الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمّا أنّه [صلى الله عليه وسلم] سحر
فخرج البخاري من حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: سحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجل من بنى زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم- أو ذات ليلة- وهو عندي، دعا، ودعا، ثم قال: يا عائشة! أشعرت أن اللَّه [عز وجل] أفتانى فيما استفتيته فيه، أتانى رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال:
من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة! واللَّه لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين فقلت يا رسول اللَّه! أفلا استخرجته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني اللَّه، وكرهت أن أثير على الناس شرا، فأمرت بها فدفنت.
قال البخاري: تابعه أبو أسامة، وأبو ضمرة، وابن أبى الزناد، عن هشام. وقال الليث وابن عيينة، عن هشام: في مشط ومشاقة.
يقال: مشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مشّط، والمشاقة: من مشاقة الكتان. ترجم عليه البخاري باب: السحر، وذكره في بدء الخلق، في باب: صفة إبليس وجنوده [ (1) ] . وفي كتاب الدعاء [ (2) ] ، وفي كتاب
[ (1) ](فتح الباري) : 6/ 412، كتاب بدء الخلق، باب (11) صفة إبليس وجنوده، حديث رقم (3268) .
[ (2) ](المرجع السابق) : 11/ 230، كتاب الدعوات، باب (57) تكرير الدعاء، حديث رقم (6391) .
الأدب [ (1) ] ، بزيادة ألفاظ ونقص ألفاظ. وخرّجه مسلم من طرق، وخرّجه
[ (1) ](المرجع السابق) : 10/ 587، كتاب الأدب، باب (56) قول اللَّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقوله: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر، حديث رقم (6063) .
قال القاضي عياض: فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم سحر كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتّابيّ بقراءتي عليه، قال: أخبرنا حاتم بن محمد، أخبرنا أبو الحسن على بن خلف، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا البخاري [بسنده] عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت:«سحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله» . وفي رواية أخرى: «حتى كان يخيل إليه أنه كان يأتى النساء ولا يأتيهن» .
وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور، فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وكيف جاز عليه، وهو معصوم؟
فاعلم- وفقنا اللَّه وإياك- أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وقد طعنت فيه الملحدة، وتذرعت به لسخف عقولها، وتلبيسها على أمثالها في التشكيك في الشرع.
وقد نزه اللَّه تعالى الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبسا، وإنما السحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض، مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته.
وأما ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم، كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه، أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فصّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان. (الشفا) : 2/ 160- 161.
والمشط: معروف، والمشاطة: هي الشعر الّذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه، والجفّ:
وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الّذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، ولذا قيده في الحديث بقوله:«طلعة ذكر» .
قال العلامة ابن القيم: ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار، والآيات، والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشدّ، كانت أبلغ في النّشرة [ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن، سميت نشرة، لأنه ينشّر بها عنه ما ضاره من الداء] .
وذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كل واحد منهما عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئا من اللَّه مغمورا بذكره، وله من التوجهات، والدعوات، والأذكار،
النسائي أيضا [ (1) ] .
وفي جامع معمر بن راشد عن الزهري، قال: سحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، [سنة][ (2) ]، يخيل إليه أنه يفعل الفعل وهو [صلى الله عليه وسلم] لا يفعله. [وقال ابن سعد: السّحر، سينه مثلثة، والفتح أفصح] [ (3) ] صلى الله عليه وسلم .
[وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أبو مروان، عن إسحاق
[ () ] والتعوذات، ورد لا يخلّ به، يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.
وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين، والتوكل، والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدعوات والتعوذات النبويّة، وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، التي يكون ميلها إلى السفليات. قالوا: والمسحور هو الّذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقا كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات.
والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره. واللَّه تعالى أعلم. (زاد المعاد) : 4/ 126- 127.
قوله صلى الله عليه وسلم: «فكرهت أن أثير على الناس شرّا» ،
معناه أنه صلى الله عليه وسلم ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شرّ، فسلك مسلك العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر من أثر الضرر الناشئ عن السحر شرّ وسلك مسلك الإحسان في ترك عقوبة الجاني (فتح الباري) : 10/ 588.
