الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الظاهرة لم تتم عن طريق الطفرة ولا عن خطة رسمية مدروسة، ولكن الوحدة السياسية للبلاد قد فرضت نوعا من الوحدة الاقتصادية، ومن ثمة نوعا من الوحدة الثقافية أيضا. ومع ذلك فلا يمكننا هنا أن ندعي بأن المجتمع الزراعي الاقتصادي انتهى في الجزائر خلال هذا العهد.
الحياة الدينية والأدبية والفنية
1 -
لقد قيل الكثير عن موقف الترك من الثقافة سواء في بلادهم أناضوليا أو في البلاد التي دخلت تحت طاعتهم كالجزائر. وأقصى ما اتهم به الترك حب المال والبربرية والجهل والاهتمام بالأمور العسكرية دون المدنية ونحو ذلك من الاتهامات التي تجردهم جملة وتفصيلا من الحضارة والثقافة. ونحن هنا لا نريد أن نعمق هذا الاتهام ولا أن ندافع عن الترك. وكل ما نريده هو الوصول إلى معرفة الموقف الحقيقي للعثمانيين في الجزائر من الثقافة والعلم والدين ومتطلباته. إن تدهور الثقافة الإسلامية قد بدأ قبل استيلاء العثمانيين على السلطة بقرون. كما أن ظهور الطرق الصوفية، الذي كان ظاهرة متصلة بتدهور الثقافة، كان قبل توليهم السلطة أيضا. وتكاد المصادر تجمع على أن الثقافة الإسلامية قد أخذت في التدهور منذ عهد المعتصم بينما ظهرت الطرق الصوفية منذ القرن الخامس الهجري. فالأتراك ليسوا مسؤولين حينئذ على تدهور الثقافة الإسلامية ولا على ظهور التصوف. ولكن التدهور الثقافي والتصوف المنحرف قد أعانا على ظهور الأتراك، كما أن سياسة الأتراك في الحكم قد أعانت بعد ذلك على نشر التصوف الخرافي والانحطاط الثقافي.
فالدراويش كانوا وراء تقدم الأتراك في أناضوليا وفي احتلالهم القسطنطينية. وكانوا هم الروح التي تحرك الجندي التركي للجهاد والاستماتة فيه. ومن أهم الدراويش الذين نسب لهم ذلك، الحاج بكداش (القرن 7) وأتباعه المعروفون (بالبكداشية). وقد وصلت طريقتهم أوجها في القرن
العاشر، عصر سليمان القانوني وعصر دخول العالم العربي، ومنه الجزائر، في حكم الدولة العثمانية. وكان رئيسهم يدعى شلبي ويقيم في إسطانبول. وكانت لهم مراكز ونظم سرية وعلنية في مختلف أنحاء الدولة وخصوصا في أناضوليا وروميليا. وكانت الدولة تخشاهم أحيانا (بعد أن كانوا ساهموا في تأسيسها)، لذلك كانت تساند أيضا طريقة أخرى، وهي طريقة جلال الدين الرومي (القرن السابع أيضا) المعروفة بالمولوية، لتحفظ بها التوازن. وكان رئيسهم يدعى أيضا شلبي، ويقيم في قونية، عند قبر جلال الدين الرومي. وكان الاعتراف بهذه الطريقة أو تلك من جانب الدولة يعني حضور رئيس الطريقة الحفلات الرسمية وتقليده رموزا وشعارات من التأييد والاعتراف (1).
