الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخرى أنه قد زارها أيضا سنة 1161.
ومهما قيل في هذه الحركة العلمية الواردة من المغرب أو من المشرق فإنها كانت في جملتها بركة على الجزائر. فكل عالم كان مدرسة متنقلة ومكتبة مفتوحة. وحركتهم كانت تشكل ما نسميه اليوم بوسائل الإعلام وتبادل الخبراء والكتاب ونحو ذلك من وسائل الاتصال العلمي. وكما كان الجزائريون يهاجرون من أجل العلم ليأخذوه في الأماكن البعيدة كانوا أيضا يرحبون بالعلماء الوافدين ويهرعون للأخذ عنهم والاستماع منهم في شوق وشغف. وهذا التلاقح في الأفكار والاتصال المستمر هو الذي أدى إلى نوع من التحديات الفكرية بين الجامدين والمتحررين ظهرت أحيانا في شكل مناظرات وأخرى في شكل نقد لاذع لأحوال الفكر عموما.
من قضايا العصر
في عصر ضمرت فيه الحركة الفكرية، ماذا ننتظر أن تكون القضايا التي تشغل بال العلماء وتثير نقاشهم وخصوماتهم؟ والواقع أن معظم العلماء، كما عرفنا، كانوا في شغل شاغل عن القضايا الفكرية، فهم كانوا في منافسة كبيرة على الوظائف مع ما يتطلب ذلك من الاكتفاء بالقليل من العلم والجهد في تحصيله. فالوسائل المادية ونحوها هي التي كانت تؤهلهم لتلك الوظائف وليس الكفاءة العلمية والتفوق الفكري. وسنرى أن من وسائل الحرب التي كانت تدور بينهم اتهام بعضهم البعض بالزندقة والخروج عن الجماعة والاعتزال. وقد كان (الالتزام) بما قاله السلف والاحتفاظ به على علاته أفضل عند هؤلاء من دعوة الاجتهاد وحرية الفكر ونقد الماضي.
غير أن بعض العلماء كانوا يقومون برسالة هامة في المجتمع ونعني بذلك إصلاح ذات البين، ولا سيما في الأرياف، وتوعية العامة بقواعد الشرع وأحكامه الصحيحة، والعامة كانت مقلدة ولا تثق في الحكام بقدر ما كانت تثق في العلماء والمرابطين، ولذلك كان دور هؤلاء عظيما بين العامة. ولما كانت السلطة السياسية في بعض المناطق شبه معدومة فقد كثرت النزاعات
والمشاغبات واللجوء إلى القوة وتحكيم الهوى والعادات القبلية أكثر من تحكيم الدين والقواعد الإنسانية والتضامن الاجتماعي. لذلك كان العلماء في الأرياف يقومون بإعادة الحق إلى نصابه ويفتون الناس فيما جهلوا. فتوريث المرأة كان في بعض الجهات غير معمول به فتدخل العلماء وأنصفوها باسم الدين. وكان تقسيم الأراضي لا يخضع إلا لتقاليد القبيلة فأصبح بتدخل العلماء يخضع لقواعد الشرع. والحروب التي كانت لا تنطفيء لها نار بين أهل القرى والأعراش هدأت بفضل تدخلهم أيضا. فعبارة (إصلاح ذات البين) التي طالما كررها الورتلاني كانت تعني تلك الأمور التي ذكرناها جميعا، وقد كان هو وأمثاله يقومون بها خير قيام (1).
وكما كان العلماء يفتون ويقضون ويحلون مشاكل العامة كانوا أيضا يتدخلون لإطفاء نار الفتن السياسية الداخلية والخارجية. وقد مرت بنا نماذج على ذلك مثل تدخلهم بين شعبان خوجة باشا والإنكشارية. ومثل تدخل شيخ الإسلام في عدة حوادث بقسنطينة. وكان العلماء أيضا يشاركون في وفود المفاوضات بين الجزائر وجاراتها مثل ما حدث سنة 1037 بالنسبة لتونس وسنة 1064 بالنسبة للمغرب. وقد أشرنا أيضا إلى بعثة محمد القوجيلي إلى إسطانبول سنة 1065 وبعثة ابن العنابي للمغرب وإسطانبول أوائل القرن الثالث عشر. فالعلماء كانوا يقومون بإصلاح ذات البين سواء بين العامة أو الولاة والسلاطين (2).
