بالأمان ومنع من النهب؛ فسكن الناس وفتحت الأسواق ودخل جوهر من الغد إلى مصر في طبوله وبنوده وعليه ثوب ديباج مذهّب، ونزل بالمناخ، وهو موضع القاهرة اليوم؛ واختطّها وحفر أساس «5» القصر فى الليلة؛ وبات المصريّون في أمن؛ فلمّا أصبحوا حضروا للتهنئة»
فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل وكان فيه زورات غير معتدلة؛ فلمّا شاهد ذلك جوهر لم يعجبه؛ ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة، ثم تركه.
ثم كتب جوهر إلى مولاه المعزّ يبشره بالفتح، وبعث إليه برءوس القتلى؛ وقطّع خطبة بنى العباس ولبس السواد، ولبس الخطباء البياض؛ وأمر أن يقال في الخطبة:
«اللهمّ صلّ على محمد المصطفى، وعلى علىّ المرتضى؛ و [على «1» ] فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول؛ [الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا «2» ] .
وصلّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين، المعزّ لدين الله» . ففعل ذلك؛ وانقطعت دعوة بنى العباس في هذه السنة من مصر والحجاز واليمن والشام. ولم تزل الدعوة لبنى عبيد في هذه الأقطار من هذه السنة إلى سنة خمس وستين وخمسمائة، مائتى سنة وثمانى سنين. على ما يأتى ذكره في خلافة المستضىء العباسىّ. وكان الخليفة فى هذه الأيّام عند انقطاع خطبة بنى العباس من مصر المطيع لله الفضل. ومات المطيع ومن بعده سبعة خلفاء من بنى العباس ببغداد حتى انقرضت دولة بنى عبيد من مصر على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، والخليفة يوم ذاك المستضىء العباسىّ، على ما يأتى ذلك في محلّه إن شاء الله تعالى. ثمّ في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وثلثمائة أذّنوا بمصر ب «حىّ على خير العمل» . واستمرّ ذلك.
ثمّ شرع جوهر في بناء جامعه بالقاهرة المعروف بجامع الأزهر، وهو أوّل جامع بلته الرافضة بمصر؛ وفرغ من بنائه في شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلثمائة بعد أن كان ابتنى القاهرة؛ كما سيأتى ذكر بنائها في هذه الترجمة أيضا. ولمّا ملك جوهر مصر كان الحسن بن عبيد الله بن الإخشيذ المقدّم ذكره بالشام وهو بيده إلى الرملة؛ فبعث إليه جوهر بالقائد جعفر بن فلاح المقدّم ذكره أيضا، فقاتل ابن فلاح حسنا المذكور بالرملة حتى ظفر به، وبعث به إلى مصر، حسب ما تقدّم ذكره، وبعثه القائد جوهر إلى المغرب؛ فكان ذلك آخر العهد به. ثم سار جعفر
ابن فلاح إلى دمشق وملكها بعد أمور، وخطب بها للمعزّ في المحرّم سنة تسع وخمسين وثلثمائة. ثم عاد ابن فلاح إلى الرملة؛ فقام الشريف أبو القاسم إسماعيل بن أبى يعلى بدمشق وقام معه العوامّ ولبس السّواد ودعا للمطيع، وأخرج إقبالا أمير دمشق الذي كان من قبل جوهر القائد، فعاد جعفر بن فلاح إلى دمشق في ذى الحجة ونازلها، فقاتله أهلها، فطاولهم حتّى ظفر بهم؛ وهرب الشريف أبو القاسم إلى بغداد على البرّيّة. فقال ابن فلاح: من أتى به فله مائة ألف درهم، فلقيه ابن غلبان العدوىّ فى البريّة فقبض عليه وجاء به إلى ابن فلاح؛ فشهّره على جمل وعلى رأسه قلنسوة من لبود، وفي لحيته ريش مغروز ومن ورائه رجل من المغاربة يوقع به، ثمّ حبسه؛ ثمّ طلبه ابن فلاح ليلا وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ وسأله من ندبه إلى ذلك؛ فقال: ما حدّثنى به أحد إنّما هو أمر قدّر؛ فرقّ له جعفر بن فلاح ووعده أنه يكاتب فيه القائد جوهرا، واسترجع المائة ألف درهم من الذين أتوا به، وقال لهم: لا جزاكم الله خيرا! غدرتم بالرجل. وكان ابن فلاح يحبّ العلويّين، فأحسن إليه وأكرمه.
واستمرّ جوهر حاكم الديار المصريّة إلى أن قدم إليها مولاه المعزّ لدين الله معدّ فى يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثمائة؛ فصرف جوهر عن الديار المصريّة بأستاذه المعزّ، وصار من عظماء القوّاد في دولة المعزّ وغيره. ولا زال جوهر على ذلك إلى أن مات في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، ورثاه الشعراء. وكان جوهر حسن السيرة في الرّعية عادلا عاقلا شجاعا مدبّرا.
قال ابن خلّكان (رضى الله عنه) : توفّى يوم الخميس لعشر بقين من ذى القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. وكان ولده الحسين بن جوهر قائد القوّاد للحاكم صاحب مصر، ثم نقم عليه فقتله في سنة إحدى وأربعمائة؛ وكان الحسين