الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والاحتفال بالنصر. كما يهمنا تأييده القوي للعثمانيين في كتاباته ولا سيما مواقفهم التي تتعلق بالجهاد وطرد الإسبان. وقد بلغ به الحماس والتفاؤل أنه تطلع بعد استرداد وهران إلى استرداد الأندلس (1).
وتكشف النماذج التي أتينا عليها عن العلاقة الوطيدة بين العثمانيين والسكان إذا كان الأمر يتعلق بالدين الإسلامي وحدود البلاد. وقد لاحظنا أن الأدباء والفقهاء والصلحاء كانوا في طليعة من تجندوا لهذه الغاية ولم يعد هناك فرق في تلك المناسبات الدينية الوطنية الكبيرة بين العثماني والجزائري. فكلاهما مسلم وكلاهما مجاهد.
وتجدر الإشارة إلى أن علماء الغرب الجزائري قد أنتجوا، كما أشرنا، أدبا سياسيا كثيرا نتيجة لتوتر العلاقة والحروب بين الجزائر وإسبانيا، خلافا لزملائهم أدباء الشرق الجزائري الذي كان ينعم بالأمن النسبي من الخارج. وهناك ظاهرة أخرى برزت في الغرب الجزائري عندئذ، وهي تطور التصوف وكثرة الطرق والأولياء والصطحاء أو ظهور ما سماه بعضهم (بالوطنية الدينية) وليس من المستبعد أن يكون ظهور ذلك يعود إلى كثرة الحروب التي أشرنا إليها (2). وكان قرب وهران من الأندلس وتشابه الظروف قد جعل المقارنة بينهما أمرا مفروغا منه عند الكتاب والشعراء وحتى عند السياسيين. ولعل نفس الفكرة كانت لا تغيب عن الإسبان أيضا.
الثورات ضد العثمانيين
1 -
ورغم ما قلناه عن الإحساس المشترك بين الجزائريين والعثمانيين
(1) انظر دراستي عن أبي راس وكتابيه (عجائب الأسفار والحلل السندسية) في كتاب (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر). انظر أيضا مخطوطة كتابه (الحلل السندسية) في المكتبة الوطنية بباريس رقم 4619.
(2)
انظر أيضا فصل العلماء من هذا الجزء، وكذلك فصلي النثر والشعر من الجزء الثاني.
وما وصفناه من التضامن والتحالف بينهم ساعة الخطر المشترك، فإن هناك ثورات عديدة قد وقعت في العهد العثماني. وكانت الثورات متعددة الوسائل والغايات فبعضها كان له طابع ديني، وبعضها كان له طابع سياسي (وطنيا)، وبعضها كان له دوافع اقتصادية، كما أن البعض منها كان نتيجة تمرد شخص حبا في المغامرة أو طمعا في الجاه والسمعة. ومن هذه الثورات ما كان قصير المدى محدود المكان، وما كان طويل المدى واسع المجال. بالإضافة إلى أن الثورة كانت أحيانا ثورة طريقة صوفية بأسرها أو ثورة قبيلة كاملة، وأحيانا كانت ثورة طبقة اجتماعية معينة، وأحيانا ثورة جهة وأخرى ثورة عائلة. وسنحاول أن نقدم نموذجا لبعض هذه الثورات. ولكن تجدر الملاحظة إلى أن الثورة الواحدة قد تكون متعددة الدوافع والأهداف. كما تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه الثورات ما يزال مجهولا وغامض الأسباب والأهداف.
والواقع أن رد الفعل ضد العثمانيين قد بدأ منذ اللحظة الأولى لوجودهم. وكانت أول ردود الفعل قد جاءت من أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية في البلاد. ولم يكن العلماء والصلحاء (أو المرابطون) والعامة هم الذين نفروا من الحكم العثماني، ولكن الأمراء والولاة والقواد وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي في العهد السابق لهذا الحكم والذين خشوا أن يفقدوا (أو الذين فقدوا فعلا) مصالحهم السياسية والاقتصادية. وكان تحالف العثمانيين مع رجال الدين والعامة، قد أضر بمصالح بعض الأمراء والولاة والقواد الكبار، فكان هذا الموقف سببا في ثورة بعض هؤلاء الأعيان. غير أن سياسة العثمانيين لم تكن هي حكم البلاد المباشر، بل الحكم بواسطة أهل البلاد أنفسهم. ذلك أن عددهم وقوتهم وأصولهم كلها لم تكن تسمح لهم بفرض سلطانهم مباشرة، ولذلك عمدوا، بالإضافة إلى التحالف الذي ذكرناه سابقا مع رجال الدين، إلى الاعتراف بالاستقلال الداخلي أو بالحكم المحلي لبعض هؤلاء الأعيان بشرط أن يدفعوا ضريبة معينة للحكومة المركزية ويعترفوا بالتبعية للسلطان العثماني. وكانت علامة التمرد أو الثورة هي الامتناع عن دفع الضريبة أو قطع الخطبة باسم السلطان. ومن الأساليب التي
طبقها العثمانيون لحكم البلاد غير المباشر أن القبائل التي تعاملت معهم بطاعة وخضوع تام قد أعفيت من دفع الضرائب (كما أعفوا منها العلماء والمرابطين) وسميت (بالمخزن) ومنحت سلطات واسعة كقوة عسكرية عند الحاجة. أما بقية القبائل التي لم تخضع إلا بالقوة فقد فرضت عليها الضرائب وسميت (رعية) وعوملت معاملة قاسية. وهكذا يمكن القول بأن العثمانيين قد طبقوا على الجزائر قواعد الحرب الإسلامية التي تطبق في الواقع على بلد غير إسلامي بعد فتحه (1).
