الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العثمانيين لم يهملوا تماما وسائل نشر التعليم الديني ورعاية المجتمع الخيرية، غير أن هناك عوامل أخرى تدخلت فجعلت الأوقاف غير فعالة في خدمة التعليم والنهوض بالمجتمع. كما ساعدت على نشر الغموض والتصوف والشعوذة ومظاهر التخلف الاجتماعي الأخرى. ومهما كان الأمر فإن الأوقاف هي التي كانت وراء بناء
المساجد
للعبادة والتدريس. وهذا ما سنتناوله الآن.
المساجد
1 -
كثيرا ما يختلط على الباحث اسم الجامع والمسجد والزاوية. ذلك أن بعض الجوامع والمساجد كانت تابعة لزوايا معينة، كما أن بعض الزوايا كانت تابعة لجوامع ومساجد معينة. والتداخل ليس في الاسم فقط بل في الوظيفة أيضا. فالجوامع والمساجد كانت للعبادة والتعليم كما أن الزوايا كذلك أحيانا، ولكن هذه في الغالب كانت رباطا أو ملجأ أو مسكنا للطلبة والغرباء ومركزا لتلقين الأذكار واستقبال المريدين. كما أن حجم هذه المؤسسات له دخل في تحديد وظائفها. فالجالع اصطلاحا أكبر حجما من المسجد، فهو الذي تؤدي فيه الصلاة الجامعة أو الجمعة والعيدين، وكثيرا ما يسمى أيضا جامع الخطبة، وبعض هذه الجوامع كان أيضا يسمى بالجامع الكبير أو الأعظم. غير أن هناك بعض الباحثين يذكرون (المساجد) فقط ثم يفصلون كبيرها وصغيرها، ما له صومعة وما ليس له صومعة، بل ما له صومعة عالية وما له سوى قبة أو نحوها. ثم أن الجوامع والمساجد في الغالب غير منسوبة إلى الأولياء والصلحاء، بل هي منسوبة إلى مؤسسيها من السياسيين والتجار والعسكريين ونحوهم، بينما الزوايا تنسب غالبا إلى ولي من الأولياء. فهناك زاوية أحمد بن عبد الله الجزائري وزاوية عبد الرحمن الثعالبي، ولكن هناك الجامع الأخضر والجامع الجديد، والجامع الكبير الخ. كما أن بعض الجوامع كانت تنسب إلى الأحياء الواقعة فيها مثل. جامع باب الجزيرة وجامع سوق اللوح وجامع سوق الغزل (بقسنطينة)، أو إلى صنعة
أهل الحي مثل جامع الخياطين وجامع حي الرمان (بتلمسان).
ومهما يكن اسم ووظيفة وحجم هذه المؤسسات فإننا بالنسبة إلى المساجد قد استعملناها هنا في معناها العام، باعتبارها أماكن للعبادة وأماكن لنشر العلم، ولكننا سنوضح الفرق في الاستعمال عند الضرورة. ومما يلاحظ أن أغلب المدن الجزائرية كانت تشمل مسجدا يطلق عليه اسم (الجامع الكبير) وهو المسجد الذي اشتهر بين الناس إما لقدمه أو لسعته. ولكن (الكبير) هنا لا يعني دائما السعة الحقيقية. فقد يكون في المدينة من المساجد ما هو أوسع من الجامع الكبير مساحة. وقد يطلق على أحد المساجد اسم (المسجد العتيق) أو القديم الذي يكون قد بنى وسط المدينة القديمة أثناء نموها، فيصبح بهذا المعنى (شيخ المساجد) وحامي حمى المدينة في نظر السكان. وبذلك يكون موضع اهتمام الحكام وهدف المحسنين لوقف الأوقاف عليه، وكثيرا ما يكون هو المصلى لحاكم البلاد. ورغم شهرة الجامع الكبير بالعاصمة وضخامة أوقافه فإنه لم يتطور إلى (جامعة) علمية كالأزهر أو الزيتونة أو القرويين، فقد ظلت شهرته منحصرة في قدمه (وهو يعود إلى ما قبل العهد العثماني) وحجمه وأوقافه ومركزه القضائي باعتباره المركز الذي كان ينعقد فيه مجلس الفتوى كل أسبوع، كما أنه كان مقر مفتي المذهب المالكي.
والعناية بالمساجد كانت ظاهرة بارزة في المجتمع الجزائري المسلم. فلا دكاد تجد قرية أو حيا في المدينة بدون مسجد. فقد كان المسجد هو ملتقى العباد، ومجمع الأعيان، ومنشط الحياة العلمية والاجتماعية، وهو قلب القرية في الريف وروح الحي في المدينة، إذ حوله كانت تنتشر المساكن والأسواق والكتاتيب. وكان المسجد أيضا هو الرابطة بين أهل القرية والمدينة أو الحي لأنهم يشتركون جميعا في بنائه كما كانوا جميعا يشتركون في أداء الوظائف فيه. وقد كان تشييد المساجد عملا فرديا بالدرجة الأولى، فالغني المحسن هو الذي يقود عملية بناء المسجد والوقف عليه وصيانته. ولكن أعيان القرية أو الحي كانوا يساهمون بالتبرعات ونحوها. ولا يتعدى مجهود
السلطات الحاكمة في هذا المجال مجهود الأفراد. فالدولة لم تكن مسؤولة على بناء المساجد. وإذا بنى أحد الباشوات مسجدا فإنما يبنيه من ماله الخاص ويوقف عليه من ريعه وأملاكه. فهو بذلك يعبر عن إحسانه وحبه للخير وواجبه الديني وليس عن واجبه السياسي. حقا إن عمل الحكام قد يشجع رعاياهم على تقليدهم، وقد يفتح مجالات للتعلم والتثقف لا يمكن للمواطنين العاديين أن يفتحوها، ولكن عملهم، كما قلنا، يظل من الوجهة الدينية عملا فرديا.
