المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المؤثرات في الحياة الثقافية - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ١

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌الإهداء

- ‌شكر واعتراف

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌حول المصادر

- ‌تنبيهات

- ‌الفصل الأولتراث القرن التاسع (15) م

- ‌المؤثرات في الحياة الثقافية

- ‌بين العلماء والأمراء

- ‌التاريخ والسير

- ‌الأدب واللغة

- ‌التصوف وعلم الكلام

- ‌ أحمد النقاوسي:

- ‌ عبد الرحمن الثعالبي وأحمد الجزائري:

- ‌ ابن زكري:

- ‌ محمد السنوسي:

- ‌ الحوضي:

- ‌ التازي:

- ‌ محمد الفراوسني والمرائي الصوفية:

- ‌ عيسى البسكري:

- ‌ بركات القسنطيني:

- ‌ أبو عصيدة البجائي:

- ‌العلوم والمنطق

- ‌القراءات والتفسير والفقه

- ‌ أحمد الونشريسي

- ‌كتاب الافتتاح للقسنطيني

- ‌الفصل الثانيالتيارات والمؤثرات

- ‌العلاقات بين الجزائريين والعثمانيين

- ‌فئات المجتمع

- ‌دور المدن

- ‌الحياة الدينية والأدبية والفنية

- ‌الجهاد أو الإحساس المشترك

- ‌الثورات ضد العثمانيين

- ‌الفصل الثالثالمؤسسات الثقافية

- ‌ الأوقاف

- ‌ المساجد

- ‌الزوايا والرباطات

- ‌المدارس والمعاهد العليا

- ‌المكتبات

- ‌الفصل الرابعالتعليم ورجاله

- ‌سياسة التعليم

- ‌وسائل التعليم

- ‌ المعلمون:

- ‌ أجور المعلمين:

- ‌ التلاميذ:

- ‌ تعليم المرأة:

- ‌ الكتب:

- ‌المناهج

- ‌ في التعليم الابتدائي:

- ‌ في التعليم الثانوي:

- ‌ المواد المدروسة:

- ‌ حوافز التعليم وأهدافه:

- ‌بعض كبار المدرسين

- ‌سعيد قدورة

- ‌ علي الأنصاري السجلماسي:

- ‌ سعيد المقري:

- ‌ عمر الوزان

- ‌الفصل الخامسفئة العلماء

- ‌مكانة العلماء ووظائفهم وميزاتهم

- ‌تنافس العلماء وأخلاقهم

- ‌علاقة العلماء بالحكام

- ‌هجرة العلماء

- ‌العلماء المسلمون في الجزائر

- ‌من قضايا العصر

- ‌الفصل السادسالمرابطون والطرق الصوفية

- ‌حركة التصوف عشية العهد العثماني

- ‌موقف العثمانيين من رجال التصوف

- ‌حالة التصوف

- ‌سلوك بعض المتصوفين

- ‌بعض المرابطين وأهم الطرق الصوفية

- ‌ أحمد بن يوسف الملياني

- ‌ محمد بن علي الخروبي

- ‌ عبد الرحمن الأخضري

- ‌ محمد بن علي أبهلول:

- ‌ محمد بن بوزيان والطريقة الزيانية:

- ‌ محمد بن عبد الرحمن الأزهري والطريقة الرحمانية:

- ‌ أحمد التجاني والطريقة التجانية:

- ‌ الحاج مصطفى الغريسي والطريقة القادرية:

- ‌ الطريقة الطيبية في الجزائر:

- ‌ الطريقة الدرقاوية والطريقة الحنصالية:

- ‌عبد الكريم الفكون ونقد المتصوفين

- ‌المحتوى

الفصل: ‌المؤثرات في الحياة الثقافية

خصصنا هذا الفصل لدراسة التراث الثقافي خلال القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) باعتباره التركة التي ورثها العهد العثماني موضوع هذا الكتاب. فإنتاج القرن التاسع كان في الواقع خاتمة لإنتاج فترة امتدت ثلاثة قرون مبتدئة بعهد الموحدين، وكان في نفس الوقت فاتحة لإنتاج عهد العثمانيين بالجزائر، وهو العهد الذي انتهى بدوره سنة 1246 (1830 م)، وأثتاء دراستنا لإنتاج القرن التاسع سيتضح أنه كان حلقة بين إنتاج عاش في ظل إمارات محلية ضعيفة وإنتاج عاش في ظل (احتلال) إسلامي مركزي قوي.

ويعتبر إنتاج القرن التاسع، رغم ذلك، من أوفر إنتاج الجزائر الثقافي ومن أخصب عهودها بأسماء المثقفين (أو العلماء) والمؤلفات. وفي إحصاء سريع أجريته لأسماء العلماء المنتجين خلال القرن التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر وجدت أن عددهم في القرن التاسع يفوق أعدادهم في القرون الباقية متفرقة، ولا سيما القرن العاشر الذي عرف نقصا كبيرا في عدد العلماء وفي المؤلفات لأسباب سنعرفها. وكثير من إنتاج القرن التاسع ظل، كما سنرى، موضع عناية علماء القرون اللاحقة والتعليق عليه وتقليده ونحو ذلك. وكثير من علماء القرن العاشر، الذي هو نقطة انطلاقة هذا الكتاب، كانوا تلاميذ أوفياء لعلماء القرن التاسع، ومن أجل ذلك كله رأينا أن نفرد هذا القرن بفصل خاص.

‌المؤثرات في الحياة الثقافية

1 -

وبالرغم من أن القرن التاسع كان عهد إنتاج ثقافي وفير فإنه على المستوى السياسي كان عهد اضطراب وتدهور. ذلك أن الحدود السياسية

ص: 39

لجزائر القرن التاسع لم تكن مضبوطة وثابتة. وكلمة الجزائر عندئذ لم تكن تطلق إلا على مدينة ساحلية صغيرة قليلة الأهمية، ولم تكن تعني بأية حال (القطر الجزائري) المعروف الآن. فهذا المفهوم لكلمة (الجزائر) لم يصبح معروفا إلا منذ القرن العاشر أي أثناء الحكم العثماني. بل إن عبارة (المغرب الأوسط) التي أطلقها العرب المسلمون لم تكن تعني بالضبط حدود الجزائر الحالية لأن هذه العبارة وأمثالها (المغرب الأدنى، المغرب الأقصى) كانت غامضة غموض حدود الإمارات الإسلامية التي تعاقبت على حكم المغرب العربي.

