الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات (24 - 26)
* * *
* * *
قوله تعالى: {مَنْ} اسمُ استِفْهام، والمُراد به التَّحدِّي، تَحدِّي هَؤلاءِ المُشرِكين الذين يَعبُدون مع الله غيره، وهل هذه الأَصنامُ تَرزُقهم من السَّموات والأرض؟
الجوابُ: لا، ولكن الذي يَرزُق هو الله تعالى، فيَتَحدَّاهم بالسُّؤال:{مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
وقوله تعالى: {مِنَ السَّمَاوَاتِ} : (مِنْ) لابتِداء الغاية؛ أي: أنَّ الرِّزق يَأتي من السَّمَوات، والرِّزق بمعنى: العَطاء، فما هو الرِّزق من السَّموات؟ قال المُفَسِّر رحمه الله:[بالمَطَر]، فإنَّ المَطَر رِزقٌ يَنزِل إلى الأرض فتَنبُت، وأمَّا الرِّزْق من الأَرْض فأَمْره ظاهِر {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، ثُمَّ إننا نَقول بأنَّ الرِّزق من السَّمَوات أشمَلُ من المَطَر؛ فإن السَّمَوات يَنزِل منها المطَر وَينزِل منها المَنُّ والسَّلْوى، وربما نَقول: إنَّ الطُّيور في جَوِّ السماء أنَّها من رِزْق السماء؛ لأنَّها تَأتِي من فَوقُ، فكُلُّ ما يَأتي مِن فَوقُ فإنَّه يَصدُق عليه أنه رِزقٌ من السَّمَوات.
والمطَر يَنزل مِن سماءٍ واحدةٍ، مِن العُلو؛ ويُراد بالسَّموات أحيانًا جهةَ السمواتِ كما في قولِه تعالَى:{وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} في السَّمواتِ، معَ أنَّه في العُلو مِن جِهة الغَرب.
وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الخِطاب في قوله عز وجل: {قُلْ} للرسول صلى الله عليه وسلم، والمُخاطَب في قوله:{مَنْ يَرْزُقُكُمْ} المُشرِكون الكُفَّار فبماذا يُجيبون؟ أَحيانًا يُجيبون بالصواب كما في قوله تعالى في سورة يُونُسَ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] هذا جوابٌ صحيح، وأَحيانًا لا يُجيبون يَتَلعْثَمون أو يَأبَوْن أن يَتكلَّموا عِنادًا وخوفًا من الإِلْزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. أُلزِموا بألَّا يَعبُدوا إلَّا الله تعالى؛ كيف تَعبُدون مَن لا يَرزُق؟ !
فهُمْ أحيانًا يُجيبون بالصَّواب وَيقولون: الله. ثُمَّ يُكابِرون ويُعانِدون وَيقولون: (إِنَّما نَعبُدهم شُفعاءَ لنا عِند الله تعالى؛ ليُقرِّبونا إلى الله تعالى زُلْفَى)؛ أي: ما نَعبُدهم لِذَواتهم، وأَحيانًا يَأبَوْن الجوابَ يَتَلعْثَمون، لأنَّ الحقَّ ثَقيل عليهم.
فإذا لم يَقولوا شيئًا فقُلِ: الله؛ ولهذا قال: {قُلِ اللَّهُ} هو الذي يَرزُقكم من السَّمَوات والأرض. فإن أَبَوْا بأن قالوا: لا، هو غَيرُه. ولكن لا يَملِكون أن يَقولوا: هو غيرُه. فقُلْ: مَن؟ أَعِدْ عليهم السؤال مرَّةً ثانِيةً.
قال الله سبحانه وتعالى: {قُلِ اللَّهُ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [إِنْ لَمْ يَقُولُوهُ] يَعنِي: إن لم يَقولوا: الله، فأنت قُلْ هذا وأَعلِن هذا، [لا جوابَ غيره]، يَعنِي: لا يُمكِن أن يُجيب أحَد بغير هذا الجوابِ، وإن أَجاب فقُلْ له: أين ذلك؟ وكيف يَكون؟
وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} فإذا كان هو الله، فما الواجِب علينا نَحنُ؟ إذا كان الذي يَرزُقنا هو الله فمِن أين نَطلُب من الرِّزْق؟ من الله تعالى، والذي أحَقُّ أن يُعبَد هو الذي يَرزُق.
وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى} : {وَإِنَّا} الضمير يَعود على النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن آمَن معَه، {أَوْ} حرف عَطْف (إيَّا) مَعطوفة على اسم (إِنَّ)؛ ولهذا جاءَت بالضمير المُنفصل المَنصوب؛ وخبَرُ المُبتَدَأ قوله سبحانه وتعالى:{لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} يَعنِي: أننا لا نَخرُج عن إحدى هاتَيْن الحالَيْن: إمَّا الهُدى، وإمَّا الضَّلال؛ ولا يَخرُج أحَدُنا عن ذلك؛ فإمَّا نَحنُ على الهُدى وأنتم على الضَّلال، وإمَّا نحن على الضَّلال وأنتُم على الهُدَى، وأَمَّا كلُّنا على الهُدى أو كلُّنا على الضَّلال فلا؛ لأنَّ قولَنا وقولهم مُتَناقِض؛ لأنَّه ليس بعد الحَقِّ إلَّا الضَّلال، والنَّقيضان لا يَجتَمِعان ولا يَرتَفِعان؛ ولهذا قال تعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، وليس هُناك ثالِثٌ؛ فماذا بعد الحَقِّ إلَّا الضَّلال! .
وقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ} أي: أحَدُ الفَريقين {لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فقال سبحانه وتعالى: {لَعَلَى هُدًى} ولم يَقُل: (لَفي هُدًى أو في ضَلال) ولم يَقُلْ: (لعَلَى هُدًى) أو (ضَلال)؛ لأنَّ الذي على هُدًى على جادَّة بيِّنة عُلْيا واضِحة؛ فلهذا قال تعالى: {لَعَلَى هُدًى} ، وصاحِب الحلال مُنغَمِس في ضَلاله تائِه حائِر ليس له حَقٌّ من العُلوِّ، بل هو مَغمور بالجهْل بكلِّ جانب؛ ولهذا قال:{أَوْ فِي ضَلَالٍ} و (في) للظَّرْفية، ومَعلوم أن الظَّرْف محُيط بالمَظروف؛ فالضَّلال محُيط بِهِم قد أَعمَى بصائِرَهم.
وقوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى} يَعنِي: أننا على هُدًى ظاهِر بَيِّن عالٍ
{أَوْ فِي ضَلَالٍ} مُبين مُنغَمِس في الجهْل والضَّلال لا نَدرِي أين يَذهَب!
وتَأمَّل ما في هذه الآيةِ من الإِنْصاف، فهو إِنْصاف تامّ لا جِدالَ فيه؛ يَقول: أنَّا أو أنت على هُدًى أو في ضَلال مُبين، فهذا إِنْصاف، فلو قلت: أنا على هُدًى وأنت على ضَلال صار هذا جَوْرًا، ولا يُطيعك أحَد؛ لأنَّ خَصْمك سيَقول:(بل على العَكْس: أنا على هُدًى وأنت في ضَلال! )؛ فإذا أَنصَفتَ وقُلتَ: أنا أو أنت على هُدًى أو في ضَلال مُبين، فإن ذلك إِنْصاف لا أحَدَ يُجادِل فيه.
وقوله رحمه الله: [{فِي ضَلَالٍ مُبين} بَيِّن] أَفادَنا المُفَسّر رحمه الله أن المُبين مِن الرُّباعيِّ بمَعنى: بَيِّن، من الثُّلاثي، لأنَّ (أَبان) تَأتِي مُتعَدِّية وتَأتي لازِمة؛ فتَقول:(أَبان الحقَّ) بمَعنَى: أَظهَره، وتَقول:(أَبان الصُّبْح) و (بان الصُّبْح) بمَعنَى: ظهَر.