ويمكننا بعد هذه النظرة العامة أن نذكر عدة نماذج من ثورات الأمراء والولاة والقواد وأصحاب المصالح السياسية والاقتصادية في بداية العهد العثماني. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى محاولة سليم التومي استعادة نفوذه على مدينة الجزائر مما أدى إلى مقتله على يد عروج بربروس (2). وإلى نقمة بعض الأمراء الزيانيين في تلمسان والحرب التي دارت هناك ومقتل إسحاق وأخيه عروج بربروس بناحية تلمسان، وإلى ثورة ابن القاضي، أمير إمارة كوكو، ومحاولة حسن باشا ترضيته بالمصاهرة ونحوها، ثم منحه سلطات محلية، وكذلك سخط أمراء قسنطينة على العثمانيين كأولاد صولة، وثورة بوطريق في نواحي مليانة على العثمانيين أيام الحاج بشير باشا (3).
2 -
وبتقادم العهد بدأت تظهر ثورات وتمردات جديدة تدفعها عوامل جديدة أيضا. فهنالك المنازعة بل المقاتلة التي نشبت بين العرب والعثمانيين
(1) انظر كتاب (الاكتفاء في جوائز الأمراء والخلفاء) لمحمد المصطفى بن زرفة الذي ألفه للباي محمد الكبير. وقد تحدثنا عنه في فصل العلوم الشرعية من الجزء الثاني. والملاحظ أن العثمانيين قد أبقوا حكم قسنطينة في أولاد فرحات فترة طويلة وحكم تلمسان في بقايا بني زيان كما أبقوا تنس وإمارة كوكو وغيرهما تحت أيدي الحكام المحليين فترة من الوقت.
(2)
ظل ابن سليم التومي ناقما على العثمانيين وقيل إنه هرب إلى الأسبان واستنجد بهم ضد عروج وأخيه خير الدين.
(3)
حول الثورات في القرن العاشر انظر هايدو (ملوك الجزائر) - الترجمة الفرنسية.
حول تلمسان والتي أشار إليها ابن مريم. ولم يشر ابن مريم إلى تاريخ الحادثة ولكنه أوردها في ترجمة الشيخ محمد السويدي الذي توفي حوالي سنة 980 هـ. فقد جاء في كتاب (البستان) أن الترك قد نزلوا بحملتهم (أي الحملة العسكرية) في الدواوير القريبة من تلمسان، وكانوا يأخذون العلف من أحد هذه الدواوير (وتشاجروا (يعني الترك) مع أهل الدوار وقام العرب يتقاتلون مع الترك) (1). ويبدو أن سبب هذا التشاجر والتقاتل كان اقتصاديا وكان العثمانيون قد نزلوا بجيوشهم في هذا المكان وأرادوا الاستيلاء على الحبوب من المطامير ونحوها من مخازن العلف، وهو مورد رئيسي للسكان، ولم يذكر ابن مريم زعيما لهذه الحادثة التي يبدو أنها كانت رد فعل تلقائي من السكان.
3 -
والحادثة التي رواها ابن مريم لم تكن حادثة معزولة. فالمؤرخون يتحدثون عن ثورة في الغرب الجزائري دامت مدة طويلة، وهي المعروفة (بثورة المحال)(2)، وهي ثورة قبيلة سويد العربية ضد العثمانيين. وكانت قاعدة هذه الثورة أحيانا مدينة تنس البحرية التي كانت قاعدة لحكم سويد قبل مجيء العثمانيين (3). وكان لسويد علاقة بشيوخ الثعالبة الذين كانوا يحكمون متيجة ومدينة الجزائر عند مجيء العثمانيين. ولا شك أنهم تأثروا لمقتل سليم التومي على يد عروج. ويبدو أن العثمانيين قد أجلوا سويدا عن أماكنهم في
تنس بعد وفاة زعيمها جميد العبد. وقد سجل الشعر الشعبي هذه العلاقة بين سويد والعثمانيين. فالشاعر ابن السويكت السويدي روى المعارك التي دارت
بين قومه وبين العثمانيين، كما تحدث عن جلاء قومه، وبمعنى آخر عن هزيمتهم، وذلك في قوله:
(1) ابن مريم (البستان)، 290.
(2)
جمع محلة أي الحملة العسكرية.
(3)
من زعماء سويد حميد العبد الذي قيل إن خير الدين قد أبقاه في الحكم إلى وفاته، ثم تعين مكانه أحد العثمانيين، ولعل ذلك كان من أسباب ثورة سويد. انظر هايدو (ملوك الجزائر).
