الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (71)
* * *
* قالَ اللَّه عز وجل: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71].
* * *
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَمَنْ تَابَ} من ذُنُوبِه غيرَ مَن ذُكِرَ]، ولهذا قَالَ رحمه الله فيمن سبق:[{وَعَمِلَ صَالِحًا} (منهم)]، من هَؤُلَاءِ، وإنما قَالَ:[غير مَن ذُكر]؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ التكرارُ، ولَكِن لا مانعَ من أنْ نقولَ: لا حاجة للاستثناءِ، وتكون الآيةُ الثَّانيةُ عامَّة، فيَكُون من باب ذكر العامِّ بعد الخاصِّ؛ لِأَنَّ إخراجَ مَن سبقَ من عمومِ الآيةِ هَذِهِ لا وجهَ له، فالأَولى أن يقال: إن الآيةَ الثَّانيةَ عامَّةٌ تَشمَلُ مَن سبقَ وغيرَهم.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} أي يَرْجِع إليه رُجُوعًا فيُجازيه خيرًا].
قوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا} : {تَابَ} رَجَعَ من ذَنْبِه {وَعَمِلَ صَالِحًا} استزادَ مِنَ العملِ الصالحِ، فيَكُون هَذَا الرجلُ استعتبَ مِمَّا فعلَ وازدادَ خيرًا، يقول:{فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} أيْ مَتابًا تامًّا، فالمصدرُ هنا لتعظيمِ هَذِهِ التوبةِ، أي مَتابًا عظيمًا؛ لكمالِ هَذِهِ التوبةِ، وإلَّا لو قَالَ قائل: هَذَا تحصيل حاصل، مَن تابَ فَإِنَّهُ يَكُونُ تائبًا؟ نقول: لا، المقصودُ أنَّ تَوْبَتَهُ هَذِهِ توبةٌ كاملةٌ عظيمةٌ، فالإتيانُ بالمصدرِ {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} للدلالةِ عَلَى أنَّ هَذِهِ التوبة وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا وأنها كاملةٌ، وهذا حقٌّ،
فإن الرجلَ إذا تابَ وازدادَ عَمَلًا صالحًا تبيَّنَ بذلك صِحَّة توبتِه وكَمَالها.
وقوله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} لَيْسَ كقولِ القائلِ: الْأَرْضُ تَحْتَنَا والسَّمَاءُ فوقنا، يَعْنِي تحصيل حاصل، بل إن المعنى أنَّ هَذِهِ هي التوبة الصادقة الحقيقيَّة الكامِلَة.
وقوله: {إِلَى اللَّهِ} يَعْنِي يَرْجع إِلَى اللَّهِ رُجُوعًا تامًّا كاملًا، كما قَالَ المُفَسِّر رحمه الله.
وقد اختلفَ العلماءُ رحمهم الله هل يُشْتَرَطُ للتوبةِ إصلاحُ العملِ، أو لا يُشْتَرَط؟
فمِنهم مَن قَالَ: إِنَّهُ يُشترط لها إصلاحُ العملِ، وعلى هَذَا فيَكُونُ ذلكَ شرطًا سادسًا زائدًا عَلَى الشروطِ الخمسةِ، وأن من تاب ولم يَصْلُحْ عَمَلُه فَإِنَّهُ لَيْسَ بتائبٍ.
وقالَ بعضُ العلماءِ: بل تَصِحُّ التوبةُ معَ عدمِ إصلاحِ العملِ، وَقَالَ بعضهم: إنْ كَانَ العملُ من جنسِ ما تابَ منه فلا بدَّ من إصلاحِهِ، وإلَّا فلا تَصِحُّ التوبةُ، مثال ذلك: رجلٌ تابَ مِنَ الزنا ولَكِنه يَسرِق، فعلى القَوْلِ الأوَّل لا تَصِحُّ توبتُه من الزنا؛ لِعَدَمِ إصلاحِ العملِ، وعلى القَوْل الثَّاني تَصِحُّ؛ لأنَّ السَّرِقَة ليستْ من جنسِ الزِّنا، وعلى القَوْلِ الثالثِ من باب أَولى أنَّهُ لا يُشترَط إصلاحُ العملِ مُطْلَقًا وأن مَن تابَ مِن ذَنبٍ قُبِلَتْ توبتُه، ورجلٌ آخرُ تابَ من الزِّنا ولَكِنه استمرَّ فِي النظرِ المحرَّمِ، فاستمرَّ ينظر إِلَى النساءِ نظرًا محرَّمًا، فهذا عَلَى القَوْلِ بأنه لا يُشترَطُ إصلاحُ العملِ تَصِحُّ توبته من الزنا، وعلى القَوْل بأنه لابدَّ من إصلاحِ العملِ لا تَصِحُّ توبتُه مِنَ الزِّنا، وعلى القَوْلِ الوَسَطِ الَّذِي يقولُ: إذا كَانَ من جِنْسِ ما تابَ منه لم تُقْبَلْ أَيْضًا لا تَصِحّ؛ لِأَنَّ هَذَا زِنا العينِ، كما قَالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، رقم (6243)، ومسلم: كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، رقم (2657).
