الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول القراءات القرآنية
عند ما كتب القرآن الكريم فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم (1) على يد كتّاب الوحى المختلفين، وجمع فى عهد أبى بكر وعمر بن الخطاب (2)، ودوّن المصحف الإمام لجنة بتكليف من عثمان بن عفان (3)، تحوّل بذلك مركز الثّقل إلى رواية النّص المكتوب. (4) ولم تستطع النسخ الأربع لمصحف عثمان التى كانت قد أعدّتها رسميّا تلك اللجنة التى كانت تتألف من زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث وعبد الله بن الزبير (5) أن تجبّ بعضا من النّسخ الأقدم، وخاصة نسخة عبد الله بن مسعود ونسخة أبىّ بن كعب. إلّا أن هذه المصاحف التى أعدّتها لجنة عثمان بن عفان والتى وزّعت على الأمصار المختلفة، لم تكن تخلو هى الأخرى من بعض الاختلافات (6)، حتى إنه روى أن عثمان بن عفان (7) وعائشة (8) (رضى الله عنهما) تحدّثا:«إن فى القرآن لحنا وستقيمه العرب بألسنتها» . وإلى جانب هذا فقد استمرت القبائل فى قراءة القرآن الكريم وفق لهجة كل قبيلة مثلما كان عليه الحال من قبل فى حياة الرسول صلّى الله عليه
(1) انظر نولدكه: تاريخ القرآن. t.noldede ،desqor.ii ،iff.
(2)
المرجع السابق ii ،11 - 14 والزركشى: البرهان 1/ 235.
(3)
نفس المرجع
(4)
انظر برجشتراسر: تاريخ القرآن bergstrasser ،gesch.desqor.ii ،119.
(5)
انظر المرجع السابق لنولدكه: تاريخ القرآن ii ،54 - 55
(6)
انظر برجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق فى الصحيفتين 8، 120
(7)
انظر المرجع السابق فى صفحة 2
(8)
كتاب المصاحف لابن أبى داود 33 - 34، وتفسير الطبرى 6/ 16 والمرجع السابق لبرجشتراسر فى الموضع نفسه.
وسلم (9)، وهذا بدوره أدّى إلى ظهور عدد من القراءات المختلفة بعد إعداد النّص الرسمى للقرآن (فى المصحف العثمانى). وكان بعض التابعين يعلّق أهمية كبيرة على قراءة الآية الواحدة خمس قراءات مختلفة (10) وقد ساعدت عوامل أخرى على نشوء دراسة النّص القرآنى المدوّن فى وقت مبكر جدّا وعلى تطوّر هذه الدراسة تطوّرا سريعا.
لقد بدأت أبسط الدراسات اللغوية المتعلقة بالقرآن الكريم فور تدوين المصحف العثمانى./ وهناك روايات كثيرة تقول بأن أبا الأسود الدؤلى (المتوفى 69 هـ/ 688 م) قد قام بوضع أول علامات تدل على الحركات والتنوين، (11) وتم هذا بتكليف من زياد بن أبيه (المتوفى 53 هـ/ 673 م)، وهناك رواية أخرى تنسب ذلك إلى أحد تلاميذ أبى الأسود الدؤلى وهو نصر بن عاصم (12)(المتوفى 89 هـ/ 707 م). وقد أدى هذا التجديد إلى اعتراض بعض الصحابة وقدامى التابعين، ومنهم عبد الله بن عمر وقتادة والنخعى ومحمد بن سيرين. (13) ويبدو أن إدخال الكتابة الكاملة (ذات الحروف الساكنة) على النّص القرآنى ترجع أيضا إلى هذه الفترة، فقد ذكر ابن أبى داود السّجستانى أن عبيد الله بن زياد (المتوفى 69 هـ/ 688 م) -وكان واليا على البصرة- قد عهد إلى كاتبه يزيد الفارسى بهذا العمل. (14) أما تحزيب القرآن أى تقسيمه إلى أحزاب فيعدّ على الجملة من مآثر الحجاج بن يوسف وكان واليا على الكوفة. (15) وقد أدخل النحوى نصر بن عاصم السابق ذكره
(9) تفسير الطبرى، تحقيق أحمد شاكر 1/ 56
(10)
المرجع السابق 1/ 53
(11)
انظر: طبقات النحويين واللغويين للزبيدى 13 - 14، ونقط المصاحف للدّانى 132 - 133، ومقدمة ابن عطية (للجامع) 276، وانظر برجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق فى صفحتى 261 - 262.