2 -
وتختلف الإحصاءات عن عدد المساجد في المدن الجزائرية خلال العهد العثماني، بل إن بعض المدن لا تكاد المصادر تذكر له إحصاء. وتكتفي معظم المصادر بالحديث عن المدن الرئيسية كما أن بعضها لا تذكر إلا الجوامع (أو مساجد الخطبة). ثم إن بعض الإحصاءات تختلط فيها المساجد القديمة المؤسسة قبل العهد العثماني والمؤسسة أثناءه. فالتمغروطي، مثلا اكتفى في حديثه عن مدينة الجزائر في آخر القرن العاشر (16 م) بقوله إن فيها الجامع الكبير وهو واسع وإمامه مالكي، وفيها ثلاث خطب أحدها للترك وإمامهم حنفي (1). وهو يعني بالخطب خطبة الجمعة. ومعنى هذا أن مدينة الجزائر على عهده، لم يكن فيها سوى ثلاثة جوامع للجمعة، منها الجامع الكبير المالكي وآخر للمذهب الحنفي (ولعله يقصد به جامع سفير الذي بناه مملوك خير الدين، كما أشرنا). وجامع ثالث لعله هو جامع القشاش الذي سيأتي الحديث عنه، أو جامع سيدي رمضان الذي كان قديما أيضا. بينما يذكر هايدو الإسباني، حوالي نفس الفترة، ان مدينة الجزائر كانت تعد حوالي مائة مسجد، منها سبعة رئيسية (2). وفي بداية القرن الثالث عشر (19 م) ذكر بانانتي الإيطالي أن هذه المدينة كانت تضم تسعة
(1) التمغروطي (النفحة المكية)، 139. وفي القرن الحادي عشر (17 م) ذكر دابر، 177، أنه كان بمدينة الجزائر 107 مساجد معظمها يقع على ساحل البحر.
(2)
نقل ذلك ديفوكس (المجلة الإفريقية) 1862، 371. ويعتقد ديفوكس أن هذه الإحصائية تشمل الزوايا أيضا.
جوامع وخمسين مسجدا (1). ولكن ديفوكس الذي بحث موضوع المؤسسات الدينية في مدينة الجزائر قال إنه كان بها سنة 1246 (1830 م) تاريخ الاحتلال، ثلاثة عشر جامعا كبيرا (أو جامع خطبة) ومائة وتسعة مساجد، واثنتان وثلاثون قبة (أو ضريحا) واثنا عشر زاوية، فمجموع ما فيها من المؤسسات الدينية، بناء عليه، مائة وست وسبعون مؤسسة (2).
كما تختلف الإحصاءات حول مساجد مدينة قسنطينة. ففي عهد صالح باي، الذي اعتنى بإحصاء المساجد وترميمها وتشييدها، بلغت، كما جاء في السجل الذي أمر به، خمسة وسبعين مسجدا وجامعا، بالإضافة إلى سبعة مساجد تقع خارج المدينة (3). وقد جاء في بعض الإحصاءات المتأخرة أن قسنطينة كانت تضم، قبل الاحتلال الفرنسي، خمسة وثلاثين جامعا (4) أما الورتلاني الذي زار قسنطينة في القرن الثاني عشر (18 م) فقد ذكر أنه كان فيها نحو خمسة جوامع خطبة وأن بعضها كان متقن البناء (5).
وكان إقليم قسنطينة على اتساعه قد اشتمل على عدد آخر من المساجد أيضا. من ذلك عنابة التي كانت فيها سبعة وثلاثون مسجدا، أشهرها جامع
(1) بانانتي، 114.
(2)
ديفوكس (المجلة الإفريقية) 1862، 372. وقد جاء في (طابلو) وزارة الحربية الفرنسية أنه كان بمدينة الجزائر عند الاحتلال 92 مسجدا مالكيا وأربعة عشر حنفيا. 2/ 1838، 223. وهذا بالطبع لا يشمل الزوايا والقباب. انظر فصل المعالم الإسلامية.
(3)
فيرو (المجلة الإفريقية) 1868، 130 وقد وجدنا نحن وثيقة وطنية تعود إلى سنة 1006 أن عدد المساجد في قسنطينة كان يبلغ 71 (واحد وسبعين) مسجدا.
(4)
نوشي (الكراسات التونسية) 1955، 386. وقد ذكر فايسات أن مساجد قسنطينة قد بلغت حوالي مائة مسجد وزاوية (دون تحديد). انظر (روكاي)، 1867، 257، هامش. أما ايمريت فقد أخبر أن عدد مساجد قسنطينة قد بلغ 35 مسجدا. انظر (مجلة التاريخ الحديث والمعاصر) 1945، 203. وجاء في التقرير الذي أعده روسو الفرنسي غداة الاحتلال الفرنسي لقسنطينة (1837) أنه كان بها حوالي مائة مسجد.
(5)
الورتلاني (الرحلة)، 685.
