المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

من المصادر وانتقى منها ما رآه حريا بعصره وأهله. وفي - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ١

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌الإهداء

- ‌شكر واعتراف

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌حول المصادر

- ‌تنبيهات

- ‌الفصل الأولتراث القرن التاسع (15) م

- ‌المؤثرات في الحياة الثقافية

- ‌بين العلماء والأمراء

- ‌التاريخ والسير

- ‌الأدب واللغة

- ‌التصوف وعلم الكلام

- ‌ أحمد النقاوسي:

- ‌ عبد الرحمن الثعالبي وأحمد الجزائري:

- ‌ ابن زكري:

- ‌ محمد السنوسي:

- ‌ الحوضي:

- ‌ التازي:

- ‌ محمد الفراوسني والمرائي الصوفية:

- ‌ عيسى البسكري:

- ‌ بركات القسنطيني:

- ‌ أبو عصيدة البجائي:

- ‌العلوم والمنطق

- ‌القراءات والتفسير والفقه

- ‌ أحمد الونشريسي

- ‌كتاب الافتتاح للقسنطيني

- ‌الفصل الثانيالتيارات والمؤثرات

- ‌العلاقات بين الجزائريين والعثمانيين

- ‌فئات المجتمع

- ‌دور المدن

- ‌الحياة الدينية والأدبية والفنية

- ‌الجهاد أو الإحساس المشترك

- ‌الثورات ضد العثمانيين

- ‌الفصل الثالثالمؤسسات الثقافية

- ‌ الأوقاف

- ‌ المساجد

- ‌الزوايا والرباطات

- ‌المدارس والمعاهد العليا

- ‌المكتبات

- ‌الفصل الرابعالتعليم ورجاله

- ‌سياسة التعليم

- ‌وسائل التعليم

- ‌ المعلمون:

- ‌ أجور المعلمين:

- ‌ التلاميذ:

- ‌ تعليم المرأة:

- ‌ الكتب:

- ‌المناهج

- ‌ في التعليم الابتدائي:

- ‌ في التعليم الثانوي:

- ‌ المواد المدروسة:

- ‌ حوافز التعليم وأهدافه:

- ‌بعض كبار المدرسين

- ‌سعيد قدورة

- ‌ علي الأنصاري السجلماسي:

- ‌ سعيد المقري:

- ‌ عمر الوزان

- ‌الفصل الخامسفئة العلماء

- ‌مكانة العلماء ووظائفهم وميزاتهم

- ‌تنافس العلماء وأخلاقهم

- ‌علاقة العلماء بالحكام

- ‌هجرة العلماء

- ‌العلماء المسلمون في الجزائر

- ‌من قضايا العصر

- ‌الفصل السادسالمرابطون والطرق الصوفية

- ‌حركة التصوف عشية العهد العثماني

- ‌موقف العثمانيين من رجال التصوف

- ‌حالة التصوف

- ‌سلوك بعض المتصوفين

- ‌بعض المرابطين وأهم الطرق الصوفية

- ‌ أحمد بن يوسف الملياني

- ‌ محمد بن علي الخروبي

- ‌ عبد الرحمن الأخضري

- ‌ محمد بن علي أبهلول:

- ‌ محمد بن بوزيان والطريقة الزيانية:

- ‌ محمد بن عبد الرحمن الأزهري والطريقة الرحمانية:

- ‌ أحمد التجاني والطريقة التجانية:

- ‌ الحاج مصطفى الغريسي والطريقة القادرية:

- ‌ الطريقة الطيبية في الجزائر:

- ‌ الطريقة الدرقاوية والطريقة الحنصالية:

- ‌عبد الكريم الفكون ونقد المتصوفين

- ‌المحتوى

الفصل: من المصادر وانتقى منها ما رآه حريا بعصره وأهله. وفي

من المصادر وانتقى منها ما رآه حريا بعصره وأهله. وفي شيء من المباهاة أخبر أنه جمع فيه ما لا (يحصره ديوان، ويعز وجوده عند ذي البحث والافتنان) ومن مصادره إحياء علوم الدين للغزالي ورسالة القشيري وحلية الأولياء لأبي نعيم وقوت القلوب وصفوة الصفوة ومؤلفات أحمدالقسطلاني، والسهروردي وابن عطاء الله وأبي الفرج الجوزي، والنووي.