الترك جاروا واسويد عقابهم طافحين
…
والترك شاربين الهبال في سطله
أداكم الطمع في مطافل امتمقين
…
اسويد ما يطيعوا الترك قتاله
فهو يصف الترك بالجور والحماقة والطمع والوحشية (قتالة) لذلك لم تطعهم سويد الشجاعة. أما عن جلاء قومه فقد قال:
لا من جاب أخبار سويد
…
أين مضرب راهم نازلين امحالي (1)
والمؤرخون لا يذكرون أسبابا واضحة لثورة سويد. فهل كان لصفتهم العربية دخل في هذه الثورة التي تكون بذلك تعبيرا عن بداية روح (وطنية) ضد العثمانيين؟ ولنلاحظ أن ابن مريم قد استعمل عبارة (الترك). كما أن ثورة سويد كانت ثورة عربية إذا نظرنا إلى الجانب القبلي فيها. وبالإضافة إلى ذلك فإن الشاعر السويدي العربي كان يشير إلى العثمانيين باسم (الترك) أيضا عدة مرات. وكأنه يلح على ذلك إلحاحا خاصا. ولكن العامل (الوطني) قد يكون ثانويا إلى جانب العامل الاقتصادي والسياسي. فالمؤرخون يذكرون أنه كان لسويد ماض حافل وكانت تحكم مساحة شاسعة تمتد من مستغانم غربا إلى العطاف شرقا ثم امتد نفوذها إلى ضواحي مدينة الجزائر. وكان لها أمراء وقادة يحكمون إمارة تنس. فالوجود العثماني إذن كان يعني نهاية هذا المجد والثروات التي تنتجها الأراضي الخصبة التي كانت تحت أيدي سويد.
4 -
وفي زواوة حدثت ثورة خلال القرن الثاني عشر شبيهة بثورة المحال.
وكانت زواوة ممتنعة على العثمانيين، كما كانت تدفع لهم ضريبة الاستقلال الداخلي. ولعل محاولة العثمانيين التوغل في زواوة وفرض ضرائب جديدة على أهلها نتيجة النقص في غنائم البحر هو العامل الرئيسي وراء هذه الثورة. ففي سنة 1158 خرج أهل زواوة ضد القائد العثماني محمد الفريرا المشهور
(1) المهدي البوعبدلي مقدمة كتاب (الثغر الجماني) 34، و (بهجة الناظر) وكذلك أرنست ميرسييه (تاريخ شمال إفريقية)383. انظر مقالتي عن قصيدة ابن ميمون التي قالها في تهنئة الحاج محمد خوجة بعد عودته منتصرا على الثائر بوزيد في كتاب (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر) والقصيدة بتاريخ 1141.
بالذباح (ولأهمية زواوة أنشأ العثمانيون قيادة خاصة في سباو التي فصلوها عن إقليم التيطري) فاستولى الزواويون على برج (قلعة) بوغني، وبعد شهر استولوا على برح حمزة (البويرة اليوم) وتمكنوا من قتل قائد الحامية العثمانية في سباو وهو محمد الذباح المذكور. وقد استمرت الثورة مدة سنة على الأقل وأزعجت السلطات العثمانية فجندت لها جيشا من العاصمة بقيادة شريف آغا ومن المدية بقيادة الباي سفطان، ومن قسنطينة بقيادة الباي إحمد القلي. وبذلك وضع حد لهذه الثورة الخطيرة على الوجود العثماني (1).
وقد صور ابن حمادوش الجزائري هذه الثورة بشيء من العاطفة والتأثر. فبعد أن تحدث عن اقتران المريخ وزحل يوم الجمعة أول شهر ربيع الأول سنة 1158، قال (فوافق ذلك نفوذ وعد الله بطائفة من القبائل من زواوة أن نافقوا (أي ثاروا) على القائد محمد، قائد ساباو الذباح، فبعث إلى إبراهيم باشا فأمده آغا الصبايحية (الفرسان) معه حانبة (فرقة) نحو المئاتي يولداش. فلم يأت اجتماع الشمس والقمر الآتي (؟) حتى هلكت دشور (قرى) القبائل. وبعث يوم الثلاثاء ثالث ربيع الثاني بثمانية وسبعين رأسا على الجمال وأردفها من الغد بأربعة عشر رأسا، ونهبوا أمتعتهم وأموالهم وحرقوا دشورهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (2). وحسب هذه الرواية فإن الثورة في الواقع لم تنته عندئذ وإنما هي البداية فقط. فابن حمادوش لا يتحدث عن مقتل القائد الذباح، كما أنه لا يتحدث عن اتساع ميدان الثورة بعد ذلك .. ولكن كان يركز على فظاعة المعاملة التي عامل بها العثمانيون
(1) أشار إليها أيضا ابن حمادوش (الرحلة). وميرسييه (تاريخ شمال إفريقية) 387، وبواييه (سياسة الأتراك الدينية في الجزائر) في (مجلة الغرب الإسلامي) 1966، 39.
وعن القائد الذباح انظر روبان (الباي محمد بن علي الذباح) في (المجلة الإفريقية)، 1873، وكذلك البارون فيدرمان (المجلة الإفريقية)1865. انظر أيضا الحاج أحمد المبارك (تاريخ حاضرة قسنطينة) عن ثورات أخرى وقعت في بني عباس وفليسه خلال القرن الثاني عشر.
