المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (40) * * *   * قالَ اللَّه عز وجل: {وَلَقَدْ أَتَوْا - تفسير العثيمين: الفرقان

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآية (1)

- ‌الآية (2)

- ‌الآية (3)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌الآية (5)

- ‌الآية (6)

- ‌الآيتان (7، 8)

- ‌الآية (9)

- ‌الآية (10)

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآيتان (13، 14)

- ‌الآيتان (15، 16)

- ‌الآيات (17 - 24)

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (26)

- ‌فائدتان:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (28)

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (30)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (31)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (32)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (34)

- ‌الآية (35)

- ‌الآية (36)

- ‌الآية (37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآية (39)

- ‌الآية (40)

- ‌الآيتان (41، 42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية (44)

- ‌الآيتان (45، 46)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌الآية (49)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (50)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيتان (51، 52)

- ‌الآية (53)

- ‌الآية (54)

- ‌الآية (55)

- ‌الآية (56)

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (61)

- ‌الآية (62)

- ‌الآية (63)

- ‌الآية (64)

- ‌الآية (65)

- ‌الآية (66)

- ‌الآية (67)

- ‌الآيتان (68، 69)

- ‌الآية (70)

- ‌الآية (71)

- ‌الآية (72)

- ‌الآية (73)

- ‌الآية (74)

- ‌الآية (75)

- ‌الآية (76)

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

الفصل: ‌ ‌الآية (40) * * *   * قالَ اللَّه عز وجل: {وَلَقَدْ أَتَوْا

‌الآية (40)

* * *

* قالَ اللَّه عز وجل: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان: 40].

* * *

قوله: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ} هَذِهِ الجملة مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكِّدات؛ بـ (اللام) و (قد) والقَسَم المقدَّر، والمقصود بالتوكيدِ تقريرُ الأمرِ الواقعِ، فليس الخبر كالمعايَنة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهَذه القريةِ من عذابِ اللَّهِ سبحانه وتعالى لأَنَّهُمْ يمرون عليها، قال تَعَالَى:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137].

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَلَقَدْ أَتَوْا} أي مَرَّ كفَّار مكَّة {عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} مصدر ساء، أي: بالحجارة، وهي عُظمَى قُرى قومِ لُوطٍ، فأهلكَ اللَّهُ أهلَها لِفِعْلِهِمُ الفاحشةَ]، يقول المُفَسِّر رحمه الله:[مر كفار مكة](مر) تفسير لـ (أتى)، (كفار مكة) تفسير (للضمير: للواو) يعني أن كفار مكة مرُّوا على القرية الَّتِي أُمطرت مَطَرَ السَّوء، وهي قرية قوم لوطٍ، وقول المُفَسِّر رحمه الله:[وهي عُظمَى قُرَى قوم لوط] عُظمَى قرى يُستفاد منه أن القرى أكْثَر من وَاحِدةٍ.

وقد قيل: إنها سَبع قُرى، ولكن ظاهر القُرْآن أنها قريةٌ وَاحِدةٌ؛ كما قال اللَّه تَعَالَى في الرُّسُل:{قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا} [العنكبوت: 31 - 32]، إلى آخِره، فكون القُرْآن يأتي باسْم

