الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (1)
* * *
* قالَ اللَّه عز وجل: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
* * *
قال المُفَسِّر
(1)
رحمه الله: [{تَبَارَكَ} تَعَالَى]، ففسَّر المُفَسِّر التَّبارُكَ بالتعالي. ولا شكَّ أَنَّ هَذَا التفسير فيه نوعٌ من القُصُور؛ لِأَنَّ {تَبَارَكَ} تدل على التعالي بل وعلى كثرة الخير وسَعَتِه ودوامه، فمعناه أَنَّهُ كثُرتْ خيراتُه وعظُمتْ واستمرَّتْ للعِبادِ.
قوله: {الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} هَذَا من جُملة البَرَكَة الَّتِي هي من صفةِ اللَّه سبحانه وتعالى أَنَّهُ نَزَّل الفُرقان على عبدِهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وقوله: {نَزَّلَ} فَعَّل تُفِيدُ النُّزُول شيئًا فشيئًا، وهكذا القُرْآن الكريم كان يَنزِلُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا، والكُتُب السابقة كانت تَنزل جُملةً وَاحِدةً؛ لقولِهِ تَعَالَى في هَذِهِ السُّورة:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} ، فردَّ اللَّه عليهم بقوله:{كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32].
وقوله: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} يفيد أَنَّ هَذَا القُرْآن كَلامُ اللَّهِ.
(1)
المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (864 هـ) رحمه الله ترجمته في: الضوء اللامع (7/ 39)، حسن المحاضرة (1/ 443).
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ليس في هَذَا دليلٌ على أنَّهُ كَلام اللَّه، لِأَنَّ اللَّه سبحانه وتعالى يقول:{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} ، والماء الَّذِي هو المطرُ ليس صفةً من صفات اللَّه، فلا يَلْزَمُ إذا قال اللَّه: إِنَّهُ نَزَّل القُرْآن أنْ يَكُونَ القُرْآن صفةً من صفاتِهِ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يُضِيفُ التنزيلَ والإنزالَ إلى ما ليسَ من صِفَتِه؟
فالجواب عن ذلك أنْ يُقالَ: إذا أضاف اللَّه تَعَالَى إنزالَ شَيْءٍ إليه فإنْ كانَ هَذَا الشَيْءُ عَيْنًا قائمًا بذاته فليس من صفات اللَّه، أو كان صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها فليس من صفات اللَّه، وإن كان صفةً لا يُمْكِنُ أن تقوم بعَينِها، يعني ليس عينًا قائمًا بذاتِه ولا صفةً في عين قائمةٍ بذاتها؛ لَزِمَ أنْ يَكُونَ صفةً من صفات اللَّه، فالقُرْآنُ كَلام هل يمكن أن يَكُون الكَلام عينًا قائمةً بذاتها؟ لا يُمكِنُ، وهنا لم يُضَفْ إلى أحدٍ من النَّاس حتى نقول: إِنَّهُ صِفَة في عينٍ قائمةٍ بذاتِها، فيَلْزَم أنْ يَكُونَ مخلوقًا كالعينِ القائمةِ به. وعلى هَذَا يَتَعَيَّن أنْ يَكُونَ كَلامًا للَّهِ وصفةً من صفاتِهِ.
وكذلك في قَوْلِهِ: {نَزَّلَ} دليلٌ على صفةِ العلوِّ للَّهِ سبحانه وتعالى.
وقوله: {الْفُرْقَانَ} هو القُرْآنُ، وُصِفَ بذلك لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بين الخير والشرِّ، وبينَ الحقِّ والباطِلِ، وبينَ أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطِلِ، وأهل الخير وأهل الشرِّ، فَهُوَ فُرقان في كل شَيْءٍ، وكما أَنَّهُ فُرقان بذاتِهِ يُفرِّق فإنَّ مَن كان من أهلِهِ ولَازَمَه وعَمِلَ به أُوتِيَ هَذِهِ الصِّفَةَ، وصار له تفريقٌ بين الحقِّ والباطل، لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29].