سيدي أبي مروان (1). وفي سنة 1206 أشاد فيها صالح باي جامعا أصبح يعرف بالجامع الجديد، وهو الجامع الذي نقشت عليه هذه الأبيات تؤرخه وتذكر بانيه:
لعمرك بيت الله للسر جامع
…
شيد أركان به النور ساطع
بدت دونه زهر الكواكب رفعة
…
به بونة للسعد منها مطالع
به جاد تاج الدين والمجد صالح
…
إلى درج العلياء راق وطالع
أمير البرايا زاد ظفرا ونصرة
…
مؤيد دين الحق للشرع تابع
فمذ أسس البيت الرفيع على الهدى
…
أأرخه للخير برك جامع (2)
كما اشتهرت بجاية بالمساجد القديمة والحديثة، ومن أحدثها في العهد العثماني الجامع الكبير الذي أمر ببنائه مصطفى باشا سنة 1212 (3). ومن أشهر مساجد ناحية قسنطينة أيضا مسجد الخنقة الذي يعود تاريخه إلى سنة 1147 (4) والذي كان، مع المدرسة والزاوية هناك، مقصد العلماء كما سنرى. أما في القل فقد بنى أحمد القلي، باي قسنطينة وجد الحاج أحمد آخر البايات، جامعا سنة 1170 اعترافا منه، كما قيل، لأهل القل الذين أكرموه عندما كان آغا عليهم (5). أما في تقرت فقد بنى إبراهيم بن أحمد بن جلاب سنة 1220 جامعا واسعا جلب له الرخام من تونس (6).
وبالإضافة إلى ما كان من المساجد في غرب ووسط البلاد أنشأت
(1) بابيه (المجلة الإفريقية) 889، 312. وقد وجد ذلك في وثائق أصلية تعود إلى آخر القرن الثامن عشر الميلادي (12 م). وعن جامع سيدي أبي مروان انظر أيضا جورج مارسيه في (مجموعة ويليام مارسيه)، باريس، 1950، 228.
(2)
بابيه (المجلة الإفريقية)، 1890، 266.
(3)
فيرو (المجلة الإفريقية)، 1858، 45.
(4)
انظر (نشرة أكاديمية هيبون)، 1885، 45. ولهذا الجامع عدة تواريخ أخرى لتجديده منها سنة 1184، 1194.
(5)
فيرو (المجلة الإفريقية) 1859، 206.
(6)
شيربونو (روكاي)، 1856 - 1857، 128.
السلطة العقمانية والأهالي عددا آخر منها. وتذكر المصادر أنه كان بتلمسان في آخر العهد العثماني خمسون مسجدا (1)، منها جامع سيدي بومدين والجامع الكبير وجامع محمد السنوسي وجامع ابن زكري وجامع أولاد الإمام وجامع المشور. والمعروف أن الباي محمد الكبير قد شيد مسجده الأعظم بمعسكر، ولعله هو المعروف بجامع العين البيضاء أيضا (2). وقد أشاد الشعراء والأدباء بهذا المسجد، كما سنرى. ونفس الباي قد بنى جامع وهران بعد فتحها على يديه سنة 1205 (3). وقد عرفت مازونة ومستغانم وندرومة ومليانة بمساجدها أيضا ولكن إحصاءاتها لم تتوفر لدينا. أما المدية فقد كان فيها في آخر العهد العثماني أحد عشر مسجدا، منها الجامع الكبير الذي تعود به الوثائق إلى سنة 1127، وجامع سيدي المزاري الذي بناه مصطفى بومزراق آخر بايات التيطري، والجامع الأحمر الذي شيده الباي حسن حوالي سنة 1213 (4).
3 -
ورغم وفرة المساجد فإن بعض المؤلفين والملاحظين قد اشتكوا من عدم العناية بها في هذا العهد. ويبدو أن عدد المساجد لم يكن يدل بالضرورة على العناية بها والوقف عليها بما يحفظها ويصونها. فقد كان بعضها خربا وبعضها سيء البناء أصلا وبعضها محروما من الأوقاف الضرورية لتجديده. وهكذا نجد أحمد بن ساسي البوني يشتكي إلى الباشا محمد بكداش خراب المساجد في عنابة وخلوها من المصلين والعباد.
خربت المساجد
…
وقل فيها الساجد (5)
(1) ايمريت (الجزائر في عهد الأمير عبد القادر) 82 عن تقرير لطاطارو سنة 1835.
(2)
ليكليرك (المجلة الإفريقية)، 1859، 43.
(3)
(مجلة جغرافية وهران) 1932، 257. وتذكر الوثيقة هناك أن باني الجامع هو حسن باشا الذي كان حاكما عند فتح وهران. والظاهر أن الباشا قد أوقف على الجامع المذكور فقط.
(4)
انظر البارون هنري فيدرمان (المجلة الإفريقية) 1865، 289 هامش 2 و 301 هامش 2.
(5)
ابن ميمون (التحفة المرضية) مخطوط. 23.
