المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (33) * * *   * قالَ الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ - تفسير العثيمين: سبأ

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآية (1)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّامِنةُ:

- ‌الفائِدةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الآية (2)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (3)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّامِنةُ:

- ‌الفائِدةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الآية (4)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّامِنةُ:

- ‌الآية (5)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الآية (6)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّامِنةُ:

- ‌الفائِدةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الآية (7)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (8)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (9)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الآية (10، 11)

- ‌الفائِدةُ الأُوْلَى:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّادِسةُ:

- ‌الفائِدةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الثَّامِنةُ:

- ‌الفائِدةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الفائِدةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الآية (12)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (13)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الآية (14)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌الآية (15)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (16)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الآية (17)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الآية (18)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (19)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (20)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (21)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (22)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الآية (23)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرةَ:

- ‌الآيات (24 - 26)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ عَشْرَةَ:

- ‌الآية (27)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (28)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الآية (29)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الآية (30)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الآية (31)

- ‌الآية (32)

- ‌الآية (33)

- ‌الآية (34)

- ‌الآية (35)

- ‌الآية (36)

- ‌الآية (37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآية (39)

- ‌الآية (40)

- ‌الآية (41)

- ‌الآية (42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية (44)

- ‌الآية (45)

- ‌الآية (46)

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌الآية (49)

- ‌الآية (50)

- ‌الْفَائِدَة الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الآية (51)

- ‌الْفَائِدَة الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (52)

- ‌الْفَائِدَة الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الآية (53)

- ‌الْفَائِدَة الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الآية (54)

- ‌الْفَائِدَة الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

الفصل: ‌ ‌الآية (33) * * *   * قالَ الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ

‌الآية (33)

* * *

* قالَ الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33].

* * *

وقوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إضراب على إضرابهم، فأولئك: قالوا: {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ} إضراب عَنْ قولهم: {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} فأَضرَبوا عنهم، يَعنِي: قابَلوهم بإضرابٍ آخَرَ، قالوا:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: مَكْرٌ فيهما مِنكم بِنا، مَكْر الليل والنهار، و (مَكْر) هنا مُضاف إلى الليل، على تقدير (فِي)؛ لأنَّ الإضافة قد تَكون على تقدير (مِنْ)، وعلى تَقدير اللام، وعلى تَقدير (فِي)، فإن كان الأوَّل من الثاني؛ يَعنِي بأن كان الثاني جِنْسًا للأَوَّل، فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظَرْفًا للأوَّل فهو على تقدير (فِي)، وما عدا ذلك فعلى تقدير اللَّام.

وتَكون الإضافة على تقدير (مِن) إذا كان الثاني جِنْسًا للأَوَّل، وعلى تقدير (فِي) إذا كان الثاني ظَرْفًا للأَوَّل، وعلى تَقدير اللَّام فيما عدا ذلك، نحو: خاتَمُ حديد، على تقدير (مِنْ)، ومِثاله: ثَوْبُ خَزٍّ، على تقدير (مِن).

وعلى تقدير (فِي): مَكْرُ الليلِ، أي: مَكْرٌ في الليل.

ص: 211

ما هو المكْر؟

قالوا في تَعريف المَكْر: إنَّه التَّوصُّل بالأسباب الخَفِيَّة إلى الإيقاع بالمُقابِل؛ يَعنِي: بالذي قابَلَك، أو إن شِئْت فقُلْ: بالخَصْم. و (مَكْر الليلِ) أُضيف المَكْر هُنا إلى اللَّيل؛ لأنَّه ظَرف، والنَّهار كذلك.

أمَّا من أيِّ جِهة وقَع هذا المكْرُ فهو من المُستكبِرين؛ ولهذا قال رحمه الله: [مَكر فيهما مِنكم بنا] يَعنِي: أنتم تمَكُرون بنا ليلًا ونَهارًا، تَأتون إلينا تَخدَعوننا تَقولون -مثَلًا-: محُمَّد فيه كذا، ومحُمَّد فيه كذا، ومحُمَّد لن يَنتَصِر، ومحُمَّد خالَف آباءَه، ومحُمَّد سبَّ آلِهَتَنا؛ وما أَشبَه ذلك، وهكذا عادة الرُّؤَساء بالنسبة للأَتْباع يَأتون بهم على سبيل المكْر والخِداع؛ وزعيمهم في ذلك إبليسُ حيث قاسَمَ آدَمَ وحواءَ؛ قاسَمَهما: إني لكما من الناصِحين، يَعنِي: أَقسَم لكُلِّ واحِد منهما، قال سبحانه وتعالى:{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 21 - 22]، فهؤلاء الكُفَّارُ المُستكبِرون السادة والرُّؤَساء لا يُمكِن أن يَخدَعوا هؤلاء إلَّا بمَكْر؛ لأن الحقَّ مَقبول لدى الفِطَر، ولا يُمكِن صدُّ هذه الفِطْرةِ إلَّا بخِداع ومَكْر.