ص: 152

قريةٍ وَاحِدة لا يَنْبَغِي لنا أن نقول: إنها أكْثَر من وَاحِدة إلا بدليلٍ ثابتٍ عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم وما جاء عن بني إسرائيل في ذلك، أي في أنها سبع قرى، هَذَا مرفوض؛ لِأَنَّ دلالة كتابِ اللَّهِ عز وجل تدلّ عَلَى أَنَّ ظاهرها أنها قرية وَاحِدة، فعلينا أن نَتَمَسَّكَ بهذا الظاهرِ ما لم يوجدْ دليل ينفي هَذَا الظاهرَ، إنْ وُجِدَ دليل فنعم، أمَّا مجرَّد أخبار بني إسرائيلَ فليستْ مقبولةً في هَذَا الموضعِ. أقول: إن المُفَسِّر وكثيرًا من المفسِّرين يَقُولُونَ: إن قرى قوم لوط ليست قريةَ وَاحِدةً، بل قرى متعددة، فنحن نقول: لا، هي قرية وَاحِدة ما لم يوجدْ دليلٌ على تَعَدُّدِها؛ لِأَنَّ ظاهر القُرْآن أنها قرية وَاحِدة، فإذا قال قائل: إنها سبع قرى نقول له: هاتِ الدليلَ، ولو فُرِضَ أن المسألةَ فيها دليلٌ صريحٌ صحيحٌ فَإِنَّهُ يمكِن أن يقالَ كما قال المُفَسِّر، يعني يُذْهَبُ إلى ما ذَهَبَ إليه المُفَسِّر، فيقال: المراد بالقرية هنا عُظمى القرى، ولكن نحن نقول: لا حاجةَ أن نقولَ: عظمى القرى، بل نقول: هي قرية وَاحِدة، ولا مانعَ مِن أن اللَّه يُرسِل رسولًا إلى قريةٍ وَاحِدةٍ، بل كان فيما سبقَ يوجد رسولانِ في أمَّة وَاحِدة، فموسى وهارون كانا في أمَّة وَاحِدةِ، وداود وسليمان، وزكريَّا ويَحيى، وهكذا كثيرٌ.

هَذِهِ القرية موجودة الآن، يَقُولُونَ: إن البحر الميِّت هو مكان قُرَى قوم لُوط، وصار بحيرةً مالحةً، وهذا مشهور.

قوله: {عَلَى الْقَرْيَةِ} القرية اسْم للبلد، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، بل لو كان أُمًّا للقرى فَهُوَ قريةٌ، قال سبحانه وتعالى:{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} [محمد: 13]، نحن نغضب إذا قيل: عنيزة مثلًا قرية، وبريدة قرية، والرياض قرية، لكِن هَذَا الغضب في الحقيقة بناء على اللغة العُرفيَّة في أن القرية اسْم للبلد الصغير، والمدينة اسْم للبلد الكبير، ولذلك بعضهم يحترِز يقول: بلدية مدينة عنيزة،

ص: 153

بلدية مدينة بريدة، بلدية مدينة الرس، ولا حاجة أن تأتي بإضافات زائدة: بلدية الرس، بلدية عنيزة، بلدية بريدة، بلدية الرياض، لكِن كل هَذَا خوف من أن يَكُون عيبًا عليهم أن تُسمَّى قرية، ولكن نحن نقول: أُمّ القرى سماها اللَّه سبحانه وتعالى قرية، وكفى بذلك أُسوةً، وإنما سُمِّيَ البلد قرية لِأنَّهُ من القَرْي، يعني الجمع؛ إذ إِنَّهُ يَجمَع أُناسًا، فالنَّاس يَجتمِعون فيه، فلذلك سُمِّيَ قريةً.

قوله: {الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} المَطَر نوعانِ؛ مطر سَوْء، يعني: عذابٍ، يَسُوءُ المُمْطَرينَ، ومطر رحمة يَسُرُّهم، فالغَيْثُ الَّذِي يَنزِل من السَّمَاء بالماء هَذَا مطر رحمةٍ، وإذا كان يَضُرُّ صارَ مطرَ سَوْءٍ، وقرية قومِ لوطٍ أُمطِرت بمطر سَوء، والمطر الَّذِي أُمطِرت به حِجَارة من سِجِّيل -والعياذ باللَّه- مُسَوَّمة عند اللَّه مُعْلَمَة للمسرفين الَّذِينَ جاوزوا حدَّهم، وهذا المطر -والعياذ باللَّهِ- جعل عالِيَهَا سافِلَها، فكيف هَذَا المطر جعل عاليَها سافِلَها؟

لَوْ قَيلَ: إنها قُلِبَتْ.

نقول: ليس في القُرْآنِ آية وَاحِدة تدلُّ على أنها قُلِبَتْ.

وَإِنْ قِيلَ: ورد حديث أن جِبريلَ رَفَعَها إلى السماءِ ثم قَلَبَها

(1)

.

