الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ تَأْمِيرِ الْإِمَامِ الْأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ بِآدَابِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهَا
.
[1731]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: ((اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ- أَوْ: خِلَالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ؛ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ
الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى
حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، أَمْ لَا؟ )).
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ- فِي آخِرِ حَدِيثِهِ- عَنْ يحيى ابْنِ آدَمَ قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ يحيى: يَعْنِي: أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِابْنِ حَيَّانَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ عن النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا، أَوْ سَرِيَّةً دَعَاهُ فَأَوْصَاهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ عن الحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا.
قوله: ((تُخْفِرُوا)) من أخفر يُخفِر الذمة إذا لم يوف بها ولم تتم.
وهذا الحديث العظيم فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أوصاه بتقوى الله في خاصته ومن معه.
وفيه: وصية الإمام بأمرائه بتقوى الله عز وجل، وأن يغزوا بسم الله، ويقاتلوا من كفر بالله، فسبب القتال الكفر.
وفيه: النهي عن الغدر حتى مع الكفار؛ ولهذا قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} ، فإذا أراد المقاتلةَ يخبر العدو بنبذ العهد حتى يكون هو وإياه مستويين.
وفيه: تحريم الغلول من الغنيمة، وإخفاء شيء منها قبل قسمتها.
وفيه: النهي عن قتل الولدان والنساء، والشيوخ الكبار الذين لا يشاركون في القتال ولا رأي لهم، والرهبان في الصوامع الذين يتعبدون، إنما يُقاتَلُ الرجالُ الذين يُقاتِلون.
ولكن كما سيأتي أن الكفار إذا بُيِّتُوا ولم يتميز النساء والصبيان فإنهم يُقتلون
معهم، وكذلك الشيوخ الكبار إذا كان لهم رأي في القتال، فإنهم يقتلون، كوريد بن الصمة كان له راى يوم حنين
(1)
، فقد كان شيخًا كبيرًا قد طعن في السن يُحمل على البعير، لكن كان يسيِّر الجيوش برأيه فهذا يُقتَل؛ لأن رأيه يؤثر.
وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالدعوة إلى ثلاث خصال: الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وقد أخذ منه الإمام مالك رحمه الله وجماعة: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: ((وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) فهذا عامٌّ، سواء من أهل الكتاب، أو من غيرهم، والجمهور على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب خاصة، وأما بقية المشركين فلا تؤخذ منهم؛ عملًا بقول الله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، ويلحق بهم: المجوس، ويكون هذا الحديث إما أن يراد به أهل الكتاب، أو أنه عام مخصوص.
وفيه: أنهم إذا دخلوا في الإسلام يُؤمرون بالهجرة إلى دار المهاجرين، فإذا فعلوا ذلك صار لهم من مال المسلمين من الغنيمة والفيء، وإن أبوا وبقوا في مكانهم صاروا كأعراب المسلمين يُعطَون من الزكاة إذا كانوا محتاجين، ولا يعطون من الغنيمة والفيء شيئًا.
وفيه: أن الأمير يعطيهم ذمته وذمة أصحابه، وهذا أسهل من كونه يعطيهم ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم إذا نقضوا ذمته وذمة أصحابه فهو أسهل من نقضهم ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك- أيضًا- إذا حاصروا حصنًا، وقال أهله: ننزل على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يعطيهم ذلك، وإنما يُنزلهم على حكمه وحكم أصحابه؛ لأنه لا يدري أيصيب حكم الله، أم لا؟
(1)
سيره ابن هشام ج 2/ 438.