(12)
انظر: طبقات النحويين واللغويين للزبيدى 21، ومقدمة ابن عطية 276.
(13)
انظر برجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق 262.
(14)
انظر: كتاب المصاحف 117 والمرجع السابق لبرجشتراسر 255.
(15)
كتاب المصاحف 119، ومقدمة ابن عطية (للجامع) 276، وبرجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق 260
تسميات الأخماس والأعشار. (16) وأقدم كتاب نعرفه فى تقسيم آيات القرآن الكريم هو كتاب «عواشر القرآن» لقتادة (المتوفى 118 هـ/ 736 م). (17) وإلى هذه الفترة تقريبا ترجع أيضا رسالة لعمرو بن عبيد المعتزلى (80 هـ/ 699 م- 144 هـ/ 761 م)(18) تحت عنوان «أجزاء ثلاثة ومائة وستين» .
وفى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى كانت هناك مدارس فى القراءات قد نشأت حول بعض التابعين فى المدينة ومكة والكوفة والبصرة. (19) ولكنا لا نعرف من المصادر على نحو مباشر أقدم ما دوّن من هذه القراءات، فليست لدينا سوى بضع إشارات تشير إلى علاقات التلاميذ بشيوخهم. وهناك عبارة ترد كثيرا فى تراجم الرجال، نصّها:«أخذ القراءة عنه عرضا» (20)، خلافا لعبارة:«روى القراءة عنه» التى نعرفها فى علم مصطلح الحديث. تدل العبارة الأولى على أن التلميذ قرأ النّص على شيخه، ونحن لا نعلم كيف كان بالضبط ذلك النص المقروء/. ومع هذا يجوز لنا أن نفترض أنه كان نسخة خاصة مضبوطة بالشكل، مما أدى أحيانا إلى التعبير:«له عنه نسخة» (21).
وأقدم مصادرنا لمعرفة الاختلافات بين مصاحف عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وأبى بن كعب، هى فيما يبدو- تفاسير القرن الأول الهجرى. وما وصل إلينا من هذه التفاسير القديمة مدوّن فى تفسير الطبرى وكتاب فضائل القرآن لأبى عبيد القاسم بن سلام يضم أيضا الكثير من هذه القراءات القديمة (22). وربما تتاح لنا يوما ما فهارس بأسماء رواة التفاسير القديمة، وكتب القراءات تمكننا من إعادة تكوين بعض الرسائل التى ألفت فى القرن الأول الهجرى، وتعطى صورة واضحة لبدايات التأليف فى هذا
(16) غاية النهاية لابن الجزرى 2/ 336، وبرجشتراسر 258.
(17)
طبقات ابن سعد (طبعة بيروت) 7/ 273.
(18)
انظر مخطوط تشستربيتى رقم 3165 (الأوراق 31 - 40، من القرن السابع الهجرى).
(19)
انظر برجشتراسر 162 - 169.
(20)
انظر غاية النهاية لابن الجزرى 1/ 602 والترجمة رقم 2457، 1/ 603، والترجمة تحت رقم 2463.
(21)
انظر: غاية النهاية لابن الجزرى 1/ 351، الترجمة رقم 1504 وكذلك 1/ 471، الترجمة رقم 1965.
(22)
انظر ما كتبه برجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق 57 - 59، 82 - 83.