قوله: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} إذا كان القُرْآن فُرقانًا بين الحقِّ والباطلِ، وبين الخيرِ والشرِّ؛ لَزِمَ من ذلك أنْ يَكُون بَيِّنًا واضحًا، ليسَ فيه إجمالٌ وليس فيه إشكالٌ، كيف يَلْزَمُ ذلكَ؟ لِأَنَّهُ لو كان فيه إجمالٌ أو اشتباه لم يَكُنْ فُرقانًا؛ لِأَنَّ ما ليسَ بِمُشْتَبِهِ
كيفَ يَكُونُ فُرقانًا، فالفُرْقان يَحتاج أن يَكُونَ واضحًا موضِّحًا بَيِّنًا.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: اللَّه يقول: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} وهذا يَقتضي أن يَكُون فيه اشتباهٌ؟
قُلْنَا: المرادُ بالمتشابِهِ هنا الموافِق بعضُه بعضًا، والمُشْبِه بعضُه لبعضٍ في الكمال والحُسْن، فهذا من المُتَشَابِه؛ كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25]، أي متوافقًا ومتشاكِلًا، هكذا القُرْآن متشابهًا، بمعنى أَنَّ بعضَه يُشْبِهُ بعضًا في الحُكْمِ ويُوافِقه ولا يُخالِفهُ، وَأَمَّا قوله سبحانه وتعالى:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، فقد بَيَّن اللَّه أَنَّ هَذِهِ المُحْكَمَات إليها المَرْجِع:{هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} ، وإذا كنَّ أُمَّ الكِتَاب لَزِمَ أن يُرَدَّ المتشابِه إلى المُحْكَمِ، وإذا رُدَّ المتشَابِهُ إلى المحكَم صار الجميع محكَمًا، وهَذِهِ القاعدة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ هي الَّتِي عليها الراسِخونَ في العِلم، وهي الَّتِي يَستريحُ بها الإنْسَانُ منْ الِاحْتِمَالات؛ لِأَنَّهُ يأتينا دائمًا في القُرْآن وفي السنَّة نصوصٌ فيها احْتِمَالاتٌ تَحتمِل كذا وتَحتمل كذا، وعندنا نصوصٌ أُخْرَى واضحة صريحة ليس فيها إشكالٌ، فالواجبُ عَلينا أنْ نَحْمِلَ هَذَا المُشْتَبِهَ على المُحْكَم، أيْ على ما يُوافِقُه ولا يُخالِفُه؛ ليَكُونَ الجميعُ محُكَمًا.
مثال رَدِّ المتشابِهِ إلى المحكَم:
أولًا: مثال في الخبر: قول اللَّه سبحانه وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، قد يَشْتَبِهُ على الإنْسَان أَنَّ اللَّه تَعَالَى معنا بذاته، ولَكِن عندنا نصوصٌ محكَمَةٌ تدل على عُلُوِّ اللَّه، وأن المَعِيَّة الذَّاتية الَّتِي يَكُون اللَّه تَعَالَى معنا في كل مكان هَذِهِ مستحيلة، ولهذا الَّذِين في قلوبهم زَيْغٌ اتبعوا هَذَا المتشابِهَ وتركوا المحكَم، وقالوا: إن اللَّه مَعَنا بذاتِهِ في كل مكانٍ.