وبعده بحوالي خمسين سنة جاء الورتلاني لينعي على العثمانيين عدم عنايتهم بالمساجد وأوقافها، وخاصة منهم ولاة قسنطينة وبسكرة. وقد نحى الورتلاني باللائمة على المغاربة عموما (وهو يعني الجزائريين - لأنه كان معجبا بعمل التونسيين والطرابلسيين وهو لم يعرف المغرب الأقصى وإنما عمم كذلك حتى يتهرب من توجيه التهمة المباشرة للعثمانيين) لعدم عنايتهم ببناء المساجد:(فلا تكاد ترى في مدائنهم مسجدا عظيما قد أحدث بل ولا مهدما قد جدد، ولا واهيا قد أصلح، بل لو سقط شيء من أكبر مساجدهم فأحسن أحوالهم فيه إن كان مبنيا برخام أن يعاد بآجر وجص، وإن كان مجصصا أن يعاد بطين، بحيث تجد المسجد كأنه معرقة فقير هندي فيه من كل لون رقعة. وما أرى ما حل بمغربنا من الوهن إلا بسبب أمثال هذا)(1). وهذا بدون شك اتهام قاس ضد العثمانيين في الجزائر، وهو أيضا اتهام ضد الجزائريين عموما. فالورتلاني كان يعرف تونس وجامع الزيتونة وشاهد ودرس في الجامع الأزهر وغيره من مساجد مصر، وكان قد عاد من الحجاز ومن الحرمين الشريفين ومن دمشق وجامعها الأموي، فلا غرو أن يصطدم بعدم وجود شيء من ذلك (في مغربنا) أو (وطننا) كما كان يطلق أحيانا على الجزائر.
ومما يؤكد هجوم الورتلاني محاولة بعض البايات تلافي هذا النقص أواخر القرن الثاني عشر (18 م). فقد نهض صالح باي قسنطينة يتدبر الأمر ويحصي المساجد وأوقاتها ويحاسب القائمين عليها من الوكلاء عليها وأمثالهم. وجدد بعضها وأنشأ لذلك مجلسا علميا خاصا للنظر في شؤونها. وقد فعل الباي محمد الكبير، فعلا مشابها لذلك في معسكر. كما رمم وبنى مساجد جديدة ليس فقط في عاصمته بل في مدن أخرى كتلمسان
(1) الورتلاني (الرحلة)، 266، وفي صفحة 663 أشاد الورتلاني بموقف ولاة تونس لعنايتهم بالعلم والعلماء وتحبيس الأحباس (الأوقاف) على المدارس الخ. لذلك قلنا إنه كان يعني في هجومه ولاة الجزائر فقط.
والعاصمة (1). فصراحة الورتلاني إذن كانت في محلها وكان بذلك يعبر عن رأي فئة العلماء في البلاد كلها. فهذه الفئة، كما سنرى، كانت تعيش من المساجد وأوقافها، فإذا ضعفت العناية بالمساجد أو قلت أوقافها افتقرت فئة العلماء وسخطت على الحكام.
4 -
ومع ذلك فإن المساجد القائمة، ولو كانت في غير المدن الرئيسية، كانت تلفت نظر الرحالة وتثير إعجابهم. فالعياشي قد وجد صومعة جامع تماسين عالية جدا تحتوي على حوالي مائة درجة. كما أشاد الورتلاني نفسه ببعض مساجد قسنطينة حين قال إن بعضها (متقن إتقان مسجد الباشا بطرابلس، حتى كأن بانيهما واحد) وكل من العياشي والدرعي قد أشاد بجامع بسكرة الذي كانت له مئذنة في غاية الاتقان والطول والسعة تقدر الدابة على الصعود إليها وأدراجها مائة وأربعون درجة. والمسجد واسع جدا متقن البنا الخ (2). ولا شك أنه كان في بسكرة، بالإضافة إلى الجامع الكبير، بعض المساجد الصغيرة. والدرعي نفسه قد أعجب بمسجد عين ماضي المبني على ربوة بأحجار كأنها منحوتة لاستقامتها، وهو مفروش بقطائف وحصر جيدة. وله نور يعلوه (3). وكذلك الحال بالنسبة لجوامع سيدي عقبة وأولاد جلال وتقرت وغيرها من القرى والمدن الصغيرة.
وقد أعجب الأوروبيون أيضا بهندسة بناء المساجد في المدن الجزائرية وعرصاتها المرمرية وزخرفتها بالفسيفساء والنقوش العربية وفرشها بالزرابي الغنية والحرير المطرز أحيانا. وهذا ما جعل الفرنسيين يختارون أجمل وأتقن هذه المساجد ويحولونها إلى كنائس كجامع كجاوة الذي حول إلى كاتيدرالية
(1) عن آثار الباي محمد الكبير بالنسبة للمساجد انظر مقالة ليكليرك عن مساجد معسكر في (المجلة الإفريقية) 1859، 43. وكذلك أبحاث شارل بروسلار عن مساجد تلمسان في (المجلة الإفريقية) 1858 وما بعدها. ولا بد من العودة إلى كتاب (البستان) لابن مريم فهو مفيد في موضوعنا في القرن العاشر وبداية الحادي عشر.
(2)
الدرعي (الرحلة) مخطوط الجزائر، رقم 1997.
(3)
نفس المصدر.
وجامع علي بتشين الذي حول إلى كنيسة، وجامع سوق الغزل (في قسنطينة) الذي حول أيضا إلى كاتيدرالية. وبعض هذه المساجد قد هدموه كما فعلوا بأغلب مساجد العاصمة مثل جامع السيدة الذي كان آية في الفن المعماري (1)، وكذلك مساجد عنابة وقسنطينة والمدية وغيرها (2).