فلهذا انتَبِهوا لدعوة أهل الشَّرِّ والفَساد فإنهم لن يَأتوا إليكم وَيقولوا -مثَلًا-: ازنُوا! اشرَبوا الخَمْر! ولكنهم يُخادِعون، وَيأتون بأسباب الزِّنا وطُرُق الزِّنا بسبيل التَّقدُّم والحُرِّية والمُساواة وما أَشبَه ذلك؛ فمثَلًا: خلُّوا المَرأةَ تَخرُج للسُّوق مُتبَرِّجةً، وخلِّها تُشارِك الإنسان في العمَل، ودعوها تُشارِكه في الدِّراسة ودعوها تكون إلى جَنْبه في الكُرسيِّ، فأنتم إذا جعَلْتم المرأةَ تُخالِط الرَّجُل وتمَشِي معه زالت الغَريزة الجِنْسية في نفوس كل واحد منهما، لأنه سيَكون الأمر عاديًّا بينهما، فجُلوسه لجَنْب امرأة كجُلوسه بجانب ذكَرٍ، لكن إذا حبَسْتم ذلك وقُلْتم: إن الرجال هنا

ص: 212

والنِّساء هنا. اشتاقَتْ نُفوس كلِّ واحِد منهم إلى الآخَر، وحينئذٍ يَزداد طلَبُ الرجُل للمرأة والمرأةِ للرجُل! !

وانظُرْ كيف هذا الخِداعُ؟ ! وما علِموا أنهم إذا اختَلَطوا حصَل الزِّنا، بل لمُجَرَّد الاختِلاط تَحصُل مَفسَدة وما حصَلت الحوامِلُ سِفاحًا والعاهِراتُ والفاجِراتُ إلَّا بالاختِلاط، لكِنَّ هؤلاءِ الدُّعاةَ إلى الشَّرِّ يَمكُرون بالناس؛ لأنهم لو أَتَوْا بالبَشِع على وجهه هكذا نفَرَت منه النُّفوس، ولا قبِلَته، لكن يَأتون بصِيغة المَكْر والخِداع والمُبرِّرات الفاسِدة حتى يَقبَله ضُعفاء النفوس، ومَن ليس عندهم نظَر عَميق.

فالسَّطْحيُّون يَقبَلون مثل هذا الغُرورِ، ولكِنَّ المُتعمِّقين في النظَر يَرفُضون هذا رَفضًا باتًّا، وَيقولون: إن تَلبُّس هَؤلاءِ بالإِصْلاح ما هو إلَّا خِداع ومَكْر؛ هذا مَعنَى قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} .

ففي هذا من الفَوائِدِ: دليل أن الرُّؤَساء يَدْعون ليلًا ونَهارًا لا يَسأَمون لباطِلهم وصَدِّ الناس عن دِين الله عز وجل، وأَهْلُ الخير نائِمون إلَّا مَن رَحِم الله -لكن غالِب دُعاة الخير مع الأَسَف نائِمون، وليس عِندهم اليَقَظةُ أيضًا- فليس عِندهم اليَقَظة لمَكْر هؤلاء الماكِرين الخادِعين، يَأخُذون بالظاهِر، ولا يَعلَمون أن هؤلاءِ الخُبَثاءَ شَرٌّ من الذين يَتَظاهَرون بالسُّوء؛ ولهذا قال الله في المُنافِقين:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4]، وأَتَى بالجُمْلة المُفيدة للحَصْر {هُمُ الْعَدُوُّ} ، وقد تَقدَّم أنه إذا عُرِّف الرُّكْنان في الجُمْلة الخَبَرية صارَت دالَّةً على الحصْر. نَسأَل الله تعالى لنا ولكُمُ العافِية والسلامة.

وقوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا} : {إِذْ} هذه ظَرْف بمَعنَى: وَقْت؛ يَعنِي: وقت أَمْرِكم إيَّانا تَأمُروننا، وانظُرْ إلى قوله تعالى:{تَأْمُرُونَنَا} كيف

ص: 213

يُفهِم بأن هؤلاء الذين استكْبروا وهُمْ الرُّؤَساء ليسوا يُشيرون عليهم إِشارة، وإنما يَأمُرونهم أَمرًا؛ لأنهم يَعتَقِدون أن لهم السُّلْطةَ عليهم، وفَرْق بين الأَمْر المُقتَضِى لاستِعْلاء الآمِر ومُعاقَبة المأمور إذا خالَف وبين المَشْورة؛ لأن المُشير ليس يَأمُر أَمْرًا، ولكنه يَعرِض الشيء على سبيل التَّزيِين لصاحِبه، أمَّا أَنْ يَأمُره أمرًا فلا.

وهنا قال تعالى: {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} نَسأَل الله تعالى العافيةَ! هذا من أشَذَ المُنكَر أن يَأمُر الإنسان غيرَه بالكُفْر {أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} ، والكُفْر بالله تعالى يَدور على شَيْئين: تَكذيب بالخَبَر، واستِكْبار عن الطلَب، فالكُفْر يَدور على هذين الأمرين: إمَّا تَكذيب بالخَبَر، وإمَّا استِكْبار عن الطلَب، يَعنِي: تَرْك الأَمْر، وفِعْل النَّهْي.

ومن ذلك التكذيبِ بالخبَر إنكارُ الله تعالى بالكُلِّية بأَنْ لا يُصدِّق الإنسان بوُجود الله عز وجل أَوْ لا يُصدِّق برُبوبيته أو بأُلوهِيَّته أو بأسمائه وصِفاته.

وقوله تعالى: {وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} أَيْ: [شُرَكاءَ]{وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} الأَنْداد جَمْع نِدٍّ، والنِّدُّ هو النَّظير، وجَعْلُ الأنداد لله تعالى شِرْك؛ ولهذا فَسَّر المُفَسِّر رحمه الله الأَنداد بأنه الشُّرَكاء، وفي قوله تعالى:{وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} دليلٌ على أنهم لم يَكفُروا بالله، أَيْ: بوُجوده، لكن كفَروا بحُقوقه؛ لأن لازِمَ جَعْل الأنْداد: أن يَكون هناك شَيْء مَوْجود له نِدٌّ.

وقوله رحمه الله: [{وَأَسَرُّوا} أَيِ: الفَريقان {النَّدَامَةَ} على تَرْك الإيمان به]{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} فسَّرَها بعض العُلَماء بـ (أَظهَروا) فمَعنَى {وَأَسَرُّوا} : أَظهَروا سِرَّهم في النَّدامة، وفسَّرها آخَرون بـ (أَخفَوُا) النَّدامة؛ أمَّا الذين فسَّروا أسَّروا بـ (أَخْفَوْا) فظاهِر جِدًّا؛ لأننا نَعرِف جميعًا أن الإسرار بمَعْنى الإِخْفاء؛ لقوله تعالى:{وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [الرعد: 22]، وأمَّا مَن فسَّرَه بـ (أَظهَروا) فقالوا:

ص: 214

إن (أَسَرَّ) من أفعال الأَضْداد؛ لأن في اللغة العَرَبية أفعالًا تَدُلُّ على المعنى وضِدِّه، تُسمَّى الأضداد.

وقد ألَّفَ عُلَماء اللغة العربية بذلك كُتُبًا سمَّوْها (الأضداد في اللغة)، يَأتون بالكلِمة ويُبيِّنون مَعناها الذي يَتَضمَّن الشيء وضِدَّه، ومنه قوله تعالى:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17] قال بَعْضهم: مَعناها: (أَدبَرَ)، وقال آخَرون: مَعناه: (أَقبَل)، ومعلومٌ أن (أَدبَرَ) و (أَقبَلَ) ضِدَّانِ.