كما رجع إلى رحلة ابن رشيد الفهري والإحاطة لابن الخطيب، وغير ذلك من المصادر. ويظهر من مصادر الكتاب ومن خطته أنه عمل ضخم في بابه، غير أننا ما زلنا لا نعرف عنه أكثر مما ذكره مؤلفه عرضا في رسالته إلى المشدالي.

‌العلوم والمنطق

بالقياس إلى إنتاج الجزائر في التصوف وفي التاريخ وحتى في الأدب فإن إنتاجها في العلوم الرياضية والطبية يعد قليلا، فلم يكن هناك علماء طبيعيون أو أطباء بارزون كما كان هناك فقهاء ومتصوفة بارزون. حقا إن بعض الأسماء قد التصقت بها مهنة الطب كابن فشوش أو التأليف فيه كالثغرى والسنوسي. وهناك بعض الأسماء ارتبطت بعلم الحساب والفرائض والفلك مثل الحباك وابن القنفذ (1). ولكن هؤلاء وأولئك لم (يختصوا) بالحساب أو الطب كما اختص مثلا الونشريسي في الفقه والثعالبي في التصوف. ومع ذلك دعنا ندرس بسرعة هذا الإنتاج العلمي على قلته وضعفه.

1 -

ففي هذا النطاق ألف إبراهيم بن أحمد الثغري التلمساني معجما صغيرا في الطب رتبه على حروف المعجم. ونحن لا نعرف كثيرا عن حياة الثغري. وقد جاء في (البستان) أنه من تلاميذ أبي عبد الله الشريف

(1) لم يكن القلصادي جزانريا بالميلاد ولا بالوفاة، فهو من مواليد الأندلس وتوفي فيتونس سنة 891. ومع ذلك يجب ذكره هنا لأنه عاش فترة في تلمسان ودرس بها وأثر في حياتها العلمية كما تأثر بحياتها. وممن أخذوا عنه محمد السنوسي. ترجمته في السخاوي وابن مريم وأبي راس في (الحلل السندسية) و (أزهار الرياض) للمقري.

ص: 111

التلمساني (1) فإذا عرفنا أن هذا قد توفي سنة 771 فإن وفاة الثغري قد تكون في أوائل القرن التاسع، ومعجم الثغري عبارة عن قائمة بأسماء الأعشاب ونحوها مما كان يتداوى به العرب مضافا إليه معلومات المؤلف الشخصية عن الأدوية المشاعة لدى الناس في عصره. فهو مثلا عندما ذكر كلمة (أفستين) قال إن أنواعه شيب العجوز المزدرع في الدور، أي في وقته هو. وفي حرف الباء ذكر كلمة (بهار) وعرفه بأنه خبز الغراب عندنا. ولكن المعجم فيه كثير من أسماء الأدوية عند الأجانب مكتوبة بحروف عربية. وطريقة الثغري في هذا المعجم أنه يذكر الدواء ثم يذكر منافعه (2).

ولإبراهيم الثغري رسالة أخرى في الطب، وهي في الأدوية ومنافعها.

ولا ندري الآن هل هي متصلة أو مكملة للمعجم والظاهر أنهما عملان مختلفان لأن طريقة كل منهما مختلفة. وقد قسم هذه الرسالة إلى أبواب بعناوين معينة فهو مثلا يذكر باب الاكتحال وباب صفة المعاجين، وباب صفة الأشربة، وباب سفوف ينفع من التخمة، وهكذا. وقد جاء في ورقة تشبه العنوان (الأدوية النافعة من برد الدماغ وهي مشتملة على أضمدة وأدهان وغيرها) أما عن الاكتحال فقد جاء فيه (من اكتحل بالأنسيون ينفع من السلا المتقادم). عندما تحدث الثغري عن المعاجين ذكر خصوصا صفة معجون الجزر وفوائده. وقد اشتملت الرسالة أيضا على أسماء لأدوية العينين وأدوية الأسنان ونحو ذلك (3).

2 -

ويظهر أن الثغري لم يكن طبيبا وإنما كان متطببا، ويشبهه في اهتمامه وفي طريقته عبد الرزاق بن حمادوش في كتابه (الجوهر المكنون) الذي ألفه في القرن الثاني عشر والذي سندرسه في محله إن شاء الله. وفي

(1)(البستان)166. وقد كان الثغري معاصرا لابن خلدون وليس هو محمد بن يوسف الثغري الأديب الشاعر.

(2)

اطلعنا منه على نسخة بالمكتبة الملكية بالمغرب رقم 8544 مجموع.

(3)

المكتبة الملكية بالمغرب، رقم 8545. وتاريخ نسخها سنة 990. وهي في حوالي تسع ورقات.