ولكثرة النزاع بين المسلمين والنصارى (وخصوصا الإسبان)، ولمكانة اليهود لدى الباشوات والبايات كان العلماء يتجادلون في شأنهم وموقف الدين منهم. فالحرب البحرية والجهاد في سبيل الله خوفا من غارات الإسبان على السواحل وضد وجودهم في وهران قد تعرضنا لها سابقا. كذلك كان
(1) انظر مثلا ما قاله الورتلاني عن هذا الموضوع في رحلته، 8، 13، 60، 84.
(2)
يجد المرء وصفا دقيقا لإقناع وفد علماء الجزائر السلطان محمد بن الشريف صاحب سجلماسة سنة 1064 بالتوقف على إثارة الفتنة في الجزائر ضد العثمانيين وذلك في (الاستقصا) للناصري 7/ 26.
العلماء يعملون على نشر الإسلام بين المسيحيين الذين وقعوا في أسر البحارة الجزائريين، وقد نجحوا في بعض الأحيان، ذلك أن الأسرى كانوا يوزعون على العائلات الإسلامية انتظارا لفديتهم. ومن هؤلاء الأسرى من كانوا يدخلون في دين الله إما تعجيلا لتحريرهم وإما اقتناعا بمبادئ الإسلام وحسن معاملة المسلمين لهم، وإما طموحا إلى تولي السلطة ونيل المناصب والأجرة. وقد روى بعض هؤلاء الأسرى نماذج من حياتهم هناك ومن محاولة بعض العلماء لإدخالهم في دين الإسلام (1). والمعروف أيضا أن كثيرا من بحارة الجزائر، بل ومن الباشوات كانوا من الأعلاج المرتدين عن المسيحية. فكان دور العلماء إذن فعالا في هذه النواحي. كما نجد في المصادر أن بعض اليهود قد اختاروا الإسلام وأطلقوا على أنفسهم أسماء إسلامية.
ومع ذلك فإن العلماء كانوا شديدي الحساسية من النصارى واليهود، فالأولون لمنافستهم الدينية والحضارية، أما اليهود فلمنافستهم المادية وحتى السياسية. فكلما ذكر اسم نصراني أو يهودي أضاف إليه العالم المسلم عبارة (لعنه الله) أو (أخزاه الله) ونحو ذلك من عبارات الامتعاض والكراهية. وقد وجدت في إحدى الوثائق أن أحد اليهود قد اشترى عقارا من أحد المسلمين فسجل القاضي ذلك في محضر المحكمة وأضاف أمام اسم اليهودي عبارة (لعنه الله)، وحين أورد ابن سحنون خبر ثورة الفرنسيين وقتلهم للعائلة المالكة هناك دعا عليهم بالخزي وطلب من الله أن يجعل كيدهم في نحرهم. ولم يتفطن، وهو المؤرخ الأديب، أن تلك الثورة كانت لها أبعاد خطيرة لم ينج منها العالم الإسلامي ولا الجزائر. والذي يدرس ويقدر ما فعله اليهود في الاقتصاد الجزائري خلال هذا العهد وتحكمهم في مقاليد السياسة عن
(1) انظر مثلا القصة الخيالية التي رواها تيلر الأمريكي عن مفتي الجزائر. وكذلك قصة اعتناق جوزيف بيتز الإنكليزي الإسلام. وقصة شارل واكر الأمريكي (Walker) الذي اعتنق الإسلام في عنابة ليفر من الإنكليز. انظر نوا (رحلات)145. ولذلك كثر في الجزائر (الأعلاج) أو المسلمون الجدد.
طريق الاقتصاد لا تصدمه مواقف العلماء منهم، لأن هؤلاء كانوا يمثلون الطبقة الواعية في المجتمع. وقد كان اليهود في الأخير هم السبب القوي في النزاع الذي حصل بين الجزائر وفرنسا والذي أدى إلى الاحتلال.