ثانيًا: مثال في الحُكْم:
قال النَّبي عليه الصلاة والسلام: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ"
(1)
، ودخل رجل يوم الجمعة وهو يخطب فجلس فقال:"أَصَلَّيْتَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"
(2)
هَذَا مُحْكمٌ واضِحٌ بَيِّن على طلب صلاة الركعتين لكل من دخلَ المسجدَ وألَّا يجلسَ حتى يصليَ ركعتينِ، وفيه حَديث الثَّلاثَةِ الَّذِينَ جَاؤُوا والرَّسول عليه الصلاة والسلام في أصحابِهِ، فأَحَدُهم جلسَ وأحدُهم دخلَ الحَلْقَة، والثالث انصرفَ
(3)
، وليس في الحديث ما يَدُلُّ على أنَّ أحدًا منهم صَلَّى ركعتينِ، فهذا مُشْتَبِهٌ؛ لِأَنَّهُ قد يَدُلُّ على أَنَّ تحيةَ المسجدِ ليستْ مطلوبةً، لَكِننا لا يمكن أنْ نَدَعَ الحديثَ المحكَمَ مِنْ أجْلِ هَذَا الاحْتِمَالِ، لاحْتِمَالِ أن هَؤُلَاءِ الرِّجالَ الثَّلاثَةَ صَلَّوْا والرَّسول صلى الله عليه وسلم يَرَاهُم ولم يُنْكِرْ عليهم، ولاحْتِمَال أن يَكُونوا على غير وضوءٍ، ولاحْتِمَالاتٍ أُخرى، فلهذا لا نَدَعُ المحكَم مِنْ أجْل هَذَا المتشابِهِ، والأمثلةُ على هَذَا كثيرةٌ.
وقوله تَعَالَى: {عَلَى عَبْدِهِ} مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهَذِهِ العُبُودية أَخَصُّ العُبُودِيَّاتِ الَّتِي يُوصَف بها النَّاس، لِأَنَّ العبودية تَنقسِم إلى ثلاثةِ أقسامٍ: عامَّة، وخاصَّة، وأخص:
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، رقم (444)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد، رقم (714).
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين، رقم (931)، ومسلم: كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، رقم (875).
(3)
أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، رقم (66)، ومسلم: كتاب السلام، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، رقم (2176).
* العامَّة: هي الَّتِي تَشمَل جميع الخَلْق، مثل قوله سبحانه وتعالى:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93]، كل الخَلْق عِبَاد اللَّه، ومنها أيضًا قوله:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ} [الحجر: 42]، استثنَى مَنِ اتَّبَعَه من عِبادِهِ.
* الخاصَّة: مثل قوله تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63].
* الأخَصّ: وهي عُبُودِيَّة الرِّسَالة؛ كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى في نوح: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]، وقوله في مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1]، هَذِهِ أخص مِنَ الأُولى؛ لِأَنَّهَا عُبُودِيَّة خاصَّة بتكليفٍ خاصٍّ، وهو الرِّسَالة.
ووصفُ الإنْسَان بالعبوديَّةِ للَّه سبحانه وتعالى وإضافتُه إلى اللَّهِ هل هَذَا تشريف أو إهانة؟
تشريف، ولا شك أنَّ له الفخرَ كلَّ الفخرِ بأنْ يَكُونَ عبدًا للَّه سبحانه وتعالى. حتى إن الإنْسَان ليحب أن يُنْسَب إلى عبودية غيره من بني الإنْسَان إذا كان يُحِبُّه، وفي هَذَا يقول الشاعر في مَعْشُوقَتِه
(1)
:
لَا تَدْعُني إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا
…
فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
يعني: لا تقول: يا مُحَمَّدُ، يا بكرُ، يا خالدُ، يا عليُّ، لا، هناك اسْم أشرف عنده وهو أن تقول: يا عبدَ فُلانةَ؛ لِأَنَّهُ يَفْخَرُ أن يَكُونَ عبدًا لها.
(1)
البيت من السريع، وأورده صاحب لطائف الإشارات (1/ 49).
فالعُبُودية للَّه عز وجل لا شكَّ أنها مَفْخَرَةٌ للعابدِ إذا أُضيفتْ إلى اللَّهِ.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{الْفُرْقَانَ} القُرْآن لِأَنَّهُ فَرَّق بينَ الحقِّ والباطلِ]، وكذلك بين الخيرِ والشرِّ، ثُمَّ قَالَ رحمه الله:[{عَلَى عَبْدِهِ} مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} أي الإنس والجِنّ دونَ المَلائِكةِ].
قوله: {لِيَكُونَ} الضمير يعود على مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لقولِهِ سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} [الأحزاب: 46]، فالنَّذير مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضمير في قوله: {لِيَكُونَ} أي الفُرقان نذيرًا للعالمينَ؛ لِقَولِه سبحانه وتعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأَنعام: 19]، فجعل الإنذارَ بالقُرْآنِ، ولَكِنْ هَذَا ليسَ براجِحٍ، بل الراجح الأوَّل.