ص: 112

منتصف القرن التاسع اشتهر أحد علماء بجاية بالتطيب أيضا وهو أبو الفضل محمد المشدالي. فقد درس الطب عن محمد بن علي بن فشوش في تلمسان، كما درس على غيره حتى أصبح من المشار إليهم في هذا العلم. ولكنه كان يكره أن يشتهر بالطب. ولعل ذلك يدل على أن هذه المهنة لم تكن تشرف الممتهنين لها في وقته، وإلا لكثر المدعون لها والمنتسبون إليها، كما كثر مدعو التصوف والمنتسبون إلى الفقه ونحوه. وقد يفسر لنا هذا ضعف الإنتاج العلمي في الجزائر خلال القرن التاسع. فالعلوم التي كانت تشرف أهلها هي علوم الفقه والتوحيد والتصوف والحديث. ومهما يكن الأمر فإن المشدالي قد أصبح في مهنة الطب (واحد عصره وفريد دهره)، على حد تعبير أحدهم، في المشرق. وكان الناس يلجأون إليه طلبا للدواء (1). ومع ذلك لا نعرف أن المشدالي قد ترك تأليفا في الطب.

3 -

ومحمد بن يوسف السنوسي، الذي عرف بالزهد والتخصص في العقائد، أبى إلا أن يسهم في علم الطب أيضا. ولكن السنوسي لم يخرج في تناوله الطب عن اختصاصه. فقد ربط بين الطب والدين، بل إن موضوع الطب الذي عالجه هو مجموعة من الأحاديث الشريفة. والذي يهمنا بالدرجة الأولى أن السنوسي لم يكن يكره أن يشتهر بالطب كما كره ذلك المشدالي المعاصر له. فقد مدح علم الطب واعتبره شطر العلم معتمدا في ذلك على الحديث الشريف (العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان). وقد فهم السنوسي بالعلم الأخير علم الطب، ولذلك ألف فيه رسالة صغيرة اعتمد فيها على شرح مجموعة من الأحاديث النبوية مثل (المعدة بيت الداء). كما شرح

(1) الجيلالي 1/ 258 وقد توفي المشدالي في الشام سنة 866 وحياته جديرة بدراسة منفردة. فقد درس علوما شتى وسافر كثيرا وعرف من الحياة حلوها ومرها وصاحب ذوي السلطان والحظوة ومارس وظائف متعددة وجادل في مسائل عديدة حتى غير المسلمين. انظر حياته في رسالة أبي عصيدة المسماة (رسالة الغريب إلى الحبيب) التي تحدثنا عنها في قسم الأدب وكذلك رحلة عبد الباسط بن خليل. والظاهر من كلام عبد الباسط أن وفاة المشدالي كانت بالقاهرة.

ص: 113

الجملة الأخرى (الحمية رأس الدواء) وكذلك (وأصل كل داء البردة). وقد جاء في تفسير العبارة الأولى أن (الهضوم ثلاثة: هضم في المعدة وهضم في الكبد وهضم في سائر الأعضاء). ثم بين السنوسي أن الهضم الأول هو أهمها، ونصح بأن العاقل يقدم الطعام اللطيف قبل الغليظ واللين قبل القابض، وهكذا. والسنوسي في شرحه الطبي يذكر الأمراض ويشرح الأحاديث كما يصف العلاج. ومعنى ذلك أنه لم يكن يكتفي بالنقل بل كان يحكم من التجربة أيضا (1).

4 -

وبالإضافة إلى الطب ساهم بعض الجزائريين في علوم أخرى، وخصوصا الحساب الذي له صلة قوية بعلم الفرائض. ومن هؤلاء ابن القنفذ الذي ألف كتابا في الحساب، لعله رسالة صغيرة، سماه (حط النقاب) ثم اختصره وسماه (التخليص في شرح التلخيص) وهو يعني بالكلمة الأخيرة كتاب (تلخيص أعمال الحساب) لابن البنا (2). فمختصره إذن هو من باب الشروح على أعمال الآخرين وليس عملا مستقلا. وقد عرف ابن القنفذ في تلخيصه بالمؤلف الأصلي (ابن البنا) وبين الغرض من الكتاب ومن علم الحساب. ومهمته فيه هي شرح العبارات والألفاظ الواردة في كتاب ابن البنا مع تبسيط له وتمثيل لمحتواه وهذه طريقة غير جديدة عند اللجوء إلى الشروح. وهناك عالم قسنطيني آخر اشتهر أيضا بعلم الحساب، وهو أحمد بن يونس ولكن شهرته فيه كانت في التدريس وليس في التأليف. وقد قيل إنه كان يقرئ الحساب في مكة وغيره (3).

