الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّا السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، وَسَائِرَ الْعِظَامِ
[1968]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يحيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، قَالَ صلى الله عليه وسلم:((أَعْجِلْ- أَوْ: أَرْنِي- مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)) قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:((إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)).
[خ: 2488، 5509]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا، فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا، فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ يحيى بْنِ سَعِيدٍ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ: فَنَدَّ عَلَيْنَا بَعِيرٌ مِنْهَا، فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ.
وَحَدَّثَنِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِيهِ: وَلَيْسَتْ
مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَعَجِلَ الْقَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ، وَذَكَرَ سَائِرَ الْقِصَّةِ.
قوله: ((أَعْجِلْ- أَوْ أَرْنِي)): أرْني: هذه اللفظة اختُلف فيها، فقيل:(أرنِ) بدون ياء، وروي:(أرني) بالياء، وروي (أَرِنْ)
(1)
بكسر الراء وسكون النون، وهي بمعنى: اعجل، أي: أسرع بالذبيحة قبل أن تموت.
وقوله: ((بِذِي الحُلَيْفَةِ)): هو مكان من تهامة بين حادة وذات عرق، وليس بذي الحليفة التي هي ميقات أهل المدينة.
وقوله: ((أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ)): فيه: دليل على أن العظام لا يجوز الذبح بها، وكذلك الظفر.
وقوله: ((وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ))، يعني: سكين هؤلاء الكفرة، فلا يجزئ الذبح بالظفر والعظم، وسواء كان طاهرًا، أو نجسًا، من حيوان، أو غيره، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يجوز الذبح بالعظم والسن، وهو رواية عَنِ الإمام مالك
(2)
، وهذا قول ضعيف لا وجه له
(3)
.
والصواب: أنه لا يجوز الذبح بالسن والعظم مطلقًا.
واختلف العلماء في الواجب قطعه في الذبيحة.
(1)
أخرجه البخاري (5509).
(2)
التاج والإكليل، للمواق (4/ 332)، مواهب الجليل، للحطاب (3/ 242).
(3)
المجموع، للنووي (9/ 94)، بداية المجتهد، لابن رشد (1/ 462)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (5/ 187)، الشرح الكبير، للدردير (2/ 178)، الروض المربع، للبهوتي (ص 690).
فقال بعض العلماء: الواجب قطعه أربعة أشياء: الحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان: وهما العرقان المحيطان بالحلقوم.
وقال آخرون: يكفي قطع الحلقوم والمريء، ولو لم يقطع الودجين، وهذا مرجوح؛ لأنه إذا لم يقطع المريء فكيف يخرج الدم؟ ! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ)).
وقال بعضهم: يكفي قطع الودجين؛ لأنهما موضع إنهار الدم، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء.
وقال بعضهم: لا بد من قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين.
والصواب: أنه لا بد من قطع هذه الأربعة كلها.
وقوله: ((كُفِئَتْ))، أي: قُلبت، وأُريق ما فيها.
وقوله: ((فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ؟ )): اللِّيط: قشور القصب، وهي محددة كالسكين، فلا بأس أن يذبح به، فيمره على الحلق، حتى ينهرَ الدم، ومن ذلك:((أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا))
(1)
، أما إذا ضربه بثقله وقتله به فهذا وقِيذٌ.
وقوله: ((وَهَصْنَاهُ)): بالهاء والصاد المهملة، يعنى: رميناه رميًا شديدًا حتى سقط في الأرض، وفي رواية:((رَهَصْنَاهُ))
(2)
، أي: حبسناه.
في هذه الأحاديث: بيان أن الذبيحة إنما تحل بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المذكي من أهل التذكية، وهو المسلم، أو الكتابي؛ لقول الله تعالى:{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} ، وطعامهم هو ذبائحهم، فالكتابي مستثنى من سائر الكفرة، أما الوثني
(1)
أخرجه البخاري (5501).
(2)
شرح مسلم، للنووي (13/ 128).
والشيوعي والمجوسي والمرتد، والزنديق، والمنافق، ومن كان من النصيرية والدروز، والباطنية، والرافضة، وغيرهم من الكفرة ممن ينتسبون إلى الإسلام- فلا، وكذلك تارك الصلاة.
الثاني: أن يسمي اللهَ عند الذبح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ)).
الثالث: إنهار الدم بآلة حادة، سواء كانت من حديد، أو نحاس، أو حجر، أو خزف، أو زجاج، أو قصب، أو غيرها، إلا السن، والظفر؛ فإنه مستثنى، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم العلة في عدم إجزاء الذبح بالسن والظفر، فقال:((أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)).
قوله: ((فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ))، أي: شرد وهرب نافرًا.
قوله: ((إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ)) قال النووي رحمه الله: ((والأوابد: النفور والتوحش، وهو جمع آبدة بالمد وكسر الباء المخففة، ويقال منه: أبدتَ بفتح الباء تأبُد بضمها وبكسرها وتأبَدَّت، ومعناه: نفرت من الإنس وتوحشت))
(1)
.
وفيها: دليل على أن البهيمة من الأنعام إذا توحَّشت وشردت، ولم يقدر صاحبها على إمساكها صار حكمها حكم الصيد المتوحِّش، مثاله: إذا توحش بعير مثلًا، وشرد، وطُلب، ولم يُستَطَع إمساكُه- صار حكمه حكم الصيد، فَيُرمَى في أي موضع كان من جسده، فإذا أصابه حلَّ له أكله، وكذلك لو تمردت الدجاجة وطارت ولم يُقدر عليها صار حكمها حكم الطير، وكذلك الثور من البقر، والتيس من الغنم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما نَدَّ بعير، فرماه بعض الصحابة بسهم، فحبسه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)).
(1)
شرح مسلم، للنووي (13/ 125).
وألحق العلماء بذلك: البعير إذا تردَّى في بئر، ولم يُستَطَع نحرُه، فإنه يُرمَى في أي موضع من جسده، ويكون حكمه حكم الصيد المتوحش؛ لأن كلًّا منهما لا يُقدَر عليه في هذه الحالة.
وفيها: أنهم أصابوا نهب إبل- والنهب يعني: الغنيمة- فطبخوا منها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تُكفأ القدور وهي تغلي؛ وذلك لأنهم طبخوها بعد أن وصلوا البلد قبل أن تقسَّم، والأصل: أن يؤكل من الغنيمة قبل الوصول إلى البلد ما يحتاجون إليه قبل القسمة، أما إذا وصلوا إلى البلد فلا يحل الأكل منها؛ لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور ((فَكُفِئَتْ)) وهي تفور باللحم.
وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم عَدَلَ كل بعير بعشر شياه، وهذا في الغنيمة، أما في الأضحية فكل بعير يُعْدَلُ بسبع شياه.