وقد كان سخط العلماء السياسي ينعكس أحيانا على اليهود. فقد ثبت أن أحد يهود قسنطينة، ويدعى المختاري، كان قد أسلم ثم تجاسر على النبي صلى الله عليه وسلم أمام المسلمين. وكان المختاري محميا من الباي ومن حراسه وحاميته لأنه أصبح في جند الباي. ولما أحيلت القضية إلى العلماء انقسموا حولها فبعضهم أفتى بقتل المختاري وبعضهم أفتى بعدم قتله. وكان من أصحاب الرأي الثاني فريق الباي والعلماء المؤيدين له وكذلك الجنود الذين كانوا يهددون بالثورة إذا قتل صاحبهم. ومن جهة أخرى كانت العامة تطالب بقتله. وانعقد المجلس (المفتون والقضاة وغيرهم من العلماء) في الجامع الكبير. وكان الجنود وأنصارهم يؤيدون الشيخ يحيى بن محجوبة الذي كان يقول بعدم قتله، بينما كانت العامة تناصر الشيخ عبد الكريم الفكون (الجد) الذي كان يقول بقتله. ورغم تدخلات أنصار الباي والتهديد فإن حكم المجلس قد صدر بقتله (1). ويبدو أن تنفيذ الحكم فيه كان خوفا من ثورة العامة أكثر مما كان خضوعا لإصرار الشيخ الفكون وقرار المجلس.
وفي هذا الصدد نذكر أن أحد العلماء الجزائريين بالمغرب قد أسهم في قضية أخرى تتعلق باليهود أيضا وكانت قد أثارت ضجة بين العلماء هناك. فقد استظهر اليهود المغاربة برسم تاريخي يعطيهم حقوقا كانت لهم، في دعواهم، زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم. ولكن
جواب الشيخ محمد بن عبد القادر الفاسي نفى عنهم تلك الحقوق، بينما وافق عليها البعض. أما محمد بن أحمد القسنطيني فقد صحح وعضد جواب
(1) انظر القصة في (منشور الهدية) مخطوط. وكانت هذه الحادثة في أوائل العهد العثماني بقسنطينة، لأن الفكون الذي أفتى بقتل المختاري قد توفي سنة 988 وهو جد صاحب (منشور الهداية).
الفاسي بإبطال دعوى اليهود (1). وفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر أفتى الشيخ محمد الحنفي الجزائري بجواز حرق اليهود والنصارى (2) إذا أساؤوا إلى الإسلام. وقد أخبر ابن حمادوش أن أحد اليهود قد تسبب في فرار باي الغرب، وهو ابن المسراتي، إلى الإسبان بوهران بسبب دراهم طالبه بها الباي فأرسل إليه اليهودي من مدينة الجزائر أن فر بنفسك لأن الباشا غاضب عليك (3).
وكان نزاع العلماء حول قضية من القضايا وتدخل السلطة في الموضوع كثيرا ما كان يؤدي إلى انقسامهم إلى موالين ومعارضين. ولكن الموالاة والمعارضة لا تكون صريحة بل مختفية وراء الموقف الذي يسانده العلماء باسم الدين. وكان الباشوات والبايات يلجأون لتحطيم المعارضة إلى عقد مجلس الشورى وإجراء المناظرة بين الفريقين المتنازعين، ثم يختارون هم بعد ذلك الرأي الذي يناسبهم إذا كان حكم المجلس غير إجماعي، ولذلك تعددت المناظرات بين العلماء، ولكن أغلبها كان في مسائل تافهة. فلا مناظرة حول قضايا الحكم مثلا، ولا حول حكم الشرع في الحرب أو السلم، ولا حول دور الدين في تسيير الدولة ومشاركة الشعب وصرف الميزانية ونحو ذلك، بل كل المناظرات تقريبا كانت حول الأحوال الشخصية، أو حول زندقة فلان واستقامته، ونحو ذلك، فكأن المناظرة في حد ذاتها (ملهاة) يلهو بها العلماء ويحضرها الكاهية (أو عون الباشا) وأحيانا الباشا نفسه.
(1) الخزانة العامة بالرباط، رقم 2120 مجموع. انظر أيضا عبد الرحمن بن زيدان (إتحاف أعلام الناس) 1/ 339. وفي رحلة ابن حمادوش تفاصيل عن هذا الموضوع نقلا عن أحمد بابا السوداني وغيره.
(2)
سنعرض إلى نص الفتوى في الجزء الثاني. والغالب أن يكون محمد الحنفي هو صاحب ابن حمادوش الذي قال عنه في رحلته انه جاء إلى العاصمة من قسنطينة ودرس عليه بعض العلوم. انظر رحلة ابن حمادوش، مخطوطة.
