المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌وقت الأذان 258 - حديث: "أن بلالًا يُنَادي بَلْيلٍ فَكُلُوا وَاشْربُوا - الهداية في تخريج أحاديث البداية - جـ ٢

[أحمد بن الصديق الغماري]

فهرس الكتاب

- ‌2 - كتاب الغسل

- ‌الباب الأول: في معرفة العمل في هذه الطهارة

- ‌دلك الجسم

- ‌النية في الغسل

- ‌المضمضة والاستنشاق

- ‌الترتيب والموالاة

- ‌الباب الثاني: في معرفة نواقض هذه الطهارة

- ‌الغسل من التقاء الختانين

- ‌الغسل من خروج المني

- ‌الباب الثالث: في أحكام الجنابة

- ‌دخول المسجد للجنب

- ‌مس المصحف

- ‌قراءة القرآن

- ‌أبواب الحيض والاستحاضة

- ‌الباب الأول: أنواع الدماء الخارجة من الرحم

- ‌الباب الثاني: علامات الطهر والحيض والاستحاضة

- ‌عدة أيام الحيض

- ‌الحيضة المنقطعة

- ‌مدة النفاس

- ‌الدم الذي تراه الحامل

- ‌الصفرة والكدرة

- ‌علامة الطهر من الحيض

- ‌المستحاضة

- ‌الباب الثالث: أحكام الحيض والاستحاضة

- ‌ما يستباح من الحائض

- ‌وطء الحائض إذا طهرت قبل الاغتسال

- ‌في الذي يأتي امرأته وهو حائض

- ‌وضوء المستحاضة

- ‌وطء المستحاضة

- ‌3 - كتاب التيمم

- ‌الباب الأول: في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها

- ‌الباب الثاني: في معرفة من تجوز له هذه الطهارة

- ‌الباب الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة

- ‌النية

- ‌طلب الماء

- ‌دخول الوقت

- ‌الباب الرابع: في صفة هذه الطهارة

- ‌حد مسح اليدين

- ‌عدد ضربات التيمم

- ‌إيصال التراب إلى أعضاء التيمم

- ‌الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة

- ‌الباب السادس: في نواقض هذه الطهارة

- ‌وجود الماء

- ‌الباب السابع: في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها

- ‌4 - كتاب الطهارة من النجس

- ‌الباب الأول: في معرفة حكم هذه الطهارة

- ‌الباب الثاني: في معرفة أنواع النجاسات

- ‌ميتة الحيوان

- ‌أجزاء الميتة

- ‌جلود الميتة

- ‌دم الحيوان

- ‌البول

- ‌ما يعفى عنه من النجاسات

- ‌طهارة المني

- ‌الباب الثالث: في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها

- ‌الباب الرابع: في الشيء الذي تزال به

- ‌الباب الخامس: في صفة إزالتها

- ‌الباب السادس: في آداب الاستنجاء

- ‌5 - كتاب الصلاة

- ‌وجوب الصلاة

- ‌بيان وجوب الصلاة

- ‌عدد الواجب من الصلوات

- ‌على من تجب الصلاة

- ‌حكم تارك الصلاة

- ‌شروط الصلاة

- ‌الباب الأول في معرفة الأوقات

- ‌الفصل الأول: في معرفة الأوقات المأمور بها

- ‌وقت الظهر

- ‌وقت العصر

- ‌وقت المغرب

- ‌وقت العشاء

- ‌وقت الصبح

- ‌أوقات الضرورة والعذر

- ‌الصلوات التي لها أوقات ضرورة وعذر

- ‌حدود أوقات الضرورة والعذر

- ‌أهل العذر

- ‌الفصل الثاني: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها‌‌عددها

- ‌عددها

- ‌الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها

- ‌الباب الثاني في معرفة الأذان والإِقامة

- ‌الفصل الأول: الأذان

- ‌صفة الأذان

- ‌حكم الأذان

- ‌وقت الأذان

- ‌شروط المؤذن

- ‌فيما يقوله من يسمع الأذان

- ‌الفصل الثاني: الإقامة

- ‌الباب الثالث: في القبلة

- ‌الإجتهاد في القبلة

- ‌الصلاة داخل الكعبة

- ‌سترة المصلي

- ‌الباب الرابع: ستر العورة واللباس في الصلاة

- ‌الفصل الأول: ستر العورة

- ‌حد عورة الرجل

- ‌حد عورة المرأة

- ‌الفصل الثاني: اللباس في الصلاة

- ‌الباب الخامس: اشتراط الطهارة للصلاة

- ‌الباب السادس: المواضع التي يصلى فيها

- ‌الباب السابع: شروط صحة صحة الصلاة

- ‌الباب الثامن: النية وكيفية اشتراطها في الصلاة

الفصل: ‌ ‌وقت الأذان 258 - حديث: "أن بلالًا يُنَادي بَلْيلٍ فَكُلُوا وَاشْربُوا

‌وقت الأذان

258 -

حديث: "أن بلالًا يُنَادي بَلْيلٍ فَكُلُوا وَاشْربُوا حَتى يُنادي ابن أمِّ مَكْتُومٍ".