أولًا: لِأَنَّ الضميرَ يعود إلى أقربِ مذكورٍ، وقوله عز وجل:{لِيَكُونَ} الَّذِي قبلَه مباشرةً: {عَبْدِهِ} .
ثانيًا: أن اللَّه وَصَفَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قولِه سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45].
وقوله سبحانه وتعالى: {لِلْعَالَمِينَ} العَالَم، يقول المُفَسِّر رحمه الله:[الإنس والجن دون الملائكة]، أَمَّا الإنسُ فظاهِرٌ، وَأَمَّا الجِنُّ فكذلك أيضًا دَلَّتِ النصوص عَلَى أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ إليهم.
والدليل على هَذَا قوله تَعَالَى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} [الأحقاف: 29]، وقوله:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1]. وكذلك النَّبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ
اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لحَمًا"
(1)
، فقَيَّدَهُمْ بأحكامِ الشَّريعة.
أما الملائكة فالدليل على أَنَّهُ ليسَ رسولًا إليهم قولُ اللَّه تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95]، فأفادتِ الآية أن الملائكةَ يُرْسَلُ إليهم ملائكة، والنَّبي عليه الصلاة والسلام ليس بِمَلَك، ويَقْتَضِي ذلك ألَّا يَكُون رسولًا إلى الملائكة، لكِن على الملائكة أن يُصَدِّقُوا به، وهم بلا شكٍّ مُصدِّقون بالرَّسول عليه الصلاة والسلام، ولَكِنَّه ليس مَبعوثًا إليهم، ولا مكلَّفًا بتبليغِهم، عليه الصلاة والسلام.
إذَنْ يَكُون قوله تَعَالَى: {لِلْعَالَمِينَ} من باب العامِّ الَّذِي أُريدَ به الخاص؛ لِأَنَّ الملائكةَ مِنَ العالمَين، كما في قولِهِ تَعَالَى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1]، فكلُّ مَن سِوَى اللَّه عَالَم.
وقولُه: {نَذِيرًا} النَّذير هو المُخْبِر بما يُخَوِّفُ، والبَشير المُخْبِرُ بما يَسُرُّ وعلى هَذَا يَكُون الرَّسول صلى الله عليه وسلم مُخْبِرًا بما يخوِّف، وهذا لا يُنافي أيضًا أن يَكُون بَشيرًا، وقد ذَكَرَ اللَّه الحالينِ في قوله سبحانه وتعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف: 1 - 3]، فإذَنْ الِاقتصار على البِشارة أو الإنذار في مكانٍ لا يَقتضي نفيَ الثَّاني؛ لِأَنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم موصوفٌ بهذا وهذا.
لكِن إذا وَرَدَتِ البِشارةُ مُقَيَّدةً بأمرٍ مَخُوفٍ مثل قوله سبحانه وتعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]، فبعضهم يقول: إن هَذَا على سبيل التهكُّم بهم؛ لأَنَّهُمْ
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، رقم (450).
يُبَشَّرُونَ بالعذاب، وهو لا يبشَّر به عادةً، وبعضهم يقول: إذا قُيّد بشَيْءٍ تُقيِّد به لكِن عند الإطلاق هو في الخيرِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: استدلَّ أهل السُّنَّة والجَماعَة بمثل هَذِهِ الآية عَلَى أَنَّ القُرْآن كَلام اللَّه، يُستفاد من قولِه:{نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} .
الْفَائِدَة الثَّانية: أنَّ اللَّه في السماء، ووجهُ الدلالة أو وجه الْفَائِدَة أن النزول يَكُون من عُلُوٍّ، وإذا كان اللَّه نزَّل الفُرقان فإن هَذَا يدل على عُلُوِّ اللَّهِ تبارك وتعالى.
الْفَائِدَة الثالثة: أنَّ القُرْآنَ كلَّه واضحٌ صريحٌ، ليس فيه إشكالٌ؛ لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ أن يَكُون فرقانًا إلا على هَذَا الوجهِ؛ لقولِهِ:{نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} . وقد أجبنا عمَّا أوردناه من قوله تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]، وبيَّنَّا أن المراد بالتشابُهِ ليس اشتباه المعنى، بل هو الموافَقة والمشاكَلَة في الكمال والحُسْن.
الْفَائِدَة الرابعة: إثبات الحِكمة في أفعال اللَّه؛ لِقَوْلِهِ: {لِيَكُونَ} لِأَنَّ (اللام) في قوله: {لِيَكُونَ} للتعليل، فإذا كانت للتعليل دلَّ هَذَا على أنها تُفِيدُ الحِكمة؛ إذ العِلَّة هي الباعثة على الشَيْء، أو هي غاية الشَيْء؛ لِأَنَّ العِلَّة إما غائِيَّةٌ أو باعِثة، وكل منها يدل على الحِكْمَة.
الْفَائِدَة الخامسة: عموم رسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِقَوْلِهِ: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} . وَأَمَّا مَن قال: إِنَّهُ رسولٌ إلى العرب فقطْ فَإِنَّهُ كافرٌ به، فالَّذِينَ قالوا: إِنَّهُ رسول إلى العرب قالوا: إن اللَّه تَعَالَى يقول: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رسولُ للعربِ فقطْ، وَأَمَّا بنو إسرائيل فلا يُكَلَّفون باتباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم.
فما هو الجوابُ عن هَذِهِ الشُّبْهَةِ؟
الجواب: أَنَّ قَوْلَهُ: {فِي الْأُمِّيِّينَ} لو كان المراد منه تخصيصهم لقالَ: هو الَّذِي بَعَثَ لِلْأُمّيِّين، كما في قوله عز وجل:{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79]، لَكِنْ قوله:{فِي الْأُمِّيِّينَ} معناه أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم مبعوث فيهم، بُعث فيهم، لا لهم، بُعث فيهم لهم ولغيرهم، وعندما أقول مثلًا: بُعث فلان في هَذَا البلد، أو مثلًا: خَلَقَ اللَّه في هَذَا البلد رجلًا كريمًا أو رجلًا عالِمًا، أو ما أشبهَ ذلك، فإن هَذَا لا يعني أَنَّهُ لهَذِهِ البلد فقطْ، بل المراد: مكانه في البلد، لكِن ما يحصُل منه عامٌّ، فالتخصيص بالمكان أو التخصيص بالزمان لا يدل على تخصيص الدعوةِ.
الفائدتان السادسة والسابعة: فضل الرَّسول عليه الصلاة والسلام حيث كُلِّفَ الرِّسَالة إلى جميع الخَلقِ، لِأَنَّ هَذَا دليل على فَضْلِهِ وأنه أهل لَهَذِهِ المهمَّة العظيمة، فلو أرسلتَ إنْسَانًا لِيُصْلِحَ بين شخصينِ فهذا دليل على فَضْلِه، لكِن لو أرسلتَ إنْسَانًا لِيُصْلِحَ بين طائفتينِ أو أُمَّتين فهَذِهِ زيادةُ فضلٍ، ولذلك لا يُرسَل لهَذِهِ المهمة الأخيرة إلا مَن هو جَديرٌ بها، فكون الرَّسول عليه الصلاة والسلام أُرسل لجميع الخَلْق دليل على فضله حيث حُمِّلَ الرِّسَالةَ إلى جميع الخَلق.
ثم إن فيه دليلًا على مِنَّة اللَّه عليه أيضًا؛ لِأَنَّ كلَّ مَنِ انتفع برسالته نالَه -أي النَّبي عليه الصلاة والسلام من أَجْرِهِ: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ"
(1)
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ. ولهذا لو تُعَلِّم إنْسَانًا فيَعْمَل بعِلمه ويُعلِّم آخر ويعلم آخر ويعلم آخر فَإِنَّهُ يأتيك مِنَ الأجر والفضل بقَدْرِ مَنِ انتفعَ به.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل اللَّه بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير، رقم (1893).