الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في الأماكن التي حلها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهي الرحلة النبويّة
اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سافرت به أمه إلى المدينة وهو غلام، وسافر إلى الشام مرة مع عمه أبى طالب، وله من العمر نحو اثنتي عشرة سنة، ومرة في تجارة لخديجة بنت خويلد، فبلغ أرض بصرى، وأسرى به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فاجتمع بالأنبياء عليهم السلام، وصلّى بهم فيه، ثم رقا إلى السماء، [و] قد روى أنه نزل في ليلة الإسراء بطيبة، وطور سيناء [و] بيت لحم، وبقبر إبراهيم الخليل، وأنه ذهب إلى يأجوج ومأجوج، وإلى مدينة جابلقا بالمشرق، وإلى مدينة جابرسا بالمغرب، وخرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وحضر مجنة، وعكاظ، [وذا المجاز] ، ثم هاجر إلى طيبة، واتخذها وطنا، وغزا منها سبعا وعشرين غزاة، وخرج إلى العمرة مرتين، صدّ عن البيت في الأولى، وطاف في الثانية بالبيت، وسعى [بين] الصفا والمروة، وقدم مكة مرتين بعد هجرته، سوى القدمة التي اعتمر فيها، ففتح مكة في إحدى قدمتيه، وسار منها إلى الطائف، وحج في الثانية صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
وأمّا سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه
فخرّج أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، من حديث قراد أبى نوح، واسمه عبد الرحمن بن غزوان قال: أخبرنا يونس بن أبى إسحاق، عن أبى بكر بن أبى موسى، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا
رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه اللَّه رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق حجر، ولا شجر، إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبىّ، وإني لأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به، وكان هو في رعيه الإبل، قال:
أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا إلى القوم، وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم [أن لا] يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه، عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة [من الروم قد أقبلوا] ، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟.
قالوا: جئنا [أن] هذا النبي، خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد [أخبرنا خبره] وبعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ فقالوا: إنما أخبرنا خبره لطريقك هذا، قال:
أفرأيتم أمرا أراد اللَّه أن يقضيه، هل يستطيع أحد [من الناس] رده؟ قالوا:
لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه، قال: أنشدكم اللَّه، أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر رضى اللَّه عنه بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال أبو عيسى: هذا حديث [حسن غريب] لا نعرفه إلا من هذا الوجه [ (1) ] .
[ (1) ](سنن الترمذي) : 5/ 550- 551، كتاب المناقب، باب (3) ما جاء في بدء نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (3620) .
وأخرجه أبو عبد اللَّه الحاكم في (المستدرك) : 2/ 672- 673، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، حديث رقم (4229) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
[قال مؤلفه] عفى اللَّه عنه: في هذا الحديث وهم، وهو أن أبا بكر رضى اللَّه عنه لم يكن حاضرا، ولا كان في حال من يملك، ولا ملك بلالا إلا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما، فإنه ما اشتراه إلا بعد المبعث، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه كان وله من العمر اثنى عشر سنة ونيف.
وقال البيهقي [رحمة اللَّه عليه] : قال أبو العباس محمد بن يعقوب، سمعت العباس بن محمد يقول: ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد [ (1) ]، وسمع هذا أحمد ويحيى بن معين من قراد. قال البيهقي [ (2) ] : وإنما أراد بإسناده هذا موصولا، فأما القصة، فهي عند أهل المغازي مشهورة [ (3) ] .
[ () ] يخرجاه، وقال الحافظ الذهبي في (التخليص) : أظنه موضوعا فبعضه باطل.
وأخرجه الحافظ البيهقي في (دلائل النبوة) : 2/ 24- 26، باب ما جاء في خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبى طالب حين أراد الخروج إلى الشام تاجرا، ورؤية بحيرى الراهب من صفته وآياته، ما استدل به على أنه هو النبي الموعود في كتبهم صلى الله عليه وسلم.
[ (1) ] هو عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي، أبو نوح المعروف بقراد، روى عنه: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، وأخرج له البخاري، والأربعة سوى ابن ماجة.
ووثقه: على بن المديني، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة، وابن سعد، وابن حبان، وقال:«كان يخطئ» ، وروى له الدارقطنيّ في (غرائب مالك)، وقال:«أخطأ فيه قراد» ، وقال الخليلي:«قراد قديم، روى عنه الأئمة، ينفرد بحديث عن الليث لا يتابع عليه» ، وقال الدار قطنى:«ثقة، وله أفراد» ، ترجمته في (تهذيب التهذيب) : 6/ 223- 225، ترجمة رقم (498) .
[ (2) ](دلائل البيهقي) : 2/ 26.
[ (3) ] ذكرها الحافظ أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 170- 172، باب ذكر خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الشام في المرة الأولى، وما اشتمل عليه ذلك من الدلائل المتقدمة لنبوته صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عشر سنين، حديث رقم (109) .
وذكرها ابن هشام في (السيرة) : 1/ 319- 322، قصة بحيرى.
وذكرها ابن سيد الناس في (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) : 1/ 40- 44 ذكر سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبى طالب إلى الشام، وخبره مع بحيرى الراهب، وذكر نبذة من حفظ اللَّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، ثم قال في آخره: قلت: ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في
وقال شيخنا العماد بن كثير: وهو إسناد صحيح، ولكن في متنه غرابة، وفيه ذكر الغمامة، ولم أر لها ذكرا في حديث ثابت أعلمه سواه [ (1) ] .
[وفي هذا الحديث أمور ينبغي النظر فيها:][ (2) ] .
[الأول: على أي شيء تابعوه أو بايعوه؟ وهل البيعة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ أو
[ () ] الصحيح» ، وعبد الرحمن بن غزوان لقبه قراد، انفرد به البخاري، ويونس بن أبى إسحاق انفرد به مسلم، ومع ذلك ففي متنه نكارة، وهي إرسال أبى بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا، وكيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسن من أبى بكر بأزيد من عامين، وكانت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم تسعة أعوام، على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره، أو اثنا عشر على ما قاله آخرون.
وأيضا فإن بلالا لم ينتقل لأبى بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاما، فإنه كان لبني خلف الجمحيين، وعند ما عذب في اللَّه على الإسلام اشتراه أبو بكر رضى اللَّه عنه رحمة له، واستنقاذا له من أيديهم، وخبره بذلك مشهور.
وقوله «فبايعوه» : إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي صلى الله عليه وسلم فقريب، وإن كان غير ذلك، فلا أدرى ما هو؟ (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) : 1/ 43- 44.
[ (1) ] قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) : قلت: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة، فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة، ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة وعلى تقدير ذلك فهو مرسل.
فإن هذه القصة كانت ولرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة. ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضى اللَّه عنهم، أو كان هذا مشهورا مذكورا، أخذه من طريق الاستفاضة.
الثاني: أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا.
الثالث: أن قوله: «وبعث معه أبو بكر بلالا» ، إن كان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ثنتى عشرة سنة، فقد كان عمر أبى بكر إذا ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب، اللَّهمّ إلا أن يقال: إن هذا كان ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كبيرا، إما بأن يكون سفره بعد هذا، أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتى عشرة سنة غير محفوظ، فإنما ذكره مقيدا بهذا الواقدي.
وحكى السهيليّ عن بعضهم: أنه كان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك تسع سنين، واللَّه تعالى أعلم. (البداية والنهاية) : 2/ 348.
[ (2) ] ما بين الحاصرتين في كل الفقرات زيادة للسياق من النسخة (ج) .
للراهب؟ فإن كانت للراهب فلا فائدة إذا، لأنه قد ناشدهم فتركوه عند المناشدة، وإن كانت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر، لأن سياق اللفظ إنما هو راجع إليه صلى الله عليه وسلم، كان إذا ذاك في حيّز من لا يبايع، لأنه كان ابن تسع سنين] [ (1) ] .
[الثاني: أبو بكر رضى اللَّه عنه لم يكن معهم في هذه السفرة، ولا كان في سنّ من يملك ولا ملك بلالا، إلا بعد هذا بنحو ثلاثين سنة، ولعل بعضهم وهم في هذا، ويشتبه أن يكون الحمل فيه على عبد الرحمن بن غزوان، الملقب بقراد، وإن كان البخاري قد خرّج حديثه، فإنه موصوف بالخطإ، والتفرد، وقلة العلم، وقد تفرد بهذا الحديث. قال العباس بن محمد الدوري، فيما ذكره ابن عساكر: ليس في الدنيا مخلوق يحدث بهذا غير قراد، أي نوح عن يونس بن أبى إسحاق، عن أبى بكر بن أبى موسى، عن أبيه][ (1) ] .
[وقال أبو الخطاب عمر بن دحية: يمكن أن يكون أبو بكر استأجر بلالا حينئذ، أو يكون أمية بن خلف بعثه معه، وذلك فيه أمران:][ (1) ] .
[أحدهما: أن أبا بكر رضى اللَّه عنه لم يكن معهم في هذه السفرة، ولا كان في سن من يملك، فإنه كان أصغر من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنحو ثلاث سنين، وإذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذه السفرة ابن تسع سنين، فيكون حينئذ أبو بكر له من العمر نحو ست سنين][ (1) ] .
[الثاني: أنّ بلالا رضى اللَّه عنه، توفى سنة عشرين، وقيل إحدى وعشرين، وسنه تسع وستون سنة، فيكون سنه في هذه السفرة نحو سنتين][ (1) ] .
[وشيء آخر: وهو أن أبا بكر رضى اللَّه عنه صحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو
[ (1) ] ما بين الحاصرتين في كل الفقرات زيادة للسياق من النسخة (ج) .
ابن ثمان عشرة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، فكيف يكون معه في هذه السفرة وهو لم يصحبه إلا بعدها بنحو إحدى عشرة سنة؟] [ (1) ] .
وقال يونس بن بكير [رحمه الله] : قال محمد بن إسحاق: وكان أبو طالب هو الّذي يلي أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد جده وكان معه، ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل، وأجمع السير، صب له [ (2) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخذ بزمام ناقته، وقال: يا عم! إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم لي، فرق له أبو طالب وقال: واللَّه لأخرجن به معى ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا..
أو كما قال.
فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام [ (3) ]، وبها راهب يقال له: بحيرا، في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب بصير، وكان علمهم عن كتاب فيه فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر.
فلما نزلوا ببحيرا ذلك العام، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا به قريبا من صومعته، فصنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة، حتى أظلت
[ (1) ] ما بين الحاصرتين في كل الفقرات زيادة للسياق من (ج) .
[ (2) ] الصبابة: الشوق، وقيل: رقته، وحرارته، وقيل: رقة الهوى. صببت إليه صبابة، فأنا صب أي عاشق مشتاق، والأنثى صبة. قال ابن الأعرابي: صب الرجل إذا عشق، يصب صبابة، ورجل صب، ورجلان صبان، ورجال صبون، وامرأتان صبتان، ونساء صبات. مختصرا من (لسان العرب) : 1/ 518.
[ (3) ] بصرى، بضم أوله، وإسكان ثانيه، وفتح الراء المهملة: مدينة جوران، مشهورة عند العرب قديما وحديثا، وهي التي وصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم للتجارة. (معجم البلدان) : 1/ 522 موضع رقم (1949)، (معجم ما استعجم) : 1/ 253، (مراصد الاطلاع) : 1/ 201.
الشجرة، وشمرت أغصان الشجرة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى استظل تحتها.
فلما رأى ذلك بحيرا، نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا! إن لك اليوم لشأنا، ما كنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم.
فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم، لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش، لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بحيرا. ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام، وهو أحد القوم سنا، تخلف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش مع القوم: [واللات والعزى][ (1) ] إن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا [قال:] ثم قام إليه فاحتضنه، ثم أقبل حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا، جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا،
قام بحيرا [فقال][ (1) ] له: يا غلام! أسألك باللات والعزى ألا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال بحيرا ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: لا تسألنى
[ (1) ] زيادة للسياق من كتب السيرة.
باللات والعزى شيئا، فو اللَّه ما أبغض بعضهما شيئا قط.
فقال له بحيرا: فباللَّه إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، [فقال] [ (1) ] :
سلني عما بدا لك،
فجعل يسأله عن أشياء، من حاله في نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، على موضعه من صفته التي عنده.
[قال][ (1) ] : فلما فرغ منه أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخى، قال: فما فعل أبوه؟ قال:
مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، قال: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود فو اللَّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن، فأسرع به إلى بلاده.
فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا فيما يتحدث الناس، أن زريرا [ (2) ] ، وتماما [ (3) ] ، ودريسا- وهم نفر من أهل الكتاب- قد كانوا رأوا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر الّذي كان فيه مع عمه أبى طالب أشياء، فأرادوه، فردهم عنه بحيرا، وذكرهم اللَّه، وما يجدون في الكتاب من ذكر وصفته، وأنهم إن أجمعوا بما أرادوا، لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قاله لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا [عنه][ (4) ] ، فقال أبو طالب في ذلك شعرا، يذكر مسيره برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم،
[ (1) ] زيادة للسياق من كتب السيرة.
[ (2) ] في (الأصلين) : «زبيرا» ، وصوبناه من كتب السيرة.
[ (3) ] في (دلائل البيهقي) : «ثمام» .
[ (4) ] زيادة للسياق من (سيرة ابن هشام) .