ولَكِن الصحيح أنْ يُقالَ: أمَّا إنْ أُريدَ بالتوبةِ وَصْف هَذَا الرجلِ بأنه مِنَ التائبينَ الَّذِينَ يَلْحَقُهُمُ الثناءُ، ويَصْدُقُ عليهم أَنَّهُمْ تائبونَ، فهذا لا يُمْكِن أنْ تَصِحَّ منه التوبةُ، أو أنْ يَسْتَحِقَّ وصفَ التوبةِ، إِلَّا بإصلاحِ العملِ، لِأنَّهُ لم يَتُبِ التوبةَ المطلَقَةَ، وإنما عنده مُطْلَق توبة، وَأَمَّا إنْ أُريدَ بالتوبةِ التوبةُ مِنَ العملِ المعيَّنِ، فالصوابُ الجزْمُ بأن توبتَه تُقبَل؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى عدلِ اللَّهِ سبحانه وتعالى، مَن عَمِلَ خيرًا فله، ومَن عمِل شرًّا فعليه:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8]، فكيف نقول: إن هَذَا الرجلَ لا تَصِحُّ توبتُه مِن عملٍ تابَ منه ورَجَعَ ونَدِمَ؛ لِأَنَّهُ مُصِرّ عَلَى غيرِه؟ ! لا يَصِحّ.
فالصوابُ فِي هَذَا أنْ يقالَ: أمَّا استحقاقُ وصفِ التائبينَ عَلَى وجهِ الإطلاقِ فهذا لا يَسْتَحِقُّهُ التائبُ إِلَّا لإصلاحِ العملِ؛ لِأنَّهُ كيف يَكُونُ تائبًا إِلَى اللَّهِ مَن هو مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، ولو من غير جنسِ ما تابَ منه، أو من جِنْسِهِ، وَأَمَّا إذا كَانَ المقصودُ التوبة من هَذَا العملِ المعيَّن، يَعْنِي مطلَق توبةِ لا توبة مطلقة، فإن هَذِهِ تَصِحُّ جَزْمًا؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضى عدلِ اللَّهِ سبحانه وتعالى.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وَرَدَ فِي الحديثِ: "أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ"
(1)
؟
(1)
أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول اللَّه:{يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} ، رقم (7507)، ومسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، رقم (2758).
نقول: هَذِهِ غيرُ مَسْأَلَتِنا، نحن نقولُ: هَذَا الرجلُ تابَ مِنَ الذنبِ، ولم يَرْجِعْ إليه، لَكِنَّه عاصٍ للَّهِ من جهةٍ أُخْرَى، هَذَا هو بَحْثُنا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا قُلْنَا بأنه جَزْمًا تَحْصُلُ له التوبةُ، فهناك أحكامٌ كثيرةٌ تَتَرَتَّب عَلَى التوبةِ، مثل قلب السيئات حسناتٍ؟
نقول: نعم، بالنسبة لهذا العملِ المعيَّن إذا تاب منه صارَ حسنةً.
وهل هو قلبٌ جزائيٌّ أو قلبٌ قَدَرِيٌّ؟
لَوْ قِيلَ: هَذَا إذا تابَ توبةً نَصُوحًا تامَّةً.
قُلْنَا: لا، تابَ من هَذِهِ الأشياءِ: الشرك والزنا وقتل النفس، المهمُّ أَنَّهُ حَتَّى مَن تابَ توبةً خاصَّةً مِن ذَنبٍ خَاصٍّ بُدِّلَتْ سيِّئاتُه حَسَناتٍ، فالسيئةُ الَّتِي تابَ مِنها تكونُ حَسَنَةً؛ لِأنَّهُ تَرَكَهَا للَّه، وقد ثَبَتَ عن النَّبي عليه الصلاة والسلام أنَّ "مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كتبَهَا اللَّهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنةً"
(1)
لِأنَّهُ ترَكَها للَّهِ، فهذا مَثَلُه، ثمَّ إِنَّ مجُرَّد أنَّه يتوبُ إِلَى اللَّهِ ويَعرِف أنَّ له ربًّا يُؤَاخِذُهُ ويعاقبه ويَشْعُر بالخجلِ مِنَ اللَّهِ عز وجل والحياءِ منه؛ هذا من الحسناتِ العظيمةِ.