ص: 352

الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر.

* * *

259 -

حديث ابن عمر: أن بلالًا أذّن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي، "ألا إن العَبْدَ قَدْ نَامَ" ثم قال: خرجه أبو داود وصححه كثير من أهل العلم.

قلت: أما الحفاظ من أهل الحديث فاتفقوا أو كادوا على تضعيفه، وأنه خطأ من رواية حماد بن سلمة، قال الحافظ في "الفتح": (رجاله ثقات حفاظ، لكن اتفق أئمة الحديث، عليّ بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني، على أن حمادًا أخطأ في رفعه وأن

ص: 353

الصواب وقفه على عمر بن الخطاب وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه).

قلت: لكن الحق خلاف هذا وأن الحديث صحيح في نهاية الصحة كما نبيّنه بعد عزوه من طريق حماد بن سلمة وكلامهم في وهمه وتفرده برفعه. فالحديث خرّجه أبو داود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي، من رواية حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:"أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد نام".

قال أبو داود: (هذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة، ثنا أيوب بن منصور ثنا شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، أخبرنا نافع عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أذن قبل الصبح فأمره عمر فذكر نحوه. وقد رواه حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أو غيره، أن مؤذنًا لعمر يقال له مسروح أو غيره ورواه الدراوردي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان لعمر مؤذن يقال له مسعود وذكر نحوه، وهذا أصح من ذلك) اهـ.

وقال الترمذي بعد أن ذكره عن حماد معلقًا: (هذا حديث غير محفوظ،

ص: 354

والصحيح ما رُويَ عن عُبَيْدِ اللُهِ بن عُمَر وغيرُه؛ عن نافع عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلوا واشْرَبوا حتى يُؤَذِّنَ ابن أمِّ مَكْتُوم" وروى عبد العزيز بن أبي رَواد، عن نافع: (أن مؤذنًا لِعمَرَ أذنَ بِلَيْل فَأمَرَه عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الأذانَ" وهذا لا يصح؛ لأنه عن نافع عن عمر منْقَطِعٌ، ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث. . . . ولو كان حديث حماد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنى، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بلالًا يؤذن بليل. . . ." قال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة. . . . غير محفوظ وأخطأ فيه حماد).

وقال البيهقي: (هذا تفرد بِوَصْلِهِ حماد بن سلمة عن أيوب، وَرُوِيَ أيضًا عن سعيد بن زربى، عن أيوب إلا ان سعيدًا ضعيف، ورواية حماد منفردة وحديث عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر أصحّ منها، ومعه رواية الزهري عن سالم عن أبيه)، ثم أسند عن علي بن المديني كما سبق عن الترمذي عنه ثم أسند عن محمَّد بن يحيى الذهلي قال:(حديث حماد بن سلمة .. هذا شاذ غير واقع على القلب وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر) اهـ.

وفي "العلل"، لابن أبي حاتم (قال أبي: لا أعلم روى هذا الحديث عن أيوب. . . . إلَّا حماد بن سلمة، ورواية عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع. . . . والصحيح عن نافع عن ابن عمر:"أن عمر أمر مسروحًا أذن قبل الفجر، وأمره أن يرجع" وفي

ص: 355

بعض الأحاديث: "أن بلالًا أذن قبل الفجر" فلو صح هذا الحديث لدفعه حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، والقاسم بن محمَّد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن بلالًا يؤذن بِلَيْلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". جوّز النبي صلى الله عليه وسلم الأذان قبل الفجر، أن حديث حماد بن سلمة خطأ، قيل له: فحديث ابن أبي محذورة -يعني رواية عن عبد العزيز بن أبي رواد- قال: ابن أبي محذورة شيخ) اهـ.