وأيُّهما أقرَبُ إلى الصواب في هذه الآيةِ: (أَسَرَّ) بمعنى: (أَخفَى) أو (أَسَرَّ) بمَعنى: (أَظهَرَ)؟

الجوابُ: بمَعنَى: (أَخفَى)، ولا يُمكِن أن نَجمَع بين القَوْلين إلَّا إذا نزَّلْناهما على اختِلاف حالين، أو على اختِلاف شَخْصين، على اختِلاف حالين: بمعنى أنهم أحيانًا يُخفُون وأحيانًا يُعلِنون، أو باختِلاف شَخْصين: بمعنى أن بعضَهم يُسِرُّ وبعضهم يُعلِن، أمَّا أن نَحمِلها على المَعنيَيْن في آنٍ واحِد من شخص واحِد فهذا لا يُمكِن؛ للتَّضادِّ -جمع بين ضِدَّيْن- وهذا مُستَحيل؛ وللنَّظَر أيُّهما أَوْلى بالصَّواب:

قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} يَعنِي: أَخفَوْها حين رأَوُا العذاب؛ وأَخْفَوْها حين رأَوُا العذاب لأَجْل أَنْ لا يُعاب عليهم فيَظهَر للناس أنهم نادِمون على ما صنَعوا وهذا دائِمًا يَقَع حتى في أمور الدُّنيا إذا عرَف الإنسان أنه أَخطَأ في تَصرُّف ما: تَجِده يُخفِي خَطَأه ولا يُظهِر أنه نادِم، ولا أنه مُكتَرِث بهذا الشيءِ، قال الشاعر:

وَتجُلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ

أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتضَعْضَعُ

(1)

(1)

البيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد، انظر: ديوان الهذليين (1/ 3)، والمفضليات للمفضل الضبي (ص: 422).

ص: 215

فبعضُ الناس يَتحمَّل ولا يُرِي غيرَه أنه نادِم، أو أنه ضجِر، أو ما أَشبَهَ ذلك.

ويُقال: إن رجُلًا عاد شَخْصًا مريضًا، وكان هذا المريضُ مُدنفًا أيْ: مرَضه شديد، فقال له: كيفَ حالُكَ؟ فقال: الحمد لله طيِّب، وأنا -يَفتَخِر بنفسه كما قال الشاعِرُ:

وَتجلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ

إنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ

فقال له الذي عادَه: ولكِن:

وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا

أَلْفَيْتَ كُلَّ تَميمَةٍ لَا تَنْفَعُ

(1)

يَعنِي: لو تَجلَّدْت وقبِلت الموت لا يَنفَع ذلك.

والشاهِد: أن الذين قالوا: (أَسَرُّوا) بمَعنَى: (أَخْفَوْا). قا لوا ذلك لِئَلَّا يُعابوا على ما صنَعوا.

أمَّا الذين قالوا: (أَسَرُّوا) بمَعنَى (أَظهَروا). فقالوا: إن الآياتِ كثيرةٌ تَدُلُّ على ندَمهم، وأنهم أَظهَروا ذلك ونَدِموا على ما صنَعوا، ولكن {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3].

وقوله رحمه الله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} على تَرْك الإيمان به] الذي أَسَرَّهُمُ الفَريقان -كما قال المُفَسِّر رحمه الله: الذين استكْبروا والذين استُضْعِفوا.

وقوله عز وجل: {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} : {لَمَّا} بمَعنَى (حِين)، وتَقدَّم قريبًا أن {لَمَّا} تَأتِي في اللغة العربية على أربَعة أَوْجُهٍ.

(1)

البيت لأبي ذؤيب الهذلي من نفس قصيدته السابقة، انظر: ديوان الهذليين (1/ 3)، والمفضليات للمفضل الضبي (ص: 422).

ص: 216

والرُّؤْية هنا بصَرية، أَيْ: عايَنوه بأَعيُنهم وأَسرُّوا النَّدامة، لكن والله لا يَنفَع النَّدَم حينذاك، فالنَّدَم حين يَرَى الإنسانُ العذابَ لا يَنفَعه، إنما يَنفَع قبل أن يَرَى العذاب، قال رحمه الله:[أَيْ: أَخفاها كلٌّ عن فَريقه مَخافةَ التَّعيير] واضِحٌ أن المُفَسِّر رحمه الله فسَّر (أَسَرُّوا) بمَعنَى: (أَخْفَوْا).

وقوله رحمه الله: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ {وَجَعَلْنَا} بمَعنَى: (صيَّرْنا) أَيْ: صيَّرْنا الأغلالَ.