وكانت مدينة الجزائر قبل العثمانيين تحتوي على عدة مساجد كالجامع الكبير الذي ما يزال إلى اليوم يحمل نفس الاسم، وجامع سيدي رمضان وجامع القشاش. ويسمى جامع سيدي رمضان أحيانا جامع القصبة أيضا. وقد سمي على ولي صالح مدفون فيه، وهو كبقية المساجد، التي كان الورتلاني يصفها، يفتقر في بنائه إلى الذوق الفني والأوقاف. فهو كالجامع الكبير وجامع القشاش كان مسقفا بالآجر، وقد ظل على وضعه في العهد العثماني. أما جامع القشاش، الذي كان يسمى أيضا بالجامع القديم، فكان يعتبر من أجمل جوامع مدينة الجزائر حسبما جاء في تاريخ هايدو (3). وكانت تتبعه زاوية بنفس الاسم اشتهرت خلال العهد العثماني بالعلم كمدرسة عليا، وهي المدرسة التي تحدث عنها أبو راس الناصر وأشاد بها، كما سنرى. ويبدو أن كلمة (القشاش) اسم لأحد الأولياء أيضا.
وكانت المساجد المبنية قبل العهد العثماني للمذهب المالكي. كما أن أغلبها المبني خلال هذا العهد كان للمذهب المالكي أيضا. والظاهر أن أول جامع بني في العهد العثماني للمذهب الحنفي هو جامع سفير (أو صفر) الذي
(1) كان مسجد السيدة، وهو من أقدم مساجد العاصمة، قد بنته، كما تقول بعض الروايات، بنت مولاي الناصر - ملك بجاية. وقد سمي باسمها (جامع السيدة) وجدده محمد باشا بن عثمان بعد أن هدمته قنابل الأسبان في القرن الثاني عشر (18 م) وجمله بأعرص الرخام الأبيض، وزين حيطانه بالزليج. وكان يعتبر تحفة من التحف العمرانية. انظر الزهار (مذكرات) 24، 31 - 32.
(2)
يقول فيدرمان (المجلة الإفريقية) 1865، 301 هامش 2 أن من بين الأحد عشر مسجدا التي كانت بالمدية لم يبق منها للدين الإسلامي سوى واحد.
(3)
ديفوكس (المجلة الإفريقية) 1866، 51.
سبق الحديث عليه. وقد نقشت على الباب الرئيسي لهذا الجامع العبارات التالية (وبعد، فهذا مسجد عظيم، ومقام كريم، أسس على التقوى بنيانه، وارتسمت على السعادة والتوفيق أرجاؤه وأركانه، أمر ببنائه الفقير إلى مولاه مملوك مولانا السلطان الكبير، المعظم الشهير، المجاهد في سبيل رب العالمين، مولانا خير الدين، أيده الله ونصره، وهو عبد الله سبحانه صفر، غفر الله ذنبه). وقد جدد حسين باشا، آخر الباشوات، هذا الجامع الذي يعتبر من أجمل مساجد مدينة الجزائر. فهو على عرصات منخفضة عظيمة ومستديرة، أربع منها رخامية وأربع من الحجر، وعليه قبة ضخمة. ومحرابه من الزليج الأبيض والأزرق، وكذلك أطر النوافذ. وله صومعة غير عالية (1). ثم أسس العثمانيون وأحفادهم الكراغلة، المساجد للمذهب الحنفي كمساجد الباشوات الذين ذكرناهم (2) والجامع الجديد، بل كان في كل عاصمة إقليم جامع للأحناف، وجميعها كانت موضوعة تحت مؤسسة سبل الخيرات.
وإذا كانت مساجد العثمانيين في الغالب جيدة وأنيقة وكثيرة الأوقاف فإن مساجد الأهالي كانت في الجملة متواضعة، كما لاحظ الورتلاني، وكما تشهد لذلك أيضا المساجد المؤسسة قبل العثمانيين. فهي في الغالب مبنية بالجبس أو الجص أو الحجر، وقائمة على عرصات ضخمة وصوامع منخفضة. وليس فيها من الفرش سوى الحصير أو الزرابي البسيطة مع قليل من الإضاءة ومن العناية. أما المساجد العثمانية فقد امتازت بدقة البناء واستعمال الزليج والرخام في العرصات والمحراب، والتأنق في المنبر
وقناديل الزيت والثريات والزرابي الغنية والزخرفة والنقوش بالحروف العربية والتركية على الجدران والعناية بالعيون والإضاءة والنظافة ونحو ذلك، كما شاع فيها استعمال الفسيفاء وزخرفة النوافذ والأبواب. وقد لاحظ بعض الباحثين أن مساجد وهران، مثلا كانت أجمل من الكنائس التي به (3)، رغم
(1) نفس المصدر، 1870، 191.
(2)
الحاج حسين ميزمورطو، وخضر، وعبدي الخ.
(3)
بولسكي (العلم المثلث فوق الأطلس)، 103. وقد وصف الكاتب أيضا مساجد =
أن مدة بقاء وهران تحت العثمانيين كانت قصيرة. كما امتازت المساجد العثمانية بالسعة وعلو الصوامع ودقتها وجمال شكلها. ومن أجمل مساجد العاصمة جامع السيدة الذي سبقت الإشارة إليه والجامع الجديد وجامع كجاوة وجامع علي بتشين. ومن أجمل مساجد قسنطينة جامع سوق الغزل والجامع الكبير أو الأخضر. وقد أشاد الأدباء بجامع محمد الكبير بمعسكر لجماله واتساعه. وقد امتازت جوامع تلمسان، التي يعود معظمها إلى العهد الزياني وما قبله، بالفن الأندلسي والذوق العربي.