(3)
رحلة ابن حمادوش، مخطوطة. وكان ابن المسراتي هو خليفة الباي مصطفى بوشلاغم، وكان يتمتع بسمعة كبيرة في وقته، وهو من الكراغلة.
ويطول بنا الحديث لو تعرضنا لذكر المناظرات والموضوعات التي طرحت فيها. ونحسب أنه تكفي الإشارة إلى المناظرة التي دارت بين المفتيين محمد النيار الحنفي وأحمد قدورة المالكي. فقد قيل إنهما اختلفا اختلافا شديدا وصل إلى تبادل الاتهامات. والسبب هو هل إذا اختلف الزوجان وأمرا بالإقامة عند أهل الفضل، هل يجبران على هذه الإقامة أو على تغيير المسكن؟ وبعد أن انعقد المجلس في الجامع الكبير، كما جرت العادة، دعاهم الباشا عنده في قصره بحضور العلماء. وأخيرا قرر الأخذ برأي المفتي الحنفي النيار وعزل المفتي المالكي قدورة (1). ولعل المناظرة التي جرت بين المفتي الحنفي عبد القادر الراشدي بقسنطينة وخصومه، والمناظرة الأخرى التي جرت بين محمد الزجاي وخصومه في معسكر تبرهن أيضا عما نقول. فقد اتهم الراشدي بأنه يقول (بالتجسيم) فانعقد المجلس وحكم بكفره وكادوا يقتلونه (2). أما الزجاي فقد اتهم بادعاء الاجتهاد وإيثار طريق الأثر ووشى به خصومه إلى الباي فعقد مجلسا حضره الزجاي وخصومه وتناقشوا بحضور الباي والعلماء. وبرهن كل فريق على رأيه، فهو ينقل من الكتاب والسنة، وهم ينقلون عن الشيخ خليل وأمثاله. وتحولت المناظرة إلى مهاترة. وأخيرا قرر الباي صواب الزجاي وكافأه واعتذر له (3). ومن هذه المناظرات تلك التي كانت أيضا بين المفتي الحنفي محمد بن العنابي وزميله المالكي، والتي أدت إلى عزلهما معا.
غير أن مجال التحرك العقلي لدى العلماء كان محدودا لظروف العصر، من هبوط في مستوى التعليم، وجهل الحكام، وانغلاق باب الاجتهاد، والاعتماد على النقل وحده. ومع ذلك فإننا نجد من وقت لآخر بعض الشذوذ في القاعدة ومحاولات لكسر هذا الحصار الحديدي. فهذا يحيى الشاوي كان كما قيل عنه (كثير الانتقاد لأهل عصره وغيرهم، وإذا اعترض عليه في
(1) ديفوكس (المجلة الإفريقية) 1866، 281، عن ابن المفتي.
(2)
الحفناوي (تعريف الخلف) 2/ 219.
(3)
(إتمام الوطر)، مخطوط.
ذلك كان يقول إنه بانتقاده مثاب لأن عليه أن يبين الحق) (1). وهذا الشيخ علي المرواني، وهو من تلاميذ عمر الوزان، كان يفتي بالشاذ في قسنطينة وكان لا يبالي بقضاة عصره في طرح أحكامهم ونقضها ولو بالشاذ. وكان يقول معتذرا: إذا لم يعمل بالشاذ الآن فمتى، إذ لا حاجة إليه يوم القيامة (2)، وهذا الشيخ محمد البوزيدي، وهو من تلاميذ محمد التواتي، يأتي بمذهب غريب حين انتصب للتدريس بجامع القصبة في قسنطينة، وادعى دعوة كبيرة في علم التوحيد فقال:(إن المقلد غير مؤمن وأن العامة مختلف في إيمانها ويقول إن قدرة الله لا تتعلق بتحيز الجوهر. وهذا مذهب سرى في جل أهل المغرب سريان النار في الهشيم)(3). وقد سبق أن عرفنا أن علماء المغرب ادعوا حين سمعوا بتصرفات أحمد الفاسي في قسنطينة، أنه (خارجي). فرغم ظروف العصر إذن كان بعض العلماء يتململون ويحاولون أن يجدوا لهم مخرجا مما هم فيه من ضيق وتضييق عقليين. فقد كان ابن حمادوش مثلا يقرأ ما يسميه بكتب النصارى ويعجب بما فيها، ولكنه حذر، مع ذلك، مما يتعلق فيها بالدين والعقائد، وقال عن كتاب قرأه منها، بعد أن سجل إعجابه به، إنه كتاب محشو كفرا تزل فيه الأقدام.