وقال البيهقي: (أخبرنا أبو الحسن بن بشران، ثنا أبو عمر بن السماك، ثنا إسحاق، حدثني أحمد بن حنبل، ثنا شعيب بن حرب قال: قلت لمالك بن أنس: إن الصبح ينادي لها قبل الفجر فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا" قلت: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الأذان، قال: لا لم يزل الأذان عندنا بليل). وقال ابن بكير قال مالك لم يزل الصبح ينادي بها قبل الفجر، فأما غيرها من الصلاة فإنا لم نر ينادي لها إلا بعد أن يحل وقتها.

وقال البيهقي في "الخلافيات": (حماد بن سلمة أحد أئمة المسلمين قال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإِسلام؛ إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه؛ فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فإنه اجتهد في أمره وأخرج من أحاديثه [عن ثابت] ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت فلا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثًا، أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج، وإذا

ص: 356

كان الأمر كذلك فالاحتياط أن لا يحتج بما يخالف فيه الثقات وهذا الحديث من جملتها).

قلت: كل هذا لا يفت في عضد الحق فإن الحفاظ إذا رأوا حديثًا معارضًا لما عندهم، ولم يدركوا وجه الجمع بين الحديثين، أنكروا ما لم يعرفوا وحكموا على راويه بالوهم بدون حجة، وقلد لاحقهم سابقهم في ذلك، ثقة به واعتمادًا على قوله، دون نظر فيه، ولا تحقيق لدعواه، وذلك مما جعل اتفاقاتهم معدومة الفائدة، فالحديث صحيح إسنادًا، ولا معارضة بينه وبين الحديث الذي احتجوا به على ضعفه كما سأبينه، وذلك أن حماد بن سلمة إمام حافظ ثقة، لو وهم مثل هذا الوهم ونقل قصة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لبلال، والآمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر بن الخطاب لمسروح، والآمر له عمر، لسقط إلى درجة الضعفاء المتروكين الذين لا يحتج بهم، أو الوضاعين الذين يقصدون قلب الحقائق، وتغيير الأوضاع الشرعية، وهذا مما لا يقوله أحد، بل ولا يظن حتى لمن هو دونه في الضبط والعدالة؛ لأن كل من له حظ من الوعي والعدالة، لا يغلط مثل هذا الغلط الفاحش، ولا يهم في مثل هذا الأمر الواضح؛ إذ بون كبير بين حديث نافع في قصة عمر مع مسروح وبين حديثه عن ابن عمر في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع بلال، لاسيما والحديث مروي بشعر قاله بلال في القصة التي وقعت له، مما يدفع الوهم ويوجب التأكد من أنه صاحب القصة، فكيف وحماد لم ينفرد بالحديث بل توبع عليه متابعة تامة، عن أيوب، ومتابعة قاصرة عن نافع، ووردت القصة مع ذلك من حديث أنس، ومراسيل الحسن، وقتادة وحميد بن هلال، وورد عن بلال نفسه ما يؤيدها، فالحكم على حماد بالوهم فيه مكابرة، ظاهرة.

فقد رواه أيضًا سعيد بن زربي عن أيوب، كما ذكره الدارقطني،

ص: 357

والبيهقي، وهو وإن كان ضعيفًا فلم يتهم بوضع حتى يعتقد فيه أنه سرق الحديث من حماد، وعلى فرض ذلك، فقد رواه عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب، وهذا سند كالشمس، لو ورد وحده على إعضاله وكونه لم يذكر نافعًا، ولا ابن عمر لاعتبروه واحتجوا به، فكيف مع رواية حماد الثقة الذي وصله. أضف إلى ذلك أن عبد العزيز بن أبي داود رواه عن نافع عن ابن عمر؛ أن بلالًا أذن قبل الفجر فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن ينادي إِن العبد نام، فوجد بلال وجدًا شديدًا.

