الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (14)
* * *
* قالَ الله عز وجل: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)} [سبأ: 14].
* * *
قول المُفَسِّر رحمه الله: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ} أي: [عَلَى سُلَيمانَ]{الْمَوْتَ} [أَيْ: مَاتَ].
قوله سبحانه وتعالى: {قَضَيْنَا} أي: قدَّرْنا عليه الموتَ فمات، والقَضاءُ هنا قَضاء قدَريٌّ، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدَريٌّ وشَرْعيٌّ، فهُنا {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ} القَضاءُ قدَريٌّ، وقوله سبحانه وتعالى:{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [الإسراء: 4]، هذا أيضًا قضاءٌ قدَريٌّ، أي: قدَّرْنا عليهم ذلك، والثاني: قضاء شَرْعيٌّ، وهذا إذا تَعلَّق بما أمَرَ الله تعالى به فإنه قَضاء شَرْعيٌّ، كقوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، فالقَضاء هنا قَضاءٌ شَرْعيٌّ، إذ لو كان قَضاءً قدريًّا لوقَع ولعبَد الناسُ الله تعالى كلُّهم بدون إشراكٍ، وهنا القَضاء قدَريّ {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} أي: قدَّرْناه عليه فمات.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [وَمَكَثَ قَائِمًا عَلَى عَصَاهُ حَوْلاً مَيْتًا، وَالجنُّ تَعْمَلَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ عَلَى عَادَتِهَا لَا تَشْعُرُ بِمَوْتِهِ حَتَّى أَكَلَتِ الْأَرَضَةُ عَصَاهُ فَخَرَّ مَيْتًا]
وكُلُّ هذا الذي ذكَره المُفَسِّر رحمه الله واضِحٌ من الآية لمَّا قضَى الله تعالى عليه الموت، بَقِي مُدَّة لا تَعلَم الجِنُّ أنه مات، وهم يَعمَلون دائِبين، لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبَقِيَ مُتَّكئًا على عَصاهُ.
وقول المُفَسِّر رحمه الله: [بَقِيَ حَوْلًا] تَقييد هذا بالحوْل ليس فيه دليلٌ، لكن لا شَكَّ أنه بَقِيَ مُدَّةً وهم يَعمَلون بين يدَيْه ولا يَدرون أنه مَيْت، أمَّا أن نُقيِّده بحول أو بأقلَّ أو بأكثَرَ فهذا يَحتاج إلى دليل.
وقوله رحمه الله: [إِنَّهُ مُتَكِئٌ على عَصاهُ] فيه دليل مِن الآية؛ لقوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ} وهذا لا يُمكِن إلَّا وهو مُتَّكئ.
قال تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ} مَصدَر: أُرِضَتِ الخَشَبةُ، بالبِناء للمَفعول: أكَلَتْها الأَرَضة، وكلِمة {الْأَرْضِ} هل المُراد بها الجِنْس أي: الدَّابَّة التي تَكون في الأرض، أو المُراد بها المَصدَر؟
الجوابُ: أن المُفَسِّر يَرَى أن المُراد بها المَصدر مَأخوذٌ من قوله: (أُرِضَتِ الخَشَبة)، يَعنِي: أَكَلَتْها الأَرَضة، يَعنِي: ما دلَّهم على مَوْته إلَّا الدابَّة التي تَأرِضُ الخشَب، فعليه يَكون كلمة أرْض مَصدَر:(أَرَضَ يَأرِضُ أَرْضًا) مثل (ضَرَبَ يَضرِبُ ضَرْبًا)، هذا تَقرير كلام المُفَسِّر رحمه الله، وما قرَّره بعيدٌ من مَفهوم الآية؛ لأنَك عندما تَفهَم {إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ} ما تَفهَم الذي قَرَّره المُفَسِّر رحمه الله، بلِ الذي يَتَبادَر إلى الذِّهْن أنَّ المُراد بالأَرْض الجِنْس، يَعنِي: إلا الدابَّة التي تَخرُج من الأرض.
وقوله تعالى: {تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} .
فَإنْ قِيلَ: هل تَأْكُل الأَرْض أَجْساد الصالحِين؟
فالجوابُ: إنَّنا لا نَجزِم بذلك، ولكن قد يُعثَر على بعضهم لم تَأكُلْهمُ الأَرْضُ، والجزْم لا يَكون إلَّا في الأنبياء فقَطْ.