والأغلالُ جمع غُلٍّ، وهو ربط اليَدين بعضها إلى بعض، وتَعليقهما في العُنُق، نَسال الله العافيةَ! ولهذا قال:{وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وأعناق جَمْع عُنُق وهي الرقَبة.

وقوله: {فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ هل هم الذين استكْبروا أو الذين استُضْعفوا؟

الجوابُ: كلا الفَريقين؛ لأن هؤلاءِ كُفار دُعاةٌ إلى الضلال، وأُولئك كُفَّارٌ مُقلِّدون بعد أن جاءَهُم الحقُّ؛ ولهذا قال:{أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ} فالكُلُّ كافِر، فجعَل الله تعالى الأغلالَ في عُنُق هؤلاءِ وهؤلاءِ، فهل نفَعَتْ أحَدًا منهم محُاجَجَتُه؟ أَبَدًا، وإنما هو من أَجْل إظهار العَداوة بينهم، كما قال الله تبارك وتعالى عن إبراهيمَ عليه السلام حين قالَ لقَوْمه:{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت: 25]؛ قال عز وجل: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: 38]، فهذه حالُ أهل النار يومَ القِيامة أعداءٌ، ولَعْن وسَبٌّ وشَتْم.

ولكنِ المُتَّقُون -اللهمَّ اجْعَلْنا وإيَّاكم مِنهم- على العَكْس من ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]

ص: 217

وقال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67].

وقال سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، قال رحمه الله:[{هَلْ} ما]، يَعني: أنها بمَعنى: (ما)، أي: أن الاستِفهام هنا بمَعنى النَّفيِ: هل يُجزَوْن إلَّا جزاءَ ما كانوا يَعمَلون، يَعنِي: هل يُكافَؤُون إلَّا على ما عمِلوا فقَطْ، والله عز وجل لا يَظلِم أحَدًا.

فالاستِفْهام هنا بمَعنَى النفيِ، وقد تَقدَّم: أن النفيَ إذا صيغ بصيغة الاستِفْهام كان مُشرَبًا معنَى التَّحدِّي، يَعنِي: أنه لا يُمكِن أبدًا أن يُجزِيَ أحَدًا إلَّا ما عمِل.

وهنا قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، والمُفَسِّر رحمه الله أَضمَر مَحذوفًا قال:{إلَّا} جزاءَ {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ]، وما في القرآن بلا شَكٍّ أبلَغُ وأشَدُّ؛ لأنه إذا قال: إلَّا جزاءَ ما كانوا يَعمَلون؛ فإنه قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إن الجزاءَ رُبَّما يَنقُص، وربَّما يَزيد، لكن إذا قال:{إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} كأنهم يُجزَوْن بالعمَل نفسه؛ كان ذلك أبلغَ في امتِناع الزيادة أو النَّقْص، فما في القرآن أَوضَحُ، يَعني: أبلَغَ.

أمَّا وجهُ كون المُفَسِّر رحمه الله يَقول: [{إلَّا} جَزاء]، فإنه يقول: إن الذي يَكون يومَ القِيامة ليس هو العمَلَ، ولكنه جزاء العمَل، ولكننا نَقول: إن كلام الله عز وجل أَفصَحُ وأبلَغُ، يَعنِي: كأَنَّ العمَل نَفْسَه هو الذي يُجزَوْن به، فيكون ذلك أبلَغَ في العَدْل.

وقوله رحمه الله: {إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} في الدُّنيا] المُفَسِّر رحمه الله في قوله: [في الدُّنْيا، أَفادَنا أن (كان) هنا للماضِي المُحقَّق، وقد تَقدَّم أن (كان) يُراد بها مجُرَّد اتِّصاف اسمها بخبَرها، مثل قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، ليس المَعنَى: كان فيما مضَى، بلِ المَعنَى أنه لم يَزَل ولا يَزال كذلك.

ص: 218

من فوائد الآية الكريمة:

الْفَائِدَة الأُولَى: أن هَؤلاءِ الرُّؤَساءَ كانوا يَدْعون -بَلْ يَأمُرون- هؤلاءِ الضُّعَفاءَ ليلًا ونَهارًا؛ لقولهم: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} .