ويهمنا من هذه العلاقة بين التصوف والدولة العثمانية علاقة الدراويش بالإنكشارية. ذلك أن الأساطير تذهب إلى أن الحاج بكداش هو الذي احتضن النظام الإنكشاري وهو الذي أعطى الجنود اسمهم وألبسهم لباسهم المميز. ولم يحن القرن العاشر (16 م) حتى أصبح البكداشية هم الذين يسيطرون فعلا على الإنكشارية وهم الذين كانوا يستقبلونهم ويؤاخون بينهم دينيا وعسكريا. وهذه العلاقة الوطيدة بين الصوفية والعسكرية هي التي ستظهر أيضا في الجزائر كما سنرى (2). وقبل أن نصل إلى ذلك نود أن نلاحظ أن هذه العلاقة هي التي جعلت السلطة الحاكمة في إسطانبول تخشى، كما أشرنا، البكداشية فقدمت غيرهم إلى جانبهم، كما أثارت تخوفات العلماء والفقهاء من الدراويش وأهل التصوف المتطرف. وكان ظهور المولوية وإعطاؤها الطابع الرسمي هو الذي جعل كثيرا من أهل الطبقة الوسطى ينضمون إليها. كما أن كثيرا من المثقفين العثمانيين قد انضموا إلى الطريقة المولوية. وكان قرب أصحاب هذه الطريقة من أهل السنة سببا في انتشارها
(1) انظر بهذا الصدد كتاب هاميلتون جيب وباون (المجتمع الإسلامي والغرب) القسم الثاني، فصول العلماء والدراويش والتربية.
(2)
عن علاقة العثمانيين بالمرابطين الجزائريين وحياة المرابطين في الجزائر انظر الفصل السادس.
بين أهل المدن وأهل الثقافة. وبالإضافة إلى البكداشية والمولوية شاعت في الدولة العثمانية الطريقة النقشبندية والطريقة القادرية وكلتاهما أيضا من الطرق القريبة من عقائد أهل السنة لعدم تطرفهما في ممارسة التصوف (1).
فإذا رجعنا من هذه النظرة العامة إلى علاقة العثمانيين في الجزائر بالدين وأهله وجدنا تفسيرا واضحا لما قاموا به هناك. فالطرقية (أو التصوف) التي كانت ظاهرة اجتماعية حضارية عامة في المجتمع الإسلامي، قد سبقت العثمانيين في الجزائر. ذلك أن أفكار محيي الدين بن عربي قد انتشرت فيها قبل العثمانيين، كما أن حسن بن باديس صاحب السينية، قد تحدث عن الشيخ عبد القادر الجيلاني وطريقته (القرن 8 هـ). ومن جهة أخرى تحدث محمد الزواوي الفراوسني صاحب (المرائي الصوفية) عن الطريقة القادرية في وقته (القرن 9 هـ). وقد شاع التصوف في الجزائر بفضل مدرسة عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي وأحمد زروق وغيرهم، كما سبقت الإشارة (2). وكان الانتماء إلى طريقة من الطرق لا يعد نقصا أو عيبا، بل إن أخذ الطريقة، كما كانوا يسمونه، شيء يعلن عنه ويشاع بين الناس ويمارسه العلماء والتجار والساسة والجنود (3). أما باقي الناس فيكتفون بالإيمان في نفع وضر شيخ الطريقة (أو المرابط) القريب منهم. ومن الطرق التي شاعت في الجزائر قبل العثمانيين أيضا الشاذلية والقادرية.
وتختلف الآراء حول سياسة العثمانيين الدينية في الجزائر فبعضهم نفى أن تكون لهم سياسة دينية محددة وأكد أن همهم الوحيد كان القرصنة ونهب
(1) انظر برنارد لويس (إسطانبول وحضارة الدولة العثمانية)، أوكلاهوما 1963، الفصل السادس.
(2)
انظر قسم التصوف في الفصل الأول من هذا الجزء.
(3)
ذكر عبد الرحمن الجامعي أن محمد بكداش قد دخل طريقة أحمد بن ساسي البوني قبل توليه باشوية الجزائر. وأن البوني هو الذي سماه محمدا وأخبره أنه رأى رؤية يموت فيها على حسن الخاتمة: انظر (شرح الحلفاوية) للجامعي، مخطوط باريس رقم 5113.