وفي هذا النطاق وجدت ما يشبه الثورة من بعض العلماء على الجمود العقلي في عصرهم، وهو العصر الذي شاع فيه التصوف العملي من حضرة ورقص وجذب وذبائح وشعوذة، فلا غرابة أن يثور عالم كعبد الكريم الفكون فيقول متأسفا عما كان يشاهد في مدينة قسنطينة (عقول سخيفة تتوسم في مثل هؤلاء الولاية، وتنسبهم إلى أهل العناية)(4). فقد أورد كلام ابن العربي من
(1) من إجازة أحمد البوني لابنه. والشاوي هو أستاذ البوني. ومخطوط الإجازة في مكتبة زاوية الشيخ علي بن عمر بطولقة. وكان الشاوي يقول ببقاء العلم للمتأخرين وأن بعض الأمور قد عسر فهمها على المتقدمين. وقد أخذ عليه تلميذه هذه الفكرة أيضا كما سنرى.
(2)
الفكون (منشور الهداية)، مخطوط.
(3)
نفس المصدر.
(4)
نفس المصدر. والواقع أن محمد بن عبد الكريم المغيلي قد سبق الفكون في نقد أدعياء التصوف، وذلك في تأليفه المسمى (تنبيه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى =
(أن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما هو ما يحضره عند الحاجة إليه في الفتوى من الدراية، وأن الرد للمعلومات إنما حدث عند فساد القلوب بطلب الظهور والتعالي عن الأقران وكثرة الرياء في الأعمال). وعلق الفكون على كلام ابن العربي بأنه (يعبر عن صفة الحال) في قسنطينة وفي غيرها. فلا ترى إلا من يقول قال فلان، قال فلان، أو يذكر نص التأليف بدون تغيير، فإن صادف الحكم الحكم نجا وإلا أصبح كالصيد في الشبكة. ونعى على علماء وقته أنهم كانوا يفعلون ذلك حبا للمدح وصرف قلوب الخاصة والعامة إليه. ولو سئل أحد هؤلاء العلماء (عن وجه الجمع بين المتشابهين أو الفرق بين المسألتين يقول: النص هكذا، ويستظهر بحفظ النصوص، وهل هذا إلا جمود في غاية الجمود؟) (1). والواقع أن ثورة الفكون على واقع الحال عندئذ من تكرار النقول عن الأقدمين والاعتماد على النصوص وحدها بدون استخدام للعقل والرأي الشخصي كانت ثورة صائبة ولكنها لم تجد الآذان الصاغية ولا الظروف المواتية، فظلت ثورة مكظومة تغلي في عروق صاحبها. فإذا عرفنا أن مثل هذا التفكير الحر أو الدعوى إلى التفكير الحر قد ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر أدركنا أن الفكون كان لذلك لا يقل تحررا عن علماء أوروبا المعاصرين له، ولكن شتان بين البيئتين!.
ولم يكن الفكون وحده في الدعوة إلى الاجتهاد واستعمال الدراية، وفي السخرية من المشعوذين وأدعياء الولاية. فبعد قرن من دعوته وجدنا ابن حمادوش يشتغل بالعلوم كالطب والفلك والحساب والهندسة وغيرها ويجانب خط علماء عصره ويقرأ كتبا عربية وأجنبية حديثة وقديمة لا يقرأها ولا يهتم بها معظم فقهاء عصره. ومع ذلك فإن كابوس العصر كان فوق رؤوس الجميع. فابن حمادوش وأمثاله عندئذ (القرن الثاني عشر - 18 م) لم
= مقامات العارفين)، وفي رجزه الذي شرحه بنفسه وهو (فتح الوهاب في رد الفكر إلى الصواب). وقد أشرنا في الفصل الأول أيضا إلى انتصار المغيلي للمنطق والعقل في رده على السيوطي. كما سبقه الأخضري بثورته في (القدسية) خلال القرن العاشر.
(1)
نفس المصدر.