وتثبت خريطة القرن التاسع السياسية أن المغرب العربي كان تحت نفوذ ثلاث دول رئيسية هي: المرينية والزيانية والحفصية. ومن التسامح فقط القول بأن الأولى كانت تحكم ما هو الآن المغرب الأقصى، وأن الثانية تحكم ما هو الآن الجزائر، وأن الثالثة تحكم ما هو الآن تونس. ذلك أن جزءا كبيرا من الشرق الجزائري اليوم (بما في ذلك قسنطينة وعنابة وبجاية وبسكرة وتقرت) كانت تحت هيمنة الدولة الحفصية، وكان ما يعرف اليوم بالغرب الجزائري تحت نفوذ الدولة الزيانية التي اتخذت قاعدتها تلمسان. أما وسط القطر الجزائري الحالي فقد كان منطقة عازلة بين الحفصيين والزيانيين، ومن ثمة كان منطقة صراع دائم بين القوتين، ولذلك ظهرت فيه إمارات محلية صغيرة كانت تحتفظ بحيادها أحيانا ولكنها كانت في أغلب الأحيان تتبع الأقوى. ولم يكن التنافس والطموح مقصورين على الزيانيين والحفصيين، بل لقد تدخلت في ذلك منافسة وطموح المرينيين أيضا ضد الزيانيين المجاورين تارة وضد الحفصيين البعيدين عنهم تارة أخرى. وهكذا وصلت جيوش المرينيين في بعض الأوقات إلى تونس والزاب وقسنطينة كما وصلت جيوش الحفصيين إلى المدية ومليانة وتلمسان (1).

(1) من المؤلفين الذين وصفوا هجوم الحفصيين على تلمسان الرحالة عبد الباسط بن خليل الذي عاش في تونس وتلمسان خلال السنوات 868، 869، 870، 871. انظر روبير برونشفيك (نصان من رحلتي ..) باريس 1936. انظر أيضا كتابه عن الدولة الحفصية.

ص: 40

ويضاف إلى هذا التطاحن (الإقلميي) تطاحن (عائلي) مرير وطويل.

فكل أسرة من الأسر المذكورة (المرينية والزيانية والحفصية) كانت في خصومة داخلية مستمرة على الملك والصولة. فالابن ضد أبيه والأخ ضد أخيه وابن العم ضد ابن عمه، والفرع الفلاني ضد الفرع الفلاني، وهكذا. ووسط هذا التمزق العائلي كان الأدعياء والمتآمرون والمغامرون والمستفيدون يزيدون النار حطبا. ولم يكن هذا الحطب سوى العامة التي كانت تطير لكل هيعة وتنصت إلى كل ناعق. وبذلك كثرت الحروب وسادت الفوضى وعمت اللصوصية وارتخى حبل الأمن. وتكشف (الفارسية) لابن القنفذ القسنطيني (ونوازل) المازوني و (معيار) الونشريسي، وكلها معاصرة لهذه الأحداث، عن هذا الوضع المتدهور. وسنشير إلى ذلك في حينه.

ولعله لو اقتصر النزاع على الإقليمية والعائلية لهان الأمر، ولكنه أخذ طابعا دوليا أيضا. ذلك أن عددا من ثغور المغرب العربي قد احتلها البرتغاليون والإسبانيون وأصبحت الثغور الأخرى، وحتى المدن الداخلية، مهددة باحتلالهم. ومن الثغور الجزائرية التي احتلها الأجانب خلال القرن التاسع، تدلس (دلس) وجيجل وعنابة وبجاية ووهران. وقد أصبح هؤلاء الأجانب يتدخلون في الشؤون الداخلية لكل إقليم من الأقاليم الثلاثة ولكل أسرة من الأسر الحاكمة. وبالإضافة إلى ذلك كان أحد الأطراف المتنازعة إقليميا أو عائليا يلتجيء إلى هذا الأجنبي أو ذاك لينصره على خصمه، وكانت سيطرة هؤلاء الأجانب على الطرق البحرية والمسالك التجارية قد اضعفت من الطاقة الاقتصادية للسكان. وكان ضغط الإسبان خاصة على مسلمي الأندلس قد حمل هؤلاء على الهجرة إلى سواحل المغرب العربي مما قلب الميزان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فيه. وسنعرف من خلال دراسة الإنتاج الثقافي اثر التدخل الأجنبي على الأوضاع هناك كما سنعرف اثر الهجرة الأندلسية على الحياة العامة.

2 -

فقد وصف أبو العباس احمد بن القنفذ القسنطيني في كتابه

ص: 41

(الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية) الذي انتهى منه سنة 806 حالة الاضطراب السياسي المشار إليه في الشرق الجزائري. ذلك أنه تحدث عن نقض بيعة السلطان الحفصي في قسنطينة وبجاية وعنابة وبسكرة حيث قضي على إمارة بني مزني في بسكرة والأوراس. وعندما حاول السلطان استعادة نفوذه كاد يلقي حتفه في جبال الأوراس. ورغم أن ابن القنفذ كان يريد التقليل من الاضطرابات لأنه كان يتحدث عن عهد سيده السلطان الذي أهدى له كتابه (الفارسية)، فإن الفوضى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشرق البلاد تظهر واضحة من ثنايا الكتاب. وقد تحدث ابن القنفذ أيضا عن احتلال الأجانب لثغر تدلس ومحاولتهم احتلال ثغر عنابة ودخولهم مرسى القل. ومما قاله عن أثر احتلال تدلس (ووقع بأهلها ما هو معلوم) دون أن يصف ما وقع. أما عن عنابة فقد قال إن النصارى قد نزلوها (بنحو سبعين قطعة)(1). ويمكن أن نضيف إلى المصادر التي تتحدث عن الاضطرابات السياسة في القرن التاسع (كتاب العدواني) الذي وضعه صاحبه بعد دخول العثمانيين ولكنه فصل القول في حوادث وحروب الصحراء الشرقية (صحراء قسنطينة كما كانت تسمى) في الفترة التي ندرسها (2).