ورواه الدارقطني من طريق معمر بن سهل، عن عمر بن مدرك عنه وقال:(وهم فيه عامر بن مدرك، والصواب ما رواه شعيب بن حرب عنه، عن نافع عن مؤذن لعمر يقال له مسروح، أذن قبل الصبح فأمره عمر نحوه)؛ وهذا باطل فإن عامر بن مدرك ثقة، ومع ذلك فلم ينفرد به بل تابعه إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة، عن عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع عن ابن عمر:"أن بلالًا أذن بليل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على ذلك؟ قال: استيقظت وأنا وسنان فظننت أن الفجر قد طلع فأذّنت. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي في المدينة ثلاثًا إن العبد رقد ثم أقعده إلى جنبه حتى طلع الفجر ثم قال: "قم الآن ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر".

رواه ابن أبي حاتم في "العلل"، والبيهقي في "السنن"، وقال: (إنّه

ص: 358

ضعيف لا يصح)، وتعقبه المارديني بأنّ (إبراهيم روى له الترمذي، وصحّح حديثه وذكره البيهقي نفسه في موضع آخر من "السنن"، وقال: هو مشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات" وباقي السند صحيح أيضًا).

ورواه الدارقطني، من طريق أبي يوسف، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، أن بلالًا أذن قبل الفجر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعود فينادي أن العبد نام ففعل وقال:

ليت بلالًا لم تلده أمه

وابتل من نضح دم جبينه

قال الدارقطني: (تفرد به أبو يوسف القاضي، عن سعيد، وغيره يرسله عن سعيد، عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم)، ثم رواه من طريق يحيى بن أبي طالب ثنا عبد الوهاب، ثنا سعيد عن قتادة، "أن بلالًا أذن" ولم يذكر أنسًا، قال:(والمرسل أصح).

قلت: أبو يوسف موثّق، والمرسل الصحيح باعتراف الدارقطني إِذا ورد موصولًا من وجه آخر، ولو ضعيفًا كان حجة باتفاق هذا، لو فرضنا ضعف أبي يوسف وانفراده بوصله عن أنس، فكيف وقد ورد عن أنس من وجه آخر، أخرجه الدارقطني أيضًا من طريق محمَّد بن القاسم الأسدي، ثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن عن أنس بن مالك

ص: 359

مثله وفيه: "فرقى بلال وهو يقول:

لَيْتَ بلَالًا ثَكلَتْهُ أمهُ

وَابْتَل مِنْ نَضْحِ دمٍ جَبِينُهُ

يرددها حتى صعد ثم قال: ألا إن العبد نام، مرتين، ثم أذن حين أضاء الفجر.

قال الدارقطني: (محمَّد بن القاسم الأسديّ ضعيف جدًا).

قلت: قد وثقه ابن معين وقال: (كتبت عنه). وقال العجلي: (كان شيخًا صدوقًا). ومع هذا فلم ينفرد به، بل ورد من وجوه أخرى موصولًا ومرسلًا أيضًا.

فرواه ابن سعد في "الطبقات" قال: أخبرنا عفان بن مسلم، وعارم قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس بن مالك:"أن بلالًا صعد ليؤذن وهو يقول البيت" وهو وإن لم يذكر قصة الأذان قبل الفجر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول:"ألا إن العبد نام" فهو ظاهر في ذلك لأن البيت إنما قاله عند ذلك.

وقد قال ابن أبي شيبة في "المصنف"، ثنا أبو خالد عن أشعث، عن الحسن قال:"أذن بلال بليل. . . ." فذكر الحديث والبيت.

ص: 360

وقال سعيد بن منصور في "سننه" ثنا أبو معاوية، أنبأنا أبو سفيان السعدي، عن الحسن نحوه.

وقال محمَّد بن الحسن في "الحجج": أخبرنا محمَّد بن أبان بن صالح، عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال:"أذن بلال بليل قبل أن يطلع الفجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَادِ: نامَ العَبْدُ"، فصعد بلال وقال:

ويل بلال ثكلته أمّه. البيت، فلما صعد قال: نام العبد ثلاثًا ثم أمره فأعاد الأذان بعدما طلع الفجر".