فَلَوْ قِيلَ: لَكِنه وُصف بالعاصي والفاسِق.
نقول: عاصِ بالنسبةِ لكذا، تائب بالنسبةِ لكذا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرقُ بَيْنَ الزنا والسَّرِقَة؟ هل كلاهما من الكبائرِ؟ وهل كلاهما فِسْقٌ؟
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، رقم (6491)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، رقم (131).
الفرق بينهما هَذَا يُجلَد وهذا تُقطَع يدُه، وهذا يَكُونُ فاسقًا من وجهٍ، وذاك فاسقٌ من وجهٍ آخرَ، هَذَا باعتبارِ الأعراضِ، وهذا باعتبارِ الأموالِ، فبينهما فروق، لَيْسَ كل الذنوب عَلَى حدٍّ سواء، لا فِي النوعِ، ولا فِي القَدْر، ولا فِي الإثمِ.
وَلهِذَا قُلْنَا: إن الوصفَ المطلَقَ للتوبةِ لا يَسْتَحِقُّه؛ لِأنَّهُ حقيقةً لَيْسَ بتائبٍ؛ إذ إِنَّهُ عاصٍ للَّه سبحانه وتعالى من وجهٍ، لكِن كوننا نقولُ: لا تُقبَل توبتُك من الزنا لأنك تَسْرِق، فهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، فالَّذِي تابَ مِنه يُغْفَر له، والَّذِي أصرَّ عليه يَبْقَى عليه، صغيرةً كانتْ أم كبيرةً؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى عدلِ اللَّهِ، أليس هَذَا عَمِلَ خيرًا بتوبتِه.
وَقُلْنَا: إن قلبَ السيئةِ حسنةً بالتوبةِ؛ لِأَنَّ مجرَّد رُجوعِه إِلَى اللَّه سبحانه وتعالى وتركه لها وتَوْبَته منه حَسَنَةٌ، هَذَا إذا قُلْنَا: إنَّ المرادَ بالحسنةِ الجزائي، يَعْنِي أَنَّهُ يُجازَى عَلَى نفسِ السيئةِ حسنةً. إذا قُلْنَا: إِنَّهُ قَدَرِيّ، بمعنى أن إقلاعَ هَذَا الرجلِ عن هَذَا الذنبِ واستقامته هَذَا منه، فالقدريُّ واضحٌ، والجزائيُّ أَيْضًا؛ لأنَّ كَرَمَ اللَّهِ سبحانه وتعالى أسرعُ وأسبقُ من عقوبتِه، وقولنا: قَدَرِيّ من القَدَرِ، بمعنى أَنَّهُ يُقَدّر له حَسَنات جديدة غير الأُولى، والجزائيّ أَيْضًا من القَدَر، لَكِنه ثواب بمعنى أَنَّهُ يُجْزَى عَلَى نفسِ السيئاتِ حسناتٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: (الواو) فِي قوله تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ} هل هي عاطفةٌ؟
نقول: نعم عاطفة.
فَلَوْ قِيلَ: إذا كانت عاطفةً نَرجِع إِلَى الشرطِ السادسِ الَّذِي يقولُ: لابدَّ من صلاحِ العملِ؟
نَحْنُ قُلْنَا: إِنَّهُ لا يَسْتَحِقّ وصفَ التوبةِ المطلَق، إِلَّا بهذا: بالعملِ الصالحِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هناك آيات من القُرْآنِ تَصِفُ الْإِنْسَانَ بالتوبةِ، ولو ما عَمِلَ عملًا صالحًا؟
نقول: نعمْ، مثل قولِه سبحانه وتعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34].