ورغم أن يحيى المازوني لم يؤلف كتابه (الدرر المكنونة في نوازل مازونة) لكي يكون كتابا سياسيا فإنه ضمنه من قضايا العصر وفتاوي الفقهاء أو النوازل ما يكشف عن الحياة السياسية والاقتصادية في الغرب الجزائري، وخصوصا ضعف الدولة الزيانية (3). وكان المازوني قد عاش في ظل ثلاثة

(1)(الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية) تونس 1968، 196 انظر أيضا (رحلة ابن الصباح) مخطوط المكتبة الوطنية - تونس رقم 2295. وقد توسع ابن خلدون في وصف تلك الأوضاع.

(2)

شارل فيرو (كتاب العدواني) في (روكاي 6، 1868 (Recueil ونحيل أيضا على (تاريخ الدولتين) للزركشي لتعرف الاضطرابات التي كانت تتخبط فيها منطقة الشرق الجزائري ضمن الدولة الحفصية من ورقلة جنوبا إلى بجاية شمالا. وقد قمنا بتحقيق ونشر تاريخ العدواني.

(3)

عن هذه النقطة انظر أيضا الحسن الوزان (ليون الإفريقي)2.

ص: 42

ملوك من هذه الدولة. وشهد خلال ذلك، إلى جانب ضعف البناء الداخلي للدولة وعلاقتها بالسكان، هجمات الحفصيين المتكررة ضد الزيانيين تلك الهجمات التي وصلت إلى عاصمتهم، تلمسان. ومن هذا الكتاب يمكننا الحكم على ضعف بني مرين أيضا لأن المازوني قد أكثر من النقل عن علماء وسط وشرق الجزائر وتونس (مدينة الجزائر، والقيروان، تونس) بدل النقل عن علماء فاس عاصمة المرينيين. كما قد يدل على ذلك اتجاه الدراسة والبحث نحو المشرق، حسبما لاحظ أحد الباحثين. وقد كانت القضايا التي تحدث عنها المازوني معبرة عن روح العصر. فالنوازل تدور حول مشاكل سياسية واجتماعية خطيرة كان مجتمع القرن التاسع يعاني منها. ومن ذلك اللصوصية والظلم والغصب والضرار وتهريب السلاح والمصادمات الجماعية والأوبئة والمجاعات ونحوها، وهي الدوافع التي أرغمت الناس على مغادرة منازلهم وأوطانهم. فالحروب والغارات لم تسمح للفلاحين بالقيام بزراعة الأرض وتوفير الإنتاج، وانعدام الأمن وتراخي قبضة السلطان جعلت الناس يفتقدون العدل في الحكم ويعتمدون على أنفسهم في نيل حقوقهم. وهكذا أصبح العلماء والقضاة، حسب نوازل المازوني، هم الذين يقومون بالسهر على تنفيذ القانون (1) وأنى لهم ذلك في مجتمع يسوده الفساد والاضطراب!

ومن دراستنا لرسالة عبد الرحمن الثعالبي في الجهاد نعرف مدى تدهور الأوضاع السياسية في وسط البلاد أيضا. ومنها أيضا نعرف مدى ضعف القادة السياسيين وأهمية دور العلماء والمرابطين في قيادة العامة في الحروب ورد غارات الأجانب، ذلك أن الرسالة الموجهة إلى أحد علماء زواوة أشارت إلى كل ذلك، وخصوصا ما يتعلق ببجاية وسهل متيجة وما حوله. ومن الملاحظ أن الثعالبي لم يشر في رسالته إلى أمير أو سلطان. وكان يهيب بالعلماء أن يتحملوا مسؤولياتهم أمام الله والناس لصد غارات الأجانب أو (بني الأصفر) كما كان يسميهم (2).

(1) جاك بيرك (أنال) سبتمبر - أكتوبر 1970، 1329. وقد توفي المازوني سنة 883.

(2)

انظر دراستي عن هذه الرسالة في كتابي (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر) ج 1 =

ص: 43

وقد كان لهذه الاضطرابات السياسية وسوء الأحوال الاقتصادية عاقبة وخيمة على الحياة الثقافية. فهاجر بعض العلماء إلى المشرق والمغرب، وربط آخرون منهم مصيرهم ببعض الأمراء، بينما انزوى بعضهم مفضلا عيشة الزهد والهروب من أدران الحياة. وقد خسرت الحياة الثقافية في الجزائر من هجرة عالم جليل هو أحمد بن يحيى الونشريسي إلى فاس لأسباب سياسية.

ونفس الأسباب حدت بالمفكر محمد بن عبد الكريم المغيلي إلى الهجرة من تلمسان أيضا إلى السودان القديم. وهناك عدد آخر من العلماء هاجروا إلى المشرق وتوفوا به أمثال أبي الفضل محمد المشدالي البجائي وأحمد بوعصيدة البجائي وأحمد بن يونس القسنطيني وأبي القاسم المعروف بابن سالم الوشتاتي القسنطيني أيضا وأبي زيان ناصر بن مزني البسكري، ومحمد بن أحمد المعروف بابن صعد التلمساني، بينما كان ابن القنقذ يؤلف (الفارسية) للسلطان أبي فارس الحفصي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي يؤلف (نظم الدر والعقيان في شرف بني زيان) للسلطان أبي عبد الله محمد بن أبي تاشفين الزياني. وكان الشاعر محمد بن عبد الرحمن الحوضي يسخر موهبته الشعرية لخدمة السلطان أبي عبد الله الزياني، والشاعر أحمد الخلوف القسنطيني يشيد بالسلطان أبي عمرو عثمان الحفصي، وهكذا. ولكن رجالا من أمثال عبد الرحمن الثعالبي وتلميذه أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري ومعاصرهما محمد بن يوسف السنوسي اختاروا حياة العزلة والتصوف وترك الدنيا لأصحابها والاهتمام (بعلوم الآخرة) حسب تعبير الثعالبي. وسنعرف المزيد عن هذا الموضوع عند دراستتا لإنتاج هؤلاء العلماء.