(2)
ابن حمادوش (الرحلة).
الثوار. فهي القتل والتمثيل والحرق والنهب. ونحب أن نشير هنا إلى أن ابن حمادوش في كتاباته لم يكن يكشف عن رأيه في العثمانيين، ولكن خلافا لبعض معاصريه، لم يمدحهم، وكان يكتفي بتسجيل الحوادث بشكل محايد.
5 -
ومن الثورات غير الدينية ضد العثمانيين ثورة الكراغلة وثورة تلمسان في القرن الحادي عشر. وقد حظيت ثورة الكراغلة بانتباه بعض الباحثين أخيرا مثل بواييه الفرنسي الذي حاول أن يسلط عليها الأضواء من جديد (1). وحسبنا هنا أن نشير إلى أن الثورة في حد ذاتها لم تثمر لأن الحكام قد اكتشفوها قبل نضجها. وكانت تمثل محاولة فئة اجتماعية (أبناء الترك من الجزائريات) الاستيلاء على السلطة. فقد كانت هذه الفئة ترى، كما أسلفنا، أنها أحق بالسلطة من العثمانيين القادمين من أناضوليا ومن شذاذ الآفاق الطامعين في حكم الجزائر. فالثورة إذن كانت سياسية واقتصادية واجتماعية. وكان لفشلها عواقب هامة. فقد جعلت العثمانيين يزدادون حذرا من هذه الفئة ويتشبثون أكثر فأكثر بالسلطة دفاعا عن مصالحهم الشخصية والطبقية كفئة غريبة عن المجتمع الذي تحكمه (2).
أما ثورتا تلمسان سنة 1035 وسنة 1037 فلدينا عنهما المعلومات الهامة التي أوردها محمد بن سليمان صاحب كتاب (كعبة الطائفين). فقد روى ما ارتكبه القائد محمد بن سوري من الفظاعة والجور ضد أهالي تلمسان. وكان العلماء والمرابطون يتدخلون لديه مثل الشيخ محمد بن علي العبدلي، للتخفيف من غلوائه. وكانوا يؤون الناس من ظلمه حتى أهل
(1) بير بواييه (مجلة الغرب الإسلامي)، 1570، عدد خاص، 79 - 94.
(2)
تحدث الأمير الإنكليزي في الجزائر فرنسيس نايت بالتفصيل عن ثورة الكراغلة بمدية الجزائر سنة 1034. وقد قال إن أكثر من ستة آلاف شخص قد ماتوا فيها.
انظر كتابه (سبع سنوات ..)، لندن، 1640. كما وصف الأسير الإنكليزي الآخر وهو جوزيف بيتز الحادث الذي حدث بين الترك والعرب في مدينة الجزائر أواخر القرن الحادي عشر (17 م) والذي مات فيه بين ستين وثمانين من العرب. انظر كتابه (حقائق ..)، 127.
الذمة. ومن الذين دخلوا على القائد ابن سوري، صاحب كتاب (كعبة الطائفين) المذكور الذي روى ذلك بشيء من التفصيل والتأثر. وقال في ابن سوري شعرا جاء فيه:
ترقب يوم موتك يا فلان
…
وراهقك الرحيل من الديار
وعرض في كتابه بجور العثمانيين (1)، وقد مات الشيخ العبدلي سنة 1035 أثناء عودته من الجزائر بعد تدخله في شؤون الثورة الأولى. ووصف ابن سليمان الثورة الثانية بأنها كانت أعظم من الأولى.
6 -
ولعل أكبر ثورة حدثت في الشرق الجزائري خلال العهد العثماني هي ثورة أحمد الصخري سنة 1047. فقد هزت هذه الثورة أركان النظام العثماني وكادت تطيح به لأنها شملت المنطقة الواقعة بين الزاب وحدود تونس إلى حدود دار السلطان (الجزائر ونواحيها)، واستغرقت فترة طويلة وتسببت في سقوط عدد من الباشوات ومات فيها خلق كثير. وقد دخلت بسببها قسنطينة في فوضى لم تبرأ منها طويلا. ورغم أن وثائق هذه الثورة ما زالت نادرة فإنه يمكن القول إنها كانت من الثورات القبلية الاقتصادية. وخلاصتها أن شيخ العرب، محمد بن الصخري بن بوعكاز العلوي الهلالي، قائد الذواودة والحنانشة، قد زار مراد باي، حاكم قسنطينة سنة 1047، في مكان خارج المدينة. ولكن الباي اتهمه بالخروج عن الطاعة وأمسكه سجينا عنده، وشاور في شأنه باشا الجزائر والديوان فأشاروا عليه بقتله فقتله هو وابنه أحمد كما قتل معه ستة من أعيان العرب. وبعد ان علقوا رؤوسهم على الخيمة العسكرية فترة جيء بالرؤوس إلى قسنطينة وعلقوها أيضا، (وليس من
(1) وقد اشار ابن المفتي إلى هذه الثورة أيضا. وقال إن ابن سوري قد حمل معه إلى الجزائر جلد المدعي المغربي، وجلد مساعده، محشوا بالتبن إلى الجزائر. انظر (تاريخ باشوات الجزائر)(المجلة الآسيوية)، 1922، 203. وبناء على رواية عبد الكريم الفكون في (منشور الهداية) فإن الثائر هناك هو السوسي المغربي. وقد توفي ابن سوري سنة 1040. أما عن كتاب (كعبة الطائفين) فانظر كتابي (أبحاث
وآراء في تاريخ الجزائر).