ومعظم الجوامع كانت تحتوي على المحراب والمنبر والصومعة وقناديل الإضاءة والماء للوضوء (أو الميضات). وتختلف الفرش من جامع إلى آخر فهي في بعضها غنية حتى كانت الفرش تطرز بالحرير المذهب واستعمال الزرابي نادرة القيمة، وفي بعضها كانت مجرد حصير وسجاد متواضع. وكانت تعلق في بعضها الثريات الرفيعة ذات الألوان الزاهية بينما بعضها كان لا يوجد فيه أكثر من حسك قصديرية أو زجاجات عادية (1). ويختلف وضع المساجد (غير جوامع الخطبة) قليلا. فهي في الغالب أقل جمالا وسعة وتأنقا من الجوامع. وفي معظم الجوامع توجد المكتبات الموقوفة على القراء والطلبة والأساتذة (2). وتختلف الكتب الموقوفة كثرة وتنوعا. ففي بعض الأحيان لا يوجد في المكتبة سوى المصاحف والكتب
= العاصمة وقسنطينة وغيرهما.
(1)
وصف ابن حمادوش بعض مظاهر الزينة في مساجد العاصمة أثناء المواسم الدينية، كاستعمال الشموع وألوانها وحجمها ونحو ذلك. وتوجد معلومات أيضا عن ذلك في (نحلة اللبيب) لابن عمار و (مذكرات) الشريف الزهار.
(2)
انظر بروسلار (المجلة الإفريقية) 1861، 323، عن وقف مجموعة من الكتب الدينية والتاريخية على جامع محمد السنوسي بتلمسان. وسنعرف عن أوقاف الكتب التي حبسها الباي محمد الكبير على مسجده وكذلك صالح باي على بعض مساجد قسنطينة. بل إن النساء أيضا كن يحبسن الكتب. فقد جاء في (المجلة الإفريقية)، 1860، 169 أن السيدة فاطمة بنت ابن جبور قد أوقفت على جامع الغريبة بتلمسان نسخة من تأليف الجوزي وآخر من تأليف السيوطي.
الدينية والصوفية مثل صحيح البخاري وتنبيه الأنام ودلائل الخيرات وكتب الأدعية والأذكار. ولكن بعضها كان يحتوي على كتب في العلوم المختلفة من أدب وطب وفقه وتاريخ ورياضيات. ومن أهم ما كان يلحق بالجوامع أيضا الكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال، والزوايا لمبيت الطلبة والغرباء. ومن التوابع الضرورية للجوامع الميضات والعيون للطهارة والاستحمام.
وتختلف الجوامع أيضا في حجم موظفيها. فبعضها كان كثير الموظفين حتى أن عددهم كان يتجاوز الستين موظفا كالجامع الكبير بالعاصمة، وبعضها كان يقوم عليه عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحد. وعلى كل حال فإن أغلب الجوامع كان له من الموظفين الوكيل والخطيب والإمام (وأحيانا يجمع الخطيب الإمامة أيضا) والمدرس والمؤذن والحزاب وبعض القراء.
5 -
وكان لكل واحد من هؤلاء، مرتب خاص به، حسب قدره ومكانته وعلمه، من الوقف. ففي أواخر القرن العاشر (16 م) وزع خضر باشا وقف الجامع الذي بناه باسمه على النحو التالي (مع ملاحظة أن هذه المرتبات شهرية):
50 دينارا
…
للخطيب
2 ديناران
…
لقارئ الصلاة المحمدية (كل خميس واثتين)
2 ديناران
…
لقارئ التعريف (يوم الجمعة)
2 ديناران
…
لثلاثة مؤذنين حنفيين (يوم الجمعة تصبح ستة دنانير)
1 دينار واحد
…
لكل حزاب - وهم تسعة (لقراءة الحزب بعد صلاة العصر)
30 دينارا
…
للمدرس المالكي
30 دينارا
…
لقارئ صحيح البخاري
30 دينارا لقارئ ابن أبي جمرة (مختصر صحيح البخاري)
30 دينارا
…
لقارئ الرسالة للقيرواني
5 دنانير
…
لوكيل الوقف (1)
(1) ديفوكس (المجلة الإفريقية) 1869، 24. و (التعريف) كتاب في التصوف. وقد ذكر =
أما جامع سوق الغزل في قسنطينة فقد كان موظفوه، في عهد صالح باي، موزعين على النحو التالي مع مخصصات لكل منهم:
100 ريال
…
للخطيب
50 ريالا
…
للإمام
30 ريالا
…
لرئيس المؤذنين
125 ريالا
…
لخمسة مؤذنين (25 ريالا لكل منهم)
20 ريالا
…
لخمسة حزابين (4 ريالات لكل واحد)
4 ريالات
…
لحامل عكاز (أو عصا)
الخطيب 28 ريالا
…
للمنظفين
40 ريالا
…
لناظر الوقف (أو الوكيل)
48 ريالا
…
لمدرس المدرسة (التابعة للجامع)
144 ريالا
…
لاثني عشر طالبا يحضرون دروس المدرسة (1)
وفي نفس الوقت أوقف الباي محمد بن عثمان (وهو والد محمد الكبير) على جامع العين البيضاء الذي بناه بمعسكر وقفية تضمنت ما يلي:
4 سلطانية ذهبا
…
للطلبة الذين يحضرون درس صحيح البخاري في كل سنة
40 ريالا
…
للإمام
40 ريالا
…
للخطب
80 ريالا
…
للمؤذنين الأربعة يتقاسمونها
44 ريالا
…
للحزابين يتقاسمونها
40 ريالا
…
لمدرس صحيح البخاري
60 ريالا
…
لكل مدرس (وهم ثلاثة) في الفقه وغيره
40 ريالا
…
لمسلك الطلبة (مؤدب الكتاب)
= دي بارادي أنه كان يعلق علم أبيض على الصوامع إعلانا بوقت الصلاة وحين ينتهي المؤذن من الأذان ينزل العلم إلا في نصف النهار فإن العلم يظل ساعة ونصفا. أما يوم الجمعة فإن العلم الذي يرفع كان أخضر اللون. انظر بارادي، 157.