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاءِ المَتبوعين يَتوصَّلون إلى أَتباعهم بالمَكْر والخِداع حيث قالوا: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} فهُمْ يَمكُرون بهم، حيث يُوحِي بعضُهم إلى بعض زُخرَف القول غُرورًا، وإلَّا فهم يَعلَمون أنهم بمُخالَفتهم للرُّسُل على باطِل.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الشِّرْك كُفْر؛ لقولهم: {أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} ، وليس كُلُّ كُفْر شِرْكًا، فكُلُّ شِرْك كُفْرٌ، وليس كُلُّ كُفْر شِركًا.

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الرُّؤَساءَ قد فرَضوا سَيْطَرتهم وسُلطانَهم على هؤلاء الأَتْباع فَرْضًا لا محَيدَ لهم عنه؛ لقولهم: {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} ، فهُمْ عندما يَدْعونهم لا يَقولون مثَلًا: إن الكُفْر حسَنٌ، وإن اتِّخاذ الشُّرَكاء حَسَن. وما أَشبَه ذلك، بل يَقولون: اكْفُروا! لأن الأَمْر كما تَقدَّم هو طلَبُ الفِعْل على وجهِ الاستِعْلاء.

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم النِّدِّ لله عز وجل، أَيْ: تَحريم جَعْل النِّدِّ لله؛ لأن قولهَم: {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} يُعتبر ذِكْرًا لأسباب العَذاب ولا شَكَّ فيه.

ولكن الشِّرْك -كما هو مَعلوم- أنواعٌ: شِرْك أكبَرُ مخُرِج عن المِلَّة، وشِرْك أصغَرُ لا يَخرُج، وشِرْك ظاهِر بَيِّن وشِرْك خَفِيٌّ لا يَبِين، ثُم الخَفاء والظُّهور قد يَكون باعتِبار ظُهوره للناس، وقد يَكون باعتِبار ظُهور كونه شِرْكًا، يَعنِي: يَخفَى على الناس أن هذا الرجُلَ مُشرِك؛ فالرِّياء مثَلًا يَخفَى على الناس؛ لأن محَلَّه القَلْب، وهو لا يَعلَم به إلَّا الله عز وجل، والحلِف بغير الله ممَّنِ اعتاده هذا خَفيٌّ، لكن ليس من حيثُ ظُهوره

ص: 219

للناس؛ لأن الناس يَسمَعونه ولكن من حيث ظُهور حُكْمه، ولكِنْ كثير من الناس -ولا سِيَّما مَنِ اعتاد الحَلِف بغير الله- يَظُنُّون أن الحَلِف بغير الله تعالى ليس به بَأس.

وهناك شِرْك ظاهِر أنه شِرْك، وظاهِر للناس أيضًا، كعِبادة الأصنام، فكُلُّنا يَعرِف أنها شِرْك، لكن من المُشرِكين مَن يَتعلَّل بأن هذه الأصنامَ يُريد بها أن تَكون شُفَعاءَ، لا أنها هي نَفسُها تَنفَع أو تَضُرُّ.

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن النَّدَم عند رُؤْية العَذاب لا يَنفَع؛ لقوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، فلَمْ يَنتَفِعوا بإظهار النَّدامة، ولا بإِسْرارها في نُفوسهم أيضًا، أمَّا النَّدَم قبل رُؤية العذاب فهو تَوْبة، إذا أصلَح العمَل تاب الله عليه.

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من جُملة ما يُعذَّب به هؤلاءِ: أنَّ أيدِيَهم تُغَلُّ في أعناقهم؛ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} .

الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: بَلاغة القُرآن، حيث يَدُلُّ على المَعنَى باختِصار ووضوحٍ فهنا قال تعالى:{وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ولم يَقُلِ: الذين استُضعِفوا، أو الذين استكْبَروا. بل قال الذين كفَروا؛ ليَعُمَّهم وَيعُمَّ غيرَهم أيضًا ممَّن كان كافِرًا.

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الله عز وجل لا يَظلِم أحَدًا؛ لقوله تعالى: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الجَزاء من جِنْس العمَل، فيُجازَى الإنسان بمِثْل عمَله تمامًا، وقد بَيَّن الله تعالى في آيات أُخَرَ أن الحسَنة بعَشْرة أمثالها إلى سَبْع مِئة ضِعْف، وأن السَّيِّئة لا يُجزَى الإنسان إلَّا مِثلها فقَطْ.

ص: 220