3 -

ووسط هذه الصورة المضطربة للحياة السياسية كانت هناك بعض المدن تنمو بعدد سكانها وتشع بمدارسها ومساجدها ثقافة يتغذى منها المجتمع روحيا وعقليا. ومن هذه المدن نذكر تلمسان وقسنطينة وبجاية

= الجزائر 1978 وهي الدراسة التي قدمتها ايضا لتنشر ضمن وقائع ندوة المرحوم الدكتور أحمد فكري التي نظمتها جامعة الإسكندرية أثناء خريف 1976.

ص: 44

ومازونة ووهران والجزائر وعنابة وبسكرة. ففي كل مدينة من هذه المدن عائلات اشتهرت بالعلم والتأليف والدرس أو بالزهد والتصوف. ومن هذه العائلات عائلة المقري والعقباني في تلمسان، وعائلة ابن باديس والقنفذ في قسنطينة، وعائلة المنجلاني والمشدالي في بجاية، وعائلة ابن السكات بمدينة الجزائر. كما اشتهرت بسكرة بعلمائها أبي زيان ناصر بن مزني وعيسى بن سلامة وأبي محمد عبد الله المعروف بقصيدته في المديح النبوي: دار الحبيب أحق أن تهواها

وتحن من طرب إلى ذكراها

وعرفت مازونة بعدد من الفقهاء أمثال موسى بن عيسى صاحب (ديباجة الافتخار)(1) و (حلية المسافر)، وابنه يحيى صاحب (الدرر المكنونة) في النوازل. أما مدينة الجزائر فقد اشتهرت بزاهدها وعالمها عبد الرحمن الثعالبي وتلميذه أحمد بن عبد الله الجزائري. كما اشتهرت مدينة وهران بالعالمين المتصوفين محمد الهواري وتلميذه إبراهيم التازي (2).

ورغم أن الإحصاءات الدقيقة تعوزنا في الوقت الراهن فإن كل مدينة من المدن المذكورة كانت تحتوي على عدد من المساجد والمدارس والمؤسسات العامة والخاصة كالقصور والمنازل الفاخرة والحمامات والمصانع والأضرحة والفنادق ونحو ذلك. وتثبت بعض الإحصاءات أن عدد مدارس تلمسان كان في نهاية القرن التاسع خمسا على الأقل وأن عدد مساجدها كان حوالي ستين مسجدا. ومن الممكن أن نقول إن مدينة قسنطينة وبجاية (3) تحتويان على عدد من المدارس والمساجد قريب من ذلك. وكان

(1) توجد نسخة من هذا الكتاب عند الشيخ المهدي البوعبدلي. انظر عن موسى بن عيسى المازوني لاحقا.

(2)

سنتحدث عن هؤلاء العلماء والمرابطين بعد قليل.

(3)

عبد الرحمن الجيلالي (تاريخ الجزائر العام) 2/ 237. وهو يضيف بأن عدد سكان وهران عشية احتلالها من الإسبان كان ستة آلاف دار وأن عدد متاجرها بلغ أكثر من ألف دكان، 243. انظر أيضا ألفرد بيل (الإسلام في بارباريا) في كتاب (التاريخ ومؤرخو الجزائر)، 195.

ص: 45

التعليم، بجميع مستوياته منتشرا في المدارس والمساجد وفي الزوايا التي أخذت تنتشر، كما سنرى. وكانت حلق الدروس حول كل أستاذ مشهور سواء في المدرسة أو الجامع أو في الزاوية، هي المنبع الذي ينهل منه تلاميذ وطلاب القرن التاسع، وهو نفسه المنبع الذي ظل يغذي أجيال المتعلمين المسلمين بثقافة تقليدية، ولكنها كانت تحتوي على شرارات كامنة في انتظار الفرصة. وسنرى أن هذا التعليم قد غلبت عليه الروح النظرية. وكاد أصحابه لا يخرجون عن علوم الدين وعلوم العربية. وسنرى أيضا أن زوال الفلسفة الموحدية قد أفسح المجال أمام الفقهاء المالكية الذين عادوا إلى الاعتناء بالفروع الفقهية. وقد نشأت مدارس متعددة، كمدرسة القيروان، همها العناية بالفقه المالكي خاصة. وتبع ذلك، تمشيا مع الضعف السياسي، سطحية التعليم وقلة موارده وضعف أساتذته. ومع ذلك فإن بعض العلوم العملية ظلت حية لا سيما في تلمسان. فقد كان فيها، حسب رواية عبد الباسط بن خليل، طبيبان هما محمد بن علي بن فشوش (أحد أطباء تلمسان في المزاولة والدرس) وموشى بن صمويل المعروف بابن الأشقر اليهودي الذي كان، بالإضافة إلى الطب، عالما بالوفق والميقات وعلوم أخري قديمة، وكان ابن الأشقر من مهاجري الأندلس وملازما لسلطان تلمسان عندئذ محمد بن أبي ثابت (1).

4 -

وقد كان لهجرة الأندلسيين أثر كبير على المجتمع الجزائري من جميع النواحي. ولعل القرن التاسع قد شهد أكبر موجة من موجات هذه الهجرة. ففيه اشتدت وطأة الإسبان على بقايا المسلمين في الأندلس. وفيه سقطت (سنة 1492) آخر قلعة لهم هناك. لذلك تدفقت أمواج المهاجرينعلى شواطئ المغرب العربي ينشدون الحماية والأمن ويبحثون في نفس الوقت عن طريق العودة والثأر. وكانت طبقات المهاجرين تختلف ثروة وثقافة وجاها. ففيهم أبناء الشعب البسطاء وأحفاد الملوك الوجهاء، وفيهم

(1) برونشفيك (نصان) النص العربي 17 - 68.