الأموال والتسلط العسكري، ولم يكونوا، حسب هذا الرأي، مسلمين عن عقيدة راسخة، بل إن إسلامهم كان رقيقا فاترا. ولذلك لم يعطوا أهمية لتطوير العقيدة ونشر الثقافة ولم يهتموا بالدين إلا إذا كانت له عواقب على الحكم والأمن. ومن ثمة كانت لهم سياسة خاصة حول الطرق الصوفية. ولأهمية هذه الطرق عند السكان حاول العثمانيون التفاهم مع مرابطيها. وأحيانا وقفوا منها موقف الحياد (1). وهناك من بحث الموضوع من زاوية أخرى فرأى أن العثمانيين عندما جاؤوا إلى الجزائر كانت الطريقة الشاذلية والقادرية سائدتين فيها فتحالف العثمانيون مع أحمد بن يوسف الملياني الذي كان من أبرز متصوفة الطريقة الشاذلية وكان أيضا ضد الزيانيين في تلمسان. وقد استمر التحالف إلى القرن الثاني عشر. ففي هذا القرن تغير ميزان القوة بنقص موارد البحر مما أدى إلى فرض الدولة ضرائب جديدة على السكان. وهذا التحول الاقتصادي قد أدى إلى تحول في العلاقات الدينية - السياسية بين العثمانيين وحلفائهم المرابطين. فمنذ نهاية القرن المذكور شهدنا في الريف ثورات المرابطين على العثمانيين. أما في المدن فقد ظل العلماء والمرابطون على تحالفهم مع العثمانيين طالما أن هؤلاء يضمنون لهم العيش الرغد والتعويضات اللازمة (2).
وقبل أن نشير إلى خلاصة هذه الآراء حول سياسة العثمانيين الدينية في الجزائر نشير من الناحية الجغرافية إلى أن الغرب الجزائري قد انتشرت فيه الطريقة الشاذلية والقادرية والتجانية والطيبية والدرقاوية والزيانية، بينما شاعت في الشرق الجزائري الطريقة الرحمانية والحنصالية والشابية بالإضافة إلى القادرية والشاذلية أيضا. ومما يذكر أن القادرية قد وجدت تأييدا خاصا من العثمانيين في الجزائر، ولكن علاقتهم بها كان يشوبها في العهد الأخير،
(1) ألفريد بيل، (الإسلام في برباريا - شمال إفريقية) في كتاب (التاريخ ومؤرخو الجزائر) 194 وسنعالج هذه النقطة في الفصل السادس من هذا الجزء.
(2)
بيير بواييه (هل للأتراك سياسة دينية في الجزائر؟)(مجلة الغرب الإسلامي) 61، 1966.
بعض الشك وعدم الاطمئنان. ويظهر ذلك من معاملتهم لشيخ القادرية في زاوية القيطنة أوائل القرن الثالث عشر.
إن علاقة العثمانيين بالطرق الدينية في الجزائر علاقة معقدة وتحتاج إلى دراسة مستفيضة وغير متحيزة. ويتفق معظم المؤرخين على أن الأتراك كانوا من الناحية الدينية مسلمين راسخي العقيدة لأنهم كانوا يعرفون أن الإسلام هو رصيدهم السياسي وهو مصدر قوتهم. وقد أقاموا دولتهم ونظامهم على الجهاد منذ ظهورهم وتقدمهم سواء ضد البيزنطيين أو ضد روسيا ودول البلقان أو ضد إسبانيا وغيرها من الدول المسيحية. ولكن الإسلام الذي اعتنقه العثمانيون واتخذوه وسيلة للغزو (وقد كانوا يفتخرون بلقب الغازي والغزاة) والجهاد لم يكن هو إسلام الخلفاء الراشدين ولا إسلام الصحابة والتابعين. فقد كان إسلاما مشوبا بتقاليد وعقائد جديدة. ومن هذه التقاليد والعقائد ما مارسه الدراويش (والكلمة هنا متعملة في معناها التاريخي وليس في معناها المعاصر الذي قد يوحي بشيء من الاحتقار) على الجنود