بينها رأس ابن الصخري وابنه).
وبعد عام (أي سنة 1048) ثار أحمد بن الصخري، أخ القتيل، وقاد جموع العرب والحنانشة والذواودة وغيرهم ضد العثمانيين. وقد هاجم الثوار مدينة قسنطينة وغيرها. وجاءت النجدات من الجزائر إلى مراد باي، حاكم الإقليم. وامتدت الثورة إلى الزيبان والصحراء وعنابة. ومن المعارك التي انتصر فيها الثوار (معركة كجال) التي هرب خلالها مراد باي، ولم يعرف مصيره بعدها. كما قتل فيها كاتبه شريط ابن صولة، وأثناء هذه الثورة الخطيرة عدل يوسف باشا عن إعلان الجهاد ضد الإسبان في وهران وجاء بنفسه لحرب الثوار فأقام سنة في قسنطينة وتوجه إلى الزيبان، ولكن الثورة استمرت (1). وقد جند الباشا كل الوسائل للقضاء عليها مثل مكاتبته لأهل الرأي والعلماء وطلب مساعدتهم وتهديد المنشقين بالويل والثبور (2). وقد سجل الشعر الشعبي استمرارية ثورة ابن الصخري في مناسبات أخرى. فهذه علجية بنت بوعزيز بوعكاز (التي سماها بيسونيل الرحالة الفرنسي عندئذ جان دارك قومها) قد قادت العرب وجموع الحنانشة ضد الترك عندما دب الفشل في الرجال. والشاعر الشعبي قد ذم الترك وأشاد بقومه وبالفتاة الشجاعة إذ قال:
قصة طراد شاو الزمان يا حضار
…
مع الترك الخداعين يا حسرة
وقال عن علجية بالذات:
طاحو اليوم سادات في الحروب أبدان
…
أهل العلوم يقرأوا من الحمد للبقرة
يندهو إلى أشياخ القومان
…
بنت بوعزيز سيدة الرجالة (3)
ركبا على زرقا تنطمى فرخ الجان
…
تسبق الغزال تشطفه تزيد في لغواط
(1) انظر فايسات (روكاي) - 1867، 344، وأيضا ما كتبه عن نفس الموضوع فيرو (المجلة الإفريقية)1859.
(2)
انظر مراسلات يوسف باشا مع محمد ساسي البوني مرابط وعالم عنابة. مخطوط باريس رقم 6724. ودراستي عن هذا الموضوع في مجلة (الثقافة)، 51، 979 1.
(3)
القصيدة طويلة وهي في (المجلة الإفريقية) 1874، 214.
7 -
وهناك ثورات ذات طابع ديني بعضها كان بقيادة مرابط بعينه وبعضها بقيادة طريقة صوفية كاملة. ومن النوع الأول ثورة يحيى الأوراسي في القرن العاشر في جبال الأوراس. فقد كان الشيخ يحيى رجلا عالما ومدربا في مدينة قسنطينة، وكان من تلاميذ عمر الوزان، وكتب أوراقا وتقاييد في النحو والبيان والفقه، وتولى الإفتاء في الجزائر وقسنطينة. وكان في أول أمره صاحب نفوذ لدى أهل الدولة الذين كانوا يعتقدون فيه الصلاح حتى أنهم كانوا (لا يقطعون دونه أمرا) وقد انتهى إلى التصوف وأسرار الحروف وله سلسلة وخرقة على عادة المتصوفة. وهذا ما جعل أهل السلطة، بالإضافة إلى العامة، يعتقدون فيه الصلاح. ولكن حساده وشوا به إلى السلطة وأشاعوا عنه الأقاويل (فخلع البيعة وفر من قسنطينة إلى جبل أوراس مع أخيه أحمد) وقد جرت حروب بينه وبين العثمانيين انتهت بفشلهم من إلقاء القبض عليه، ولكن الموت جاءه غدرا. ولعل ذلك كان من دس العثمانيين بعد أن فشلوا في قتله في الميدان. ومهما كان الأمر فإن ثورته قد استمرت على يد أخيه أحمد (1).
وهذه الرواية لثورة يحيى الأوراسي لا تكشف عن جميع جوانب الثورة لأن الذي ساقها (الفكون) كان ضد العلماء الذين يتزلفون السلطة ويهينون علمهم وصلاحهم بتولي الوظائف الرسمية وخدمة الأمراء. وفي نظره أن جميع العلماء الذين فعلوا ذلك قد انتهوا بالتخلي عن قيمهم وعلمهم وصلاحهم وضحوا بالأخلاق، أو أنهم انتهوا إلى الثورة أو التصوف الكاذب. ومن هذا الصنف يحيى الأوراسي. ولعل الشيخ يحيى في نظر الفكون كان يستعمل الصلاح والتصوف لأغراض وصولية أخرى، بالإضافة إلى التدريس والفتيا. وحين انكشف أمره وخشي العاقبة لجأ إلى الثورة ضد الذين أنعموا عليه بالوظائف واعتقدوا فيه الصلاح وكانوا (لا يقطعون دونه أمرا) فأسباب الثورة حينئذ كانت شخصية بالدرجة الأولى، ولكن كان لها أهمية في المنطقة
(1) عبد الكريم الفكون (منشور الهداية).