نقول: هَذَا أنَّى له الصحَّة، لو صحَّ لكان الأمرُ واضحًا، لكِن جَعْلُ عاليها سافلَها لأنَّ الحجارةَ هَذِهِ لمَّا ضَرَبَتْها صارتِ المباني تتهدَّم، فصار أعلاها أسفلَها، فهَذِهِ الحجارة -والعياذ باللَّه- الَّتِي دمَّرتها بهذا التدمير يقول اللَّه فيها: {وَمَا هِيَ مِنَ

(1)

أخرجه الطبري في جامع البيان في تأويل القرآن (15/ 440، رقم 18458) عن مجاهد قال: "أخذ جبريل عليه السلام قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم".

ص: 154

الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]، يعني من الَّذِينَ يَفعَلون هَذَا الفعلَ ليستْ ببعيدٍ منهم.

ولهذا ذهب بعضُ الصحابة رضي الله عنهم أن فاعل الفاحشة هَذِهِ يُفعَل به هكذا، يُلقَى من شاهقٍ ويُرمَى بالحجارة بناءً على أنها رُفِعت ثم قُلبت ثم أُتبعت بالحجارة، وقال بعض العلماء: بل إنهم يُرجَمون رجمًا بالحجار بدون أنْ يُلْقَوْا من الشاهقِ، بناء على أنَّهُ لم يَثْبُتْ أنها رُفِعَتْ وقُلِبَتْ.

وعلى كلِّ حالٍ فهَذِهِ الفاحشة المنكَرة الَّتِي عبَّر اللَّه عنها بالفاحشة، قال تَعَالَى في الزنا:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: 32]، انظُرْ: كان فاحشةً من الفواحشِ، وَأَمَّا هَذَا فقال لهم نبيهم:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: 80]، فدخول (أل) عليها يدل على أنها قد بلغتْ في الفُحْش غايتَه، وهو كذلك، وهذا لِأَنَّ الفِطَر تنفُر منه {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الشعراء: 165 - 166]، انظُرْ التقريع والتوبيخ -والعياذ باللَّه- تترك ما خلق لك إلى ما لم يُخْلَقْ لك، فتأتي -والعياذ باللَّه- الذكر، وقال شيخ الإِسلام ابن تيميَّة رحمه الله

(1)

: وقد أجمعَ الصحابة رضي الله عنهم عَلَى أَنَّ فاعل هَذِهِ الفاحشةِ يُقتل فاعلًا كان أو مَفْعُولًا إذا كان قد بلغَ. والحقيقةُ الإجماعُ ليسَ إجماعًا قطعيًّا، بل إجماعٌ سكوتيٌّ، والإجماع السكوتيّ ليس إجماعًا قطعيًّا، لَكِنَّهُم اختلفوا في قتلِه؛ فمنهم من قال: يحرَّق، ومنهم من قال: يُرجَم بالحجارة. ومنهم مَن قال: يُلقَى من أعلى شاهقٍ، وذلك لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالمَفْعُولَ بِهِ"

(2)

.

(1)

منهاج السنة النبوية (3/ 422).

(2)

أخرجه أبو داود: كتاب الحدود، باب فيمن عمِل عملَ قوم لوط، رقم (4462)، والترمذي: أبواب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطيّ، رقم (1456)، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب من عمِل عملَ قوم لوط، رقم (2561).

ص: 155

ولا يُشترَط الإحصان، فلا يشترط أن يَكُونَ محصَنًا، في الزِّنا لا يُرجَم ولا يُعدَم إلَّا المحصَن، أمَّا هَذَا فَإِنَّهُ لا يُشترَط فيه الإحصانُ، متى كان بالغًا عاقلًا وجبَ إعدامُه؛ وذلك لِأَنَّ هَذَا الفعلَ المنكَر لا يمكن التحرُّز منه في الحقيقةِ، فالزنا يمكن التحرُّز منه ويمكن مراقبة مَن حاول الزنا، فإنك لو رأيتَ رجلًا مع امرأةٍ تقولُ: من هَذِهِ المرأة؟ لكِن لو رأيتَ رجلًا مع ولدٍ ليسَ بمستغرَبٍ، ولذلك مِنْ أجْلِ أنَّ فسادَه خفيٌّ لا يمكن التحرُّز منه؛ صار لا يمكِن إصلاح الخَلْق إلَّا بإعدامِه، وهو مصلحة له ومصلحة لغيرِه، أمَّا كونُه مصلحةً له فإن الحدَّ كفَّارة، ولأنه إذا بقِيَ في الدُّنْيا متماديًا في هَذِهِ الفاحشةِ صار يزدادُ إثمًا، فنحن في الحقيقةِ قد قطعنا الطَّريقَ على الشيطانِ بالنسبةِ لهذا الرجلِ، ثم هو أيضًا إصلاح لغيرِه.