العثمانيين (الإنكشارية) الذين كانوا إما من شعوب آسيا، وأناضوليا على الخصوص، وإما من شعوب البلقان المغلوبة، وإما من المرتدين عن المسيحية الذين وإن كانوا قد اعتنقوا الإسلام، قد حافظوا على بقايا العقلية الأوروبية والتقاليد المسيحية. وكان الجندي الإنكشاري الذي يأتي إلى الجزائر يحمل معه هذه العقائد والتقاليد من درويش أناضوليا وروميليا (الطريقة البكداشية). وعندما يحل بالجزائر يجد مرابطين آخرين يزودونه بالبركات والدعوات كلما امتطى سفينته ليمارس نفس المهمة التي كان يمارسها آباؤه في أناضوليا والبلقان، وهي الغزو والجهاد في سبيل الإسلام والغنائم (1). وهذا يفسر بدون شك، ما سنعرفه من أن هؤلاء الجنود كانوا،
(1) انظر ما كتبه بيري رايس عن مرابط بجاية محمد التواتي. وكذلك علاقة الباشا محمد بكداش بأحمد البوني، وغير ذلك من القصص التي تعكس هذا الاتجاه. ولاحظ أيضا أن معظم الجنود كانوا من المغامرين ومن نفايات المجتمع العثماني في المشرق، بل إن بعضهم كان من المحكوم عليهم في بلدانهم. وقد ذكر بيتز الذي =
قبل القيام بالغزو، يدخلون في زاوية ولي دادة أو ضريح سيدي بتقة وغيرهما من القباب والمساجد، سواء في العاصمة أو في الثغور، طالبين من الأولياء البركة والنصر، كما يفسر علاقة العثمانيين كنظام، بالمرابطين ورجال الدين على العموم.
2 -
وكان العثمانيون يعرفون أنهم غرباء في الجزائر. فلم يكونوا يتكلمون لغة السكان ولا يعرفون تقاليدهم ولا طرق معيشتهم، ولم يلدوا على أرضهم أو يمارسوا حرفهم أو يختلطوا بجيل منهم في مدرسة أو شارع أو منزل، وليس لهم في الجزائر ذكريات طفولة ولا شباب. وقد كان العامل الوحيد الذي يربطهم بالأهالي هو الدين الإسلامي والجهاد من أجله ضد العدو المشترك. وهذا العامل المهم هو الذي لم يستطع النظام الفرنسي، مثلا، أن يدرك مغزاه أو أن يفهم أبعاده عندما راح كتابه يقارنون بين نظام الفرنسيين والعثمانيين والرومان في الجزائر. ذلك أن العامل الديني والخوف المشترك كان عاملا إيجابيا في صالح العثمانيين، بينما لم يكن كذلك بالنسبة للنظام الفرنسي. وإذا كان رائد العثمانيين في الجزائر هو الدفاع عن الإسلام وحب المال والحكم فماذا يا ترى كان رائد قادة فرنسا في الجزائر، من كلوزيل إلى منظمة الجيش السري؟ إن الأخوة الدينية والخوف من العدو المشترك هو الذي جعل استغلال العثمانيين الاقتصادي، على فرض التسليم بذلك، محتملا عند الجزائريين، بينما لم يجدوا أي مبرر لاحتمال استغلال الفرنسيين لهم.
والعامل المشترك (الدين والجهاد والعدو الواحد) قد جعل العثمانيين يبحثون عن حلفائهم في الجزائر ضمن الفئات والأفراد الذين يؤمنون مثلهم
= ذهب معهم في البحر كمرتد أن البحارة الأتراك كانوا إذا حل بهم مكروه يوقدون الشموع باسم أحد المرابطين أو يذبحون شاة أو أكثر ويرمون بنصفها في البحر على جانب السفينة الأيمن والنصف الآخر على الجانب الأيسر. انظر بيتز (حقائق)، 13، وهناك نماذج كثيرة على خرافية العقلية التركية، وهي في الحقيقة ظاهرة غير خاصة بهم في ذلك الوقت.