ص: 46

أصحاب الصنائع وأصحاب القلم. وهكذا كانت المأساة الإنسانية في الأندلس خيرا وبركة على مجتمع المغرب العربي الذي كان دائما يلعب دور الوسيط في الإنتاج الثقافي وليس دور المنتج.

وإذا كان تأثير الهجرة الأندلسية السياسي والاقتصادي على مجتمع القرن التاسع لا يهمنا هنا فإن تأثيرها الثقافي لا يمكن إغفاله (1). ويهمنا الآن أن نعرف قليلا عن تأثيرها في التعليم والموسيقى. لقد احتكر الأندلسيون ميدان التعليم في المغرب العربي ولا سيما في الحواضر، ونقلوا طريقتهم الخاصة بهم إليها. ومن ذلك عدم الاقتصار في تعليم الأطفال على حفظ القرآن كما كان الحال قبلهم بل أضافوا إليه تعليم الحديث والقواعد العامة لمختلف العلوم وتدارس بعضها، كما علموا روايات القرآن وأنوع قراءاته. ونشر الأندلسيون خطهم حتى ساد على خط المغرب العربي. أما التعليم العالي فقد كان يعطي في المساجد والزوايا ودور العلماء ومجالس المناظرة، وكان يعهد به إلى كبار العلماء. وبالإضافة إلى هذه الأماكن العامة، كانت السلطة تعين للمدارس كبار العلماء الأندلسيين وغيرهم وتجري عليهم المرتبات. ولكن التعليم العالي كان أكثر انتشارا في المراكز الأولى منه في الثانية. وكان يعتمد في أغلب الأحيان على النقل والرواية لا على الرأي والاجتهاد (2). وهذه الطريقة بعينها قد استمرت أيضا خلال العهد العثماني، ولكن مع ضعف، تبعا لضعف الأحوال العقلية ولانتشار الدروشة والخرافات. وقد شمل التأثير الأندلسي أيضا ميادين النحو والأدب والعلوم والموسيقى (3) وكان هناك علماء مختصون في كل فن من هذه الفنون، ألفوا

(1) عن تأثيرها السياسي انظر مقدمة المهدي البوعبدلي لكتاب (الثغر الجماني)13.

(2)

انظر بهذا الصدد مقالة محمد الطالبي (الهجرة الأندلسية إلى إفريقية أيام الحفصيين) في (الأصالة) 26، 1975، 46 - 90. وعن التأثير الثقافي خاصة انظر 64 - 78.

(3)

عن أثرهم في الموسيقى انظر نفس المصدر، وكذلك مقالة على الجندوبي (المناظر) جوان 1961، 18، وعمر راسم (الموسيقى الأندلسية في الجزائر) في (المباحث) أفريل 1945.

ص: 47

فيه وأثروا به على الأجيال اللاحقة.

5 -

ومن أبرز ما تميز به القرن التاسع في الجزائر ظهور عقيدة المرابط وانتشار الزوايا وافتتاح عهد التصوف (العملي خصوصا)(1). وهذه الظاهرة هي التي سنجدها تزداد انتشارا وإغراقا في القرون الثلاثة اللاحقة للعهد العثماني. ولا شك أن وجود هذه الظاهرة كان يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الدولة أمام الانحلال الداخلي والخطر الخارجي. حقا ان التصوف قد ظهر في المشرق قبل ذلك بقرون ووجد طريقه إلى المغرب العربي في حينه ولا سيما مذهب الغزالي الذي كان له في الموحدين أنصار ودعاة. ولكن المبالغة في الاعتقاد في الشيخ وابتداع الحضرة والأوراد وغيرها. والالتفاف حول زاوية ذلك الشيخ أو ضريحه كل هذه أمور تكاد تكون وليدة القرن التاسع وما بعده. وقد جاء العهد العثماني ليزيدها حماية وتعهدا ولتزداد هي بدورها في ظله ازدهارا وتفريعا.

وقد أدت المبالغة في الاعتقاد في الشيخ وانتشار الزوايا والأضرحة إلى نتيجتين خطيرتين أولاهما تبسيط المعرفة وثانيتهما غلق باب الاجتهاد. ذلك أن نقل التعليم إلى الزوايا قد أدى إلى الاكتفاء بالحد الأدنى منه بطريقة جافة ريفية ضيقة. وأصبحت الزاوية بذلك تنافس المدرسة والجامع (الجامعة) في نشر التعليم وفي كسب الأنصار. وبدل أن يلتف الناس حول العلماء المتنورين في المدارس والمساجد أصبحوا يلتفون في زاوية حول شيخ أو مقدم تغلب على عقله الخرافة وعلى أحواله الزهد. وهكذا تدهور مستوى التعليم. وهذه المنافسة بين العالم والمرابط أو الجامع والزاوية قد أجبرت أيضا علماء المساجد والمدارس على تبسيط آرائهم وطرقهم في التعليم ومحتويات دروسهم حتى لا يفر الطلبة إلى الزوايا والمرابطين. فالتنافس إذن

(1) حول هذه النقطة انظر ألفريد بيل (الإسلام في باباريا) في كتاب (التاريخ ومؤرخو الجزائر)، 191. وقد علل بيل ذلك بملاءمة التصوف لذوق أهل البلاد وظهور الوطنية الدينية عندهم منذ غارات المسيحيين على شواطئهم. كما علل لانتشار التصوف بأن المرأة وجدت فيه طريقا لمساواتها بالرجل وبناء زاوية خاصة بها مثله.

