الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً بِلَا تَوْكِيلٍ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَالتَّكْبِيرِ
[1966]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.
[خ: 5565]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِمِثْلِهِ، قَالَ: قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
قوله: ((بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ)): الكبش: هو الذكر من الضأن، والأملح: هو الذي فيه بياض خالص، وقيل: الذي فيه بياض وسواد، وقيل: الذي فيه بياض وحمرة، وقيل: الذي بياضه ليس بصافٍ.
والأقرن: الذي له قرن.
قوله: ((عَلَى صِفَاحِهِمَا))، أي: صفحة العنق: وهي جانبه، وإنما فعل هذا ليكون أثبتَ له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.
وفي هذه الأحاديث: مشروعية التضحية بالذَّكَر من الضأن.
وفيها: استحباب التضحية بالأملح والأقرن؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وفيها: استحباب التسمية عند الذبح والتكبير، ووضع الرجل على صفحة العنق، وكل هذا من السنة.
وفيها: استحباب تولي الإنسان ذبح أضحيته بيده إن كان يستطيع، وإلا وكَّل مسلمًا، قال العلماء: وينبغي أن يشهدها.
[1967]
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا:((يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ))، ثُمَّ قَالَ:((اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ))، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ:((بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ)).
قوله: ((يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ))، يعني: أن فيه سوادًا في عينيه، وفي ركبتيه.
وفي هذا الحديث: مشروعية شحذ المدية، وهي: السكين، والشحذ: السَّن حتى تكون حادة؛ لأن هذا أسرع في إزهاق روح البهيمة، وهو من الإحسان في الذبح؛ لما جاء في الحديث:((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))
(1)
، والشفرة هي: السكين، ويحدها: أي: يسنها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ((هَلُمِّي المُدْيَةَ، اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ)).
(1)
أخرجه مسلم (1955).
ويستحب في الأضحية أن تكون سمينة ومليحة، وإلا فأي شاة يذبحها تجزئ، إذا استوفت الشروط، وكل ما كان أطيبَ لحمًا وأنفعَ للفقراء فهو أفضل.
ويسن أن يقول المضحي: اللهم تقبل مني، وفي لفظ آخر:((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ يَوْمَ النَّحْرِ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ: ((هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)): وَذَبَحَ الآخَرَ، وَقَالَ:((هَذَا عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ عَنْ أُمَّتِي))
(1)
، وهذه حجة من يقول: إن الأضحية ليست واجبة؛ وفي الحديث الثاني: ((اللهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ))
(2)
، يعني: الأموات والأحياء جميعًا.
وفيه: مشروعية الدعاء عند نحر الأضحية، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم:((اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ)).
وفيه: مشروعية الأضحية عَنِ الأموات
(3)
، خلافًا لمن قال: لا تشرع
(4)
، فهذا ليس بصحيح.
والصواب: أنها مشروعة عَنِ الحي والميت، لكن لا يُخَصُّ الميت بأضحية، إلا إذا وصَّى، ويكتفي المضحي بأضحيةٍ عن نفسه، وعن الأحياء والأموات، وإذا خصَّ الميتَ فلا حرج، لكن بعض الناس غَلَوا في هذا، فصاروا يُضحُّون عَنِ الأموات، ولا يضحون عَنِ الأحياء، فعكسوا القضية، وهذا غلط.
(1)
أخرجه البزار (1209) كشف الأستار.
(2)
أخرجه البيهقي في الشعب (1376).
(3)
بدائع الصنائع (5/ 72)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (5/ 214)، الشرح الكبير، للدردير (2/ 122)، نهاية المحتاج، للرملي (8/ 136)، المغني، لابن قدامة (11/ 107).
(4)
أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (3/ 60)، المجموع، للنووي (8/ 380)، المغني، لابن قدامة (8/ 581).
وتوسط الشيخ ابن عثيمين رحمه الله لما سُئِل: هل الأضحية مشروعة عَنِ الأموات، أو عَنِ الأحياء؟
فقال: ((مشروعة عَنِ الأحياء؛ إذ لم يرد عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عَنِ الصحابة- فيما أعلم- أنهم ضحوا عَنِ الأموات استقلالًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات له أولاد- من بنين، أو بنات- في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يُضحِّ عن واحد منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة، ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أولاده رضي الله عنهم، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته قولًا، أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.
وأما إدخال الميت تبعًا فهذا قد يستدل له بأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى عنه وعن أهل بيته
(1)
، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي مِتْنَ واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحَّى عن أمته، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن الأضحية عليهم استقلالًا لا أعلم لذلك أصلًا في السنة.
ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عنهم استقلالًا بدعة يُنهَى عنها، ولكن القول بالبدعة قول صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عَنِ الميت، وإن كانت الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها، أو الانتفاع به؛ لقول الله تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} ، ولكن أهم شيء فيها هو التقرب إلى الله بالذبح))
(2)
.
(1)
أخرجه البزار (1209) كشف الأستار.
(2)
الشرح الممتع، لابن عثيمين (7/ 423).