يطلعوا على ما كتبه الأوروبيون المعاصرون لهم، ولم يذهبوا إليهم للأخذ منهم، كما أخذوا هم من عرب إسبانيا والمشرق. ولو فعل هو وأمثاله ذلك لتغيرت الأمور في الجزائر لصالح الثقافة الخلاقة المتقدمة (1). ونفس الموقف قد وقفه أحمد بن عمار أيضا. ورغم تقيده بأحكام وقواعد الشريعة وروح العصر فإنه نادى بحرية الرأي واستعمال القوة العقلية في الإنسان وعدم التحرج من مخالفة الأوائل وعدم التمسك بالتقليد لذاته ولو كان الحق مع التجديد، (فالحق أحق أن يتع) وقد قال ابن عمار في العلماء الذين كانوا يتبعون السلف لمجرد الاتباع أنهم جامدون منكبون عن الحق (فهل هذا إلا جمود على محض الاتباع ولو مع ضعف الدليل؟ فوا أسفاه على ضعف العارضة وتراهل الدراية!)(2).
وقبل الاحتلال ببضع سنوات ألف المفتي محمد بن محمود بن العنابي كتابا بعنوان (السعي المحمود في نظام الجنود) طرح فيه قضية التجديد والأخذ من الأوروبيين. وكان في ذلك متأثرا بدون شك بأحداث الثورة الفرنسية وبتطور مصر في عهد محمد علي وبإجراءات السلطان محمود الثاني ضد الإنكشارية وإدخال الإصلاحات على الجيش وغيره. وقد نادى ابن العنابي في جرأة كبيرة بضرورة تقليد الأوروبيين (ويسميهم الكفار) في مبتكراتهم وصنائعهم ولغاتهم وتقنياتهم وأسلحتهم، كما نادى بالتفوق عليهم في العلوم التي تفوقوا فيها لأن ذلك من صميم الدين الصحيح. أما الانغلاق والافتخار بما فعل السلف وتجنب ما ابتدعه الأوروبيون بدعوى أنه عمل
(1) انظر دراستنا عن ابن حمادوش في كتابنا (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر)، وكذلك فصل العلوم من الجزء الثاني وكتابنا (الطبيب الرحالة).
(2)
انظر (مسألة وقف) وهي مطبوعة ضمن كتاب إسماعيل التميمي التونسي (المنح الإلهية) 5، ط. تونس. وفي إحدى فتاوي أحمد البوني التي سنعرض إليها في الجزء الثاني رفض قول القائل (ما ترك الأول للآخر شيئا) وانتصر لمن يقول إن العلم منحة إلهية وهي غير مقصورة على الأولين، وهذا رأي (تقدمي) إذا صح التعبير وهو يتماشى مع مبدأ حرية الاجتهاد، رغم أننا عرفنا أن البوني كان يجمع بين العلم والتصوف.
النصارى فهو ليس من الدين في شيء، وليس أيضا من الرجولة كما قال، وإنه لا تحصل به سعادة الدنيا ولا سعادة الآخرة (1). ولو أن الجزائر أخذت برأي ابن العنابي وسار حسين باشا فيها سيرة محمد علي في مصر وسيرة محمود الثاني في الدولة العثمانية لما جرى ما جرى سنة 1246 (1830)، ولما وقعت الجزائر فريسة للاحتلال الفرنسي قرنا وربعا. وهكذا فإن أمثال هؤلاء العلماء كانوا يدقون ناقوس الخطر ويشيرون إلى الطريق الحق.
وأهم رياضة فكرية كان العلماء يقفون فيها وقتهم هي حل مسائل الميراث والمجادلة في جزئيات التوحيد والفقه والإعراب، ولعل أبرز ما كان يجمعهم على الرياضة الفكرية والتسلية هو حل الألغاز. فقد شاعت بينهم وكانوا يتبادلونها ويتراسلون بها ويتحدون بعضهم البعض بها ويقضون في حلها الساعات الطوال. ومما عثرنا عليه من ذلك لغز (هاج الصنبر) الذي دار بين سعيد قدورة وأحمد المقري، وكذلك لغز (السبعة) الذي وضع فيه أحمد البوني تأليفا خاصا، وقد قال ابن حمادوش الذي أورده (فتداولناه بيننا (يعني علماء مدينة الجزائر) حتى بلغ كل عالم وأديب في البلد فلم يتض بكرته ولم نجد علما عند أحد به)، واشترك في محاولة حل هذا اللغز علماء الوقت أمثال بركات بن باديس ويحيى الشاوي وبعض علماء تونس والمغرب أيضا. ومع ذلك لم يهتد أحد منهم لحله الحقيقي (2).