وهذا القول الَّذِي ذكره شيخُ الإِسلامِ وأجمعتْ عليه الصحابة رضي الله عنهم هو القول المتعيّن، لا سيَّما إذا كثُر هَذَا الأمرُ؛ لِأَنهُ كلَّما كثُرتِ الفاحشةُ وجبَ أن تُقابَلَ بعقوبةٍ أشدَّ، إلَّا ما حدَّده الشرعُ فيَجِب الوقوفُ عليه، وتجد أن عمرَ رضي الله عنه لمَّا أكْثَرَ النَّاسُ من شربِ الخمرِ ماذا صنعَ؟ زاد الضعف إلى ثمانينَ

(1)

، ولما كثُر الطلاقُ الثلاثُ في عهدِه عاقبَ المطلِّقين بتنفيذِ قولهِم، أمضاهُ عليهم

(2)

.

فعلى هَذَا نقول: إِنَّهُ إذا كثُرتْ هَذِهِ الفاحشةُ وجبَ على وُلاةِ الأمورِ أنْ يَكُونوا أشدَّاءَ على فاعليها، وأن يقتلوهم إعدامًا بدون أيّ توقُّف؛ لِأَنَّ ذلك هو الَّذِي يُصلِح الخَلْقَ، وإلَّا فانتشارها مثلما قُلْنا: إِنَّهُ لا يمكن التحرُّز منه، وانتشارها عظيم، كل وَاحِد مثلًا -والعياذُ باللَّهِ- مبتلًى بهذا الأمر، يُمسِك أيّ صبيّ ويعاشره ثم يفعل به

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الحدود، باب حد الخمر، رقم (1706).

(2)

أخرجه مسلم: كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، رقم (1472).

ص: 156

الفاحشةَ، ليس مثل النساء، هَذَا هو القول الصحيح المتعيّن.

يوجد قول آخر وهو أن حكم اللُّواط حُكْم الزنا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمامِ أحمدَ، وهو ضعيفٌ، فعلى هَذَا إن كان الفاعل محصَنًا، والمَفْعُول به محصَنًا، وجبَ الرجمُ، وإلَّا فالجلدُ والتغريبُ.

وذهب بعض العلماء إلى أَنَّهُ يُعَزَّر تعزيرًا بدون حدٍّ؛ لِأَنَّهُ لم يَثْبُتْ عنده حديثُ: "فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ"

(1)

، وليس فيه حدٌّ ثابت، فيُرجَع فيه إلى التعزيرِ، والتعزيرُ إذا قُلْنا بأن وليّ الأمر له أن يعزِّر بالقتل فما دونه صارَ قتلُ اللائط والملُوط به عائدًا إلى اجتهاد الإِمام.

وذهب بعض العلماء إلى أنَّه ليس فيه حدٌّ ولا تعزيرٌ، لكنَّه حرام، حُجَّته يقول: إِنَّهُ يُكتفَى بالنفور الفِطريّ عن العقوبة الرادعةِ، يعني أن هَذَا النفور منه أمر فطريّ، فلا يحتاج إلى عقوبةٍ رادعةٍ، ولهذا جعل الشرعُ في شُرب الخمرِ عقوبةً؛ لِأَنَّ النفوسَ تميل إليها، ولم يجعل في شربِ البولِ عقوبةً؛ لِأَنَّ النفوسَ تنفِر منه بالطبيعةِ، فهذا مثله.