وقول المُفَسِّر رحمه الله: [{تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} بِالْهَمْزةِ أَلِفٍ] يَعنِي فيها قِراءَتان: (مِنْسأَتَه)، القِراءة الثانية: اجعَلِ الهَمزة أَلِفًا أي: (مِنسَاتَهُ)؛ ولهذا قال: [بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ]، ولكن إذا ترَكناه يَكون ألِفًا؛ لأنه يُنسَأ ويُطرَد ويُزجَر بها، كأن المُفَسِّر رحمه الله يُريد أن يُبيَّن اشتِقاق هذه الكَلِمةِ، وأنها من النَّسَأ، أي: الطَّرْد والزَّجْر، فإن الإنسان يَزجُر بعَصاه بحَزَّها على مَن يُوجِّه إليه الخِطاب وَيطرُد بها بالضَّرْب، وهذا يَدُلُّ على أن الكلِمة عرَبيَّة.
ولكن بعض المُفسِّرين يَقولون: إن الكلِمة غيرُ عرَبية، وإنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كان من الكلام المُعرَّب فإنه لا يُشتَقُّ لها من العربية، فكُلُّ كلِمة لها اشتِقاق في العربية فإنها تَكون عربية، وعلى كُلِّ حال: فالخُلْف في هذا سَهْل.
المُهِمُّ: أن المِنسَأَة كلِمةٌ واحِدة، وهي [العَصَا يُطْرَدُ] بها الشيء [وَيُزْجَرُ بِهَا].
وقوله: {فَلَمَّا خَرَّ} [مَيْتًا]، {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} الجُمْلة كما تُشاهِدون جُمْلة شَرْطية، وأداة الشَّرْط فيها (لمَّا) وقد سبَق لنا أن (لمَّا) تَأتِي لعِدَّة مَعانٍ: تَكون شَرْطية، وتَكون للنَّفْي، وتَكون بمَعنَى (إلَّا)، والرابع أن تَكون ظَرْفًا بمعنى (حين)، وهُنا استُعمِلت شَرْطية بدليل أنه جاء بعدَها شَرْطٌ، وجوابُه:{فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ} ، ونافِية كقوله تعالى:{بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)} [ص: 8]، أي: لم يَذوقوا عَذابي، وتَأتي بمَعنَى (إلَّا) كما في قوله تعالى:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)} [الطارق: 4]، أي: إلَّا عليها حافِظ، وتَأتِي بمَعنى (حين) أي: ظَرْفًا، مثل أن تَقول: أَكرَمْتَنِي لمَّا زُرْتُكَ. أي: حين زُرْتُكَ، إِذَنْ لها أربعةُ مَعانٍ، أو تَأتي على أربَعةِ أَوْجُهٍ.
وقوله تعالى: {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} : {تَبَيَّنَتِ} أي: عَلِمَت وبان لها، وفسَّرها المُفَسَّر رحمه الله بقوله:[انْكَشَفَ لَهُمْ]، (أنْ) مخُفَّفة من الثَّقيلة؛ أي: أنَّهم (لو كانوا يَعلَمون الغيبَ)، وإذا خُفِّفت الثَّقيلة وجَب حَذْف اسْمِها، وكان خَبَرُها جملةً فهُنا الخبَرُ:{لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} وإعرابُها أن تَقول: (أن) مُخفَّفة من الثَّقيلة، واسمُها ضمير الشَّأْن مُستَتِر، وجُملة {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ} في مَحَلَّ رَفْع خَبَرها.
وفي قول المُفَسَّر رحمه الله: [أَنَّهُمْ] إشارة إلى ما سبَق أن قُلْنا: أنَّ ضمير الشَّأْن يَنبَغي أن يَكون مُناسِبًا للمَقام، فقد يَكون مُفرَدًا، وقد يَكون جَمْعًا، وقد يَكون للغائِب، وقد يَكون للمُخاطَب، خِلافًا لما عليه أكثَرُ النَّحوِيِّين حيث يُقدَّرونه مُفرَدًا للغائِب، وَيقولون: إنه أي: الحالُ {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا} .