كلها. ذلك أن العثمانيين قد جندوا لها قوات كبيرة دون نتيجة. فالفكون لا يعطي تفاصيل عن هذه الثورة. ولكنه يستعمل تعابير تدل على سعتها وقوتها وطول مدتها، كقوله (أرسلت ضده المحلات وجرت حروب وعادوا دون أن يظفروا به)(1).
8 -
وقد أشار الفكون أيضا إلى اضطرابات أخرى وقعت في قسنطينة نفسها، من ذلك أنه تحدث عن امتحان جده والشيخ عبد اللطيف المسبح سنة 975 من طرف العثمانيين (2). كما تحدث عن شكوى العامة بأهل الشورى وقرار العثمانيين عدم تولية القضاء في قسنطينة أحدا من خاصتها أو من أعيان سكانها. كما (تدخل العسكر وهدمت دور ونفي بعض الناس) ويروي الكاتب أن العامة قد تدخلت، في مناسبة أخرى، وولت القضاء رجلا أميا، ولكن العثمانيين قد تراجعوا عن قرارهم وعزلوا هذا القاضي الأمي بعد ذلك. وسبب هذا الاضطراب واضح من كتاب الفكون. فهو تدخل العثمانيين في شؤون العلماء وضرب هذا بذاك منهم. فالاضطراب إذن كان يعود إلى أسباب اقتصادية واجتماعية ودينية.
ورغم شهرة صالح باي في قسنطينة فإن عهده لم يخل من ثورات، ولا سيما تلك التي قادها بعض المرابطين. وتذكر المصادر أن مرابطين على الأقل قد أعلنا عليه الثورة. أولهما أحمد الزواوي والثاني محمد الغراب. وتختلط في ثورة هذين المرابطين الخرافة بالتاريخ. وتذهب الأساطير إلى أن الزواوي كان مرابطا في نواحي قسنطينة وأنه أيد صالح باي عندما توجه إلى مدينة الجزائر لمحاربة الإسبان (حملة أوريلي) وأن الزواوي قد أرسل فرسه المسماة (الرقطاء) لتحارب إلى جانب المسلمين. وبعد الانتصار عادت إليه.
(1) بالإضافة إلى الفكون انظر عن هذه الثورة فايسات (روكاي) 1862، 313.
(2)
حدثت ثورة عندئذ كان على رأسها أولاد بن صولة وأولاد عبد المؤمن. وقد ذهب وفد من علماء قسنطينة على رأسه عبد الكريم الفكون (الجد) وعبد اللطيف المسبح، إلى مدينة الجزائر لإقناع السلطة بالحل. ولكن عاقبتهما كانت الفرار إلى زواوة ثم السجن. وأخيرا أطلق سراحهما. انظر القصة بالتفصيل في (منشور الهداية).
ولكن الزواوي انضم بعد ذلك إلى أعداء الباي وقاد ضده الثوار. وقد أرسل إليه الباي من يحمله إلى قسنطينة وحاول استرضاءه ولكن بدون جدوى. ذلك أن الزواوي ظل على غضبه إلى أن توفي وفاة طبيعية ودفن قرب جبل شطابة غير بعيد من قسنطينة. أما محمد الغراب فقد جند أتباعه ضد صالح باي أيضا وأرسل الباي في طلبه وحكم عليه بالإعدام رغم شهرته وتصوفه ورغم نصيحة العلماء له بعدم تنفيذ الحكم فيه. وتذهب الأساطير إلى أن جثة الشيخ محمد قد تحولت إلى غراب ضخم (ومن ثمة تلقيبه بالغراب) فخاف الباي، الذي كان هو أيضا يؤمن بالخرافات، من سوء طالعه. فبنى للمرابط ضريحا بقبة بيضاء جميلة في نفس المكان الذي وقع عليه الغراب، وذلك خارج مدينة قسنطينة (1).
9 -
ومن الثورات الدينية أيضا ثورة درقاوة، أو ثورة أتباع الشيخ محمد العربي الدرقاوي سنة 1219. وقد كان الشيخ الدرقاوي من فقراء (متصوفة) المغرب الأقصى، ولكن أتباعه كانوا منتشرين في الجزائر وخصوصا غربها. وكان مقدم طريقته في وهران ونواحيها هو الشيخ عبد القادر بن الشريف الذي يعود إلى قرية أولاد بليل، قرب فرندة. وكان ابن الشريف قد أسس معهدا أو زاوية حيث يستقبل الأتباع وتلقى الأذكار وتلقن الأوراد وتعطى كلمة السر، وحيث يدرس العلم ويخرج الأتباع المؤمنون بمبادئهم وطقوسهم ومراميهم. وقد درس ابن الشريف في زاوية القيطنة (حيث ولد الأمير عبد القادر) القادرية ثم توجه إلى المغرب الأقصى فدرس العلم هناك أيضا وأجيز من علمائه ولقي شيخ الطريقة الدرقاوية محمد العربي، الذي عينه ليكون مقدم طريقته في الجزائر. فعاد ابن الشريف إلى بلاده. وأنشأ معهدا وأخذ يدرس
(1) فايسات (روكاي) 1868، 369. انظر أيضا فيرو (روكاي) 1865، 57. ويفسر بعض الأوروبيين موقف المرابطين من صالح باي أنهم كانوا يعارضون سياسته في الإصلاح، ولا سيما في ميدان التعليم. انظر عن صالح باي وعهده وسياسته (ذكر طرف من ولاية المرحوم صالح باي) مخطوط بالمكتبة الوطنية? تونس رقم 263. وهو في 34 ورقة.