(1)
فيرو (المجلة الإفريقية) 1868، 131.
15 ريالا
…
لوكيل خزانة الكتب الملحقة بالجامع
10 ريالات
…
للراوي
15 ريالا
…
لمصلح المطاهر (منظف الميضات)
40 ريالا
…
لوكيل الوقف
نصف ريال
…
حق لكل بيت عامر شهريا لزيت الطالب الساكن فيه (1)
ومن خلال هذه الإحصاءات يمكن ملاحظة الرواتب وتطور الحياة الاقتصادية ولا سيما التضخم المالي. فقد نص وقف جامع الحاج حسين ميزمورطو أواخر القرن الحادي عشر (17 م) على إعطاء الخطيب ستين دينارا والمدرس خمسة وثلاثين والوكيل خمسة وثلاثين أيضا، وهكذا.
6 -
وكان الجامع الكبير بالعاصمة مقرا للمفتي المالكي وللمجلس الشرعي الأسبوعي (يوم الخميس) ، وكان هذا المجلس يضم المفتي المالكي والمفتي الحنفي والقاضيين المالكي والحنفي وكبار العلماء والقضاة، كما كان يحضر الباشا أو نائبه عند الضرورة (2). وكان المجلس يفصل في القضايا الفقهية الشائكة ولا سيما تلك التي يختلف فيها القضاة عند التطبيق والتنفيذ، أو تلك التي يحتاج فيها الباشا إلى فتوى العلماء. وكان المجلس أيضا مركزا للمناظرات بين العلماء في المسائل الخلافية العامة. وسنعرف أنه كان أيضا مجالا للتنازع والتنافس والتظاهر وكسب ود السلطة عند بعض العلماء. ومن أشهر العائلات التي تولت الفتوى المالكية في الجامع الكبير عائلة قدورة ومن أبرز الأسماء أيضا ابن جعدون وابن الشاهد وابن الأمين وابن بكرو.
وكان للجامع الكبير موظفون كثيرون وأوقاف ضخمة يسيل لها لعاب
(1) ليكليرك (المجلة الإفريقية) 1859، 43. فيه النص العربي للوفقية. قارن ذلك بما جاء في كتاب (الثغر الجماني) لابن سحنون، مخطوط ورقة 12 عن أوقاف الجامع الكبير الذي بناه الباي محمد الكبير بن محمد بن عثمان السابق.
(2)
عن محراب ومنبر الجامع الكبير انظر جورج مارسيه مجلة (هيسبريس)، 1921، 359، 1926، 19.
العلماء المتنافسين. ومن أهم موظفيه - بالإضافة إلى المفتي والوكيل - إمامان للصلوات الخمس، ومساعدان للمفتي وتسعة عشر أستاذا (مدرسا)، وثمانية عشر مؤذنا، وثمانية حزابين لقراءة القرآن الكريم، وثلاثة وكلاء أوقاف واحد منهم نائب للمفتي، الذي هو الوكيل الرئيسي، والثاني وكيل أوقاف المؤذنين والثالث وكيل أوقاف الحزابين، وثمانية منظفين، وثلاثة موظفين للسهر على الإضاءة. أما خطبة الجمعة والعيدين فكان يتولاها المفتي نفسه. فهو إذن مفتي وخطيب ووكيل في نفس الوقت. وسنرى أن بعض المفتين كان ينيب عنه غيره في الخطابة أيضا. وهناك غير هؤلاء من الموظفين الذين لا يكاد يأتي عليهم الحصر (1).
أما الجامع الجديد بالعاصمة فقد كان مقرا للمفتي الحنفي (2) الذي كان في مقام شيخ الإسلام في إسطنبول. وكانت للمفتي الحنفي اليد الطولى إذا ما حصل خلاف بينه وبين المفتي المالكي، كما كانت له دالة على الباشوات، ولا سيما في العهد الأول عندما كان القاضي الحنفي يأتي من إسطنبول لمدة ثلاث سنوات كالباشا. ومن أشهر العائلات التي تولت الفتوى الحنفية عائلة ابن العنابي. وقد عرفنا أن الجامع الجديد قد بني في القرن الحادي عشر بأمر الوجق وأن أوقافه كانت تحت مؤسسة سبل الخيرات. وكان قد بني على أنقاض الزاوية (أو المدرسة) العنانية التي تشهد بعض الوثائق على أنها تعود إلى القرن العاشر (16 م) ويقع الجامع في مواجهة البحر حتى أن كل قادم للمدينة من الميناء يراه فيؤخذ بشكله الجذاب وقبته العالية وبياضه الناصع. وكان الرياس (أو البحارة) يحيونه عتد الغدو للجهاد بالطلقات النارية تيمتا بالنصر. وكان له أيضا عدد ضخم من الموظفين الذين يتوزعون على مختلف الاختصاصات. ولكنه فقد بعض روعته وهيبته عندما غطاه الفرنسيون من جهة البحر بمدهم الطريق الموازي للميناء. أما داخله فما يزال يثير الدهشة والتأمل
(1) ديفوكس (المجلة الإفريقية) 1866، 381.
(2)
كان لقبه في الأول القاضي الحنفي، ثم ظهر لقب المفتي الحنفي ولكن القاضي احتفظ بوظيفته فكان هناك القاضي والمفتي الحنفيان والقاضي والمفتي المالكيان.