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ مثلًا العاصي يَعرِف من نفسِهِ ضعفَ إيمانٍ وتسلُّط عدوِّه عليه، وأنه سوف يعودُ إِلَى هَذِهِ المعصيةِ، أيُّهما أَوْلَى، كلَّما يَعْمَل معصيةً يتوب أو يترك التوبةَ، لئلَّا تكونَ تَوْبَة كَذب؟
يتوب، ما يُدْرِيهِ، نقول: توبته هَذه لا تَصِحُّ، لكِن مجرَّد شُعُورهِ بأنه مخطِئٌ قد يَنْفَعُه هذا، أمَّا أنْ يقولَ: سَأَسْتَمِرُّ فهَذَا لا يجوزُ، هو مُعْتَرِفٌ أنَّهُ مُخْطِئٌ، لكِن هو يقول: أريدُ أنْ أَسْتَمِرَّ، لن أُقْلِعَ لا بِقَلْبِي ولا بِفِعلي، كلَّما سَنَحَتْ لي الفرصةُ سأفعلُ، فهَذَا شرٌّ، لكِن كونه يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ويَخْجَل ويَصْير عنده نوعٌ مِنَ التقرُّب إِلَى اللَّهِ أَحْسَن من عَدَمِه، ولو تَعَدَّدَتْ تَوْبَتُه، لكِن الواجب عَلَى المؤمنِ أنْ يتوبَ جَزْمًا، وإذَا قُدِّر فيما بعدُ أن أسباب المعصيةِ تَوَفَّرَتْ لديهِ وأن نفسَه غَلَبَتْه، فإن ذلك لا يَنْقُضُ توبتَه الأُولى، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذ من جديدٍ بالمعصيةِ الجديدةِ ثم يتوب.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول: أَسْتَغْفِر اللَّهَ وأتوبُ إليه بعضهم يقولُ: إن قولَك: وأتوبُ إليه دائمًا توبة كذَّابين، واستغفارك أَيْضًا استغفارُ كذابينَ؟
عَلَى كلِّ حالٍ نسألُ اللَّهَ أنْ يتوبَ علينا، حَتَّى قول الْإِنْسَان إذا انْتَهَى مِنَ الأكلِ: الحمدُ للَّهِ، لا أحدَ يَشْعُر معنَى هَذِهِ الكَلِمَةِ تمامًا، إِلَّا أنَّها رُوتينِيَّة، وباسْمِ اللَّهِ كَذَلِك، وأيضًا الصلاة عادة، وهذا الَّذِي فِي الحقيقة يُفسِدنا أن أعمالَ القلوبِ لا نشعُر بِهَا، تجد الكثيرَ مِنَّا يحافِظ عَلَى سنَّة رفعِ الإصبعِ عند الدعاءِ، لكِن رفع القلب عند الدعاء
لا أحدَ يهْتَمّ بِهِ، معَ أنَّ هَذَا أهمُّ، الحقيقة أنَّ اللَّهَ يتوبُ علينا إذا فكَّرنا فِي أنفسنا، وإذا بنا ظاهريُّون لا باطنيُّون.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: فِي هَذِهِ الآيةِ فِي التوبةِ العامَّة قال: {مَنْ تَابَ} ، ولم يَذْكُرِ الإيمانَ، وَفي الآيةِ الَّتِي قبلَها فِي التوبةِ الخاصَّة {مَنْ تَابَ وَآمَنَ} ، فذكر الإيمان، ما وجهُ ذلك؟
لِأَنَّهُ ذكرَ الشركَ هناك؛ فلابدَّ مِنَ الإيمانِ مُقابِلَ الشِّرْكِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ إنْسَانٍ ابتُلِيَ بذنبٍ فأخذَ يَستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ، وظلَّ عَلَى هَذَا، وعَجَزَ أنْ يُقْلِعَ عنه؟
فالجواب: مسألةُ العجزِ هَذِهِ أمرٌ غيرُ وارِدٍ، إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الجَبْريَّة، لا أحد يَعْجِز عن التركِ، فالتروك أهون من الأفعالِ، ولهذا لا تَجِد التَّرك رُتِّبَ عليه مثلًا الثوابُ المطلَقُ، بخلافِ الفعلِ، فالفعلُ أشقُّ عَلَى النفسِ؛ لِأنَّهُ جِهادٌ للنفسِ من وجهينِ، لكِن الترك من وجهٍ وَاحِدٍ، فكلمةُ عَجَزْتُ ليستْ بصحيحةٍ، ولو أنَّ سَوْطَ السلطانِ فِي ظَهْرِهِ مرَّة وَفي بطنه مرَّة لا يَعْجِز.
لَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الَّذِينَ يَشربون الدُّخَان إذا نَصحناهم يقولون: واللَّهِ عَجَزْنا؟
هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، أنا أَشْهَدُ أَنَّهُ يكذِب؛ لِأنَّهُ وُجِدَ أُناسٌ صَدَقُوا العَزيمة وتابوا وأَقلَعوا عنه، فالصَّحَابَةُ رضي الله عنهم قبلَ أنْ يَنزِلَ الخمرُ كانوا مُدْمِنِينَ عَلَى الخمرِ، وإمساك الخمر لِشَارِبِها أكْثَرُ من شُرْبِ الدخَانِ، ومع ذلك فِي يومٍ وَاحِدٍ كلهمُ امْتَثَلُوا، فالكَلام عَلَى صِدق العزيمة، الآن فِي غيرِ الصيامِ هَذَا الشارِبُ لا يَستطيعُ أنْ يَتَوَقَّفَ النهارَ كلَّه عَلَى زَعْمِهِ عن الدخانِ، وَفِي الصيامِ حيثُ إِنَّهُ عازِمٌ يَستطيعُ.