وساهم الجزائريون أيضا في علم الفلك والميقات، فألف ابن القنفذ شرحا على أرجوزة ابن أبي الرجال في الفلك والتنجيم. ثم رفعه إلى أحد

(1) المكتبة الملكية بالرباط رقم 8544 مجموع. وشرح السنوسي هذا لا يتجاوز أربع ورقات.

(2)

الخزانة العامة بالرباط رقم 939 مجموع. وقد توفي ابن البنا سنة 721.

(3)

الجيلالي 2/ 266. وقد توفي أحمد بن يونس في المدينة المنورة سنة 878 انظر أيضا (البستان)، 210.

ص: 114

الوزراء المرينيين لاهتمام هذا الوزير بالعلوم العقلية. وقد مدح ابن القنفذ صاحب الأرجوزة على بيان فوائد وأسرار الدلالة الكلية على الحركات الفلكية بالإضافة إلى (الاستدلال بالطوالع على الكوائن)(1).

وافتتح الشرح بعبارات تدل على اهتمام المؤلف ومدلول الكتاب فقد جاء فيه (الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته وكون الأشياء بأحسن كونها، ورفع السماء بغير عمد ترونها، وصور النجوم السائرة، والأفلاك الدائرة، وجعل فيها آية للمتوسمين وعبرة للمستنظرين ..). وقد أطال ابن القنفذ في الحديث عن الطوالع وعلاقة حركة الإنسان بحركة النجوم. وقسم الكتاب إلى أبواب مثل باب البيع وباب الفرائض وباب التزويج وباب خدمة السلطان وباب دخول الحمام وغير ذلك. كما ضمنه جداول فلكية متعددة وهامة وأنهاه بالدعاء للوزير بطول المودة وحفظ رتبته العلية. وهكذا يتضح أن ابن القنفذ كان يسير في نفس الخط الذي سلكه في بعض كتبه الأخرى. فروح التقليد هنا أيضا واضحة. ومع ذلك فإن تآليفه في العلوم كثيرة بالقياس إلى غيره. ومن جهة أخرى يتضح أن دافعه كان، بالإضافة إلى العلم، خدمة السلطان ورجال الدولة ورغبة في التقرب إليهم ونيل المراتب من أيديهم (2).

5 -

يعتبر الحباك، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى، من أشهر من ألف في علم الأسطرلاب والهندسة. فله منظومة في الإسطرلاب أصبحت في نظر المتأخرين هي ألفية هذا العلم التي عليها يعتمدون ويجعلون

(1) ذكر ذلك عبد الحي الكتاني في بداية المخطوطة التي نحن بصددها وهي رقم ح 31 مجموع بالخزانة العامة بالرباط. وقد توفي ابن أبي الرجال سنة 432 وتوجد نسخة من شرح ابن القنفذ في مكتبة جامعة برنستون الأمريكية (قسم يهودا) رقم 4629.

(2)

نفس المصدر، المقدمة. وقد رأيت في آخر هذا المجموع (ح 31) رسالة لأحد تلاميذ عبد الرحمن الوغليسي في الوقت ومعرفة أوقات الصلاة وانتقال الشمس ولكني لم أسطع قراءتها.

ص: 115

عليها الشروح والتعاليق ويلجأون إليها في التدريس. واسم هذه المنظومة (بغية الطلاب في علم الإسطرلاب) وقد بدأها بقوله:

بحمدك اللهم نظمي ابتدي

مصليا على الرسول أحمد

وأرتجي أن تجزلن ثوابي

على نظام (بغية الطلاب)

وقسم الحباك منظومته إلى عناوين مفصلة، وهي أجزاء الإسطرلاب ورسومه وأخذ الارتفاع ومطالع البروج ومعرفة أصابع الظل وأقدامه والأوقات الخمسة والماضي من النهار والليل وما يلحق بهما والجهات الأربع ومعرفة الماضي من النهار بالجيوب (1). وفي هذا الميدان قام الحباك أيضا بشرح تلخيص ابن البنا المذكور سابقا كما جعل نظما على رسالة في الإسطرلاب كان قد كتبها الصفار، وله غير ذلك.