وأخرجه البخاري في (الطب) باب (47) السحر، حديث رقم (5763) وفي باب (49) هل يستخرج السحر، حديث رقم (5765) ، وأخرجه مختصرا في كتاب الجزية والموادعة باب (14) هل يعفى عن الذّمىّ إذا سحر، حديث رقم (3175) .
[ (1) ] وأخرجه ابن أبى شيبة في (المصنف) : 5/ 40، كتاب الطب، حديث رقم (23508) مختصرا، وحديث رقم (23509) كما ذكره المقريزي من رواية البخاري.
[ (2) ] زيادة للسياق.
[ (3) ] ما بين الحاصرتين سقط من النسخة (ج) .
ابن عبد اللَّه، عن عمر بن الحكم قال: لما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الحديبيّة في ذي الحجة ودخل الحرم، جاءت رؤساء يهود الذين بقوا بالمدينة، ممن يظهر الإسلام، وهو منافق، إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان حليفا في بنى زريق، وكان ساحرا، قد علمت ذلك يهود، أنه أعلمهم بالسحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم، أنت أسحر منّا، وقد سحرنا محمدا فسحره منا الرجال والنساء، فلم نصنع شيئا، وأنت ترى أثره فينا، وخلافه ديننا، ومن قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك [على ذلك] جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكوه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، على أن يسحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم] [ (1) ] .
[فعمد إلى مشط، وما يمشط [من الرأس] من الشعر، فعقد فيه عقدا، أو تفل فيه تفلا، وجعله في جب طلعة ذكر، ثم انتهى به حتى جعله تحت أرعوفة البئر، فوجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمرا أنكره، حتى يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، وأنكر بصره حتى دله اللَّه عليه، فدعا جبير بن إياس الزّرقيّ، وقد شهد بدرا، فدله على موضع في بئر ذروان، تحت أرعوفة البئر، فخرج جبير حتى استخرجه ثم أرسل إلى لبيد بن الأعصم،
فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقد دلني اللَّه على سحرك، وأخبرنى ما صنعت، قال: حبّ الدنانير يا أبا القاسم] [ (1) ] .
[قال إسحاق بن عبد اللَّه: فأخبرت عبد الرحمن بن كعب بن مالك بهذا الحديث فقال: إنما سحره بنات أعصم- أخوات لبيد- وكنّ أسحر من لبيد وأخبث، وكان لبيد هو الّذي ذهب به، فأدخله تحت أرعوفة البئر، فلما عقدوا تلك العقد، أنكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تلك الساعة بصره، ودسّ بنات
[ (1) ](طبقات ابن سعد) : 2/ 197- 199، ذكر من قال: إن اليهود سحرت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.
أعصم إحداهن، فدخلت على عائشة رضى اللَّه عنها، فخبرتها عائشة، أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من بصره، ثم خرجت إلى أخواتها، وإلى لبيد، فأخبرتهم، فقالت إحداهن: إن يكن نبيا فسيخبر، وإن يكن غير ذلك، فسوف يدلّهه هذا السحر حتى يذهب عقله، فيكون بما نال من قومنا وأهل ديننا، فدله اللَّه عليه] [ (1) ] .
قال الحارث بن قيس: يا رسول اللَّه! ألا نهوّر البئر؟ فأعرض عنه [رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم] فهوّرها الحارث بن قيس وأصحابه، وكان يستعذب منها. قال:
وحفروا بئرا أخرى، فأعانهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حفرها، حين هوّروا الأخرى التي سحر فيها، حتى أنبطوا ماءها، ثم تهوّرت بعد. ويقال: إن الّذي استخرج السحر بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قيس بن محصن] [ (1) ] .
[ (1) ](طبقات ابن سعد) : 2/ 197- 199، ذكر من قال إن اليهود سحرت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه، وهذه الفقرات سقطت من النسخة (ج) .