الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمّا سفره صلى الله عليه وسلم في تجارة خديجة رضى اللَّه تعالى عنها
فخرج البيهقي من حديث محمد بن فضيل قال: حدثنا الربيع بن بدر، عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه [عنهما] قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص [ (1) ] .
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: وكانت خديجة بنت خويلد [رضى اللَّه عنها] امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعل لهم منه، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وخرج في مالها، ذلك ومعه غلامها ميسرة، حتى قدم الشام.
فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة، قريب من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الّذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له
[ (1) ](دلائل النبوة للبيهقي) : 2/ 66، وقال في هامشه:«الخبر في إسناده الربيع بن بدر ضعفه ابن معين وقال: «ليس بشيء» ، وقال النسائي ويعقوب بن سفيان:«متروك» ، وقال ابن حبان:«بقلب الأسانيد، ويروى عن الثقات المقلوبات» ، وقال الدارقطنيّ والأزدي:«متروك» (تهذيب التهذيب) : 3/ 207- 208، ترجمة رقم (462) .
الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي [ (1) ] ، ثم باع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشترى، ثم أقبل قافلا إلى مكة، ومعه ميسرة، وكان ميسرة- فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه.
وكانت خديجة امرأة حازمة، شريفة لبيبة، مع ما أراد اللَّه [تعالى] بها من كرامته، فلما أخبرها ميسرة عما أخبرها به، بعثت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: فيما يزعمون يا ابن عم؟ إني قدر رغبت فيك لقرابتك منى، وشرفك في قومك، ووسيطتك فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك منها، لو يقدر على ذلك [ (2) ] .
[ (1) ] قول الراهب: «ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي» ، قال السهيليّ: «يريد ما نزل تحتها هذه الساعة قط إلا نبي، لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك
…
والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل، حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء» .
[ (2) ](دلائل النبوة للبيهقي) : 2/ 66- 67، (سيرة ابن هشام) : 2/ 6- 8، ثم قال في هامشه:
«قول خديجة رضى اللَّه عنها: لسطتك- أو وسيطتك- في عشيرتك» ، وقوله في وصفها:«هي أوسط قريش نسبا» فالسطة: من الوسط، مصدر، كالعدة والزنة، والوسط من أوصاف المدح، والتفضيل، ولكن في مقامين: في ذكر النسب، وفي ذكر الشهادة.
أما النسب، فلأن أوسط القبيلة أعرفها، وأولاها بالصميم، وأبعدها عن الأطراف، وأجدر أن لا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط من أجل هذا مدحا في النسب بهذا السبب.
وأما الشهادة، فنحو قوله سبحانه: قالَ أَوْسَطُهُمْ، وقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا
وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: حدثني موسى بن شيبة، عن عميرة بنت عبيد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية- أخت يعلى بن منية- قالت:
لما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة، قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت [إليك] ، وبلغ خديجة ما كان من [محاورة] عمه له، فأرسلت إليه في ذلك، وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك، فقال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه اللَّه إليك، فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدما بصرى من [أرض] الشام [ (1) ] .
فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة [قط][ (2) ] إلا نبيّ، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، قال: لا تفارقه؟ قال نعم، قال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء، ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح [ (3) ] ،
فقال له: احلف باللات والعزى، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما حلفت بهما قط، وإني لأمر [عليهما] فأعرض عنهما،
فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا واللَّه نبي تجده أحبارنا منعوتا في
[ () ] كالميزان، لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى، ولا تميل به رغبة ولا رهبة، من هاهنا، ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل.
وظنّ كثير من الناس أن معنى الأوسط: الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى:
الفضلى، وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم كما يقتضي لفظ التوسط.
[ (1) ](طبقات ابن سعد) : 1/ 129، ذكر خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الشام في المرة الثانية.
[ (2) ] زيادة للسياق من (الطبقات) .
[ (3) ] التلاحي: الشقاق والمنازعة.
كتبهم، وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة، واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الشمس، فوعى ذلك كله ميسر [ (1) ] .
وباعوا تجارتهم، وربحوا ضعف ما كانوا يربحون [حتى][ (2) ] دخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة [رضى اللَّه عنها] في علية لها، فرأت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها، فتعجبن لذلك، ودخل عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بما ربحوا في وجههم فسرّت بذلك، فلما دخل عليها فميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال الراهب نسطور، وبما قال الآخر الّذي خالفه [في البيع][ (2) ] .
[ (1) ](طبقات ابن سعد) : 1/ 130.
[ (2) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .