المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيتان (68، 69) - تفسير العثيمين: الفرقان

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآية (1)

- ‌الآية (2)

- ‌الآية (3)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌الآية (5)

- ‌الآية (6)

- ‌الآيتان (7، 8)

- ‌الآية (9)

- ‌الآية (10)

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآيتان (13، 14)

- ‌الآيتان (15، 16)

- ‌الآيات (17 - 24)

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (26)

- ‌فائدتان:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (28)

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (30)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (31)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (32)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (34)

- ‌الآية (35)

- ‌الآية (36)

- ‌الآية (37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآية (39)

- ‌الآية (40)

- ‌الآيتان (41، 42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية (44)

- ‌الآيتان (45، 46)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌الآية (49)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (50)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيتان (51، 52)

- ‌الآية (53)

- ‌الآية (54)

- ‌الآية (55)

- ‌الآية (56)

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (61)

- ‌الآية (62)

- ‌الآية (63)

- ‌الآية (64)

- ‌الآية (65)

- ‌الآية (66)

- ‌الآية (67)

- ‌الآيتان (68، 69)

- ‌الآية (70)

- ‌الآية (71)

- ‌الآية (72)

- ‌الآية (73)

- ‌الآية (74)

- ‌الآية (75)

- ‌الآية (76)

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

الفصل: ‌الآيتان (68، 69)

‌الآيتان (68، 69)

* * *

* قالَ اللَّه عز وجل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69].

* * *

قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} : {إِلَهًا} بمعنى: معبودًا، و {لَا يَدْعُونَ} هل المراد دعاءُ المسألةِ أو دعاءُ العِبَادَةِ أو هما؟

المرادُ كِلاهما، يَعْنِي لا يَدْعُون دعاءَ مَسألةٍ ولا يدعون دعاءَ عِبادةٍ، قَالَ اللَّه سبحانه وتعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، فدلَّ ذلك عَلَى أنَّ الدعاءَ عِبادةٌ، وقد جاء فِي الحديثِ:"الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"

(1)

وهو ضعيفٌ، لَكِنَّه فِي الحقيقةِ واضحٌ، فدعاء الطلبِ واضحٌ أَنَّهُ يُسَمَّى دعاءً، يَعْنِي تقول: يا ربِّ اغْفِرْ لي.

ودعاء العِبَادَة كيف كَانَ دعاءً؟

نقوُل: لأنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عز وجل هو داعٍ بلسانِ الحالِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يرجو

(1)

أخرجه أَبو داود: تفريع أَبواب الوتر، باب الدعاء، رقم (1479)، والترمذي: أَبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، رقم (2969)، وابن ماجة: كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، رقم (3828).

ص: 282

رحمةَ اللَّهِ، ويخافُ عذابَه، فالْإِنْسَان إذا صلَّى وزكَّى وصامَ وحجَّ وبرَّ والديْه ووصلَ رَحِمَهُ ماذا يريد بذلك؟ يريد بذلك ثوابَ اللَّهِ، فكأنَّه يقولُ: رَبِّ أَثِبْنِي وأَعْطِني الجنَّة وأَنْجِنِي منَ النارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، لهذا سُمّيَتِ العِبَادَةُ دعاءً، فحقيقةُ الأمرِ أنَّ التعبُّدَ للَّهِ دعاءٌ بلسانِ الحالِ، فإنَّ الْإِنْسَانَ العابدَ لو سألتَه: لمِاذا عَبَدْتَ اللَّهَ؟ قَالَ: رجاءَ ثَوَابِهِ وخوفَ عِقابِه، فَهُوَ فِي الحقيقةِ داعٍ.

وَأَمَّا دُعاءُ المسألةِ فواضِحٌ، لكِن كيفَ كَانَ دعاءُ المسألةِ عبادةً؟ نقول: لِأَنَّهُ يدلُّ عَلَى الذلِّ والخُضُوعِ، فَهُوَ راجٍ خائِف لمِن دعاهُ، ولأنه مُقِرّ بأنه لا يقدر عَلَى الإجابةِ إِلَّا اللَّه، فكأنه ثناءٌ عَلَى اللَّهِ، والثناءُ عَلَى اللَّهِ مِنَ العِبَادَةِ، وهَذِهِ هي حقيقةُ العِبَادَةِ، فهم لا يَدْعُون معَ اللَّهِ إلهًا آخرَ، لا دعاءَ عبادةٍ ولا دعاءَ مسألةٍ، ولا يُنافي هَذَا أن يسألوا المخلوقينَ ما يقدِرون عليه، فإنَّ ذلكَ باعتقادِهِمْ أن هَؤُلَاءِ المسؤولينَ سَبَبٌ، ولَيْسُوا مُسْتَقِلِّين، فعندما يسألُ الْإِنْسَانُ غنيًّا أو سلطانًا شَيْئًا منَ الدراهمِ فهو يَعتقِد أن هَذَا المسؤولَ مجرَّد وسيلةٍ فقطْ، وليسَ مستقِلًّا بالعطاءِ والمنعِ، وإنَّما العطاءُ والمنعُ بِيَدِ اللَّهِ، وهذا الَّذِي أعطاكَ أو مَنَعَكَ إِنَّمَا هو وسيلة.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتُمْ أن عِبادَ الرَّحمنِ يجوزُ لهم سؤال المخلوقينَ ما يَقدِرونَ عليه، فكيف نَجمَعُ بَيْنَ هَذَا وقولِهِ سبحانه وتعالى:{تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، وكَذَلِك ما وردَ فِي الأحاديثِ فِي النهي عن السؤالِ؟

الجواب: السؤالُ أحيانًا يَكُونُ محمودًا، وأحيانًا يَكُونُ مذمومًا، وأحيانًا يَكُون مكروهًا، إمَّا كَرَاهة أو تَحريمًا؛ لأنَّ الْإِنْسَانَ قد يسألُ عندَ الضرورةِ، فمُباحٌ له أنْ يسألَ عندَ الضرورةِ، يَعْنِي لو أن الْإِنْسَانَ جاعَ حَتَّى وصلَ إِلَى حدٍّ إمَّا أن يموتَ وإما أن يسألَ فهنا يجوز له أنْ يسألَ، يجوز فِي الأَصْلِ وقد يَجِب.

ص: 283

المهمُّ أننا نتكلمُ عَلَى حالةٍ لا يُذَمّ فاعِلُها.

قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} كَلِمة فِعَال دائمًا تأتي بمعنى مَفْعُولٍ، مثل بِناء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِراش بمعنى مفروشٍ، فإِنَّه بمعنى مَأْلُوه، والمألوهُ هو المعبودُ المتقرَّب إليه بالعِبَادَةِ، وعلى هَذَا فأصنامُ المشركينَ تُعتبر آلهةً باعتبارِ فِعْلِهم، أمَّا باعتبارِ الحقيقةِ فإنها ليستْ آلهةً فِي الحقيقةِ؛ لأنَّ الأُلُوهِيَّة حقًّا للَّهِ سبحانه وتعالى.

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ]، المُفَسِّر رحمه الله يقول: إن المَفْعُولَ محذوفٌ تقديره (قتلها)، ويمكن أن نجعلَ المَفْعُول المحذوف ضميرًا فقطْ، فيَكُون صِلَة الموصول حُذف منه العائدُ، أي: الَّتِي حَرَّمها اللَّهُ، والمراد بتَحْرِيمِها تحريمُ قَتلِها وأَذِيَّتها، والنفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أربعةُ أنفُسٍ؛ المُسلِمُ، والذِّمِّيِّ، والمعاهَد، والمستأمَن، هَذِهِ هي الأنفسُ الَّتِي حرَّم اللَّهُ، فهَذِهِ الأربعة أنفس محرَّمَةٌ.

ثمَّ إنَّ المسلمَ أَيْضًا قد يُبيحُ اللَّهُ قتلَه معَ إسلامِهِ؛ كالزاني المحصن، والقاتِل عَمدًا، فإن قتلَه مُباح، معَ أَنَّهُ مسلِم، لَكِنَّنا نقولُ: إن قتلَ المسلِمِ بهَذه الأَسْبابِ طارئٌ، وإلَّا فوَصْف الإسلامِ مُحَرِّم لِقَتْلِه.

والذِّمِّي هو مَن عُقد معَه عَهْدٌ عَلَى بَذْلِ الجِزْيَةِ والحماية. والمعاهَد مَن وَقَعَ بيننا وبينه عها بعدمِ القتالِ مُدَّةً معيَّنةً، أو غيرَ معينةٍ، بدون حمايةٍ وبدونِ جِزيةٍ.

والمستأمَن مَن دخلَ ديارَ المسلمينَ مِنَ الكفارِ بأمانٍ منهم، هَذَا هو أضعفُهم؛ لِأَنَّهُ عبارة عن تأمينٍ بدونِ عقدٍ، ولهذا يَصِحُّ من كلِّ إنْسَانٍ، فكل إنْسَانٍ يَصِحُّ

ص: 284

أنْ يُؤَمِّنَ الكافرَ، لقولِ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام:"قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"

(1)

. وَأَمَّا المعاهَدَة والذِّمَّة فلا تكونُ إِلَّا مِنَ الإمامِ أو نائِبِهِ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله صلى الله عليه وسلم: "أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ"، ألَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يدخلُ فِي الإجارةِ حَتَّى يوافق الإمامُ؟

الجواب: لا، لا يدلُّ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ كَذَلِك لَمَنَعَ الرَّسول عليه الصلاة والسلام غيرَها أنْ يُجيرَ بعدَ ذلكَ، فهذا لَيْسَ معناهُ إنشاء، بل معناه أَنَّهُ حُكْم، فالإنشاء حَصَلَ بإجارتها الأُولَى، يَعْنِي كأنه يقولُ: قد ثَبَتَتْ إجارتُكِ إيَّاه؛ لأننا لا نعلم أَنَّ الإجارة ثابتة إِلَّا بِهَذَا، فليسَ هَذَا إنشاءً، وإنَّما هو عبارة عن بيانِ حُكم أَنَّهُ أنْفَذَ إجارتَها.

قوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ} مستثنًى من الأَنْفُسِ المحرَّمة؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأنفس المحرَّمة قد تُستباحُ بالحقِّ، فمِنَ الحقِّ ما أَشَرْنَا إليه من كونِ المسلمِ يَزْنِي وهو مُحْصَن، وكَذَلِك الذِّمِّيُّ فَإِنَّهُ يُقامُ عليه الحَدُّ كما فعلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِ الزانيينِ المحصَنينِ، وكَذَلِك مِنَ الحقِّ أنْ يَكُونَ ذلكَ قِصاصًا، ومِنَ الحقِّ إذا كَانَ قاطِعَ طَريقٍ، فهَذِهِ فِي الأَصْلِ أنفُسٌ محرَّمة، لكِن وُجِدَ حقٌّ يُبيحُ قَتْلَها.

وَأَمَّا إذا ارتدَّ فلا يدخل فِي الاستثناءِ، بل يدخُل فِي المفهوم {الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} ؛ فإن المرتدَّ مباح الدمِ، وليسَ هو ممن يَحْرُم قتلُه إِلَّا لسَبَبٍ، بل هو مِمَّن يجوز قتله، فيَكُون المرتدُّ داخلًا فِي مفهومِ قولِهِ عز وجل:{الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} ؛ لِأَنَّ المرتدَّ لَيْسَ مُحرَّمًا؛

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الجِزيَةَ، باب أمان النساء وجوارهن، رقم (3171)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات، أو ست، والحث على المحافظة عليها، رقم (336).

ص: 285

لِأَنَّهُ لَيْسَ ممَّن حرم مِنَ الأَصْلِ، فلمَّا ارتدَّ صارَ وَصْفُه كافرًا، فلا يدخل فِي الأربعةِ، لكِن الزاني يَبْقَى عَلَى إسلامِهِ معَ زِنَاهُ، والقاتل يَبقَى عَلَى إسلامِهِ معَ قَتْلِهِ، فالمُرْتَدُّ نقولُ: سُلِبَ عنه وَصْفُ الإسلامِ، يَعْنِي زالَ عنه الوَصْفُ نَهَائِيًّا، فيَكُون غيرَ مُحْتَرَمٍ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هلِ المرادُ بقولِهِ صلى الله عليه وسلم: "التَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ"

(1)

المُرْتَدُّ التارِكُ لدينِه المفارِقُ للجَماعَةِ بعضُهم قَالَ: المرادُ قُطَّاع الطَّريقِ؛ لأنَّ قَطْعَ الطَّريقِ تَرْكٌ للدينِ؛ لأجلِ أنْ يَكُونَ الاستثناءُ مُتَّصِلًا، وبعضُهم قَالَ: إنَّ التاركَ لِدِينِهِ هو المرتَدُّ، ويَكُون الاستثناءُ بالنسبة إليه منقطِعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مسلمًا حينَ يَتْرُكُ دينَه إِلَّا باعتبارِ وصفٍ زالَ، والمفارق للجَماعَةِ هو الخارِجُ عَلَى الإمامِ.

قوله: {وَلَا يَزْنُونَ} لمَّا ذكرَ انتهاكَ الأنفسِ، ذكرَ انتهاكَ الأعراضِ، والزِّنا فِعْلُ الفاحشةِ فِي قُبُل أو دُبُر، فإن كَانَ بِذَكَرٍ سُمِّيَ لُواطًا، وإنْ كَانَ بِأُنْثَى فَهُوَ زِنا، وإنَّما لم يَذْكُرِ اللَّهُ تبارك وتعالى اللُّواط لِأَنَّهُ أمرٌ مُسْتكْرَه مُسْتَبْعَد؛ لأنَّ الطبيعةَ لا تدعو إليه إِلَّا مَن نكس اللَّهُ عز وجل طَبِيعَتَه وفِطْرَتَه؛ لِأَنَّهُ أخبثُ، ولأنَّ اللواطَ لا يَحِلُّ بحالٍ، والفرجُ يَحِلُّ بالزَّواجِ، ولهذا كانتِ عقوبةُ اللواطِ عَلَى القَوْلِ الراجحِ الإعدامَ بكلِّ حالٍ، سواء كَانَ مُحْصَنًا أم غيرَ محصنٍ؛ لِأَنَّهُ فرج لا يُباح بحالٍ، ثم إنَّه أمر لا يُمْكِن التحرُّز منه، فلا يُمْكِن تَطهيرُ المجتمعِ إِلَّا بإعدامِ الفاعلِ والمَفْعُولِ به.

وكَذَلِك أَيْضًا عَلَى القَوْلِ الراجحِ الزِّنا بذواتِ المحارِمِ يُوجِبُ القتل بكلِّ حالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الفرج لا يُباح بحالٍ مِنَ الأحوالِ، وقد وردَ فِي ذلكَ حديثٌ

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب قول اللَّه تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ، رقم (6878)، ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم، رقم (1676).

ص: 286

فِي السُّنَن

(1)

، وهو صحيحٌ، والزِّنا بذواتِ المَحَارِمِ -كما لو زَنَا بأُخْتِه، والعياذُ باللَّهِ، ولو مِنَ الرَّضاعِ- يُوجِبُ قَتْلَه بكلِّ حالٍ، سواء كَانَ مُحْصَنًا أمْ غيرَ مُحْصَنٍ.

وقد وَصَفَ اللَّهُ تبارك وتعالى الزِّنا بأنه فاحِشةٌ، ووصفَ اللُّواط عَلَى لسانِ لُوطٍ بأنه الفاحشةُ:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: 80] فدَخَلَتْ عليه (أل)، أما بصيغة النكرة أي: كَانَ فاحشةً مِنَ الفَوَاحِش، لكِن كأنَّ هَذَا انحصرتِ الفاحشةُ فِيهِ لِعِظَمِهِ وقُبْحِهِ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا زَنَا المُسْلِمُ فأُقِيمَ عليه الحدُّ هل يَكُونُ كفَّارة له؟

الجواب: نعم.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا أُطْلِقَتِ النفسُ هل تُخَصّ ببني آدمَ أم يدخل الحيوان فِي الأنفسِ الَّتِي نُهي عن قَتلِها؟

الجواب: تَخْتَصّ ببني آدمَ، أمَّا نفس الحيوان فلا تدخلُ فِي هذا، لكِن هي عَلَى كلِّ حالٍ تدخُلُ فِي المعاصي الأخرى، لكِن إذا قِيلَ: لا يقتل النفس، أو من قتل نفسًا فعليه كذا وكذا، فالمراد نفسُ الآدمِيّ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل قاعدةُ: ما آذَى طبعًا قُتِلَ شرعًا مستقيمةٌ؟

الجواب: هي مُستقيمةٌ، فكلُّ ما آذى طبعًا فَإِنَّهُ يُقتَل شرعًا.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الجِنُّ لو عَمِلوا هَذِهِ الأعمالَ، أي القتل، هل يقتل بعضهم بعضًا قِصاصًا؟

(1)

أخرجه الترمذي: أبواب الحدود، باب ما جاء فيمن يقول لآخر: يا مخنث، رقم (1462)، وابن ماجة: كتاب الحدود، باب من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة، رقم (2564).

ص: 287

الجواب: الظاهرُ أن أحكامَهم مثل أحكامِ الإنسِ، فالرَّسولُ بُعِثَ إليهم، وهذا من الاعتداء، ولهذا يُذكَر أنَّ شيخَ الإسلامِ ابن تَيْمِيَّة رحمه الله كان إذا أُتِيَ إليه بمصروعٍ وَعَظَهُ وزَجَرَهُ

(1)

، وبَيَّنَ له أن الاعتداءَ عَلَى المسلمِ محرَّم، ممَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَعتقِدون تحريمَ ذلك، وأَنَّهُمْ مُلْزَمُون بِهِ.

وقد سبقتْ هَذِهِ المسألةُ، وَهِيَ: هل تكليف الجنِّ كتكليفِ الإنسِ؟

قُلْنَا: إن ظاهرَ النصوصِ أَنَّهُمْ مساوون لهم؛ لِأَنَّ الرَّسولَ بُعِثَ إليهم جميعًا، ولم نعلمْ أن شريعةً تَخُصُّهم، ولَكِن مَن نظر إِلَى الحِكْمَة مِنَ التشريعِ وجدَ أن اللَّه يَشْرَعُ لكلِّ أحدٍ ما يُناسِبُهُ، فعلى هَذَا يَكُونُ تكليفُ الجنِّ يخالفُ تكليفَ الانسِ، ويُكَلَّفُون بما يَلِيق بهم، ويدل عَلَى هَذَا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لهم كلَّ عظمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه يَجِدُونه أوفرَ ما يَكُونُ لَحْمًا

(2)

، مِمَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُخالِفُونَ الإنسَ؛ لِأَنَّ الإنسَ لا يَحْصُل لهم ذلك. وأيضًا الإنسُ أنفسهم يختلفونَ فِي التكليفِ بِحَسَبِ الحالِ؛ فتكليفُ الغنيِّ بالزكاةِ لا يساويه تكليفُ الفقيرِ؛ لِأَنَّهُ لا مالَ عنده، وتكليف القادر عَلَى العِبَادَةِ لا يساويه تكليف العاجزِ عنها؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الوصف الَّذِي لَزِمَ فِيهِ التكليفُ.

فالظاهرُ -واللَّهُ أَعْلَمُ- أنْ يقالَ: أُصُولُ العِبَادَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مكلَّفون بِهَا، وَأَمَّا صفاتُ العِبَادَةِ، وفروع العِبَادَةِ، فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ أن يَكُونوا مُساوِينَ للإنسِ؛ لأَنَّهُمْ يَختلِفون عنهم فِي الحقيقةِ، والشريعة تَقتضِي أنْ يُشْرَعَ لكلِّ إنْسَانٍ ما يناسبه.

لَوْ قَالَ قَائِل: هَؤُلَاءِ الجنُّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لَقُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرَّةً وَاحِدةً، فهل أعطاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم تشريعاتٍ أمِ انقطعَ تكليفُهُمْ؟

(1)

الفتاوى الكبرى (5/ 347).

(2)

أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، رقم (450).

ص: 288

الجواب: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الجماعَةُ الذينَ اتَّصلوا بِهِ انقطعَ تكليفُهُمْ، فقد يَكُونون مُلْزَمِينَ بما يَسْمَعُونه ويَعْلَمُونه مِنَ الشريعةِ، وإن كَانَ الرَّسولُ ما باشرهُ؛ لِأَنَّ قولَه سبحانه وتعالى:{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1 - 2]، يَقتضي أنَّهم يَهتدون بالقُرْآنِ كلِّه؛ لِأَنَّهُ قال:{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} ، وهم لم يَسْمَعُوا القُرْآنَ كلَّه؛ لِأَنَّ السورةَ مكِّيَّة، والقُرْآن ما نَزَلَ كله فِي مَكَّة.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الجنَّ مُخَاطَبُونَ بالتصديقِ فقطْ؟

نقول: لا، هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، هم مخاطَبون بالفروعِ بلَا شَكٍّ.

لكِن هل يَلْزَم من هَذَا أن يَكُونوا مساوينَ لنا؟

بعضُ العُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ النَّبيَّ عليه الصلاة والسلام بُعِثَ إِلَى الجنِّ والإنسِ، ولم نَعْلَمْ أنَّ تَشْرِيعًا خاصًّا بالجنِّ قد جُعل لهم، فما دَامُوا مُكَلَّفِينَ بالرِّسَالةِ فإنها تَلْزَمُهُمْ عُمُومًا.

وبعضُ العلماءِ يقولُ: مَن نظرَ إِلَى الحِكْمَةِ فِي التشريعِ قَالَ: إنَّ كلَّ قومٍ يُشْرَعُ لهم ما يُناسِبُهم، فإذا كَانَ الإنسُ يَختلِفَ بعضهم عن بعضٍ بنوعٍ مِنَ التكليفِ خُصَّ بِهِ، فما بالُكَ بالجنس الآخَرِ، وهذا أقربُ إِلَى الحِكْمَةِ فِي التشريعِ أنَّ لهم شرائعَ خاصَّةً بهم، أمَّا أُصُولُ الدينِ فلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِثْلُنا، يَعْنِي مثل الصلاة وأصل الزكاة وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أفعالُ الصلاةِ والحجِّ بالنسبةِ للجنِّ هل تَختلِفُ عَنِ الإنسِ؟

الظاهر: أن هَذِهِ العبادات لا تَختلِفُ؛ لأَنَّهُمْ يُمْكِنُهم أنْ يُصَلُّوا، ويُمْكِنُهُم أنْ يَحُجُّوا، وهم مَخْلُوقُونَ من نارٍ، وأيضا هم لا يَرَوْنَ، وإلَّا فهم أجسامٌ، والعوامُّ يَقُولُونَ:

ص: 289

لَيْسَ لهم عظامٌ ولا عَصَبٌ، ولا ندري هل هَذَا صحيحٌ أو لا، المهمُّ أَنَّهُمْ أجسامٌ يأكلون ويشربون ويَبُولُون، والرَّسول عليه الصلاة والسلام يقولُ:"ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ"

(1)

وذكر عليه الصلاة والسلام أَنَّه إذا لم يسمِّ الإِنْسَانُ عَلَى الطعامِ فإِنَّهُ يُشارِكه الشيطانُ: الجن

(2)

، وأخبرَ بأن "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لحَمًا"

(3)

.

ومَسْكَنُهم فِي ظاهرِ الْأَرْضِ، لكِن حَسَب ما نَعْرِفُ مِنَ التَّتَبُّعِ أَنَّهُمْ يَأْوُون دائمًا إِلَى الأماكنِ الخاليةِ فيَكُونون فِيهَا، وهذا من رحمةِ اللَّهِ بِنا وبهم؛ لأَنَّهُمْ لو كانوا فِي الأماكنِ المسكونةِ فيُمْكِن أنْ يَتَأَذَّوْا، أو نحن نَتَأَذَّى بهم، وأحيانًا إذا سَكَنَ أحدٌ فِي أماكنَ خاليةٍ يأتونه ويَقُولُونَ: اذْهَبْ عنَّا. وقيل: إِنَّهُ كان يوجد مَحَلٌّ مهجورٌ لا يُسْكَن، فجاء إنْسَانٌ وسَكَنَه، فثاروا عليه بالليلِ فقالوا: لا بدَّ أنْ ترحلَ عنَّا وإلَّا نقتل أولادك. فخرجَ وذهبَ وتركَه، وأنا -والحمد للَّه- سالمٌ مِنهم، ما عُمُري سَمِعْتُ منهم تهديدًا، لكِن هَذَا الشَيْء مَعروفٌ عندَ النَّاسِ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوزُ للإنْسَانِ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهم؟

بعضُ العلماءِ يقولُ: إِنَّهُ يجوزُ، وبعضُ العلماءِ يقولُ: لا يجوزُ أن الْإِنْسَان يَتَزَوَّج منهم؛ لأنَّ من شرطِ الزواجِ مثلما قَالَ اللَّه: {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، فهم أولًا لَيْسُوا من أنفسهم، وثانيًا: لا يُمْكِن أنْ يُسْكَنَ إليهم،

(1)

أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه، رقم (1144)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، رقم (774).

(2)

أخرجه أَبو داود: كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام، رقم (3768).

(3)

سبق تخريجه.

ص: 290

فبينهما غاية النفور، فكيف يمكن أنْ تكونَ زوجة له، لكِن صحيحٌ أن الجنَّ يتناكحون، والدليل قولُه سبحانه وتعالى:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 50]، فهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَزَاوَجُونَ ويتوالدونَ، وهذا صريحُ القُرْآنِ، والواقعُ أَيْضًا يَشْهَدُ له، أمَّا كونُ الجنيِّ يَتَزَوَّج الإنسيَّة، أو الإنسيّ يَتَزَوَّج الجِنِّيَّة؛ فهذا فِيهِ نظر، فالصواب قولُ مَن يَمْنَع ذلكَ، ولهذا الفقهاء قالوا: لو قالتِ امرأةٌ: إِنَّ بِهَا جنِّيًّا يُجامِعُها كالرجل، وجب عَلَيْهَا أنْ تَغْتَسِلَ، ولَكِن هَذَا أولًا يُنْظَر فِي إمكانه ووُجُوده ثم يُنْظَر فِي حُكْمِه.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يُقام عَلَيْهَا الحدُّ؟

نقول: لا، إِلَى هَذَا الحدّ لا أَظُنّه، ونقول للسائل: انْتَبِهْ لهم الليلةَ، فالظاهرُ أنَّ هَذَا البحثَ الدقيقَ قد يَجْعَلُهُم يَتَّصِلُونَ بِكَ الليلةَ!

والغالبُ أنَّهم يُكَلِّمون، وقد ذَكَرنا -كما تَقَدَّم- أنَّ الجِنِّيَّ يُكَلم شيخَ الإسلامِ ويخاطبه، ويأخذ عليه العهدَ، وأنه يَضْرِبه، لكِن يقول: إن الضربَ يَقَعُ عَلَى المصروعِ فِي الظاهرِ، وهو فِي الحقيقةِ عَلَى الصارعِ، فإذا أفاقَ المصروعُ لا يُحِسّ.

وأذكُرُ أن وَاحِدًا من الإخوانِ قُدِّمَ إليه رجل قالوا: إِنَّهُ مَصروعٌ، فَقَالَ: أَعْطُونِي الْعَصَا، وبدأ يَضْرِبُه حَتَّى ازْرَقَّ جِلْدُه، ولم يَسْتَفِدْ المصروع من هَذَا الشَيْءِ أبدًا، المْسكين يَصْرُخُ ويقولُ: آلمْتُمُونِي. ولمَّا قام إذا الضربُ واقعٌ عليه. فهو يريدُ أنْ يفعلَ مثلما فعلَ ابن تيميَّة، فظنَّ أن كلَّ إنْسَانٍ يَحصُل له مثلُ هَذَا الأمر يُفْعَل بِهِ هَذَا الفعلُ!

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ} أيْ وَاحِدًا من هَذِهِ الثَّلاثَةِ {يَلْقَ أَثَامًا}، قول المُفَسِّر رحمه الله: [أي وَاحِدًا من الثَّلاثَة] فِيهِ نظر؛ لأنَّ الأَصْلَ فِي الإشارَةٍ

ص: 291

أنْ تعودَ لمَا سبقَ كلّه، فيقتضي أنْ يَكُونَ: ومن يفعل ذلك المذكور من دعاءِ غيرِ اللَّهِ، وقتلِ النفسِ، والزنا، ثلاثة {يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} ، وهذا الَّذِي قَرَّرناه من عَوْدِه عَلَى الجميعِ نَسْلَمُ بِهِ من إيرادٍ سيأتي عندَ قولِه:{وَيَخْلُدْ فِيهِ} [الفرقان: 69]، فإن الزِّنا لَيْسَ موجِبًا لِلْخُلُودِ فِي النارِ.

والقتلُ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى فِي سورة النساءِ أَنَّهُ مُوجِب للخلودِ فِي النار، وسيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ ذِكْرُه قَريبًا.

فعَوْدُ الكَلامِ عَلَى الثَّلاثَةِ نَسْلَمُ بِهِ من الإيرادِ الآتي إن شاء اللَّه، وَأَمَّا إذا فَعَلَ وَاحِدًا منها عَلَى الِانفرادِ فيُؤْخَذ حُكْمُه من دليلٍ آخرَ لَيْسَ بلازمٍ أنْ نَأْخُذَهُ من هَذِهِ الآيةِ.

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{يَلْقَ أَثَامًا} أي عقوبة] والأَثَام والنَّكال بِمَعْنًى وَاحِدٍ، والعقوبةُ والنَّكال بمعنًى وَاحِدٍ أَيْضًا، فالمرادُ بالأثام هنا العُقُوبة، وهو مفرَد وليسَ بِجَمْعٍ؛ لِأَنَّ الجمع (آثَام) جَمْع إثمٍ، وَأَمَّا قوله:{أَثَامًا} فمُفْرَد.

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{يُضَاعَفْ} وِفي قراءة "يُضَعَّفُ" بالتَّشْدِيد

(1)

]، وَهِيَ سَبْعِيَّة "يُضَعَّفُ" و"يضاعَف"، والمضاعَفَةُ والتضعيفُ بمعنَى تَكريرِ الشَيْءِ، وإنَّما ضُوعِفَ له العذابُ لِأَنَّهُ فَعَلَ ثلاثةَ أسبابٍ للعذابِ، وَهِيَ الإشراكُ باللَّهِ، وقتلُ النفسِ، والزِّنا، ومعلومٌ أنَّ الأَسْبابَ إذا اجْتَمَعَتْ صارَ لكلِّ وَاحِدٍ منها أَثَرُه، فمَن فعلَ شَيْئًا وَاحِدًا من ثلاثةٍ فعليهِ إثمُه، ومن فعل اثنينِ فعليه إثمهما، ومَن فعلَ ثلاثةً فعليه إِثْمُهُنّ، فهذا وجهُ التضعيفِ.

قوله: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} العذابُ والنَّكَال بمعنًى وَاحِدٍ، وهو العقوبةُ.

(1)

الحجة في القراءات السبع (ص: 266).

ص: 292

قوله: {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يومُ القيامةِ هو اليومُ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ النَّاسُ، وَسُمِّيَ يوم القيامة لأسبابٍ ثلاثةٍ:

- لقيام النَّاسِ من القبورِ.

- وإقامةِ العدلِ.

- ولأنه تُقام فِيهِ الشهادةُ ويقومُ الأشهادُ فِيهِ: {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51]، وَهُمُ الملائكةُ والرسُلُ، وكَذَلِك الأُمَمُ.

إذَن سُمِّيَ يومَ القيامةِ لِهَذِهِ الوجوهِ الثَّلاثَةِ.

قوله: {وَيَخْلُدْ} يَبْقَى {فِيهِ} أيْ فِي العذابِ، قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [بِجَزْمِ الفعلينِ بدلًا، وبِرَفْعِهِمَا استئنافًا

(1)

] الفعْلانِ {يُضَاعَفْ} {وَيَخْلُدْ} ، يَعْنِي أن فيهما قراءتينِ {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} (يُضَاعفُ له العذابُ)، {وَيَخْلُدْ} (وَيَخْلُدُ). أمَّا قوله:{يَلْقَ أَثَامًا} فليسَ فِيهَا سِوَى قراءةٍ وَاحِدةٍ، وَهِيَ الجزمُ؛ لِأَنَّهَا جوابُ الشرطِ، وجوابُ الشرطِ لا بدَّ أنْ يَكُونَ مجزومًا، لَكِنْ فِيهَا إشكالٌ، وَهو أنَّها مفتوحةٌ (يَلْقَ)، فيقال: هي مجزومةٌ بحذفِ الألفِ، وهَذِهِ الفتحةُ ليستْ بفتحةِ الإعرابِ، ولَكِنَّها فتحةُ الفعلِ.

وقوله عز وجل: {وَيَخْلُدْ فِيهِ} {فِيهِ} هَذِهِ خارجةٌ عن شَبِيهَاتها، فيجوزُ فِيهَا وجهانِ

(2)

: {فِيهِ} بالمدِّ، و {فِيهِ مُهَانًا} بالصِّلة: بالوصل، بدونِ مدٍّ، أمَّا {فِيهِ مُهَانًا} بدون مدٍّ فهَذِهِ عَلَى أَصْلِها، وَأَمَّا {فِيهِ مُهَانًا} بالمدِّ فهَذِهِ عَلَى خلافِ

(1)

المصدر السابق نفس الصفحة.

(2)

المصدر السابق نفس الصفحة.

ص: 293

الأَصْلِ، لَكِنها جائزةٌ؛ لِأَنَّهَا مسموعة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولها نظيرٌ خارجٌ عن العادة أيضًا، وهو قوله:{وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} [الفتح: 10]، وَفِي قراءةٍ أُخْرَى سبعيَّة (عَلَيْهِ اللَّهَ)

(1)

، يَعْنِي عَلَى الأَصْلِ، فهذانِ حرفانِ فِي القُرْآنِ خَرَجَا عن الأَصْلِ المتَّبَعِ فِي القراءةِ المشهورةِ فِي المصاحِفِ.

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{مُهَانًا} حالٌ] هَذَا قُصُورٌ من المُفَسِّر حقيقةً، أعربَ {مُهَانًا} عَلَى أنَّها حالٌ منَ الضميرِ فِي قولِهِ:{وَيَخْلُدْ} ، أو منَ الضميرينِ فِي قولِه سبحانه وتعالى:{يُضَاعَفْ} {وَيَخْلُدْ} ، لَكِنَّها للأقربِ أقربُ، إِلَّا أَنَّهُ لم يُفَسِّر ما معنى {مُهَانًا} ، ونحن إِلَى تفسيرِ الكلمةِ أحوجُ مِنَّا إِلَى إعرابِها؛ لِأَنَّنا سَنَقْرَؤُها كما هي لكِن لا نَفْهَم معناها، فما معنى {مُهَانًا} ؟ المُهَانُ المُحْتَقَرُ الذَّلِيلُ، يَعْنِي مُحْتَقَرًا ذَلِيلًا، لا يُقامُ له وَزْنٌ ولا إكرامٌ.

* * *

(1)

المصدر السابق (ص 329، 330).

ص: 294