الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للَّه عز وجل ليلة الإسراء
اعلم أن الإله سبحانه وتعالى متكلم، دلّ على ذلك الكتاب و [السنة] ، وإجماع الأمة، فالمنكر كافر، وكلامه معلوم لكل عاقل ذي قلب سليم، والكيف مجهول، لا يعلمه إلا من سمعه منه، وغيرهم لا برهان لهم به، إن يتبعون إلا الظن.
وقالت الأشاعرة [ (1) ] : كلامه معنى واحد، قائم بذاته، مغاير لعلمه وإرادته، وهو طلب فعل، أو طلب ترك، أو الحكم بنفي، أو إثبات.
وقالت المعتزلة [ (1) ] : إذا أراد اللَّه شيئا، أو كرهه، أو حكم به، خلق الأصوات المخصوصة، في جسم من الأجسام، التي لا يصح أن تتصف بالكلام، لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى مريدا لذاك الشيء، أو كارها له، أو حاكما به، بنفي أو إثبات، وكلامه على هذا، هو خلقه لتلك الأصوات، إلا أن الخلق عندهم نفس المخلوق، فيكون كلامه إذن: هو تلك الأصوات، فلهذا قالوا بأن كلام [اللَّه تعالى] مخلوق، لأن تلك الأصوات مخلوقة، ونفوا أن يقوم بذاته طلب أو حكم.
وقالت الكرامية [ (1) ] ومن تبعهم: كلامه لفظ قائم بذاته، وهذا معنى كلام الإمام أحمد رحمه الله، قال الإمام أحمد في رواية يعقوب والمروزي:
تكلم اللَّه بصوت، وذكر الحديث:
إذا تكلم اللَّه بالوحي، سمع صوته أهل السماء،
فالأشاعرة والمعتزلة، متفقون على أن اللفظ لا يقوم بذاته تعالى،
[ (1) ] من الفرق الإسلامية.
وأنه مخلوق، واختلفوا في قيام المعنى به، فنفاه المعتزلة كدأبهم في نفى الصفات، وأثبته الأشاعرة.
واتفق الأشاعرة والكرامية، على أن الكلام يجب أن يقوم بذاته عز وجل، واختلفوا في ذلك الكلام، فقال الأشاعرة: هو المعنى، وقال الكرامية: هو اللفظ، واتفق الكرامية والمعتزلة على أن كلامه سبحانه يجب أن يكون أصواتا وحروفا، واختلفوا بعد ذلك، فقال الكرامية: هو قائم به، وقالت المعتزلة: هو مخلوق في غيره، ولكل فريق من هذه الفرق الثلاثة احتجاجات، ورد ذكرها في غير هذا الكتاب، فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن السلف والخلف في أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، هل كلم ربه سبحانه وتعالى ليلة الإسراء بغير واسطة؟ أم لا؟
فحكى عن الشيخ أبى حسن الأشعري- رحمه الله وقوم من المتكلمين، أنه كلّمه، وعزا بعضهم هذا إلى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وإلى عبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه [عنهم] ، ذكره القاضي عياض.
وأشهر قولي أهل الحديث أنه كلمه ربه تعالى، فسمع خطابه، واستدلوا على ذلك بقوله [في] حديث الإسراء،
فنوديت: أن قد أتممت فريضتي وخففت عن عبادي، يا محمد، إنه لا يبدّل القول لدى، هي خمس، وهي خمسون،
قالوا: فمثل هذا لا يقوله إلا رب العالمين، كما في قوله لموسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ (1) ] .
قال علماء السلف وأئمتهم: هذا من أدلّ الدلائل على أن كلام اللَّه غير مخلوق، لأن هذا لا يقوم بذات مخلوقة، وقال جماعة منهم: من زعم أن قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، مخلوق، فهو كافر، لأنه
[ (1) ] طه: 14.
بزعمه يكون ذلك المحل المخلوق، قد دعا موسى عليه السلام إلى عبادته، واستدلوا أيضا بقوله في الحديث الّذي
خرّجه أبو بكر البزار، من طريق على رضى اللَّه عنه، وقد تقدم ذكره في ذكر من كان يؤذن لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفيه:[إذا] خرج ملك من الحجاب، وأنه أذن، فكان يجاب من وراء الحجاب بقوله: صدق عبدي، أنا أكبر، وبقوله: صدقت، أنا لا إله إلا أنا، وبقوله: أنا أرسلت محمدا،
وظاهره يقتضي أنه عليه السلام، سمع كلام اللَّه تعالى، ولكن من وراء حجاب، كما قال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أي وهو لا يراه، حجب بصره عن رؤيته.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: اتفق أهل [الحق] على أن اللَّه تعالى خلق في موسى عليه السلام معنى من المعاني، أدرك به كلامه، و [به] كان اختصاصه في سماعه، وأنه قادر على مثله، في جميع خلقه، واختلفوا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم [هل سمع في] ليلة المعراج كلام اللَّه تعالى؟ وهل سمع جبريل [كلامه] ؟ على قولين.