طريقة أكثر فلسفة وأكثر تحمسا. ولا شك أن أول من فعل ذلك، أفرادا وطرقا، هم رجال الدين والعلماء. ومن ثمة بدأت هذه العلاقة بين الطرفين تنمو وترسخ. وعندما ندرس فئة العلماء والمرابطين سنلاحظ اعتماد العثمانيين على أهل التصوف سواء كانوا في المدن أو في الريف. وكان تقربهم منهم عن عقيدة فيهم في معظم الأحيان، تماما كما كان يفعل آباؤهم وزملاؤهم في أناضوليا والبلقان عندما كانوا يأخذون بركات الدراويش لينطلقوا نحو الجهاد. فهم في الجزائر كانوا يسيرون على تقاليد راسخة حفظوها منذ كانوا في المشرق. وعلى هذا الأساس كان كبارهم وصغارهم يحترمون رجال الدين عامة احتراما خاصا ويبالغون في تعظيمهم وإكبارهم. وتحدثنا الوثائق أن الباشوات والبايات كانوا يقومون احتراما لرجال الدين وأن بعضهم، كالباشا يوسف ومحمد بكداش باشا، كانوا يسترضون رجال الدين ويراسلونهم ويمنحونهم الهدايا والعطاءات. وتعطى قصة الشيخ أحمد بن يوسف الملياني وعروج بربروس مثلا على هذه العلاقة.
ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك سخط من رجال الدين على العثمانيين. ذلك أن النزاعات بين أهل الطرق أحيانا واستغلال أدعياء التصوف للعامة ومبالغة المرابطين والعلماء في طلب الجاه وفي التنافس كان يثير قلق السلطة العثمانية التي كانت تتدخل لتوقف الأمور عند حد، لأن النظام والأمن يقتضيان ذلك التدخل. وقد وقعت عدة ثورات، كما سنشير، كان العامل الديني مظهرا لها. ولكن العامل الاقتصادي والتدخل الخارجي كانا أحيانا وراء بعضها، فالطرق كانت تتدخل في العلاقات بين الجزائر والمغرب، كما أن فرض الضرائب الإضافية وضعف الغنائم البحرية وظلم الحكام كانت وراء بعض الثورات أيضا.
ولم تكن هذه السياسة العثمانية مقصورة على الجزائر وحدها. فموقفهم من الدين والعلم كان هو نفسه سواء كانوا في إسطانبول أو في الجزائر. فإذا كانوا يعتمدون في الأولى على البكداشية والمولوية وغيرها فإنهم في الجزائر قد اعتمدوا على رجال التصوف عامة، وخصوصا الطريقة
الشاذلية والقادرية. وإذا كانوا في إسطانبول قد خافوا من مغبة التحالف بين البكداشية والإنكشارية فإنهم في الجزائر قد خافوا من مغبة التحالف بين الشاذلية وسلاطين المغرب، وهم في الجزائر، كما في إسطانبول، لم يشجعوا الثقافة والتقدم الفكري والفني لأن ذلك خارج نطاق العصر بالنسبة إليهم. ونحن إذا طالبناهم به كنا نطالبهم بما لم يخلقوا له. وكتعبير على شعورهم الديني كانوا يبنون المساجد ويوقفون عليها الأوقاف ويعفون بعض العائلات الدينية من الضرائب. وكانوا يؤدون الشعائر ظاهريا ويتقربون من الأولياء والصالحين. ومن ثمة فإن العثمانيين سواء كانوا في الجزائر أو في غيرها، كانوا يعيشون عصرهم، عصر التخلف الفكري والتدهور السياسي، ولكن كانوا يمثلون قمة هذا التخلف لأنهم كانوا مسؤولين على الأمة الإسلامية وعلى الخلافة.