فيقال: هَذَا رجل سليم الفطرة ولا يعرف الواقع، فإذا كانت فِطرته سليمةً تنفِر من هَذَا الأمر، فإن هناك فِطَرًا مقلوبة تَهْوَى هَذَا الأمرَ وتميل إليه، فماذا نَصنَع بهَذه الفِطَر؟ ثم إن قوله: إن شُرْبَ البولِ لا تعزيرَ فيه لِأَنَّ النفوسَ تنفِر منه؛ غير مُسَلَّم، فلو أن رجلًا ابتليَ بشربِ البولِ هل نتركه يشرب بولَ النَّاسِ أو نعزِّره؟ نعزِّره ونمنعه من ذلك، وإن كانت الفطرة تأبَى هَذَا الأمرَ.

(1)

سبق تخريجه.

ص: 157

فالحاصل: أن هَذِهِ الأقوالَ الأربعةَ أصحُّها القولُ الأوَّل، لكِن مَن أُكرِه على فعل الفاحشةِ فلا شَيْءَ عليه في هذا، ولا في غيرِه؛ لأن من شروط إقامةِ الحدِّ أن يَكُونَ غير مكرَه، حتى المرأة لو أُكرِهت على الزنا لا يُقام الحدُّ عليها، وهذا هو الَّذِي أوجبَ لبعضِ أهلِ العلمِ أن المرأةَ إذا حَمَلَتْ لا تُحَدّ، قال: لِأنَّهُ يَحتمِل أن تكون مكرَهةً، وهذا الاحْتِمَال يَدْرَأُ الحدَّ، ولكن الصحيح أن المرأةَ إذا حملتْ وليس لها زوجٌ ولا سيِّد يقام عليها الحدُّ؛ لخطبة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقوله:"إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحْبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ"

(1)

أمام النَّاس، ولا أحد أنكر عليه رضي الله عنه، فهي يقام عليها الحد، يعني تؤخذ ويقال: هيا أقيموا الحدَّ عليها، لكنْ إن ادَّعت شُبهةً ممكِنة ارتفع عنها الحدُّ؛ لِأَنَّ الأمرَ محتمِل، وكثير من النساءِ يغلب على نفسه ويُفعل به الفاحشةُ.

واعْلَمْ أنَّ الزنا كما قَسَّمه الرَّسول عليه الصلاة والسلام وكذلك اللواط أنواع: زِنا الفَرْج، ولواط الفَرْج، وفيه أيضًا زِنا العين ولواط العين، وفيه أَيْضًا زِنا الأُذن ولواط الأذن، وزنا اليد ولواط اليد، وزنا الرِّجْل ولواط الرجل، يعني لا تظنَّ أنَّ اللواطَ خاصٌّ بفعل الفرج، بل حتى العين لو أن أحدًا تلذَّذ بالنظر إلى أمردَ قُلْنا: هَذَا الرجل تلوط به، لكِن تلوط به فعلا أو نظرًا؟ نظرًا، ولذلك يَجِب الحذرُ من هَذَا الأمرِ، حتى إن النَّوَوِيَّ

(2)

وجَماعَةً من أهل العلمِ قالوا: إِنَّهُ لا يجوز النظرُ مُطلَقًا إلى الأمردِ الحَسَنِ إلحاقًا له بالمرأةِ، ولكن الصواب أنَّهُ يجوز إلَّا مع التلذُّذ بذلك، فهذا حرامٌ.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا، رقم (6829)، ومسلم: كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى، رقم (1691).

(2)

المنهاج (4/ 31).

ص: 158

قوله: [قوم لوط] عليه السلام، لَوْ قَالَ قَائِلٌ:(قوم لوط) ألا يوجد إشكال في أن النسبةَ صارتْ إلى المضافِ إليه وهو نبيُّهم؟ فيقال واللَّه أعلم: إن السَّببَ في ذلك أن هَذِهِ الفاحشة اختصَّتْ بها هَذِهِ الأمَّة، ولهذا قال لهم نبيهم:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80]، ما أحد سَبَقَهم، يعني أول مَن سنَّ هَذِهِ الفاحشة والعياذُ باللَّهِ هم قومُ لوطٍ، وعلى هَذَا فعليهم وِزْرُها ووِزر مَن عمِل بها إلى يوم القيامةِ، نسأل اللَّه السلامةَ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لا يَنبغي أن ننسُب اللُّواط لاسْم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ونقول ما ورد في الحديثِ: "عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ"

(1)

.

