الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4224-
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ سَرِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً مِنْ الأنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا فَعَصَوْهُ فِي شَيْءٍ: فَقَالَ: اجْمَعُوا
…
لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَادْخُلُوهَا، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: إنَّمَا فَرَرْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ وَطُفِئَتْ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ
لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أَبَدًا» وَقَالَ: «لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» أَيْ لا تَجِبُ، بَلْ تَحْرُمُ عَلَى مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ.
وَقَوْلُهُ: «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» فِيهِ بَيَانُ مَا يُطَاعُ فِيهِ مَنْ كَانَ مِنْ أُولِي الأمْرِ، وَهُوَ الأمْرُ الْمَعْرُوفُ لا مَا كَانَ مُنْكَرًا.
بَاب الدَّعْوَة قَبْلَ الْقِتَال
4225-
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمًا قَطُّ إِلا دَعَاهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
4226-
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اُغْزُوا بِسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ، اُغْزُوا وَلا تَغُلُّوا وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلالٍ - فَأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، اُدْعُهُمْ إلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ شَيْءٌ إِلا أَنْ
يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ
فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّه وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك وَذِمَّةَ أَصْحَابِك، فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ وَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك، فَإِنَّك لا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّه أَمْ لا» ؟ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَةْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ لا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنْ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، بَلْ الْحَقُّ عِنْدَ اللهِ وَاحِدٌ، وَفِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ وَمِنْ التَّمْثِيلِ.
4227-
وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أُقَاتِلُ بِمُقْبِلِ قَوْمِي وَمُدْبِرِهِمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . فَلَمَّا وَلَّيْت دَعَانِي، فَقَالَ:«لا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى تَدْعُوَهُمْ إلَى الإِسْلامِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
4228-
وَعَنْ ابْنِ عَوْفٍ قَالَ: كَتَبْت إلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، فَكَتَبَ إلَيَّ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جَوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ.
4229-
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ:«أَيْنَ عَلِيٌّ» ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، فَقَالَ: «عَلَى
رِسْلِك حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاَللَّهِ لأنْ يَهْتَدِيَ بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
4230-
وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَهْطًا مِنْ الأنْصَارِ إلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
قَالَ الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «فَادْعُهُمْ إلَى الإِسْلامِ» وَقَعَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ: «ثُمَّ اُدْعُهُمْ» قَالَ عِيَاضٌ: الصَّوَابُ إسْقَاطُ (ثُمَّ) ، وَقَدْ أَسْقَطَهَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ دُعَاءِ الْكُفَّارِ إلَى الإِسْلامِ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاثَةُ مَذَاهِبَ، إلى أنْ قَالَ: الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغهُمْ الدَّعْوَةُ وَلا يَجِبُ إنْ بَلَغَتْهُمْ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ اخْتِلافُ مِنْ الأحَادِيثِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ» فِيهِ تَرْغِيبُ الْكُفَّارِ بَعْدَ إجَابَتِهِمْ وَإِسْلامِهِمْ إلَى الْهِجْرَةِ إلَى دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، لأنَّ الْوُقُوفَ بِالْبَادِيَةِ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ لِقِلَّةِ مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: «وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ» ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ مَنْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ وَلَمْ يُهَاجِرْ نَصِيبًا فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يُجَاهِدْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: «فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ» ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْعَجَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ وَالْكِتَابِيِّ وَغَيْرِ الْكِتَابِيِّ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالأوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ
الْعِلْمِ. وَخَالَفَهُمْ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: لا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إِلا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمَجُوس عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا.
قَوْلُهُ: «فَلا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ» . إلَى آخره هَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّ الْحَقَّ مَعَ وَاحِدٍ، وَأَنْ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَالْخِلافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ مِنْ الصَّوَابِ لا مِنْ الإِصَابَةِ.