إِذَنْ: {مُبِينٍ} تَقَع في سِياق بمَعنَى: مُظهِر، وتَقَع في سِياق بمَعنَى: ظاهِر، فمثَلًا في {ضَلَالٍ مُبِينٍ} بمَعنَى: ظاهِر، وقوله سبحانه وتعالى:{حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الزخرف: 1 - 2] بمَعنَى: المُظهِر، وقوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} فهُوَ بمَعنَى: المُظهِر. أمَّا (بانَ) بدون هَمْزة فهي بمَعنَى ظهَر لا غيرَ، ولا تَأتي بمَعنَى: مُظهِر.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [في الإِبْهام تَلطُّف بهم، داعٍ إلى الإيمان إذا وُفِّقوا له]، قوله رحمه الله:[في الإِبْهام] الإبهام في: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ} فلم يَقُلْ: نحن على هُدًى وأنتم على ضَلال، أو نحن على ضَلال وأنتم على هُدًى، بل قال سبحانه وتعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ} ، وهذا إبهام؛ لأنَّه لا يُدرَى أهؤلاءِ أَمْ هؤلاءِ؛ فتقول: إن هذا الإبهامَ فيه تَلطُّف بهِم داعٍ إلى الإِيمان إذا وُفِّقُوا له، هذا من جِهة مُعامَلتهم، وفيه أيضاً ما أَشَرْنا إليه قبلُ، وهو الإنصاف والعَدْل وعدَم الجوْر، فمَعناه: أننا نَقِف
معَكم مَقام المُنصِف؛ فإمَّا نحن على الحَقِّ وأنتُمْ على الباطِل، وإمَّا أنتُمْ على الباطِل وأنتُمْ على الحَقِّ، ليس هناك سَبيل ثالِث.
ثُمَّ قال تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ]؛ لأنَّنا بَريئُون مِنكم، {قُلْ} لهم مخُاطِبًا إيَّاهم في مجُادَلتهم {لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا} والجُرْم والإِجْرام بمَعنَى: الذَّنْب؛ يَعنِي: الذي وقَعْنا فيه من الإِجْرام لا تُسأَلون عنه؛ قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 134]، وقال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] فالإنسان لا يُسأَل عن جُرْم غيره، ولا يُسأَل غيرُه عن جُرْمه، كذلك لا نُسأَل عمَّا تَعمَلون من إِجْرام أو غيرِه.
وفي هذه الجُمْلةِ في الحقيقة غَضاضة على النَّفْس أكثَرَ من الغَضاضة على الخَصْم: فبالنِّسْبة لنا قُلْنا: لا تُسأَلون عمَّا أَجْرَمنا؛ أوَّلاً: وَصَفْنا عمَلَنا بأنه إِجْرام، وثانياً: وصَفْناه بالفِعْل الماضي الدالِّ على الوُقوع: {عَمَّا أَجْرَمْنَا} .
وفي الخَصْم قُلْنا أوَّلاً: {وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، وليس عمَّا تُجرِمون؛ وكل هذا مِن باب التَّلطُّف، والله يَعلَم مَن المُجرِم مِن غيره، لكن لأَجْل أن نُقيم الحُجَّة على هؤلاءِ بأنَّنا عامَلْناهم بأكمَلِ العَدْل والإِنْصاف، بل بما ظاهِره الغَضاضة علينا؛ وثانيًا أنَّه قال تعالى:{عَمَّا تَعْمَلُونَ} ولم يَقُل: عمَّا عمِلْتم. ومَعلوم أن الماضِيَ محُقَّق الوُقوع، والمُضارع قد يَقَع وقد لا يَقَع فـ {عَمَّا تَعْمَلُونَ} يَعنِي: ما عمِلْتم.