3 -
ولم يكن مستواهم العلمي بأحسن حظا من مستواهم الديني. فالعلم كان في وقتهم من شؤون المجتمع وليس من شؤون الحكومة. ولم تكن هناك وزارة ولا إدارة للتعليم لا في إسطانبول ولا في الجزائر. كان التعليم إذن حرا بمفهوم الحرية عندنا اليوم يشترك فيه الرسمي وغير الرسمي. فالأمة بأسرها مسؤولة على تعليم أطفالها، كما أن الأمة كلها مسؤولة على القيام بشؤون دينها. وقد اشترك العثمانيون، حكاما وجنودا وكراغلة، في إقامة مؤسسات التعليم بإمكانياتهم عندئذ. بدأوا بالكتاتيب حول المساجد في الأحياء الآهلة بالسكان وانتهوا بالمدارس والمساجد، التي كانت بدورها مراكز للتعليم والدروس. وقد حبسوا لذلك الأحباس ووفروا الكتب وعينوا المدرسين ورتبوا لهم الرواتب. وكانوا في ذلك لا يختلفون عن بقية المسلمين. وتطول القائمة لو ذكرنا منهم من أسهم في بناء المساجد والكتاتيب وتحبيس الكتب وتعيين المدرسين. حقا إن الذين اشتهروا منهم بذلك قلة. ويعود ذلك إلى قصر مددهم في الحكم وإلى عوامل أخرى ليس لها علاقة باستعداداتهم الشخصية (1).
(1) انظر التفاصيل في الفصل الثالث (المؤسسات الثقافية).
هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى العام فإن الأهالي أيضا كانوا يعيشون ظاهرة التخلف التي طبعت العهد العثماني بل العالم الإسلامي كله عندئذ. ولقد استمر الأهالي أيضا في إقامة الشعائر الدينية وفي الحفاط على العقيدة الإسلامية بالدفاع عنها عسكريا (الجهاد) وفي بناء المساجد والأضرحة والزوايا، وفي تحبيس الأحباس التي تخدم هذه الأغراض، وفي دراسة التاريخ الإسلامي ورجاله. وكانوا بالطبع تحت تأثير العقائد الصوفية، كما كان قادتهم أنفسهم، سواء كانوا من أهل الحل والعقد (الحكام) أو من أهل الرأي والفتوى (العلماء). كما استمر الأهالي في تعليم أطفالهم العلوم المعروفة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبنوا لذلك الكتاتيب والمدارس وغيرها من المؤسسات العلمية، وركزوا في تعليمهم على القرآن الكريم حفظا وتفسيرا وقراءات. كما أنتج أدباؤهم أدبا راقيا نسبيا، وأنتج فقهاؤهم فتاوي وأحكاما تتماشى والعصر الذي كانوا فيه. إن ظاهرة التخلب حينئذ كانت مشتركة بين الحكام والمحكومين، كما كانت عامة، فهي لا تتعلق بالجزائر فقط.
فهل بعد هذا يصح ما قاله أحد الكتاب من أن العهد التركي في الجزائر كان عبارة عن (بربرية ثقافية) أو أن الشعب قد قلد حكامه الأتراك في جهلهم وبعدهم عن العلم، والعلماء (1)؟ ولعل رأي السيد شو أقرب إلى الصواب عندما لاحظ، قبل فيرو بفترة طويلة، وهو يتحدث عن حالة العلوم والفنون في الجزائر في وقته، بأنها ما زالت عند المسلمين (كما كانت منذ مدة في حالة دنيا
…
فالفلسفة والحساب والطبيعيات والطب التي كانت ملكا لهم خلال عدة قرون قد أصبحت الآن لا تكاد تعرف أو تدرس). وقد أرجع شو ذلك إلى عدم الاستقرار لدى العرب والمظالم التي كان يعانيها الحضر على يد الأتراك لأن الأمن والحرية والهدوء ضرورية للإنتاج الأدبي والفني الراقي.
وهذا النقص في نظره يعود إلى كون الأتراك في الجزائر لم يكونوا مهتمين إلا
(1) شارل فيرو مقدمة (كتاب العدواني) في مجلة (روكاي) 1868، 2.
