الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ مَنْعٍ وَهَاتِ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ لَزِمَهُ، أَوْ طَلَبِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ
[1715]
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)).
وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:((وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا))، وَلَمْ يَذْكُرْ:((وَلَا تَفَرَّقُوا)).
في هذا الحديث: أن الله تعالى يرضى لعباده ثلاثًا: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهذا هو توحيد الله، وهو الأمر الذي خلق الخلق من أجله، وأن يعتصموا بحبل الله ودينه وشرعه، وهو الثاني، وسقط أمر ثالث جاء في بعض الروايات:((أَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ))
(1)
، أي: أن تلزموا إمام المسلمين.
وفيه: أن الله تعالى ينهى عباده عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، والكراهة- هنا- كراهة تحريم، خلافًا للنووي فقد قال: إنها كراهة تنزيه
(2)
.
تنبيه: قول النووي: (قال العلماء الرضى والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها: أمره ونهيه وثوابه وعقابه أو إرادته الثواب لبعض العباد) هذا الكلام من النووي تأويل على طريقة الأشاعرة الذين يؤولون الصفات، إما بلازم
(1)
أخرجه أحمد (8334).
(2)
شرح مسلم، للنووي (12/ 12).
الصفة أو بالإرادة، والسخط صفة ثابتة لله عز وجل، قال الله تعالى:{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80]، وقال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28]، وفي الصحيحين من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ ! فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ ! فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»
(1)
.
وأيضًا صفة الكُره ثابتة لله سبحانه وتعالى، قال الله في حقِّ المنافقين:{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46]، وفي الصحيحين عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»
(2)
.
وهكذا صفة الرِّضَا ثابتة لله سبحانه، قال الله تعالى:{رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119]، وقال تعالى:{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]، وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ عز وجل أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ
…
فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ»
(3)
.
ومذهب المُؤوِّلة يتضمن التشبيه والتعطيل، فيقولون مثلًا في معنى:{رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119]، أي: أثابهم، فأوَّلُوا الرضى بالثواب، فهم شبَّهُوا أولًا فظنوا أن رضا الرَّبِّ كرضا المخلوق وهذا تشبيه، فلمَّا وقع
(1)
أخرجه البخاري (6549)، ومسلم (2829).
(2)
أخرجه البخاري (6507)، ومسلم (2683).
(3)
أخرجه البخاري (3464)، ومسلم، (2964).
في نفوسهم التشبيه أوَّلُوا وحرفوا، فقالوا: ننفي الرضا ونُفسِّره بالثواب، فهم شبَّهُوا أولًا، ثُمَّ عَطَّلُوا ثانيًا.
[593]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَرَّادٍ- مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((إِنَّ اللهَ عز وجل حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)).
وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:((وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وَلَمْ يَقُلْ:((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)).
عقوق الأمهات محرم، وهو من الكبائر، ووأد البنات: دفنهن وهن أحياء، كما كان يفعله أهل الجاهلية خوفًا من العار، أو قتل الأولاد خشية الفقر، كما قال الله:{ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} .
والمراد بقوله: ((وَمَنْعًا وَهَاتِ)) هو: منع الواجب، وأخذ ما لا يستحق.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:((كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)).
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ عَنْ وَرَّادٍ قَالَ:((كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ثَلَاثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ؛ حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَلَا وَهَاتِ، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ)).
في هذا الحديث: ثبوت المكاتبة بين العلماء وجوازها، وسؤال الإنسان عما أشكل عليه، والتواضع.
وفيه: أن العلم مُشَاعٌ، وهو الظاهر المنتشر لمن يريد، وليس حكرًا على أحد؛ ولذلك كتب معاوية إلى المغيرة أن ((اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ)).
وفيه: أنه يبدأ بالسلام، فيقول: سلامٌ عليك، إذا كان مسلمًا، وإذا كان غير مسلم يقول: السلام على من اتبع الهدى، كما في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل:((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى))
(1)
، فالكافر لا يلقى عليه السلام.
(1)
أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773).