نقول: هَذَا طيِّب في الحقيقةِ، لكنْ أنا أرى العلماء الكبار يَقُولُونَ هذا، مثل ابن القيِّمِ وشيخ الإِسلام، رَحِمهما اللَّهُ ومَن قَبْلَهُما ومَن بعدَهما.

لَوْ قَالَ قَائِل: مَن أوَّل مَن أنشأ اللغة العربية إذا قُلْنَا: إن لغة آدم ليستْ عربيَّةً؟

فنقول: أوَّل ما نشأتْ مِنَ العربِ العاربةِ حينما جاءوا إلى مكَّة -القحطانيون- واتصلوا بإسماعيلَ، ونشأ بينهم، فصار عربيًّا، ولهذا بنو إسماعيل هم العربُ المستعرِبة، وطبعا اللغة العربية مثلُ غيرها يحصُل عليها تطوُّرات وتحسيناتٌ، فبعد الفتوحِ دخلَ عليها تغييرات، كذلك فيما سبقَ دخل عليها تطوُّرات وتحسينات، حتى وصلتْ إلى الكمالِ في عهدِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول سليمانَ عليه السلام: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [النمل: 16]، وقوله سبحانه وتعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ

(1)

سبق تخريجه.

ص: 159

وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، ذكر بعض المفسِّرين أن الحيوانات تنطِق؟

نقول: إلى الآنَ هي تنطِق، ولهذا قال:{عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} .

قَالَ المُفَسِّر: [{أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} في سَفَرِهم إلى الشامِ فيَعتبِرون، والاستفهامُ للتقريرِ].

قوله: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} هَذِهِ تأتي في القُرْآن كثيرًا: (أفلم)(أو لم) يعني يأتي حرف الاستفهام الهمزة وبعده حرف عطف، فاختلف النحْويُّون في ذلك، فمنهم من يقول: إن حرف الاستفهام داخلٌ على جملةٍ مقدَّرة مفهومة من السياق تقدَّر حسَب ما يليها.

ومنهم مَن قالَ: إنَّ حرفَ الاستفهامِ داخلٌ على الجملةِ المذكورةِ، لكِن مَحَلّه بعدَ حرفِ العَطْفِ، فقوله عز وجل:{أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} ، يَقُولُونَ: أصله (فألم يَكُونوا يرونها)، فقدمت أداة الاستفهام؛ لِأَنَّ لها الصَّدَارَة.

فالآنَ أمامنا رأيانِ فيما إذا وجد حرفُ استفهامٍ بعدَه حرفُ عطفٍ، هل يَكُون داخلًا على الجملةِ المذكورةِ مقدَّمًا على حرف العطفِ، أو يَكُون داخِلًا على جملةٍ مقدَّرة تُستفاد من السياقِ، كيف نقدر:{أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} على رأي الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق؟ يَكُون التقدير: أَعَمُوا فلم يَكُونوا يرونها؛ لِأَنَّ انتفاء الرؤية معناه العمَى، وعلى الرأي الثَّاني لا نحتاج إلى تقدير، نقول: التقدير (فألم يَكُونوا يرونها)، والأول رأيُ سِيبَوَيْهِ، والثَّاني رأي الكِسَائِيّ، والثَّاني أهونُ وأسلمُ؛ لِأنَّهُ في الحقيقة في بعضِ الأحيانِ تأتيك أمثلةٌ لا تستطيع أن تقدِّر هَذَا المحذوفَ ولا كيف تقدِّره، ثم إن الأَصْل عدم التقدير والحذف،