ومن القضايا التي شغلت حيزا كبيرا من مناقشات وأقلام العلماء قضية
(1) انظر كتابي (المفتي الجزائري ابن العنابي) ففيه تحليل لكتابه المذكور.
(2)
ذكره ابن حمادوش في رحلته وفيها تفاصيل لذلك. أما لغز (هاج الصنبر) فقد أورده الفكون في (منشور الهداية) ومحمد قدورة في (جليس الزائر وأنيس السائر). وفي رحلة ابن حمادوش أيضا ألغاز كان شيخه محمد بن ميمون يجالسه بها، وقد كان بركات بن باديس من المولعين بالتلغيز حتى أنه ملأ تقييده المسمى (نزع الجلباب) بمجموعة من الألغاز كما سنذكره في الجزء الثاني.
القهوة والدخان، ولم تكن هذه القضية خاصة بعلماء الجزائر وإنما ساهم فيها هؤلاء كغيرهم من علماء المسلمين، فألفوا فيها وتناقشوا حولها وانتصر بعضهم لحليتها وبعضهم لتحريمها، وكان معظمهم ميالا إلى حلية القهوة وتحريم الدخان، وعللوا حلية القهوة تعليلا صوفيا فقالوا انها تنبه وتنشط الجوارح لعبادة الله وتساعد على السهر للقراءة والصلوات ونحوها من أنواع العبادة. ثم إنها في نظرهم لا تسكر ولا يغيب معها العقل، وحذروا مع ذلك من شربها في جماعة التقت على اللهو، والسهر في الملذات والزهو، فشربها عندئذ يصبح حراما. أما الدخان فقد كانوا معه غير متسامحين مهما كانت الظروف. ومع هذا المنع القاطع فالمعروف أن الناس كانوا يشربون القهوة بحضور النساء والمرد، كما يقول الورتلاني ويلعبون الشطرنج ويتناولون الحشيشة ويستمعون إلى الغناء والطرب (1). وكان العثمانيون قد جاؤوا بالنرجيلة وشاع استعمال السبسي للدخان ونحوه، وعرف عن علماء مصر أنهم كانوا متساهلين في شرب الدخان بينما كان علماء الجزائر محافظين. وقد كان أرباب السلطة مع العامة لا مع العلماء في هذه القضية (2).
ومهما كان الأمر فقد كتب في تحريم الدخان أحمد المقري وعبد الكريم الفكون وعبد القادر الراشدي وأحمد البوني، وهم جميعا من كبار العلماء. أما المقري فلم يفرده بتأليف وإنما ذكره ضمن جواب له عن اجتناب الدخان (3). وقد سمى الفكون تأليفه في ذلك (محدد السنان في نحور إخوان الدخان)(4). أما كتاب الراشدي في نفس الموضوع فلم نطلع عليه ولم
(1) الورتلاني (الرحلة)، 273.
(2)
جاء في كتاب جوزيف بيتز (حقائق)، 157 أن الترك في الجزائر كانوا يدخنون كثيرا وأنهم كانوا يعرفون أنه مخالف للشرع حتى أنهم يعتبرون التوقف عن التدخين قربة وتوبة إلى الله.
(3)
المكتبة الملكية بالرباط رقم 7579 مجموع.
(4)
العياشي (الرحلة) 2/ 396. وسنتحدث عن (محدد السنان) في الجزء الثاني إن شاء الله.
نعرف أن أحدا قد وصفه. وقد اكتفى الحفناوي بقوله عنه إنه رسالة في تحريم الدخان (1). وفي النظم الذي سماه (مبين المسارب) تحدث البوني أيضا عن الدخان والقهوة (2). فالسماع (الموسيقى) والدخان والقهوة كانت من الموضوعات التي تناولها العلماء بالرأي حلالا أو حراما، وأخذت حيزا من وقتهم ومعارفهم (3)، ولكنهم لم يستطيعوا أن يمنعوها نهائيا، كما لم يستطيعوا منع شرب الخمر المحرم بنص القرآن.
(1) الحفناوي (تعريف الخلف) 2/ 219. علمت مؤخرا أن عبد الله حمادي قام بنشر هذه الرسالة.
(2)
سنتحدث عنه في الجزء الثاني.
(3)
كان بعض العلماء مهرة في الموسيقى أيضا. انظر فصل العلوم والفنون من الجزء الثاني.