ومما يذكر أن الحباك كان أحد شيوخ محمد السنوسي في الحساب وفروعه وهو الذي ناول تلميذه (بغية الطلاب) لشرحه فقام التلميذ بهذه المهمة خير قيام. وقد كان السنوسي، كما أشرنا، معروفا بالشروح والحذق فيها. وقد ربط السنوسي بين عمل الإسطرلاب والقيام بالواجبات الدينية كالصلاة فقال في مقدمة شرحه (إن أعظم القواعد التي كلفنا بها هي إقامة الصلاة. وكانت معرفة أوقاتها من أوجب الواجبات والطريقة إلى ذلك (أي عمل الإسطرلاب) من أشرف العلوم الشرعية .. ومن أجل الصنائع الموصلة إلى هذا المطلب الشريف (إقامة الصلاة) صناعة الإسطرلاب المعينات (كذا) على كثير من تدقيقات المعدلين والحساب. فهو أجل آلة شعاعية من الله سبحانه بإظهارها للإسلام، وأحسن ما تستخرج به المطالب النفسية على وجه الإيجاز مع التمام).

ومدح السنوسي الإسطرلاب من حيث المظهر الفني أيضا. فقال عنه انه يمتاز (بزينة النقوش وأشكال الرسوم). أما فوائده فقد حددها بقوله إنه يمكن

(1) المكتبة الملكية بالرباط رقم 6678 مجموع. عن حياة الحباك انظر (البستان)219. وفيه أن وفاته كانت سنة 867.

ص: 116

صاحبه من معرفة حركات الأفلاك والكواكب ومن ظهورها واختقائها (1). وقد اعترف السنوسي بأن الحباك ليس أول من ألف في هذا العلم، بل سبقه إليه السابقون الذين منهم من أوجز ومنهم من أطنب. ولكن أفضل رسالة قرأها السنوسي في الموضوع، حسب تعبيره، هي رسالة (بغية الطلاب). وأوضح أن الحباك كان يرمي من ورائها إلى تسهيل حفظها على الطلاب وجعل درسها عذبا سائغا. ولكنها مع ذلك لم تخل من (صعوبة الفهم على كثير من الناس لضيق النظم) إذ لا بد من بسط الحديث وتفسير تراكيبها وغوامضها وألفاظها، لأن الكلام المنثور يوضح المنظوم. وبهذا برر السنوسي قيامه بشرح منظومة أستاذه الحباك .. وقد اتحبع الشارح طريقة الناظم في التبويب (2).

وكما ألف الحباك في الإسطرلاب ألف كذلك في شكل آخر من الأشكال الهندسية، وهو الذي يسمونه بالربع المجيب وسمي كتابه فيه (نيل المطلوب في العمل بربع الجيوب) وقد أوضح دافعه إلى هذا التأليف في مقدمته حيث قال (لما كان الربع المجيب أحسن الآلات شكلا وأحقها عملا وأخفها حملا، مع استخراج الأعمال منه لجميع العروض للوقت المفروض، هجس في خاطري أن أقيد عليه رسالة، تذكرة لنفسي، ولمن شاء الله من جنسي)(3). أما المنهج الذي سار عليه فهو أنه جعل الكتاب في مقدمة وعشرة أبواب. وخصص المقدمة لبيان تسمية الربع المجيب وما يتصل بذلك. والباب الأول جعله في معرفة الجيب وجيب التمام والسهم والقوس والوتر واستخراج أحدهما من الآخر. والباب الثاني في معرفة الغاية وبعد القطر

(1) المكتبة الملكية بالرباط رقم 6678 مجموع، وهو في حوالي مائة صفحة. والنسخة التي اطلعنا عليها منسوخة سنة 1191 هـ وخطها جيد لكن بدأ يعتريها التآكل.

(2)

نفس المصدر. والملاحظ أن السنوسي لم يجعل، حسب هذه النسخة، عنوانا خاصا بشرحه.

(3)

المكتبة الملكية بالرباط رقم 5266 والنسخة التي اطلعنا عليها لا تتجاوز ست ورقات من الحجم الصغير، وهي مكتوبة بخط واضح.

ص: 117

والأصل، والباب الرايع في معرفة نصف الفضلة وساعات الليل والنهار المستوية. والباب الخامس في معرفة الدائر وفضله. والباب السادس في معرفة الارتفاع من فضل الدائر. والباب السابع في معرفة سعة المشرق والمغرب. والباب الثامن في معرفة الارتفاع الذي لا سمت له. والباب التاسع في معرفة الظهر والعصر والفجر والشفق. والباب العاشر في الجمع والطرح والضرب والقسمة. وهذا التأليف، كما يتضح من محتواه وهدفه، يساعد على معرفة أوقات الصلاة وحركة النجوم والشمس والقمر وما يتصل بحياة الناس.