بالتجارة والأمور المالية، بالإضافة إلى أن ميولهم الحربية وعدم الاستقرار السياسي تجعل مساهمتهم في الإنتاج الأدبي والفني غير مضمونة (1). ولكن شو كان يصف وضعا خاصا شاهده بل عاشه أثناء وجوده في الجزائر ولم يكن يدرس العصر عن بعد، كما نفعل نحن الآن. فرؤيته إذن شخصية رغم أن نتائجها صحيحة إلى حد بعيد. فالعثمانيون (أو الأتراك كما يسميهم) لم يوفروا الأمن والحرية والاستقرار الضرورية للإنتاج الفني والعلمي والأدبي، ولم يتخذوا تشجيع الأدباء والعلماء والفنانين سياسة لهم أثناء حكمهم باستثناء بعض الحالات المنعزلة. وقد كان الأدب والعلم والفن في العالم الإسلامي قبلهم وليد التشجيع الرسمي في معظم الأحوال.
ولكن العثمانيين كانوا يفتقرون إلى أشياء أساسية لكي يشجعوا الأدب والعلم والفن في الجزائر. وأول ذلك اللغة. ولقد كانت لغة الوجق العامة هي التركية. وهي لغة للحديث أكثر منها للكتابة. ولم تكن هناك أعمال أدبية هامة أنتجت بهذه اللغة إلى ذلك الحين. وكان كل المسؤولين يعرفون هذه اللغة أيضا أو على الأقل يتحدثون بها. وقد جعلوها لغة رسمية في الدواوين وفي المعاهدات وبعض السجلات (2). ولا شك أن لغة الحضارة الإسلامية في وقتهم كانت هي اللغة العربية ولا نعرف أن الحكام العثمانيين كانوا يتقنون العربية العامية فما بالك بالعربية الأدبية (3). فكيف تتوقع منهم تشجيع إنتاج بلغة لا يعرفونها ولا يتذوقونها؟ ومن جهة أخرى تتحدث الروايات وتتواتر على أن الحكام أنفسهم كانوا في أغلب الأحيان جهلة ومغامرين، بل كان
(1) شو، ط. 2، 353.
(2)
كان بعض علماء الأتراك في الجزائر يكتبون ويؤلفون باللغة التركية أيضا مثل الشيخ مصطفى خوجة إمام جامع خضر باشا الذي ألف عدة أعمال بالتركية منها (التبر المسبوك في جهاد غزاة الجزائر والملوك)، وهومن علماء القرن الثاني عشر (18 م).
(3)
لا بد أن نستثني من ذلك محمد الكبير باي معسكر والحاج أحمد باي قسنطينة (وكلاهما من أمهات جزائريات) ولعل محمد بكداش باشا وحسين خوجة الشريف باشا ويوسف باشا كانوا أيضا يحسنون العربية، انظر المراسلات العلمية الأدبية التي كانت بينهم وبين علماء الجزائر.
بعضهم مرتدا عن دينه الأصلي وحديث عهد بالإسلام، فكان حتى بعد توليه يتحدث أحيانا لغته الأصلية، وهي ليست تركية ولا عربية. وبالإضافة إلى ذلك فإن العثمانيين كانوا يشعرون، كما لاحظنا، بالغربة في الجزائر، رغم كونهم مسلمين ومدافعين عن الإسلام. وهذا الشعور قد جعلهم مبتعدين عن الأهالي غير منتمين إليهم ولا مندمجين فيهم. وهذا العامل هو الذي لم يشجع على إيجاد إحساس أدبي وفني مشترك، رغم وجود إحساس روحي ومصيري مشترك، كما لاحظنا أيضا. وإذا كان الإحساس الروحي قد استفاد منه الدين فإن الإحساس الأدبي قد خسرت منه اللغة والإنتاج الثقافي عامة.