العلم ويلقن أوراد الطريقة وتعاليمها (1).
وعندما سمع باي وهران، محمد المقلش، بحركة ابن الشريف توجس منها خيفة وأخذ يستعد للقضاء عليها. ويبدو أن الباي قد أحس أن حركة ابن الشريف الدرقاوية لم تكن دينية محضة، كما يدل عليها ظاهرها. فقد كان لها طابع سياسي يتداخل فيه المغرب الشريفي والجزائر العثمانية. ولعل ابن الشريف كان مجرد أداة لتنفيذ خطة سياسية ضد النظام العثماني فأراد هذا النظام حماية نفسه. ومما يؤكد هذا ظهور شخصية مغربية غامضة في الشرق الجزائري ادعت أيضا أنها درقاوية وحاربت العثمانيين هناك، ونعني بها محمد بن الأحرش الذي لعب أيضا دورا في حوادث مصر أثناء الحملة الفرنسية عليها. فقد جاء ابن الأحرش إلى الجزائر ونشر تعاليم الطريقة الدرقاوية في الظاهر واتصل ببعض المرابطين الجزائريين، أمثال عبد الله الزبوشي مقدم الطريقة الرحمانية بنواحي قسنطينة.
ومهما يكن الأمر فإن ثورة درقاوة في الجزائر قد غطت مناطق واسعة وهددت الوجود العثماني فيها بقوة على نحو ما هددته ثورة ابن الصخري قبل ذلك بقرن ونصف. وقد جند لها العثمانيون قوتهم ولا سيما بعد أن أدركوا غايتها السياسية البعيدة. ودارت معارك كثيرة، منها المعركة التي وقعت بين الباي محمد المقلش وطلبة ابن الشريف في المكان المعروف بفرطاسة (قرب معسكر)(2) أدت إلى انهزام جيش الباي. والهزيمة أحيانا تؤدي إلى الهزيمة، كما أن الغلبة تزيد في الحماس والسمعة. وهكذا كان الأمر بالنسبة للدرقاويين. فقد تقدموا واستمروا في حروبهم ومناوشتهم للسلطات العثمانية
(1) توفي الشيخ محمد العربي الدرقاوي بالمغرب سنة 1223. وعن مبادئ طريقته في الجزائر انظر الفصل السادس من هذا الجزء.
(2)
وهي المعركة التي ملأت فيها الكاتب أحمد بن هطال. وقد سجل أخبارها حسن خوجة أحد المؤرخين الرسميين في كتابه (در الأعيان في أخبار مدينة وهران). وترجم هذا الكتاب روسو ونشره في جريدة (مونيتور الجيريان) سنة 1855، أعداد 1398 - 1395.
وكثر أتباعهم وأدوا بالبلاد إلى حافة الثورة العامة. واستعمل العثمانيون أيضا وسائل أخرى غير عسكرية كمصاهرة بعض خصومهم. فقد صاهر الباي المذكور خصمه قدور بن الصحراوي، زعيم الحشم، الذين كانوا قد انضموا إلى الثورة. وعانى من الثورة الناس الذين وقعوا بين نارين: السلطة والدين كالعالم الحافظ أبي راس الناصر الذي كادت تأتي عليه رياح الثورة والذي روى هو ذلك في كتابه (درء الشقاوة في حروب درقاوة) وأشار إليها في بعض أعماله الأخرى، ثم العالم الزاهد محمد الزجاي. ولم تنته الثورة إلا بعد إجراء اتصالات سياسية بين الجزائر والمغرب على المستوى الرسمي (1).
هذا عن ثورة ابن الشريف أما عن ثورة ابن الأحرش فقد كانت هي أيضا قوية وكادت أن تقلب الأوضاع في الشرق الجزائري ضد العثمانيين. وقد هدد ابن الأحرش مدينة قسنطينة نفسها. وخاض معارك بين قسنطينة والجزائر قبل أن ينتقل إلى غرب البلاد ليتعاون مع الدرقاويين هناك (2). ويهمنا هنا ذلك التحالف الذي وقع بين ابن الأحرش والمرابط عبد الله الزبوشي مقدم الطريقة الرحمانية. فقد كانت زاوية الزبوشي في (رجاس) بالقرب من ميلة. وكان هو ساخطا على عثمان باي، حاكم قسنطينة. وقد نجح الزبوشي في قيادة أتباعه ضد الباي الذي قتل في إحدى المعارك سنة 1219. وأرسل الزبوشي برأس الباي إلى حليفه ابن الأحرش. ويقال إن سبب ثورة الزبوشي هو أن الباي سمع بتحالفه مع ابن الأحرش فسحب منه الإعفاء من دفع الضريبة، وهو إجراء كان يتمتع به المرابطون والعلماء المرضي عنهم. فأرسل الزبوشي إلى الباي يطلب إبقاء الإعفاء ولكن الباي رفض فغضب الزبوشي وثار على الباي، وبعد عام من الثورة قتل عثمان باي، كما ذكرنا. ويبدو أن توجه ابن الأحرش إلى الغرب الجزائري والعداوة الشخصية التي كانت بين الزبوشي والباي هي السبب في عدم مطاردة العثمانيين للمرابط الزبوشي الذي استمر
(1) انظر الفصل الأخير من هذا الجزاء حيث الحديث عن الطرق الصوفية.