ص: 48

كان من أجل البحث عن الأتباع وضمان لقمة العيش وليس من أجل رفع مستوى التعليم أو المساهمة في ترقية الحياة الفكرية. ولا شك أن التعليم الذي يقوم على هذه الأسس لا يترك مجالا للاجتهاد وحرية الرأي والبحث وراء المجهول وإعطاء تفسيرات حرة وفلسفية لقضايا الدين والعصر (1). وهكذا اكتفى العلماء بالشقشقة اللفظية والاقتصار على الفروع دون الأصول. وبينما كانت الأديرة في أوروبا في موقف دفاع عن نفسها أمام تقدم العلم أصبحت الزوايا في الجزائر (وفي بقية العالم الإسلامي) في موقف الهجوم. ولذلك لا نستغرب أنه عندما كانت شمس المعرفة في أوروبا تطل من وراء السحاب كانت شمس المعرفة في الجزائر تفر غاربة وسط ضباب كثيف.

ويعتبر محمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الثعالبي من أكبر زهاد وعلماء القرن التاسع. فقد جمع كل منهما بين الإنتاج العلمي والسلوك الصوفي وانتفع بكل منهما خلق كثير، وكان لهما تأثير كبير على معاصريهما وعلى اللاحقين منهم. ورغم شهرة كليهما ومكانته فإن كلا منهما كان يحث على العزلة والهروب من الدنيا وعلومها والاهتمام بعلوم الآخرة والتفرغ لها. ويجد دارس حياة كل منهما نموذجا للعالم الزاهد الذي استعمل علمه لا لنقد أحوال الناس المعاشية والتنبيه على نقاط الخطر في المجتمع بل لدعوة هؤلاء الناس إلى الهروب إلى الآخرة والصبر على ما كانوا يجدونه من ظلم السلطان وسوء الأحوال. وقد رويت عن كل منهما أخبار ونصائح ومواعظ بعضها صحيح وبعضها مكذوب ولكنها جميعا صورة لعقيدة الناس في القرن التاسع وما بعده. وإذا كانت رسالة الثعالبي في الجهاد تعدل قليلا من حكمنا عليه فإن حكمنا على السنوسي يظل هو هو. فقد نصح معاصريه بالعزلة قائلا:(إن الواجب فيه (يعني عصره) قطعا لمن أراد النجاة، بعد تحصيله ما يلزم من العلم، أن يعتزل الناس جملة ويكون جليس بيته ويبكي على نفسه ويدعو دعاء الغريق، لعل الله سبحانه أن يخرق له العادة بفصله عن هذه الفتن

(1) ألفريد بيل، المرجع السابق، 192.

ص: 49

المتراكمة في نفسه وديته إلى أن يرتحل من هذه الدار بموته) (1). وسنعرف المزيد عن حياة وسلوك وتأثير كل من الثعالبي والسنوسي.

ولعل النص التالي يصور هذا التحول العقائدي والاجتماعي الذي أشرنا إليه. فهو يتحدث عن الفترة الواقعة بين حكم الموحدين وحكم العثمانيين في المغرب العربي ولكنه يصدق بالخصوص على القرن التاسع الذي نحن بصدده. ونلاحظ من الآن أن هذا النص ينسحب أيضا على العهد العثماني مع إضافة شيء من المبالغة والإسراف. ورغم أن صاحب النص يتحدث عن المغرب العربي عامة فإن حديثه يصدق على موضوعنا بالطبع. والجزائر، التي كانت جزءا من هذه المنطقة، كانت أكثر تأثرا بما كان يحدث لأنها كانت، كما لاحظنا، مسرح معارك ومطمح غنائم. ولذلك كثر فيها هي بالذات الاضطراب والفوضى وسوء المعيشة، ومن ثمة هجرة العلماء منها وضعف الطاقة العقلية وانتشار الطرقية والاعتقادات الخرافية. وإليك النص:(ففي هذه القرون التي أعقبت تفكك الموحدين وسقوط دولتهم وشهد فيها المغرب هذه الفترة القلقة المفعمة بالاضطرابات السياسية وعرف إبانها الأطماع الأجنبية سرت في جميع أجزائه روح غريبة جعلت الشعب يقبل إقبالا لم يعرفه من قبل على أمور المجاهدة والكشف وينخرط في الزوايا والربط ويؤمن بالأولياء وكراماتهم ويتناقل خرقهم للعادات وإخبارهم بالمغيبات واحتجابهم عن الأنظار. إلى غير ذلك من التصاريف. وهو مأخوذ كأنه قد أصابه مس من الجن. ثم نجده يندفع في زيارة قبور هؤلاء الأولياء وأضرحتهم ويقيم حلقات الذكر حول قبابهم وتتشكل بهذه الطرق الصوفية التي ملأت البلاد من أقصاها إلى أقصاها بكل ما عرف لها من نظام كهنوتي دقيق يضم النقباء والنجباء والأبدال والأوتاد والمريدين)(2) وهكذا تكونت في الجزائر في القرن التاسع مجموعة من الزوايا منها زاوية الثعالبي في مدينة

(1) ابن مريم (البستان)، 279.

(2)

يحيى هويدي (تاريخ الفلسفة الإسلامية في القارة الإفريقية) القاهرة 1966، 343.

ص: 50

الجزائر، وضريح محمد الهواري في وهران (1) والزاوية الملارية في قسنطينة وزاوية السنوسي بتلمسان وغيرها كثير.

ولكن الحالة السابقة لم تأت فجأة بل كانت هناك ظروف دينية واجتماعية هيأت لها. ومن ذلك الصراع الحاد الذي نشأ بين المجتهدين والتقليديين. ذلك أن الموحدين كانوا قد تسامحوا مع التأويل العقلي والاجتهاد في أصول الدين والتوحيد، ولكنهم لم يتسامحوا مثل ذلك في أمور الفروع، ومن ثمة عزلوا عنهم فقهاء المالكية وكادت دراسات الفروع في المغرب العربي يقضى عليها، وأصبح هناك حزبان، حزب المتأولين (المتفلسفين) وتسانده الدولة وحزب المعارضين المتشبثين بالفروع. وبعد انتهاء عهد الموحدين، وقيام الدول الثلاث (المرينية والزيانية والحفصية) على أنقاضهم انتعش الحزب الأخير الذي كان ناقما على الدولة وتقلص الأول، كما لاحظنا. وقد نادى أنصار الفروع بإحياء السنة والعناية بالمسائل الفقهية. وبالإضافة إلى الاتجاهين السابقين ظهر في نفس الفترة الاتجاه الصوفي (العملي) الذي أشرنا إليه أيضا (2).