المجال. إن أقدم كتاب نعرفه هو «كتاب فى القراءة» ليحيى بن يعمر (المتوفى 89 هـ/ 707 م)(23) أحد تلاميذ أبى الأسود الدؤلى. وقد ألفه فى واسط وجمع فيه اختلافات المصاحف المشهورة، ويقال إن هذا الكتاب ظل مرجعا أساسيا حتى القرن الرابع الهجرى. وهناك كتاب قديم آخر على هذاالنحو هو كتاب:«اختلافات مصاحف الشام والحجاز والعراق» لعبد الله بن عامر اليحصبى (المتوفى 118 هـ/ 736 م)(24) وإن صح ما جاء فى فهرس مخطوطات مكتبة تشستربيتى يمكن القول أيضا بأن كتاب «الجمع» لعاصم قد وصل إلينا من هذه الفترة (25) وترجع أقدم الكتب التى نعرفها فى القطع والوصل ورسم المصحف إلى هذه الفترة تقريبا فقد ألّف- على سبيل المثال- عبد الله بن عامر «كتاب المقطوع والموصول» (26)، وألّف شيبة بن نصاح المدنى (المتوفى 130 هـ/ 747 م) وهو أحد أساتذة أبى عمرو بن العلاء كتاب «الوقوف» (27)؛ أمّا «كتاب الوقف والابتداء» لأبى عمرو بن العلاء نفسه فقد ظل متداولا حتى القرن الخامس الهجرى، عند ما حصل الخطيب البغدادى فى دمشق على إجازة بروايته (28) وإلى تلك الفترة أيضا ترجع أقدم الكتب التى نعرفها فى عد آيات القرآن، ومنها «كتاب العدد» للحسن البصرى (المتوفى 110 هـ/ 728 م) ولعاصم الجحدرى (المتوفى 128 هـ/ 745 م) / ولأبى عمرو يحيى بن الحارث الذّمارى (المتوفى 145 هـ/ 762 م)(29) وقد ألف الذمارى أيضا فى رسم المصحف، أى فى هجاء القرآن (30) ويبدو أن العصر الأموى عرف أيضا محاولة النحاة التطابق التام بين قراءة للقرآن
(23) مقدمة ابن عطية 276.
(24)
انظر: الفهرست لابن النديم 36، وقد شك برجشتراسر فى ذلك، انظر: المرجع الألمانى السابق ص 9.
(25)
انظر مخطوط تشستربيتى بيتى رقم 4693.
(26)
انظر: الفهرست، لابن النديم 36.
(27)
انظر: غاية النهاية لابن الجزرى 1/ 330، الترجمة رقم 1439.
(28)
انظر: مشيخة الخطيب البغدادى، الظاهرية مجموع 18 (128 ب).
(29)
انظر: الفهرست لابن النديم 37.
(30)
انظر: الفهرست لابن النديم 36، وبرجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق 21.
الكريم تطابق قواعد النحو. وقد قوبل كتاب «اختيار فى القراءة على مذهب العربية» لمحمد بن عبد الرحمن بن محيصن (المتوفى 123 هـ/ 740 م)(31) وكتاب «اختيار» لتلميذه عيسى بن عمر الثقفى (32)(المتوفى 149 هـ/ 766 م) بالاعتراض (33).
ومن المرجح أن أشهر أصحاب هذا الاتجاه فى علم اللغة هو أبو عمرو بن العلاء الذى لا نستطيع أن نستخدم كتبه الكثيرة- باستثناء رسالة صغيرة (34) - إلّا عن طريق تهذيبات متأخرة لها. ومن الأهمية بمكان أن نشير فى هذا الصدد إلى كتاب يضمّ قطعا مهمة من رسائل عن قدامى قرّاء القرآن ويقارنها بقراءة أبى عمرو بن العلاء، وهو كتاب «الخلاف بين قراءة عبد الله بن عامر وبين قراءة أبى عمرو بن العلاء
…
عبد الله بن كثير
…
عاصم
…
حمزة» إلخ
…
لعلى بن عساكر بن المرجّب البطائحى (المتوفى 572 هـ/ 1176 م)(35).
(31) انظر: غاية النهاية لابن الجزرى 2/ 167، الترجمة رقم 3118.
(32)
انظر: المرجع السابق 1/ 613، الترجمة رقم 2498.
(33)
انظر ما كتبه برجشتراسر فى المرجع الألمانى السابق 120 - 121.
(34)
«رسالة فى القراءة» رواية يحيى بن المبارك اليزيدى، الظاهرية قراءة 342 (الأوراق 146 - 149) انظر: عزة حسن 1/ 103 وإن صح أن هذه الرسالة برواية اليزيدى فلا يمكن أن تكون بعيدة عن الأصل، قارن ما كتبه برجشتراسر ص 139.
(35)
مخطوط بورسه، حراجى زاده 726 (128 ورقة سنة 634 هـ).