قوله تعالى: {لَوْ} شَرْطية، وجوابُها {مَا لَبِثُوا} ، و {لَوْ} تَأتي شَرْطية،
وتَأْتي مَصدَرية، وتَأتي بمَعنى: وَدَّ كذا، فتَأتي شَرْطية مثل هذه الآيةِ، ومثل أن تَقول:(لو زُرْتَنِي لأَكْرَمْتُكَ) وتَأتِي مَصدَرية إذا جاءت بعد (وَدَّ)، كقوله تعالى:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)} [القلم: 9] أي: أن تُدهِنوا، وهذا مَعناها فقَطْ، وهنا هي شَرْطية وفِعْل الشَّرْط فيها قوله تعالى:{كَانُوا يَعْلَمُونَ} وجوابُه: {مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} .
وقول المُفَسَّر رحمه الله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ} [وَمِنْهُ مَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ مَوْتِ سُلَيْمَانَ {مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} العَمَلِ الشَّاقِّ لَهُمْ لِظَنِّهِمْ حَيَاتَهُ خِلَافَ ظَنَّهِمْ عِلْمَ الْغَيْبِ]، وهذا واضِح؛ لأنهم لو كانوا يَعلَمون الغيبَ لعَلِموا أنَّه مات قبل أن يَخِرَّ بسبَب تَآَكُل عَصاهُ، ولعلهم كانوا يَظُنُّون أو يَدَّعون أنهم كانوا يَعلَمون
الغيبَ، فأَراد الله سبحانه وتعالى أن يُبيِّن حالهَم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يَعلَمون الغيب، مع أن الغَيْب الذي حصَل هنا ليس غَيْبًا مُطلَقًا، ولكنه غَيْبٌ نِسْبِيٌّ، إذ إن مَن كان قريبًا جِدًّا من سُلَيْمانَ عليه السلام فقد يَعرِف أنه مات، يَقول المُفَسِّر رحمه الله:[وَمِنْهُ مَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ مَوْتِ سُلَيمانَ].
وقوله تعالى: {مَا لَبِثُوا} أي: ما بَقُوا، {فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} الذي أَلحَق بهم المَهانة والذُّلَّ، وقال المُفَسِّر رحمه الله:[الشَّاقِّ لِظَنِّهِمْ حَيَاتَهُ خِلَافَ ظَنِّهِمْ عِلْمَ الْغَيْبِ] يَعنِي: كانوا يَظُنُّون أنهم يَعلَمون الغَيْب، فلمَّا خَرَّ مَيْتًا تَبيَّن لهم أنهم لا يَعلَمون الغَيْب قال:[وَعُلِمَ كَوْنُهُ سُنَّة بِحِسَابِ مَا أَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ مِنَ الْعَصَا بَعْدَ مَوْتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَثَلًا]، هذا جوابٌ عمَّا قيل: إنه بقِيَ سَنَةً وهو مَيْت ولم يُعلَم به، يَعني: أنه لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الذي أَعلَمَكم بأنه سَنَة؟ قال: علِمْنا ذلك بالحِساب، لأننا حَسَبْنا ما أَكَلَتْه الأَرْض يومًا وليلة من العصا فقِسْنا عليه ما مضَى؛ فمَثَلًا إذا كانت تَأكُل في اليوم والليلة مثَلًا (سَنْتَيمِتر) عرَفْنا أنها تَأكُل في السَّنَة ثلاثَ مِئة وسِتَّين (سَنْتِيمِترًا) وعرَفنا هذا من طول العَصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس مُتعَيِّنًا، إذ قد تَأكُل اليومَ أكثَرَ مِمَّا تَأكُله بالأَمْس أو بالعكس، وحتى نَقول أيضًا: من الذي قال: إنها أَكَلَتْ في اليوم والليلة هذا المِقدارَ حتى عُرِف به ما مَضَى. يَحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصوابُ أنَّ ما سبَق أن قُلْناه: بأنه لا حاجةَ لنا إلى تَقدير المُدَّة التي لَبِثها سُلَيْمانُ عليه السلام، وأنَّ مِثْل هذه الأُمورِ لا يُركَن إليها ولا يُعتَمَد إلَّا إذا جاءَت عن الشارع عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو جاءَت في كِتاب الله تعالى، وأمَّا ما يَأتي عن بني إسرائيلَ في مثل هذه الأُمورِ فإننا نَقِف فيه لا نُصدَّق ولا نُكذَّب.