ويظهر منه التأثير العثماني في العمارة. وقد نقشت على جدرانه آيات قرآنية وعبارات دينية بالعربية والتركية، وبعض الأبيات من قصيدة البردة للبوصيري (1).
ومن أشهر المساجد في غير العاصمة جامع الباي محمد الكبير في معسكر، ويبدو أنه كان يخطط له ليكون قاعدة كبيرة لنشر التعليم في المنطقة ينافس به القرويين في فاس، ولكن تطور الزمن لم يحقق له ذلك. فقد نقلت العاصمة إلى وهران بعد فتحها الثاني ووقعت ثورة الطريقة الدرقاوية، ثم حل الفرنسيون بمعسكر بعد أقل من أربعين سنة من بناء الجامع. ومهما كان الأمر فإن الباي قد أكمل بناءه وأضاف إليه مدرسة وأوقف عليه أوقافا كثيرة، بما في ذلك خزانة كتب وحمام (وحدائق ودورا وحوانيت) وبنى له فرنا. فكانت تكفي (غلات أحباسه جميع وظائفه ولوازمه وتفضل منها فضلة تدخر له) وقد أصبح هذا الجامع من المباني الهامة أو من (العجائب) كما يقول ابن سحنون، حتى أن الناس كانوا يقصدونه (اللتنزه والتعجب) وكان من موظفيه، حسبما جاء في وقفيته، الخطيب والإمام وأربعة مؤذنين ومسمع (أو مساعد المدرس) وأربعة مدرسين، وعدد من الطلبة، وقراء الحزب (أو الحزابين)، وقراء حديث اللغو يوم الجمعة، وقراء تنبيه الأنام. وقد خصص لجميع هؤلاء رواتب تليق بهم (2). وهذا الجامع (العجيب) هو الذي لم يعد يثير الإعجاب سنة 1251 (1835) حين زاره طاطارو الفرنسي وسجل أن في مدينة معسكر جامعا واحدا له منارة قريبة من قصر الباي (3) ولعل وصف سان هيبوليت أصدق من وصف طاطارو حين قال إنه كان لمعسكر مبان جميلة وقصر واسع جدا
(1) نفس المصدر، 1867، 302، 383. وكذلك بولسكي الذي أعجب أيضا بالجامع الكبير كثيرا ووصفه. 17.
(2)
ابن سحنون (الثغر الجماني)، مخطوط، ورقة 10 - 12. انظر ليكبرك (المجلة الإفريقية).1859، 43.
(3)
مارسيل ايمريت (الجزائر في عهد الأمير عبد القادر)، 91.
ومنازل أنيقة، ولكنها الآن جميعا مهدمة وفي حالة يرثى لها (1).
أما في قسنطينة فمن أشهر المساجد الجامع الكبير وجامع سوق الغزل وجامع سيدي الكتاني وجامع القصبة وجامع سيدي علي بن خلوف. وقد احتوى بعضها على زخارف ونقوش جميلة، كما كان بعضها مبنيا بالرخام والزليج النادر المستورد من تونس أو من إيطاليا (2). ومن البايات الذين ساهموا في بناء المساجد هناك الباي حسين بوكمية، الذي بنى جامع سوق الغزل سنة 1143 (3). وهو جامع للمذهب الحنفي، جميل الشكل والهندسة، وقد صرفت عليه أموال غزيرة. أما الجامع الكبير فقد بناه الباي حسن بوحنك سنة 1156. وقد كان أيضا للصلاة والتسبيح والتعليم كما جاء في اللوحة الجميلة المنقوشة عند بابه. وكانت منارته تبلغ خمسة وعشرين مترا. وكانت له أوقاف هامة (4). ومن آثار صالح باي جامع سيدي الكتاني الذي شيده سنة 1189 (5). وقد أشرنا إلى الجامع الذي بناه في عنابة في آخر أيامه.
(1) نفس المصدر، 94.
(2)
(وثائق فرنسية رسمية عن حملة كلوزيل)، 163.
(3)
حكم هذا الباي من سنة 1125 إلى سنة 1149. وتثبت بعض الوثائق أن الجامع كان قد بنى من مال عباس بن جلول الذي كان متوليا وظيفة باش كاتب الباي المذكور. وقد قيل إن الباي لما رأى أهمية الجامع رغب في مشاركة كاتبه فيه فكتبت اللوحة على أنه من إنشاء الباي بينما الواقع غير ذلك. انظر فايسات (روكاي) 1868، 301. وقد استقى فايسات هذه المعلومات من الوثائق التي وجدها عند حفيد عباس بن جلول، وهو الشيخ مصطفى بن جلول الذي كان مفتي الحنفية في وقته. وقد حول الفرنسيون هذا الجامع إلى كاتيدرالية، كما أشرنا.
(4)
حكم حسن بوحنك من سنة 1149 إلى سنة 1167. وهو الذي يعود إليه الفضل في تغيير معالم المدينة العمرانية، وهو مدفون في نفس الجامع. وكانت إصلاحاته مقدمة لإصلاحات صالح باي.
(5)
شيربونو (روكاي) 1856 - 102، وكذلك دورنون (تاريخ قسنطينة) في (المجلة الإفريقية) 1913، 290. وقد توفي صالح باي مقتولا، بعد حكم دام أكثر من عشرين سنة، متهما بالتمرد على السلطة المركزية. ويقال إن زوج حسن باشا هي التي كانت =