وما أراد منه أولئك النفر، وما قال لهم فيه بحيرا [ (1) ] .
وقال الواقدي [رحمه اللَّه تعالى] : حدثنا محمد بن أبى حبيبة، عن داود ابن الحصين، قالوا لما خرج أبو طالب إلى الشام، خرج معه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى، وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة، يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا ببحيرا، وكانوا كثيرا ما يمرون به لا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا [منزلا] قريبا من صومعته [قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا به] ، فصنع لهم طعاما،
[ (1) ] قال أبو طالب:
إن ابن آمنة الأمين محمدا
…
عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق بالزمام رحمته
…
والعيس قد قلصن بالأزواد
فارفضّ من عيني دمع ذارف
…
مثل الجمان مفرق الأفراد
راعيت منه قرابة موصولة
…
وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومة
…
بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طية معلومة
…
فلقد تباعد طية المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا
…
لاقوا على شرك من المرصاد
حبرا فأخبرهم حديثا صادقا
…
عنه ورد معاشر الحساد
قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى
…
ظل الغمامة ثاغرى الأكباد
ساروا لفتك محمد فنهاهمو
…
عنه وأجهد أحسن الإجهاد
فثنى [زبيرا] بحير فانثنى
…
في القوم بعد تجادل وتعاد
ونهى دريسا فانتهى لما نهى
…
عن قول حبر ناطق بسداد
(دلائل النبوة للبيهقي) : 2/ 29، باب ما جاء في خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبى طالب حين أراد الخروج إلى الشام تاجرا، ورؤية بحيرى الراهب من صفته وآياته ما استدل به على أنه هو النبي الموعود في كتبهم صلى الله عليه وسلم، ثم قال الحافظ البيهقي: وذكر ابن إسحاق ثلاث قصائد من شعره في ذلك.
ثم دعاهم، وإنما حمله على دعائمهم، أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من بين القوم، حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة، فأخضلت أغصان الشجرة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين استظل تحتها.
فلما رأى بحيرا، نزل من صومعته، وأمر بذلك الطعام، فأتى به وقال:
إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروه كلكم، ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا، حرا ولا عبدا، فإن هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: إني أحببت أن أكرمكم، ولكم حق، فاجتمعوا إليه.
وتخلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا إلى القوم، ولم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده، جعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلفة على رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: يا معشر قريش! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم، فقال: ادعوه ليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد، مع أنى أراه من أنفسكم، فقال القوم: هو واللَّه أوسطنا نسبا، وهو ابن أخى هذا الرجل- يعنون أبا طالب- وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن المطلب: واللَّه إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامة تسير على رأسه.
وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء في جسده، قد كان [يجدها] عنده في صفته، فلما تفرقوا عن طعامهم،
قام إليه الراهب فقال:
يا غلام! أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتنى عما أسألك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا تسألنى باللات والعزى، فو اللَّه ما أبغضت شيئا بعضهما، قال:
فباللَّه إلا أخبرتنى عما أسألك، قال: سلني عما بدا لك،
فجعل يسأله عن أشياء من حاله، حتى نومه، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر في عينيه، ثم كشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقبل موضع الخاتم.
وقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا، وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبى طالب: ما هذا الغلام منك؟
قال أبو طالب: ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فابن أخى، قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حبلى به، قال: فما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبا، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فو اللَّه إن رأوه، وعرفوا منه ما أعرف ليبغنه سوءا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتابنا، وما درينا عن آبائنا، وأعلم أنى قد أديت إليك النصيحة.
فلما فرغوا من تجارتهم، خرج به سريعا، وكان رجال من اليهود قد رأوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بحيرا، فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهى وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب، فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه قال البلاذري [رحمة اللَّه عليه] فلما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، عرض لأبى طالب شخوص إلى الشام في تجارة، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يألفه، فسأله إخراجه معه، فأبى ذلك ضنا عليه،
وصيانة له، فاغتم وبكى، فأخرجه، فرآه راهب من علماء الرهبان يقال له:
بحيرا، وكانت قد أظلته غمامة، قال: ابن أخى، قال أما ترى هذه الغمامة كيف تظله وتنتقل معه، واللَّه إنه لنبي كريم، وإني لأحسبه الّذي بشر به عيسى عليه السلام، فإن زمانه قد قرب، وينبغي لك أن تحتفظ به، فرده أبو طالب إلى مكة. وذكر بعض الرواة أن أبا طالب أشخص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الشام وهو ابن تسع، والأول أثبت.