ومع ذلك فقد وجدنا في العهد العثماني تراثا أدبيا وفنيا وعلميا في مستوى طيب استحق منا العناية والدرس في هذا الكتاب. ولكن يجب أن نلاحظ من الآن أن هذا الإنتاج بأنواعه كان خارج نطاق الحكم، فأصحابه لم يجدوا التبني ولا التشجيع من الحكام العثمانيين. وقد أنتج الجزائريون خلال هذا العهد أدبا راقيا نسبيا، شعرا ونثرا، تناولوا فيه شتى الأغراض المتداولة عندئذ. وكانت آفة هذا الأدب أن أصحابه لم يكونوا مستقرين في الجزائر. ذلك أن أكثر الأدباء والمثقفين (الأحرار) أو غير الموظفين قد هاجروا من بلادهم. وقد غلب الشعر السياسي على جميع أنوع الشعر الأخرى، ما عدا الشعر الديني، وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى استمرار الجهاد بين الجزائر وجاراتها من الشمال. وشاع النثر الفني في الرسائل الإخوانية والرسمية وفي وصف الرياض ونحوها (1). وقلما توجهت عناية علماء الجزائر إلى علوم اللغة، باستثناء النحو، وكان غياب مؤسسة للتعليم العالي قد جعل الأدب الجزائري عندئذ يفتقر إلى وحدة الأسلوب ووحدة التوجيه. ذلك أن مصادر التأثير على الأدب، كانت في أغلبها من خارج الجزائر لأن معظم العلماء قد تكون، في سنوات النضج، في المعاهد الإسلامية الأخرى، ولكن قلما نجد
(1) انظر فصلي الأدب (النثر والشعر) في الجزء الثاني.
المصدر العثماني من بين هذه المصادر.
أما في الموسيقى والعمارة والصياغة (الحلي) ونحوها فإن التأثير العثماني كان واضحا. فرغم وجود الموسيقى المحلية والأندلسية فإن العثمانيين قد أدخلوا آلاتهم الموسيقية ونغماتهم وذوقهم في الطرب. وقد كثرت المقاهي والحفلات الشعبية والرسمية التي تعزف فيها أنواع الموسيقى الثلاثة وتميزت كل واحدة منها بطابعها المؤثر. وقد وقف العلماء والأدباء مواقف مختلفة من عزف الموسيقى فبعضهم كان يرفضها على أساس ديني، وبعضهم يحبذها على أساس إنساني واجتماعي، وبعضهم يفصل في ذلك فيقبل الموسيقى إذا كانت على اجتماع صوفي توقظ حواس الخير، ويرفضها إذا كانت على اجتماع الخنا واللهو ونحوها. ومع الموسيقى انتشرت القهوة والحشيشة والرقص وغيرها من ملازمات الاجتماع والحب والمجون، ولاسيما بين الشباب والجنود العثمانيين. أما أرباب السلطة وأعيان الحضر فقد كانت لهم أيضا طرق خاصة للتمتع بالموسيقى وغيرها في منازلهم وتجمعاتهم الخاصة.
وبالإضافة إلى ذلك ترقت العمارة في الجزائر وامتزج فيها الذوق المحلي بالذوق العثماني الشرقي أيضا فظهر هذا الذوق في المساجد والقباب والقلاع، كما ظهر الذوق المحلي في القصور والمنازل والمساجد أيضا. وكانت أدوات البناء والزينة تجلب أحيانا من الخارج، وخصوصا تونس وإيطاليا. ومن ذلك الرخام والزليج. كما اشتهر بهذا الصدد عدد من البنائين (أو المعلمين كما كانوا يسمونهم) والخطاطين والنقاشين. وأحيانا كان يؤتى بالبناء والرسام من الخارج أيضا (1). وأبرز ما ظهر فيه الذوق المحلي هو ما يعرف بالفنون الشعبية من طرز وصياغة وزخرفة النسيج كالزرابي وترصيع بعض الآلات والتحف كالسيوف والبنادق والسروج وأدوات الطرب وأبواب المنازل. وقد لعبت المرأة في ذلك دورا بارزا منتجة ومستهلكة معا، فكثير من الأعمال المذكورة كانت من صنع النساء، وهي أيضا كانت موجهة إليهن،
(1) انظر عن الفنون الفصل السادس من الجزء الثاني.