وبالإضافة إلى ذلك شرح الحباك رجز الجابري المسمى (روضة الأزهار في علم وقت الليل والنهار) في الفلك. وسمى شرحه (تفجير الأنهار خلل روضة الأزهار) وهو شرح لا يتجاوز عشرين ورقة ولكنه مفيد (1).

والذي يهمنا هنا ليس إبداع أو تقليد الحباك في هذا العلم ولكن مشاركته فيه بشكل جدي في عصر اتجهت فيه الأنظار إلى غير العلوم العقلية، كما يقول ابن القنفذ، وطغيان ذلك على كل شيء آخر. فالحباك من هذه الزاوية كان من العلماء الذين ساهموا مساهمة كبيرة في هذا الميدان، وقد أصبح هو بذلك شيخ الحسابين والفرضيين والفلكيين الجزائريين مدة طويلة (2). 6 - وهناك علوم أخرى ألف فيها الجزائريون واشتهروا بها في التدريس خلال القرن التاسع، ومنها علم المنطق. وقد نسب إلى أحمد بن يونس القسنطيني أنه كان مشاركا فيه وأستاذا (3).

(1) الخزانة العالمة بالرباط رقم د 2023 مجموع.

(2)

من الذين كانت لهم مشاركة أيضا في علم الفلك، أحمد بن يونس القسنطيني الذي سبق ذكره. انظر الجيلالي 2/ 266. وقد نسب بروكلمان 2/ 367 إلى محمد بن أحمد الحسني المصمودي التلمساني (توفي سنة 897) عملا في الكيمياء سماه (الوافي في تدبير الكافي) انظر عنه أيضا (معجم المؤلفين) 8/ 286 ولعل هناك تحريفا في عنوان الكتاب.

(3)

الجيلاني 2/ 266.

ص: 118

وألف أبو الفضل المشدالي شرحا على جمل الخونجي في المنطق أيضا. وقد قيل إنه قام بذلك ملخصا ومحققا شروح من سبقوه عليها مثل ابن مرزوق وسعيد العقباني والشريف التلمساني وابن واصل الحموي (1). فكان المشدالي على اطلاع واسع بهذه المادة. ولذلك استطاع أن يقوم بعمله الصعب. وكان قد درس المنطق في القدس. ومن الذين كتبوا في المنطق أيضا محمد بن يوسف السنوسي الذي عرف بكتابه (المختصر). وهو الكتاب الذي أصبح موضوع تعاليق وشروح علماء الخلف، كما سترى. كما ألف ابن القنفذ عدة تآليف في المنطق أيضا منها (إيضاح المعاني) و (تلخيص العمل).

وبهذه المناسبة نشير إلى المراسلة التي دارت بين السيوطي ومحمد بن عبد الكريم المغيلي حول الأخذ بعلم المنطق وأخذ علوم غير المسلمين، إذا كانت حقا. فقد كان السيوطي نهى عن علم المنطق وأورد ما قاله بعض العلماء في ذمه. كما أورد أخبارا في ذم المسلمين الذين يأخذون بعلوم اليهود والنصارى - ونهى أيضا عن تقليد هؤلاء في علومهم. لكن المغيلي رد حججه وقال إن المنطق هو الحق أو هو المؤدي إلى الحق وأن أخذ الحق يجوز من غير المسلمين لأن معرفة الناس بالحق هي المبدأ المعتمد وليس معرفة الحق بالناس. وبذلك يظهر لنا من جديد تحرر عقل المغيلي وبعد نظره في عصر سيطرت فيه آراء السيوطي وأمثاله.

وللمغيلي مؤلفات وآثار في المنطق أيضا، منها (شرح الجمل). ومما يدل أيضا على تحرر المغيلي العقلي نقده لأدعياء التصوف عندئذ (2).

(1) نفس المصدر، 2/ 251 وهنا وهناك.

(2)

من ذلك تأليفه (تنبيه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى مقامات العارفين) وهو عنوان يذكرنا بعنوان كتاب عبد الكريم الفكون في نفس الموضوع وهو (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية). وللمغيلي أيضا تأليف في نفس المعنى وهو (فتح الوهاب في رد الفكر إلى الصواب).

ص: 119