(2)
عن ابن الأحرش انظر أيضا الفصل السادس من هذا الجزء.
على قيد الحياة ست سنوات بعد وفاة الباي عثمان، إلى أن وافاه أجله سنة 1225 ودفن بزاويته في رجاس (1).
وكان لثورة درقاوة في غرب البلاد وشرقها وانضمام مقدم الطريقة الرحمانية في نواحي قسنطينة إلى الثورة عواقب سيئة على العثمانيين في الجزائر. ذلك أن سمعتهم قد سقطت في أعين السكان. فلأول مرة وقع تحد قوي لسلطتهم منذ عهد بعيد. ونظرا إلى أن القائمين بالثورة كانوا من رجال الدين ومن مديري المعاهد (أو الزوايا) فإن العثمانيين قد أخذوا منذ ذلك الحين يتوجسون خيفة من أصحاب الطرق ويتتبعون أخبارهم وحركاتهم. وقد انعكس هذا حتى على الطرق الأكثر قربا منهم والتي كانوا قد ساندوها وساعدوها على الانتشار كالطريقة القادرية. ومن مواقفهم نحوها ما قام به الباي حسن حاكم إقليم وهران من منع محيي الدين رئيس الطريقة القادرية من الحج وحجزه عنده هو وولده (الأمير عبد القادر في المستقبل).
كما ضيق العثمانيون الخناق بعد ثورة درقاوة على آخرين من زعماء الطرق الصوفية ورجال الدين عامة. وكان من ضحاياهم في ذلك ابن القندوز التوجيني الذي قتل في مازونة، وضيقوا الخناق على أحمد التجاني حتى رحل إلى المغرب، كما فر منهم الشارف بن تكوك إلى المغرب ومحمد بن علي السنوسي إلى المشرق (2). وقد خلفت ثورة درقاوة وغيرها من الثورات كثيرا من الإنتاج التاريخي والأدبي والشعر الشعبي (3).
(1) فيرو (المجلة الافريقية) 1862، 120. انظر أيضا (روكاي) 1870، 192.
(2)
البوعبدلي مقدمة (الثغر الجماني) 39 وهنا وهناك. ولد السنوسي بطرش، قرب مستغانم وتوجه إلى المشرق سنة 1245 وتوفي سنة 1275. انظر فهرسه المسمى (المنهل الرائق) مخطوط، وبروكلمان 2/ 883. عن حياة السنوسي انظر فصول التصوف من الأجزاء التي تتناول العهد الفرنسي.
(3)
من ذلك ما نظمه بوعلام السجراري عن معركة فرطاسة حيث صور انتصار الثوار وهزيمة العثمانيين. وجاء في قصيدته قوله: =
ولكن أقسى ثورة واجهها العثمانيون في الجزائر هي التي وقعت سنة 1246 (1830). وقد طمع الحضر في الحكم بعدهم ومدوا أيديهم إلى الفرنسيين لمساعدتهم على استلام السلطة السياسية من العثمانيين. وخرج البعض ينتقد تصرفاتهم، كأحمد بوضربة وحمدان خوجة، ورفض محيي الدين والد الأمير عبد القادر رئيس الطريقة القادرية وشيخ الطريقة التجانية أن يمدا يد المساعدة إلى الباي حسن في وهران، كما رفض الأمير عبد القادر التحالف مع الحاج أحمد، باي قسنطينة، الذي ادعى أنه الوريث الشرعي للنظام العثماني. وكان اعتماد الشعب الجزائري على نفسه في مقاومة الفرنسيين أكبر درس للعثمانيين الذين خرجوا من الجزائر غير مأسوف عليهم من قبل أغلب السكان (1).
= كي قصة الأجواد مع أتراك النوبة
…
يوم أن فزعهم ابن الشريف أوجاوا
(1)
كان في مدينة الجزائر وحدها حوالي ثلاثة آلاف عثماني سنة 1246 (1830) وقد وضع الفرنسيون العزاب منهم في سفن حملتهم إلى أزمير. ثم حملوا حوالي ألف متزوج منهم أيضا إلى نفس المكان. أما الباقون فقد ظل بعضهم يحارب مع جيوب المقاومة أمثال مقاومة الحاج أحمد باي قسنطينة، وانضم بعضهم إلى الجيش الفرنسي، كما هاجر بعضهم طوعا إلى المشرق. انظر (نظرة على حملة إفريقية سنة 1830)، باريس 1831 وكتابنا الحركة الوطنية ج 1.