ص: 160

ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثَّاني لم نرتكِبْ إلا شيئًا وَاحِدًا فقطْ وهو تقديمُ الهمزةِ عن مكانها، وهذا شَيْءٌ بسيط، فالَّذِي يَنبغي سُلُوكُه أن نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلةٌ على الجملةِ الموجودةِ بدونِ تقديرٍ، لكنَّها مقدَّرة بعد حرفِ العطفِ، إلا أنها قُدِّمت لأجلِ الصدارةِ، وهنا {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير حَمْل المخاطَب على الإقرارِ، مثلًا قوله:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]، نقول: الهمزة للاستفهام، المراد به التقرير، المهم أن هَذِهِ ليست للاستفهام والاستخبار، فاللَّه جَلَّ وَعَلَا لا يَسأَلُ ولكنَّه يُقَرِّر أَنَّهُ شرح له صدره، ومعنى التقرير حَمْلُ المخاطَبِ على الإقرارِ، وكأنَّ ذلك متقرِّر ولا يمكِن إنكارُه؛ لِأَنَّهُ معلوم، فيَجِب عليكَ أنْ تُقِرَّ به.

في الآية الكريمةِ: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} نقول: الاستفهام للتقريرِ، يعني أَنَّهُمْ قد رَأَوْهَا، وإذا كان بمعنى التقريرِ فَإنَّهُ يقدَّر بفعلٍ ماضٍ مَقْرُونٍ بـ (قد)، يعني مثلًا قوله: لَكَ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} [الشرح: 1]، معناها قد شَرَحنا لكَ، لكنْ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} أبلغُ، فقوله:{أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} معناه أَنَّهُمْ قد رَأَوْها، وهم يُقِرّون بذلك، ولا يمكن إنكارُه، لكِن الإتيان بالاستفهام أبلغُ لِأَنَّهُ يحمل المخاطَبَ على أن يقرَّ، وهذا أبلغُ من أن أُصدِّره بأمرٍ على سبيلِ التحقيقِ بـ (قد).

يقول المُفَسِّر رحمه الله في وصف الرؤيا: [{أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} في سَفَرِهم إلى الشامِ فيعتبرون]، وهذا صحيح أن الإنْسَان إذا عاينَ آثارَ العذابِ يَكُون أشدَّ في يقينِه وتصديقه، لِأَنَّهُ (ليس الخبر كالمُعاينة)، وإِبْراهِيم عليه الصلاة والسلام لا يشكُّ أن اللَّه سبحانه وتعالى قادرٌ على إحياءِ المَوْتَى، ومعَ ذلكَ قال عليه السلام:{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260]، وقال النَّبي عليه السلام: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ

ص: 161

مِنْ إِبْرَاهِيمَ"

(1)

، وجئتُ بهذا الحديثِ لأجلِ أن نَفْهَمَ معناه حقيقةً، ما معنى "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ"؟ لو أخذنا بظاهرِه لقُلْنا: إن إِبْراهِيم قد شك ونحن أَولى بالشك منه، ولكن ليس المراد ذلك، المراد كما أننا نحن نَتيَقَّن أنَّ اللَّه يُحيي المَوْتى وقادر عليه، فإِبْراهِيم أَوْلَى باليقينِ، ولو كان ثمة شَكّ لكنَّا أَولَى به.

قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ} لا يخافون نُشُورًا]، {بَلْ} للإضرابِ، وكأنه إضراب عن توبيخٍ إلى أشدَّ منه {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} .

قُلْنَا: الاستفهام للتقريرِ، والإنْسَان الَّذِي يَرَى الشَيْءَ ثم لا يَعتبِر به مستحِقٌّ للتوبيخِ، انتقل إلى ما هو أعظم إلى حالٍ أشدَّ يستحقون التوبيخ عليها، فالإضراب هنا للانتقالِ من سيئٍ إلى أسوأ، ومن خفيفٍ إلى أغلظَ منه، معناه أن هَؤُلَاءِ لَيْسُوا تاركينَ للاعتبارِ بما شاهدوا، بل إنهم أبلغ من ذلك، لا يرجون نُشُورًا، وفسَّرَ المُفَسِّر رحمه الله الرجاءَ بالخوفِ؛ لِأَنَّ الرجاءَ يأتي بمعنى الخوف، مثل قول اللَّه سبحانه وتعالى عن نوحٍ:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13]، ولكن إتيان الرَّجاء في موضِع الخوفِ لا يَكُون إلا حيثُ تَعَذَّرَ أن يُفَسَّر بمعناه الحقيقيّ، وهنا لا يَتعذَّر، لِأَنَّ معنى {لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان: 40]، يعني لا يؤمِّلونه ولا يُقِرُّون به؛ لِأَنَّ مَن لا يؤمِّل شيئًا لا يقرّ به، وكأنَّ المُفَسِّر رحمه الله حَمَلَه على معنى الخوفِ؛ لِأَنَّ حالَهم تَقتضِي ذلك، تقتضي أَنَّهُمْ لا يخافون؛ إذ لو خافوا لأقَرُّوا وآمنوا، ولكن يقال أيضًا: الرَّجاء، لو كانوا يرجون هَذَا النشور ويؤمِّلونه لعمِلوا له؛ لِأَنَّهُ قيل لهم: إن صدقتم الرُّسُل فلكم كذا، وإن كذَّبتم الرُّسُل فعليكم كذا، فهم موعَدون ومتوعَّدون، فلا يَتَعَيَّن