فتَأمَّلْ كيف كانت هذه المُحاجَّةُ في ظاهِرها الغَضاضة على المُسلِمين؛ ففي الأوَّل: وإنَّا أو إِيَّاكُم. هذه مَرتَبة، وهي كافِية في إقامة العَدْل والإنصاف، لكن الثَّانية أعظَمُ منها:{قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
ونَظير هذا: ما وقَعَ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع قُرَيْشٍ في صُلْح الحُدَيْبية مِن أن مَن ذهَب من المُسلِمين إليهم لا يَرُدُّونه، ومَن جاء من المُشرِكين مُسلِمًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فإنَّه يَرُدُّه؛ فعِندما تَنظُر إلى هذا الشَّرْطِ تَجِد أنَّه شرطٌ الرابح فيه هُمُ المُشرِكون؛ ولهذا قال عُمرُ رضي الله عنه: لمَ نعطِي الدَّنيَّة في دِيننا؟ ولماذا نَتَنازَل هذا التَّنازُلَ ونحن على الحَقِّ وهُم على الباطِل؟ ! ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أجابه بقوله: "إِنِّي رَسُولُ الله وَلَسْتُ عَاصِيَهُ وَهُوَ نَاصِرِي"، فانظُرْ إلى الثِّقة بالله في هذا المَقامِ الضَّنْكِ الذي لم يَصبِر عليه أَجلَدُ الصّحابة كعُمرَ رضي الله عنه؛ أَجابه صلى الله عليه وسلم بكلام هادِئ، كلام واثِق بالله، جازِم بالنَّصْر:"إِنِّي رَسُولُ الله"، والرسول يَأتَمِر بأَمْر مَن أَرسَله "وَلَسْتُ عَاصِيَهُ"، هذا بالنِّسبة للطاعة؛ ثُمَّ الثِّقَة:"وَهُوَ نَاصِرِي"، يقول مُوسَى لمَّا قال:{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]، فما أعظَمَ ثِقةَ الرُّسُل عليهم الصَّلاة والسلام بنَصْر الله عز وجل، ونَسأَل الله تعالى أن يَهَب لنا من الثِّقة به ما يَزداد به إيمانُنا وتَوكُّلُنا.
وأَقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أَتَى بهذه الشُّروطِ مع أن فيها غَضاضةً على المُسلِمين في ظاهِرها، ولكن كان في هذا الاتِّفاقِ فَتْح عَظيم سمَّاه الله عز وجل فَتحًا فقال:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10]، فسَمَّاه الله سبحانه وتعالى فَتْحًا؛ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أَمَّا مَنْ جَاءَ إِلَيْنَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجًا، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَلَا نُرِيدُهُ لَا رَدَّهُ الله"، وحصَل هذا في قِصَّة أبي بَصير رضي الله عنه؛ حتَّى انتَهى الأَمْر إلى إِلْغاء الشَّرْط من قِبَل المُشرِكين.
والشاهِدُ: أن صاحِب الحَقِّ وإِنْ أتَى بما ظاهِره الغَضاضة فإنَّه واثِق؛ فهنا قال تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
وانظُرْ إلى الثقة قال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} .
قوله رحمه الله: [{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} يوم القِيامة]، وهذا الذي ذكَرَه المُفَسِّر رحمه الله لا شَكَّ أنَّه محُتَمَل في الآية، ويُحتَمَل أن الجمْع أعَمُّ من ذلك، وهو الجمْع في القِتال والجمْع يوم القِيامة يَجمَع بَيْننا ربُّنا في الدُّنيا في القِتال كما قال الله تعالى:{يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} وقال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، فهؤلاء وهؤلاء جَمَع الله تعالى بينهم، فيُمكِن أن يُراد بقَوْله تعالى:{يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} أي: في الدُّنيا في القِتال وفي الآخِرة للفَصْل، ثُمَّ بعد ذلك يَفتَح بَيْننا، يَحكُم بَيْننا بالحَقِّ، فيُدخِل المُحِقِّين الجنَّة والمُبطِلين النَّار.
وقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا} يَعنِي: يَنصُر بعضَنا على بَعْض في الدُّنيا، والمُستَحِقُّ للنَّصْر منهمُ المُسلِمون بلا شَكٍّ؛ قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7]، وقال عز وجل:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، فيَجمَع الله تعالى بينَنا، ثُمَّ يَفتَح بينَنا بالحَقِّ، والحَقُّ يَعنِي: بالعَدْل الذي لا جَورَ فيه.
وإنَّما قُلْنا: إن الحَقَّ هنا هو العَدْل؛ لأنَّه وُصِف به الحُكْم قال تعالى: {يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} ، وقد أَشَرْنا فيما سبَق إلى أن الحَقَّ إن أُضيف إلى الأَخْبار فهو بمَعنَى الصِّدْق، وإن أُضيف إلى الأَحْكام فهو بمَعنَى العَدْل.
وقوله رحمه الله: {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ} الحاكِم {الْعَلِيمُ} بما يَحكُم به] {الْفَتَّاحُ} صِيغة مُبالَغة مِثْل (الرَّزَّاق) صِيغة مُبالَغة، وإنَّما سَمَّى الله تعالى نَفْسه بالفَتَّاح؛ لكَثْره فُتوحاته على خَلْقه وحُكْمه بينهم.