وشيئا فشيئا ازدهرت العلوم الدينية ولا سيما في الشرق الجزائري لصلته بالدولة الحفصية وتخلف المتأولين (المجتهدين) وتركوا مكانهم للمتصوفين، وتعايش الفقهاء والمتصوفة فترة لأن معظم العلماء كانوا يجمعون بين الحقيقة والشريعة، بين علوم أهل الظاهر وعلوم أهل الباطن، وكانوا في نفس الوقت متمكنين من أمور الدين كما كانوا غير ميالين إلى الجدل الذي هو أساس الفلسفة وطريق الاجتهاد. وعندما ضعفت هذه الروح

(1) عن محمد الهواري انظر الدراسة البيبلوغرافية التي كتبها عنه ديستينق في (المجلة الآسيوية)، 1906، 242 - 295، 385 - 438.

(2)

هويدي، 287 - 288. انظر أيضا محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي (الفارسية) لابن القنفذ، تونس، 1968، 31 وهنا وهناك. والمعروف أن ابن تومرت جعل الغزالي رائده وجعل كتاب (إحياء علوم الدين) دستورا لأتباعه. انظر عثمان الكعاك (تلمسان ونشأة الدولة الموحدية)، (الأصالة)، 26، 1975، 120.

ص: 51

الدينية عند العلماء ساد التصوف العملي بما فيه من حضرة وأذكار وأوراد واعتقادات في المرابط. وبذلك انفصل التصوف عن علوم الدين الأخرى. وقد أسرف المتصوفون على أنفسهم حتى اعتبروا الأذكار أفضل من القرآن وسووا بين المرابط والرسول صلى الله عليه وسلم (1).

ومع ذلك وقع خلاف شديد بين السلفيين والمتصوفين خلال القرن التاسع، ولا سيما في تلمسان. وكان ابن مرزوق الحفيد هو الذي تزعم الاتجاه السلفي بينما عارضه معاصره قاسم العقباني. وكلا الرجلين مشهود له بالعمق في العلوم والاجتهاد في الرأي. ويكفي أن نذكر هنا أن ابن مرزوق قد وصفه تلاميذه (برئيس علماء المغرب على الإطلاق) وبأن الناس قد أجمعوا على فضله من المغرب إلى الديار المصرية وبأنه عديم النظير في وقته. وقد وصفه بعضهم (بالإمام الحافظ الأستاذ النظار المحدث السني)(2). وبذلك نعلم أن ابن مرزوق الذي توفي سنة 842 قد بلغ في نظر معاصريه درجة الاجتهاد. ومن بين أساتذته أبوه وجده وكذلك سعيد العقباني، بالإضافة إلى ابن عرفة وابن خلدون. وقد تخرج عليه كثير. ومن تلاميذه عبد الرحمن الثعالبي.

أما خصمه في الرأي فهو قاسم العقباني الذي وصفه ابن مريم بتحصيل العلم والوصول إلى درجة الاجتهاد أيضا، وبأنه كانت له اختيارات خارجة عن المذهب، وأنه كان مفتيا حافظا معمرا وعالما جليلا (3). وقد توفي قاسم

(1) هويدي 297 - 288. ويذكر مقدم (الفارسية) أنه بينما ازدهرت العلوم الدينية في الدولة الحفصية ازدهرت العلوم الدنيوية في الدولة المرينية. وهذا ما حمل العلماء في الدولة الأولى على التوجه إلى الطرب ظنا منهم بأنها كانت أقوى بدليل هجماتها على مناطق نفوذ الحفصيين. ومن علماء قسنطينة الذين توجهوا إلى الطرب حسن بن باديس وابن القنفذ. انظر (الفارسية)، 31 وهنا وهناك. وفي الطرب كتب ابن القنفذ (أنس الفقير وعز الحقير) واهتم بعلم الحساب والمنطق والفلك.

(2)

عبد الحي الكتاني (فهرس الفهارس) 1/ 393.

(3)

ابن مريم (البستان)، 147.

ص: 52

العقباني سنة 854. فالرجلان إذن من عائلتين كبيرتين في تلمسان اشتهر كل منهما بالعلم والرسوخ فيه. ولما كان تيار العصر يندفع نحو التصوف، كما أشرنا، فإن سلفية ابن مرزوق وجدت نفسها في أقلية بينما انتصر عدد من علماء العصر البارزين أمثال محمد بن يوسف السنوسي إلى رأي قاسم العقباني. وكان للسنوسي أتباع كثيرون أيضا. وقد أثر هو بدوره على الاتجاه الانعزالي الصوفي لعلماء العصر. ويكفي أن نعرف أن من بين انصاره شيخه عبد الرحمن الثعالبي والحسن أبركان ومعاصره محمد بن عبد الله التنسي (1).

6 -

وقصة محمد بن عبد الكريم المغيلي مع يهود توات من القصص التي كثر الحديث حولها بين الكتاب ولا سيما في هذه الأيام. فقد علمت أن هناك من علماء الإنكليز والأمريكان والفرنسيين وغيرهم من كتبوا حولها رسائل وأبحاثا وحاولوا من خلالها أن يصلوا الحاضر بالماضي على أساس أن العرب والمسلمين قد اضطهدوا اليهود عبر العصور وأبرزوا دور اليهود في الحياة السياسية للمسلمين (2). ونحن هنا لا نريد أن نسرد هذه القصة لأنها أصبحت معروفة (3) ولأن الذي يهمنا منها هو موقف العلماء المعاصرين لها منها. فقد وجد اليهود صولتهم حينما أحسوا بضعف الدولة السياسي داخليا وخارجيا فتواطؤوا مع بعض الأمراء على مدهم بالمال والدعاية لهم بل وتوليتهم (4)، بينما الأمراء يسمحون أو يتغاضون عن بناء اليهود بيعا لهم وفتح المتاجر وتأسيس الشركات والاستيلاء على الطرق التجارية. ولما رأى

(1) انظر المهدي البوعبدلي (أهم الأحداث الفكرية في تلمسان)(الأصالة) 26، 1975، 126.