(1)

أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله عز وجل:{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} ، رقم (3372)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، رقم (151).

ص: 162

أن نَحمِل الرجاءَ على الخوفِ، بل لا يَنبغِي ما دام أن معنى الرَّجاء الحقيقيّ له مَحَل، فَإِنَّهُ يَجِب أن يُحمَل على معناه الأَصْليّ، فنقول:{لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} أي لا يؤمِّلون النشور الَّذِي فيه ما وعدَتْهم به الرُّسُل من كرامةِ اللَّه سبحانه وتعالى وإدخال الجنة، وهذا أشدُّ من عدم اعتبارهم بما رأوْا من إهلاك المكذِّبين، حيثُ ينكرون البعثَ الَّذِي دلَّ عليه العقل، فالعقلُ يدلُّ عَلَى أَنَّ للناسِ بعثًا، ولهذا يقرِّر اللَّه تبارك وتعالى هَذَا المعنى:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36]، يعني لا يأمر ولا ينهى ولا يجازَى، هَذَا سَفَهٌ، لو كانت هَذِهِ الخَليقة الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وأرسلَ إليها الرُّسُلَ وأباحَ دماءَ بعضِها لبعضٍ وأموالَهم ونساءَهم لأجلِ الدين الَّذِي بُعِثَ به الرُّسُلُ، وهذا القتال العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشَيْءٍ إلَّا أن الإنْسَان يحيى ويموت، ماذا يَكُون هَذَا الفعل؟ يَكُون سَفَهًا يُنزَّه اللَّه عنه، ولهذا قالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85]، ما أنزل اللَّه هَذَا القُرْآنَ إلا لمعادٍ يَكُون النَّاس يوم القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازَون بأعمالهِم، فالعقلُ دلَّ على أَنَّهُ لا بدَّ من بعثٍ، ولا بدَّ من جزاءٍ، ومعَ ذلك هَؤُلَاءِ ينكرونه ولا يَرْجُون نُشورًا بحُجَجٍ واهيةٍ باطلةٍ، مثل قولهم:{مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]، فهَذِهِ ليست بحُجَّة، هِي شُبهةٌ في الواقع، هي شُبهة باطلةٌ، فهذا الإنكارُ مبنيُّ على استبعادِ عقلِه، لذلك أبطله اللَّه تَعَالَى كما يظهر من القصةِ من نحوِ عشَرة أوجهٍ؛ أولها:{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79]، هَذَا يكفي العاقلَ، أليست هَذِهِ العظامُ كانت ماءً مَهينًا، بل قبل ذلك لم تكنْ شيئًا مذكورًا، ثم خلقها اللَّه إلى عظامٍ، فالَّذِي أحياها أوَّلَ مرَّةٍ قادرٌ على إعادتها، وهو عقلًا أهونُ منْ الابتداءِ:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27].

ص: 163

على كلِّ حالٍ لسنا بصددِ إثباتِ هَذَا الشَيْءِ، لكِن نقولُ: إن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لا يَرجُون نُشورًا معَ قيامِ الأدلَّة على وجودِه، لا شكَّ في سَفَهِهم وأَنَّهُمْ لَيْسُوا على صوابٍ.

* * *

ص: 164