وروى الدارقطني، والبيهقي، من حديث حميد بن هلال قال:"أذن بلال بِلَيْلٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى مقامك فناد ثلاثًا"، الحديث. وفيه ذكر البيت أيضًا. قال البيهقي:(هكذا رواه جماعة، عن حميد بن هلال مرسلًا).

قلت: فهؤلاء جماعة حدثوا بهذه القصة عن بلال، فهل يعقل أن يكونوا كلهم وهموا ونسبوا قصة مسروح لبلال، ثم أنه ورد عن بلال نفسه ما يؤيد ذلك.

فقد روى أبو نُعَيْم في "الحلية" من طريق الحسن بن عمارة، عن طلحة بن

ص: 361

مصرف، عن سويد بن غفلة، عن بلال قال:"أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أؤذّن حتى يطلع الفجر".

أما المعارضة بين هذا الحديث وحديث: أن بلالًا ينادي بليل فمدفوعه من وجهين.

(أحدهما): أن هذا الحديث حكمه في سائر السنة، وذاك إنما هو في رمضان خاصة، لأنه قال فيه:"فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". فدل على أنه في رمضان، إذ لو لم يكن في رمضان، لما تصور أن يقول ذلك، ولقال فلا تصلّوا الصبح حتى ينادي ابن أم مكتوم.

قال محمَّد بن الحسن في كتاب "الحجج على أهل المدينة" ردًا على احتجاجهم بحديث أن بلالًا ينادي بليل: (إنما كان بلال يصنع ذلك في شهر رمضان ليتسحّر الناس بأذانه ويكف الناس بأذان ابن أم مكتوم لصلاة الفجر، لأنه قد جاء حديث آخر يدل على أن بلالًا إنما كان يصنع ذلك لسحور الناس في شهر رمضان خاصة لأنه بلغنا أن بلالًا أذن بليل فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي ألا إن العبد نام -فذكر القصة بالبيت ثم قال- فلو كان يؤذن لصلاة الفجر قبل دخول وقتها لم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أمره من ذلك، ولقال له: قد أحسنت حين أذنت بالليل، ولكن الأمر الذي رويتم كان في شهر رمضان، والأمر الآخر من كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأذانه بليل كان في غير شهر رمضان) ا. هـ.

وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": (والتعارض بينهما لا يتحقق إلا بتقدير أن

ص: 362

يكون قوله: إن بلالًا يؤذن في سائر العام وليس كذلك إنما كان ذلك في رمضان).

(ثانيهما): وعلى فرض أنه كان في سائر العام، فلا تعارض أيضًا؛ لأن بلالًا إنما كان ينادي قبل الفجر بمقدار ما ينزل هو ويصعد ابن أم مكتوم، كما سيأتي في الحديث الذي بعده، وفي هذه المرة التي سها فيها له، كان الأذان وقع منه قبل ذلك بكثير بحيث نزل في الموضع الذي كان يؤذن فيه وأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سببه، ثم رده ليقول:"إن العبد نام" فذهب وقال ذلك ثم رجع وأجلسه إلى أن طلع الفجر، ثم قال له: قم فأذن الآن؛ فأذانه بالليل قبيل الفجر متصلًا به، والنهي عن أذانه بالليل قبل ذلك، فلا تعارض.

وإلى هذا ذهب ابن حزم، وهو وإن كان حسنًا، إلا أن الأول عندي أولى؛ لأن الحديث فيه فكلوا واشربوا، وهذا صريح في رمضان، وفيه: حتى ينادي ابن أم مكتوم، وقد قيل إن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن في رمضان فقط لا في سائر العام والله أعلم.

* * *

260 -

حديث عائشة قالت: "لم يكن بين أذانهما إلا بقدر ما يهبط هذا ويصعد هذا".

النسائي، من رواية حفص بن غياث، والطحاوي، من رواية يحيى القطان،

ص: 363

كلاهما من عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة به، ورواه البخاري في "الصيام". من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم فذكر الحديث وفي آخره قال القاسم: لم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا. وليس هذا مرسلًا، بل معناه عن عائشة أيضًا فهو موصول.

* * *

261 -

قوله: (كان يؤذن لها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن مكتوم).

متّفق عليه من حديث ابن عمر، والبخاري، والنسائي من حديث عائشة كما سبق:"أن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".

ص: 364