(2)

آخر بحث عن هذا الموضوع سمعته من أحد القساوسة الفرنسيين وهو بول كامبوزا، وقد قدمه في المؤتمر الأول لتاريخ المغرب العربي وحضارته (تونس، ديسمبر:1974. وبعد ذلك بأسابيع سمعت أن كامبوزا قد توفي في حادثة سيارة.

(3)

انظر خلاصتها في (مصباح الأرواح) لمحمد بن عبد الكريم المغيلي، تحقيق رابح بونار، الجزائر 1968.

(4)

انظر ما وصل إليه نفوذ اليهود في المغرب في القرن التاسع في رحلة عبد الباسط بن خليل.

ص: 53

المغيلي ذلك استفتى علماء تلمسان وفاس وتونس على هدم بيع اليهود في توات فانقسموا، ولكن الأغلبية كانت مع الرأي القائل بوجوب هدمها فهدمت وشارك المغيلي نفسه في ذلك. ومن الذين انتصروا له محمد بن يوسف السنوسي ومحمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي وأحمد بن زكري (مفتي تلمسان) بالإضافة إلى مفتي فاس ومفتي تونس. فقد هنأ السنوسي زميله المغيلي على شجاعته وقيامه بواجب الدين في وقت فسد فيه الزمان وضعفت فيه فريضة النهي عن المنكر وسادت فيه (مداهنة من يتقي شوكته) أما التنسي فقد كتب إلى المغيلي جوابا مطولا يستصوب رأيه ويبارك عمله.

ويهمنا من هذه القصة الربط بينها وبين واقع العصر السياسي (1). فالمغيلي لم يتخذ ذلك الموقف إلا بعد أن رأى ما عليه اليهود (من التعالي والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية بتولية أرباب الشوكة وخدمة السلطان) فالمسألة إذن ليست دينية كما فهمها من أراد المس بالدين الإسلامي وبأهله لرميهم بالتعصب وضيق الأفق ولكنها مسألة سياسية بالدرجة الأولى. ذلك أن اليهود (وأهل الذمة عامة) اغتنموا فرصة الضعف السياسي والاقتصادي للدولة وراحوا يستعملون حيلهم ونفوذهم للتدخل في شؤون المسلمين وفي صميم الحكم نفسه. لذلك ألف المغيلي رسالة في الموضوع قسمها إلى ثلاثة فصول، فخص الفصل الأول بما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار بحيث لا يقرب المسلم كافرا من نفسه أو عياله أو يستعمله في أعماله، ولا يفعل ذلك من المسلمين إلا من لا دين ولا مروءة له. وتناول في الفصل الثاني ما يلزم أهل الذمة (وهو هنا لا يقصد اليهود فقط) من الجزية والصغار. أما الفصل الثالث فقد تحدث فيه عن (يهود هذا الزمان في سائر

(1) ذكر الحسن الوزان، 2/ 436 أن عددا من اليهود قد نزلوا، بعد طردهم من الأندلس وصقلية، في القورارة وتوات. وكانت القورارة في مفترق الطرق التجارية بين فاس وتلمسان والصحراء. وكان هؤلاء اليهود قد استغنوا جدا. وهذا ما أدى إلى تدخل المغيلي لأنه رأى أن نفوذهم قد تعاظم.

ص: 54

الأوطان من الجرأة والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية) (1) والتدخل في شؤون الدولة الإسلامية. فهو لم يستطع أن يقود ثورة ضد الحكام الضعفاء الفاسدين الذين وضعوا مقدرات الأمة بين أيدي غير المسلمين (الكفار) فوجه جهده نحو أهل الذمة ناقما عليهم تدخلهم مستنجدا بالعلماء عليهم باسم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يقول السنوسي. وقد أشار السنوسي نفسه إلى العلاقة السياسية بين القصة المذكورة وواقع العصر في قوله (فسد فيه الزمان) وسادت فيه (مداهنة من يتقي شوكته) كما دب اليأس في نفس المغيلي من إصلاح الأوضاع في بلاده فتوجه إلى بلاد السودان ينشر مبادئه وأفكاره ويفتي الأمراء هناك بما يتماشى وتصوره في نظم الدولة الإسلامية (2).

ويتصل بهذه القضية موقف علماء الجزائر من بقايا مسلمي الأندلس: فهل كان على هؤلاء المسلمين أن يعلنوا تنصرهم ويخفوا إسلامهم؟ أو ماذا؟ وأقدم نص في هذا الموضوع فتوى أحمد بن يحيى الونشريسي التي سماها (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر). وكان ذلك حين هاجر بعض الأندلسيين إلى المغرب الإسلامي ولكن ما إن وضعوا رحالهم حتى بدأوا يشكون من عدم الأمن وعدم توفر أسباب الدنيا وأخذوا يأسفون على مغادرة ديارهم وأرزاقهم في الأندلس. وقد استنتج الونشريسي أن هجرة هؤلاء إذن كانت للدنيا وليست للدين بينما الهجرة من أرض الكفار إلى أرض الإسلام واجب شرعي (3). وفي سنة 910 وجدنا فتوى أخرى لمحمد بن أبي جمعة الوهراني

(1) اطلعت على هذه الرسالة في ك 1131. الخزانة العامة بالرباط مجموع. وعن حياة المغيلي باختصار انظر (الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام) لعباس بن إبراهيم 4/ 125. وقد توفي المغيلي في توات سنة 909.

(2)

انظر عبد القادر زبادية (دولة سنغاي) و (أسئلة الأسقيا محمد).

(3)

الونشريسي (المعيار) 2/ 90. وقد نشر هذه الفتوى حسين مؤنس في (صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية) ج 5/ 129 - 191. وقد انتقد مؤنس رأي الونشريسي كما أنه حقق النص تحقيقا جيدا.

ص: 55